الاثنين، 9 فبراير، 2009

عَرض / كُليزار أنور


(( أوراق بعيدة عن دجلة ))
قصص انحازت للغة الشعر

كُليزار أنور

يكتب القاص محسن الرملي أوراقه البعيدة عن دجلة بلغة مميزة، خاصة جداً، هادئة، موحية، مؤلمة حد الجرح. لغة ثرية بتصوراتها الدقيقة، الحساسة، الشفافة.. أقرب ما تكون إلى الصور الشعرية.
عشرة قصص اعتمدت الدقة في العبارة والأناة في اختيار اللفظ، والتكثيف الشديد لللحظة والمحاولة الجادة في خلق اسلوب جديد خاص بنصوصه.

(( ضَيم صِمِيّت وأهله ))
إنها مهداة إلى روح القاص محمود جنداري.
صورة القروي " يسينين " مع صورة الشاعر " حسب الشيخ جعفر " مع صورة " الأب". كلها تشابكت لتنطق صمتاً أقوى من صرخة!
(( وأخي لم يكن آخر المشنوقين ولا أولهم، ولكن هل ترك عندك أشعاراً أخيرة كتبها بدمه فتنقلها إليّ كما نقل حسب إليّ أشعار أخي يسينين؟ وإن بلّغك صَمته فبلغني إياه يا محمود))ص 14.

(( رَحّال ومهرتي جرحي ))
مهداة إلى صديق الرحلة.. الكاتب عبد الهادي سعدون.
عنوان القصة ـ ربما ـ مأخوذ من أُغنية معروفة للفنان كاظم الساهر.
تبدأ القصة من مدريد / 1988. في إحدى ساحاتها قبلَ المغادرة إلى الوطن. ينقل بصره بينَ مفردات المكان.. لا فرق إن كان للبشر أو للحجر!
بغداد / 89 – 90 – 91 – 92. عاد إلى بغداد بدون رغبة لأداء خدمة العلم. حينَ سألوه عن مدريد. أجابهم: الحرية في كل مكان. لك أن تحب وتنام في الشوارع.. وإذا رغبت، فاشتم حتى الوزير!
(( ماتت الحرب الصغيرة وهي في عمر الزهور بعدَ أن أطفأت شمعتها الثامنة بالراجمات وجاءت أُمها تحمل الفرح الطاغي.. الطاغي والنصر المبين على العالمين، فَخَربّوا أحزمة دجلة وأبراج بغداد وزوارق البصرة، فأعدنا بناءها بأرغفةِ خبزنا ))ص 18.
عَمّان / 93 – 94. مرساة تقوده إلى مرساة.. تحولَ إلى سندباد.. لم يعد بإمكانه الاستقرار في الوطن. قصد عمّان ومنها ليبحر مرة أُخرى نحو ( مدريد ). لم يكن العراقي الوحيد الذي اتخذ منهج السندباد!
قبل سبع سنين غادرها.. وها هو يعود إليها، مازالت صورة تلك الساحة في فكره، مما محتها دخان القذائف.
في بغداد يسألونهُ عن مدريد.. وفي مدريد يسألونهُ عن بغداد (( بغداد تتغير كل يوم دون أن تغادر بغداديتها وتبغددها.. هي وردة بركانية أو امرأة من عَجب.. هي الحية التي حرقوا عليها جحرها لتغادرهُ فاحترق جلدها، فسلخَتهُ ولم تغادر، ومنذ ذلك التاريخ ـ آه يا تاريخ ـ اعتادت أن تنزع جلدها لتبدو جديدة كل صباح ))ص 19.
القصة بدأت في مدريد، وانتهت فيها أيضاً في نفس الساحة أمام نفس المنظر ونفس التمثال ( تمثال كيخوته ). مدريد لم تتغير.. الذي تغير.. نظرته إليها وإلى الوجود من حوله.. وحتى المفاهيم!

(( أندلسـ … نـا..هم ))
إلى اللصوص من العرب في إسبانيا.
حكاية مهاجر عربي لا يصدق ـ إلى الآن ـ بأن أندلسنا أصبحت أندلسهم!

(( لَبَن أربيل ))
إلى الأكراد .. مَن مات ومَن ينتظر.
إحدى أجمل قصص المجموعة. لِمَن الاعتذار.. لِـ" شيرين " أم لأربيل؟؟ خان الأوامر ـ عندما كانَ عسكرياً ـ ولم يرتكب قيدَ رصاصة ضدها، لم تطاوعهُ الأصابع.. لأنها مدينتها!
حسدتُ " شيرين " لاستحواذها ذلك الحب النبيل في عينيّ البطل. لكن، شيرين ذهبت إلى غير رجعة.. أخذها الأغـا! هل كانت " شيرين " رمز؟! أم اسم لهُ واقع في أرض الوجود؟!
مازال إلى تلك اللحظة البعيدة.. وهو يقف على رأس جبل يحيطه البحر من جهـات
ثلاث في سان سباستيان / الباسك. يغطي وجهها أُفق السواحل! ويعيدهُ إلى أربيل / كردستان، شمال القلب المسربل دمه. كردستان التي يصفها بالجنة، لكنها جنة تجري من تحتها أنهار الدم!
(( فمَن يوقف همسها في أُذنيّ؟ مَن يوقف النزيف في الذاكرة / في الروح / في الوطن..؟ مَن ينقذ الحزين من مطاردة العشق الأصيل ومَن يخلع الجرح عن جسد الجريح؟ ))ص 24.
ويهتز الساحل بانفجارٍ قوي.. يهرب السائحون.. فـ ( إيتا ) تطالب باستقلال ( الباسك ). ويبقى وحدهُ على الجبل تحاصرهُ عيونها.. ويتساءل وهو ينزل الدرج الملتوي: لماذا عيونكِ والرصاص؟!

(( إحدِيدابات ))
إلى المسحولين في شوارع نينوى على مَر العصور.
يتصف سرده ـ وفي أغلب قصصه ـ بوصفٍ خارجي " فوتوغرافي " للأمكنة! وهي مسألة ليستْ بالسهلة، فالقاص محسن الرملي يجيد الكتابة بالعين الثالثة!
(( قررنا ترك هذهِ الدبابة بلا أسف ومغادرة هذهِ البلاد بأسف.. فهل غادرناها حقاً وها نحن نحملها بينَ أوراقنا وأضلاعنا في المنافي )) ص 29.
سطران كفيلان بترجمة الحكاية!

(( غياب البصرة ))
لم يبقَ مكان ـ في العراق ـ لم يخلدهُ القاص في كتاباته.. إنهُ الوفاء!
يسأل عن النخيل في اسبانيا ـ شوقاً لنخيل البصرة ـ فيدلونهُ على قرطبة. يجوب دروبها مشياً على الأقدام إلى أن يهدهُ التعب، فيستظل تحت مسجد عبد الرحمن الداخل يتحسس أقدامه (( كيفَ وصلتَ بها إلى هنا يا عبد الرحمن؟ يا لأقدامكَ / أقدامنا التي ننساها إلا حين تُؤلمنا فندرك أنها هي التي كانت تحملنا، عليها نقف وبها ننطلق، ضممتها إليّ وخلعتُ حذائي والجوربين فصرختُ " البصرة ".. كانَ اسمها مكتوباً على الأقدام.. عليها سأقف وبها سأنطلقُ إليها.)) ص 34.

(( أنا الذي رأى .. وثائق ))
إلى كل المسجونين .. أعني كل البشر.
فلسفة رائعة! حقاً.. الوجود كلهُ من مبتدئهِ ـ في الرحم ـ إلى منتهاه ـ فـي القبـر
( سجن × سجن )! لكنها فلسفة مَن يضع نضارة سوداء على عينيه!
وسجن الحياة شيء.. والسجن كـ ( اعتقال ) شيء آخر!
استطاع القاص أن ينقل لنا رؤيته الشمولية والخاصة عبر حكايتِهِ.. حكايتُهُ.. حكايتهم!

(( أوراق بعيدة عن دجلة ))
إلى الذين جاعوا وناموا على أرصفة المحطات في المنافي .
أوراق شاعر عراقي حزين اسمهُ " سعدي "! ـ عموماً يلجأ معشر القصاصين إلى المفارقة في اختيار أسماء أبطالهم، فيسمون الحزين سعيد والخائنة وفاء! ـ المهم.. سعدي بطل القصة هو مهندس عراقي يهاجر من بلد إلى آخر.. حتى انهُ يذهب إلى السنغال.. وبدل أن يعلم أطفالهم القرآن علمهم انشودة المطر!
قرر ترك الشعر لأنهُ استشعر بأن الوجود هو أول وآخر وأعظم قصيدة! إلى أن استقر بهِ الحال مؤقتاً في غرناطة عند ابن خالته الذي يعمل تاجراً للذهب.
وذات يوم يترك العمل دون أن يخبر أحداً إلى أي مكانٍ اتجه. لم يبقَ منهُ سوى سجل الحسابات الذي دوّن فيه خربشات. يأخذهُ الراوي ـ كاتب القصة ـ ويقرؤه في غرفته الضيقة بالكتب والدخان.. لم تكن خربشات، بل أشعار ضاقت بها أنفاس سعدي ـ أو ـ كاتب القصة!

* * *

ست قصص من مجموع عشرة عليها إهداءات. الإهداء رسالة معنونة أو ـ ربما ـ تحية!
وأخيراً أقول: " أوراق بعيدة عن دجلة " لغة لها إيقاعها الموسيقي الخاص بها ويسيطر عليها النَفَس الدرامي البسيط الذي يرفض تلك الصور البلاغية التقليدية.
---------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الاتجاه الآخر) العدد 168 بتاريخ 5/5/2004 العراق، وفي عدة مواقع ثقافية أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كليزار أنور: كاتبة من العراق. gulizaranwar@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: