الأربعاء، 18 فبراير، 2009

قصة / عرس الواوي


قص
عرس الواوي
محسن الرملي

تستيقظ ظهراً وتنقب في الصحف ـ قبل أن تغسل وجهك ـ ثم تقذفها بخيبة.." لا جديد عن الوطن ".. حَمّام، قهوة بالحليب ثم سيجارة وإطلالة من الشرفة.." لا جديد في المنفى " أيام تشبه بعضها وسنوات تمحو أحلامكَ وتُركِن مبادئكَ التي كنت تحملها فحملتك إلى هنا، فيما تستيقظ عنقاء صوت أمك كل لحظة:" تَزَوَّج لأرقص في عرسك وأرى أولادك قبل أن أموت " وكنت تشيح بوجهكَ عنها:" ثمة ما هو أهم " فيما تقول الآن وبحر حنين عراقي يتلاطم في صدرك:" أوافق يا أمي " فهل ستنفضين القبر عنكِ سعيدة؟…
الشمس في الغيوم، وأوربا في الشوارع مزرعة إعلانات، وصوت السياب بعوضة نمرود في الرأس:" أُماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار/ لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار ".
أُخرج من اختناقكَ إلى اختناقاتهم أو لموعد بارد مع ماريا وقهوة وسيجارة، رغم يقينك بأنكَ سترى شرطي المرور في الشارع ـ على حاله ـ منذ أعوامكَ/ أعوامهم.. ولكن أُخرج.." قد يهطل المطر " مارلبورو وقرقعة الصحون في بيت الجيران: أعوام من الأكل: أطنان من الغائط لإدامة مقاومة الأنفس في انتظار نهاياتها… ألا تمل الشمس من وظيفتها؟ أية مواظبة مقرفة هذه..!، وأي غثيان على كرسي في شرفة الدار المطلة على شارع وسيارات وأشكال آدمية.. إشكاليات دمية.. تشكُّلات دمائية.. شكاوى متنامية.. شناشيل، شوارب، شمس، شباب، شيب شَعر، شر البلية ما يُضحك.. ما يُضحك الجارة في مطبخ الصحون وسلّة الأزبال..؟.. ربما.. أو.. وقوف أمام الثلاجة وحيرة أزلية: ( ماذا نطبخ اليوم؟) كل السياسات طبخات للغير، غير أن الأغاني قد أصبحت مُضجرة تَضَجر التي انتظرت تضرجها بدم ولادة أخرى لتضيف إلى السوق مستهلكاً يسهم في تخفيف مشكلة البطالة فيزيدها.. هل من مزيد من الصبر على فتح الشبابيك صيفاً وإغلاقها شتاءً، ومواصلة تخريب شِباك العناكب لإدامة مواكب المنتصرين على الـ.. لا ندري أو علينا أو على احتمال زهو الكراسي فلا موجب لتبديل كراسي هذا العام ولو بدلتها الحارة كلها التي يزيد تعدادها على شَعر جسدك المستسلم لسيجارة رديئة " تحذير رسمي: التدخين يضر بصحتكَ، ننصحك بالامتناع عنه ". بدلاً من أن تفرك عينكَ.. آه.. لو أركب ضحكتكِ، أنتهكها، يا أنتِ التي تمرين تحت الشرفة.
.. أُخرج.. وما الفرق؟.. ها أنتَ قد خرجت. الهواء بارد في الخارج ودافئ دبق التاريخ.. أي خارج وداخلكَ دُخان؟. ليس ثمة فسحة لابتسامة جادة مادام اليأس قد انتظم واستوطن.. ستوطن.. توطن.. وطن.. طن.. طن.. طن..ن..ن..ن.. حاذر أن تسقط بين الصوت وصداه.. لماذا تُحاذر؟ فلربما أن تدعي أنك تجهل السقوط بعد خطوة فاخطها، علها النهاية… هل سمعت أحداً ناداك؟ حثكَ على استعجال العودة؟ " أمك ميتة وعرسكَ مُؤجل ".. برهة.. اترك خصلة جبينك للهواء البارد، وامدد صمتك المتأمل في اللاشيء فلا تستحق الطائرة المُغادرة أكثر من نظرة غير جادة، قِفاها يُضيء وللنساء السوداوات مُؤخرات مستطيلة ربما لكثرة الجلوس بانتظار البياض.. الأبيض الذي لن يأتي أبداً حتى يأتي الدود على إسفنج الجسد فتتجلى العظام بيضاء وحتى حينها ستكون قد إصّـفَـرَّت، هل أحصيت أسنان أمكَ الصفراء قبل موتها، لم تغسلها أبداً وكانت معجزة تعجزكَ عن فهم سر احتمالها.. كالحياة.. اضحك من التاريخ أو من شرطي المرور أو عليك ومسد شاربيك بحثاً عن امتياز لا تعنيه في عمقك، يالعمقكَ من خرابات متناسلة على سرير أحلامك المتراخية، وتماسَك أمام الثيران ـ مثلاً ـ مع يقينك، أنك لن تصبح ثوراً ولا حجراً ولا حمامة بيضاء لأنكَ أكسل من ذلك كله، واعترف باستطابة الكسل حين يتنافر مزاجك والحروف والأصوات والأضواء والذكريات وكل شيء، واخلع اكتراثكَ بأهمية التلويح بحزمة المفاتيح للذين لا يرغبون بالدخول تحرجاً أو تصبراً كوسيلة وانتبه ـ صدقاً ـ إلى أن الشيطان غافل عنك اللحظة، وإلا لاستثمر لحظتكَ هذه وصنعَ بالطينة ما يشاء، لأن الطينة لانت وما لانت بلاهة استعصام المنطق أو ما تعنون بالحياة.. يا للقِدم، العتق.. بالية هي كأكثر ما يكون عليه كفن آدم والساعة حمار كما يحاول الحمار أن يكون ساعة، فلماذا تشعر بعقاربها مقصاً يفتت روحكَ وينثرها على صدرك، كلما استلقيت على ظهركَ باستسلام ماء بركة، وإذا قدم النعاس أشعلتَ له بقايا الروح احتفالاً فتدعوه أو ضده، عسى أن يجيء: " تعال يا معود الخاطر الله " مسكين شرطي المرور وهو ينظر إلى الشمس تظهر وتختفي خلف الغيوم، وقد يهطل المطر، فيتحسس مظلته وينفخ في الصافرة زغاريدً لعرس.. أي عُرس؟. أمي قالت: " إذا نزل المطر والشمس طالعة فذاك يسمى عرس الواوي " ولم أفهم صغيراً عرس ابن آوى ولم أفهم كبيراً عرسه، وقبل أن أسألها ماتت في رسائل الأهل الواردة إلى غربتي، فيما يواصل شرطي المرور تنظيم سيارات العرس والمرور. وأقرأ في حركاته مرارة الحائر بخبز عياله ونظرات زوجته إلى حقيبة الجار مليئة بالأحذية أو " بسكويت " علامة (الجَرادة).. الجرادة مجردة من أجنحتها، لا ترقص حين تولج عود الثقاب في مؤخرتها. فالطير يرقص مذبوحاً من الألم، من علَّم الأسود المخصي مكرمة أسياده القبعات الزرق في مرقص آخر الشارع، قبل الانعطاف، جوار بائع الكستناء وثمة إشارات مرور " مرينا بيكم حَمَد ". وعجائز يملأن الرصيف بمشي السلحفاة كأنهن يؤخرن الوصول إلى الموت فلا تنزعج وتصرخ بهن: " هل الرصيف ملك آبائكن؟" فقد هطل المطر وسيدفعهن للإسراع وطلعت الشمس فاندفَعتَ كالمجنون ( أمك، الوطن، الشمس، العرس، المطر، المنفى ) تصرخ وسط الشارع مشيراً إلى الشمس والمطر ينزل في عينيكَ أو منهما: " عرس الواوي.. عرس الواوي " وشرطي المرور يزغرد بكَ وسط احتشاد سيارات العرس التي ظهرت لكَ من بينها ماريا الباردة، والجيران الناس يزدحمون على الأرصفة ليحدقوا فيكَ وأنتَ تصيح بأعلى صوتك:" عرس الواوي.. عرس الواوي" ولم تنتبه إلى أن ماريا لا تفقه لغتكَ حتى سحبَـتكَ من ذراعكَ فترجمتَ لها بانكسار: " ES LA BODA DEL CHACAL” ".
------------------------
*من ضمن مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) 1998، كما نشرت في أكثر من منبر ثقافي.
http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=249

ليست هناك تعليقات: