الأربعاء، 25 فبراير، 2009

مقال / وديع العبيدي



الاستهلال اللغوي في قصة التسعينيات..

وديع العبيدي

يعتمد النص العراقي الحديث على جملة مقومات وخصائص رئيسية: لغوية واسلوبية ودرامية، ومن تلك الخصائص ما يدعى بالاستهلال الأدبي أو نقطة الانطلاق، تقنية الجملة الأولى في النص.الجملة كائن لغوي حيوي حساس، وأهميتها تكمن وتنبع من كون مملكة القص التسعيني ومنه نصوص محسن الرملي مملكة لغوية ، تلعب فيها اللغة والمفردة والصورة والوقع دوراً رئيسياً في إدارة فن القص وتوجيه مساراته، بدون منازع. إلى حدّ تبدو معه بعض النصوص من البداية إلى النهاية ليست سوى تلاعب حاذق باللغة والمفردة وتوظيفاتها الدلالية والنفسية. وإذا كانت علاقة كل كاتب مع النص تبتدئ من نقطة وعي لحظوي محددة وتتمحور حولها، فأن علاقة الرملي تستند إلى اللغة وتنطلق منها في بناء مملكته القصصية والشعرية. هذه الحساسية التي تكاد تقترب من حساسية صلاح نيازي تجاه المفردة اللغوية ولكن باتجاه غير أكاديمي بحت. تمنح اللغة – ككائن جمالي ودلالي- أن تجد نجسيدها الحيّ هنا. والقارئ يستمتع بجريان نفسه داخل نصوص الرملي دون أن ينتبه أو يعبأ لما يجري أو يفترض أن يجري داخل النص أو عناصر السرد التقليدية مثلاً. فالنص الرملي هو نص لغوي نفسي غني ومنغلق في نفسه وهذا هو سرّ حيويته وشبابه الدائم. أن أحد أبرز معضلات التلقي أن القارئ لا يستطيع أن يعيد قراءة قصة أو رواية مرتين. على فرض أن مثل هذا يتم في ورشة مدرسية تتطلب من الطلبة إعادة قراءة ما سبق أن قرأوه، والمقايسة بين خلاصات القراءة الأولى والقراءة التالية. القراءة الأولى تبقى كشفية استطلاعية يقودها الفضول والملل والرغبة في المعرفة، ولكن القراءة الثانية تأملية متأنية تتجاوز ذلك إلى التذوق الجمالي أو المكاشفة الفكرية والنفسية. القراءة الأولى قد تكون كشفية إلزامية ولكن القراءة الثانية تطوعية فنية. في هذه النقطة يفترق النص الحديث عن النص التقليدي في إطاره العام. ونقطة الافتراق تتمثل بشكل أساس في التقنية اللغوية. ان زمن الجملة الخبرية أو الاستفهامية/ الاسمية أو الفعلية/ ذات الاتجاه الواحد أصبح من الماضي. والتأويل سيد الحداثة.
فن اللغة أو المقدرة اللغوية للكاتب لا يعتمد على المامه الأكاديمي
التأويل في النص هنا بمثابة تطبيقات نظرية الاحتمالات في الاقتصاد الاحصائي. يمنح الظاهرة رقماً لا متناهي من الامكانات. وهذا بحد ذاته يلغي قاعدة التفسير الكلاسيكية التي تحصر قدرة النص في زاوية معينة محددة بطول وعرض وارتفاع على الطريقة القاموسية (الكلمة= معناها)!. بيد أن لعبة التأويل قد تترك النص رجراجاً بمعنى استمرار تناسل المعاني أثناء القراءة وبعدها بحيث تقود إلى حالة من الضبابية والتعمية، قريبة من حالة تغييب المعنى أو الدلالات كلها لصالح البياض. وتلك هي جزء من حالة أو معضلة تقود إلى معاودة القراءة في رحلة البحث عن خيوط المعنى. بالتأكيد يستطيع الكاتب السيطرة على دفة السيلان الدلالي من خلال توجيهه دفة اللغة وطريقة معالجة المفردة. وهنا يلعب الاستهلال النصي، أو تقنية جملة المنطلق دور مصباح ديوجينوس الذي يقود القارئ في نهارات النص. وهو أمر يتفق فيه عدد من الكتاب، مع اختلاف مذاهبهم الفنية ورؤاهم الفلسفية وطرائق معالجاتهم أو فهمهم للغة. وللوقوف على ذلك يتطلب القيام بجولة واسعة في نصوص المتقدمين والمحدثين لاشتقاق تلك القوانين والرؤى. الاصطلاحية كأفراد أو تيارات. وتلك في الحقيقة إشكالية مركبة ومعقّدة لأنها تتوالد مع ولادة الكاتب وتتغذى وتنمو وتتمشكل مع اتجاهات ومستويات وعيه وتعددية أنماط الوعي التراكمية. ان فن اللغة أو المقدرة اللغوية للكاتب لا يعتمد أو ينحصر في المامه الأكاديمي باللغة وفقهها، وإلا لكان أولئك سادة النص والأدب الحديث اليوم، كما كان طه حسين في زمانه. واقع الحال يثبت العكس، أن نصوص أولئك تبعث على الملل والرتابة. ان أكاديميي اللغة يعانون إشكالية عويصة في فهم حرية التعامل مع اللغة والانطلاق اللا محدود في اختراق آفاقها وانتهاك مقدساتها، وبالنتيجة تعاني نصوص من السطحية والمدرسية وجفاف المخيلة. الحقيقة أن عددا غير قليل من الأدباء الذين تخصصوا في اللغة والأدب، حصلوا على درجات علمية رفيعة، ولكنهم خسروا مواقعهم كأدباء في الشعر أو القصة أو مجالات الابداع مهما كانت. إشكالية هؤلاء أن مواقفهم من اللغة تحولت من كونها وسيلة للتعبير الدلالي والجمالي إلى هدف، إلى تحفة أو أيقونة مقدسة يدورون حولها ويتبركون بها ويحاسبون (بنقوداتهم) كل خارج أو متجاوز عليها مثل عسس الآداب أو البوليس الديني عند السهو في طريقة غسل المرفقين أو مسح الرأس أو القدم.

الابداع الحقيقي والحرية توأم غير قابل للانفصال
ليس من باب المبالغة أو التمادي في القول أن النصوص الحافلة بالاخطاء اللغوية والاملائية هي الأوفر حظاً بالمعيار الأدبي والفني الحديث من النصوص (المضبوطة) والمشكّلة أواخرها. وعلى العموم، فأن كبار الادباء وسادة الابداع غالباً هم القادمون من مناحي فنية وتخصصات أكادمية أخرى أو بدونها جميعاً. ومغزى ذلك أن تنوع الخبرات والاهتمامات الفكرية والفنية والتقنية يمنح النص ثراء تراكمي غير محدود يتم توظيفه -بشكل واع أو غير واعٍ- لصالحه . ان الابداع الحقيقي والحرية توأم غير قابل للانفصال، ولكن الابداع والخوف فردتا حذاء مختلفتان كما يقول المثل. والتخصص الاكادمي البحت في هذه الحال، ومن خلال التفاني في التجويد والصنعة وتقديس القواعد والشروط يسحب الكاتب من رجليه شيئاً فشيئاً خارج حلبة الابداع إلى حلقة التلقين والاملاء. ولم ينتبه أولئك، - بين أشياء كثيرة- أن تطوير اللغة وتجديدها والاضافة إليها، يقوم به العاملون في مجالات الابداع والحياة الأخرى، وليس أعضاء المجامع الكليروسية. في المرتبة الثانية تلعب الفلسفة أثرها على اللغة ودلالاتها، في ابتداع طرائق الفهم التي تحدد وتنوع أساليب المعالجة، كما تمنح اللغة حيوية متدفقة وأبعاداً منفلتة في التقصي والتهكم والاستبطان. يتردد بعض الكتاب في تنكب مدرسة محددة يقدم من خلالها خطابه النصي، باعتبار أن النزعة المدرسية غدت جزء من التراث الماضي. ان ثقافة الكاتب وصيرورته التكوينية ، فكرياً وفنياً ونفسياً، هي التي تفضي به إلى منهل أو مناهل مدرسة أو مدارس معينة، وبالتالي طرائق معالجة الحدث أو الظاهرة النصية. وفي هذا المنظور تبدو الواقعية السحرية كاكتشاف متأخر ذات هيمنة اسلوبية على كثير من النصوص المعاصرة من خلال التقليد المباشر أّو المعاينة أو المحاثثة لظروف ولادة هذا الاسلوب، المتمثلة بكثير من العوامل والقواسم والظروف المشتركة بين دول العالم الثالث، أو بلدان الجنوب عامة. لا يقدم هذا دفاعاً عن النص العربي أو العراقي قدر ما يمثل انسجاماً مع منطق الظروف الكارثية التي جرّها جنرالات الحرب النرجسيون على العراق وتغييب دور المثقف والحرية.

الكتابة بحد ذاتها افرازاً خارجياً
العامل الآخر في تقنية النص الحديث تاتي من جانب العلوم التطبيقية، ممثلة في علم النفس والتحليل النفسي وتوظيفاته الشائكة في النص الأدبي والسردي تحديداً. اهمية علم النفس الرئيسية تنبع من كون الكتابة بحد ذاتها افرازاً خارجياً لجملة تشابكات واحتراقات وتقاطعات نفسية داخل ذات المنتج للنص. كل فرد هو نتاج بيئته بالمفهوم الاجتماعي التقليدي ولكن كل فرد داخل البيئة الاجتماعية الواحدة والمتشابهة يعاني من مؤثرات وانفعالات وتجاذبات تختلف عن الآخر، بل ان تعدد مستويات وأنماط الاستجابة النفسية لدى بضعة أفراد أزاء المؤثر نفسه، تدفع إلى ردود أفعال متباينة داخل الظرف الواحد وتجاه المشكلة الواحدة كما يحدث مثلاً في مواقف الجنود واستجاباتهم المتباينة تجاه ظروف الحرب أو أزاء ظروف الاعتقال السياسي. فحالة الحرب أو السجن أو الانهيارات الأرضية تنتج نمطاً محدداً من السلوك المضادّ في الاطار العام للكارثة، (حالة السلوك الاجرائي حسب يونغ)، ولكن داخل هذا الاطار ثمة تدرجات لونية وقوس قزح نفساني ينعكس داخل الذات الكاتبة ويتكشف داخل النص. فكل كاتب، إذن، ينطلق في توجهه الكتابي، مثل السياسي والعامل والتاجر والمعلم، من دواقع نفسية تربوية وتكوينية واعية أو غير واعية، في توجيه سلوكه وفكره تجاه نفسه والمجتمع والعالم. على المستوى الآخر، وهو أكثر ما يعنينا هنا في النص الحديث، هو منهج التحليل النفسي الذي يستخدمه الكاتب في رسم الشخصية أو استبطان الظاهر والحدث في خطابه الأدبي. وهو الجانب الذي بقي مهملاً لدى طائفة كبيرة من الكتاب العرب، قبل الوقوع عليه لدى الاجيال المحدثة، نتيجة التأثر والمعايشة المباشرة والاتصال بالسردية الغربية. وقد شكّل هذا أحد مقومات وأسباب التعدد الدلالي والبناء المركب للنص.
----------------------------
*نشرت في صحيفة (الصباح الجديد) بتاريخ 10/1/2009م بغداد.

ليست هناك تعليقات: