الأربعاء، 25 فبراير، 2009

قراءة / أحمد فضل شبلول



محسن الرملي والفتيت المبعثر

أحمد فضل شبلول

تنتمي الرواية القصيرة "الفتيت المبعثر" للكاتب العراقي محسن الرملي، إلى ما يمكن أن نسميه أدب القهر (القهر الاجتماعي، والسياسي، والعسكري، والثقافي) أو القهر الإنساني بشكل عام.
وعلى الرغم من تعدد شخصيات الرواية، إلا أن أهم شخصياتها هو الرسام قاسم الذي ابتكر الخط القاسمي، والذي رفض رسم صورة القائد في أكثر من مكان، فتعرض للتعذيب أكثر من مرة، وفي كل مرة يزداد إصرارا على عدم رسمه، وعندما غضب أبوه (عجيل) منه لرفضه رسم صورة القائد لتزين الحفل الذي أقامه أهل القرية لنجاح أخيه أحمد في الامتحان، فكَّر قاسم كثيرا، ثم رسم صورة الوطن كما يراه (صورة حمراء يتوسطها قلب أخضر، وباللون الأبيض رسم خطين هما: دجلة والفرات). ولكن لم يفهم الأب معنى الصورة، وبعد أن أُطلق النار على ابنه تنفيذا لأوامر القائد، بإعدام كل من يهرب من الخدمة العسكرية، فهم الأب معنى صورة الوطن التي رسمها الفنان.
اثنان فقط لا يعرف قاسم رسمهما، بل لم يفكر في رسمهما: شقيقه محمود والقائد. وقد عرفنا لماذا لم يعرف أو لم يستطع رسم القائد، والسؤال المطروح هو: لماذا لم يعرف رسم صورة أخيه محمود"؟ هل لأن محمود ترك العراق ورحل، فنسيه الجميع؟ هل برحيله سقط من نظر أخيه، فتلاشت صورته، ولم يعرف كيف يرسمها؟ لقد رسم قاسم كل شيء قابله في حياته سواء من الطبيعة أو الأشخاص، ولكن عند القائد وأخيه محمود تتوقف الريشة ويتوقف الإبداع، ويعجز قاسم عن الرسم، وعن تذكر الملامح.
لقد دفع قاسم حياته ثمنا لمواقفه الرافضة لرسم صورة القائد، فهل رحيل محمود يعد خيانةً وهروبًا من ساحة المعركة الحقيقية بين القائد والمواطنين الرافضين له؟
هل لم يصبح محمود رجلا يستحق الاحترام، فرفض قاسم مجرد رسمه؟
واحدة فقط كانت تتذكر محمود، هي أمه التي يصفها السارد بالمكرودة (عمة السارد).
ويعلق السارد على هذا قائلا: "ربما لم تكن تتذكره لولا أنه قد كلفها آلام حمل وولادة ومسح لمؤخرته بأطراف قماش المهد حين كان طفلا، وحتى تلك الذكريات عنه تضيع على عمتي بحكم تشابهها مع ذكرياتها عن طفولة سبعة أولاد أوجعوها ثم اختفوا".
***

الرواية مليئة بالشخصيات الريفية العراقية البسيطة والمركبة (معظمهم من أولاد عمته السبعة الذين اختفوا من حياتها، إما بالقتل أو الهجرة أو العمل مع القائد)، منهم (سعدي) الشاذ جنسيا الذي استطاع أن يكون من رجال القائد، وتظهر صورته في التلفاز بجواره، أو خلفه. لقد أصبح من أضلاع القيادة، ومنهم المعتوه (عبود)، ومنهم السيدات اللواتي أشد رجولة من الرجال أنفسهم مثل وردة وحسيبة اللتين تبحثان عن صفة الاحترام في رجليهما. والاحترام هنا يعني الوقوف في وجه القائد وأعوانه الذين أضاعوا البلد.
يقول السارد في مطلع الرواية: "غادرت بلدي متبعا خطوات محمود، باحثا عنه، حالما بان نفعل شيئا ما، ونصبح رجالا يستحقون الاحترام كي تبحث عنا ـ من بعد ـ نساء مثل ابنة عمتي وردة.."
ومنهم عمة السارد وزوجة عجيل، حيث تنصب معظم فصول الرواية على هذه الأسرة المنكوبة التي أصبحت فتيتا مبعثرا، بعد أن دخل القائد حياتهم عنوة، بصوره وخطبه وأفعاله، وتحكَّم في وقائع الحياة اليومية والمحادثات الأسرية لدى أسرة عجيل التي ترمز لكل أسرة عراقية وعربية في بلدها حاكم من أمثال "القائد".
وتبدو الرواية جزءا من السيرة الحياتية لمؤلفها محسن الرملي. فبالإضافة إلى إهداء المؤلف روايته إلى شقيقه حسن مطلك لأنه بعضٌ من هذا الفتيت المبعثر. فقد ورد اسم الرملي أكثر من مرة صراحة في الرواية. بل إنه يعلق على لوحات قاسم وما أسماه بالخط القاسمي في قوله: "أشهد بأنه قد أدهشني باللوحات". بل إنه أحيانا يلجأ إلى بعض التعبيرات أو المصطلحات النقدية التي تدل على أن كاتب الرواية أديبا، وأن له رأيه الأدبي والنقدي فيما يحدث، وفيما يقتحم الرواية من مواقف للآخرين، فهو ـ أي المؤلف ـ ليس مجرد سارد له تجربة.
وعلى سبيل المثال عندما يقدم لنا شخصية سعدي يقول عنه: "هو كعادته حين يطلب رأيه حول أي شيء كان، ابتداء بطعم الشاي وبلا انتهاء عند الحرب أو الدين، فهو أما أن يقول: "هذا شيء حلو" أو "غير حلو" وكنتُ (والضمير عائد على السارد أو المؤلف) أسمي طريقته ـ في إبداء الرأي ـ هذه التي يشترك معه فيها ملايين الناس، بأنها "نقد نسائي" وأحيانا "نقد حريمي" أو حين أتحذلق وأقول "المصطلح النقدي الوحيد في قاموس معيارية النقد (النسواني) حلو أو غير حلو، يعجبني أو لا يعجبني".
تأتي الرواية إذن بصيغة الراوي العليم، أو السارد الشاهد على الأحداث، والراوي لها من على بُعد، من مكان غربته واحتراقه بلظى العودة إلى الوطن، ولكن بعد أن يزول حكم القائد الذي أجبر معظم المخلصين والوطنيين الحقيقيين على الفرار من الوطن، وإلا فالقتل والاعتقال والتعذيب هو الثمن لقول "لا" كما حدث مع قاسم، وكما حدث مع أحد نواب الشعب عندما أعلن القائد قرار الحرب ارتجالا أمام مجلس برلمانه، ولكن عندما اعترض نائب قروي لا يحسن القراءة والكتابة، كانت دهشة القائد تعادل دهشة العالم كله حين رأى كفا ترتفع للاعتراض. قال النائب القروي ـ على مسمع الحرس والنواب وليس التلفزيون ـ إن خلافا حدوديا مع الجيران لا يعني بالضرورة حربا. ثم يذكر السارد أنه قيل إن القائد رحَّب بالرأي وكان ديمقراطيا، فدعا النائب القروي للتشاور برأيه جانبا وأخذه إلى غرفة جانبية في قاعة المؤتمر ـ ربما كانت غرفة الحمام ـ حيث سمع السادة النواب خلف بابها اختناق إطلاقة مسدس. خرج على أثرها القائد يسأل عن آراء مخالفة أخرى، فلم يجد، فأعلن الحرب باسم الشعب ونوابه.
وتمشيا مع أحداث الرواية على هذا النحو يفتتح المؤلف روايته بكلمات للشاعر البحريني قاسم حداد يقول فيها:
"يريدون إقناع الشعب
كم هو على خطأ
وأن نظرة القائد هي المصيبة
إنها مصيبة .. حقًّا".
المصيبة أيضا تكمن في اختلاف المعايير والأحكام، على مبدأ الوطنية أو الولاء للوطن، فمن يحب الوطن أكثر؟، الذي يحب الحاكم أو القائد، أم الذي يحب التراب أكثر؟.
هنا ينشأ الجدل بين قاسم وأبيه فكلاهما يحب الوطن، ولكن الأب يحب الوطن في صورة القائد، والابن يحب الوطن في ترابه ونخله وناسه.
يقول عجيل لزوجته على مسمع من ابنه قاسم الذي رفض رسم صورة الوطن:
ـ ابنك يا أم قاسم يكره الوطن!
هبط قاسم إلى كف أبيه يقبلها:
ـ لا يا أبي.. لا تظلمني، أقسم لك.. إنني أحب بلدي مثل حبك له ومثل حب جدي.. لكنني أكره هذا الرجل.
ـ تساءلت عمتي: أي رجل؟
فأجابها زوجها: أسمعت؟ يقصد القائد.. وما الفرق؟ القائد هو الوطن، والوطن هو القائد.
ـ لا يا أبي هذا كلام التلفزيون، أما بالنسبة لي فإنني أرى العكس، لقد خرَّب القائد البلد.
ـ يا جبان.. أتسمى هذه الانتصارات العظيمة خرابا .. أنت لست رجلا ولذلك تركت أخوتك في جبهات القتال وفررت إلى حضن حسيبة.
ـ صدقني لم أهرب جبنا، ولكن..
ـ ولكن أنت ابن كلب، ولا تريد أن يكون القائد من أبناء الشعب، وإنما تريده فنانا وإنجليزيا ابن كلب مثلك، أو مثل أخيك العار سعدي.
هذا الحوار هو مغزى الرواية وخلاصتها، وسر كتابتها، فالأب وطني لاشك، وليس من أتباع القائد، ولكنه واقع تحت تأثير الآلة الإعلامية الجهنمية التي يوظفها رجال القائد، والابن وطني أيضا. بل إن الأب، من نسل الجد الذي قتل في يوم ما عسكريا إنجليزيا أيام الاحتلال، فأصبح وطنيا، وأصبح يُطلق ـ عليه في القرية ـ (نشِنن) وهي الكلمة الإنجليزية National ولكن بلكنتها البدوية. ومن ثم أصبح كل وطني في نظر الأب (نشِنن). وعندما رفض قاسم رسم صورة القائد، لم يصبح عند أبيه ولدا نشنن.
ولعل الحوار التالي بين قاسم ووردة يوضح ذلك، ويحمل رأي المؤلف في هذه القضية الوطنية الخالصة:
ـ قاسم: الأمر ببساطة هو: أن أبي يصدق التلفزيون ويعتقد أن القائد يبني الوطن، فيما أرى أنا عكس ذلك.
ـ وردة: كيف؟
ـ يا وردة..! (وكأنه يريد أن يكون الكلام تلميحا فحسب).
ـ كيف ؟؟ (ويلاحظ وجود علامتين للاستفهام، وفي المرة السابقة كانت هناك علامة واحدة فقط، وهو أمر له دلالته، في الإصرار على الفهم، وعلى كشف الأمر صراحة وليس تلميحا) وأمام هذا الإلحاح، لا يجد قاسم بُدًّا من الإفصاح.
ـ أبي يعتقد أن المكان أغلى من الإنسان، وأنا أعتقد العكس، والقائد يستغل هذا الاختلاف ليضربنا ببعضنا دون أن تهمه أرض أو إنسان، فلا شيء في هذا العالم أهم من الكرسي عنده.
ـ ولكن هو لا يعرفكما. دعوه في كرسيه وتصالح أنت وأبي. لقد أقلقني منذ تلك الليلة هذا الحضور الطاغي لذلك الغريب البعيد الذي لم أكن انتبه لوجوده. من هو يا قاسم؟.
ـ إنه كائن دموي يا وردة. يعني حنفيش، سيهلكنا إن لم ينقذنا منه رجل آخر.
ـ من ذلك الآخر يا قاسم؟
ـ لا أدري ولكنه حتما .. سيكون رجلا يستحق الاحترام.
هنا تدرك وردة، الفتاة الريفية الجميلة، أن الذي ترى صوره في كل الأماكن ـ دون أن تكترث بوجوده ـ بإمكانه أن يصبح مثار فتنة بين أبيها وأخيها. (بل قد حدثت الفتنة بالفعل).
***

إن الحكايات الحزينة صارت مملة في العراق لكثرتها، فلكل إنسان هناك مصيبته التي كف عن رويها لأن للسامع مصيبته أيضا. ولكن عندما تأتي هذه المصيبة في صورة فنية، أي في صورة رواية قصيرة تتوافر فيها الشروط الفنية للرواية الخطية التقليدية، فإن استقبالها يكون أفضل، ويكون تأثيرها أقوى. فللفن سطوته على النفوس، والعقول.
وهكذا خرجت رواية "الفتيت المبعثر" التي جاءت مرآة ليس لما يحدث في العراق فحسب، ولكنها مرآة صادقة وعاكسة لأوضاع عدة في أوطاننا وبلادنا متى اعتلى عرشها شخصية مثل القائد في الرواية، أو شخصية مثل الأخ الأكبر في رواية جورج أورويل "1984"، على سبيل المثال.
إن كلا الروايتين يذكراني بنكتة (أو حكاية) مضحكة مبكية معًا أسمعها هذه الأيام، جاء فيها: إن رجلا أراد أن يجامع زوجته، وكانا يتفرجان على التلفاز فظهرت لهما صورة القائد، فقال الرجل: هذه الصورة أمامنا حتى في هذه اللحظات الحلوة، وبصق عليها وأغلق التلفاز، وبدأ يمارس عملية الجماع. وبعد أن انتهى، دخل الحمام، وبعد خروجه، وجد حرس القائد في انتظاره للقبض عليه، فقد عرفوا أنه بصق على صورة القائد، وبعد أن اقتادوه معهم، توجهوا بالشكر إلى زوجته".
أيًّا كانت النكتة أو الحكاية، فهي تعبر بالفعل عن مدى الشك الذي وصل إلى البيوت، وإلى حجرات النوم، وعن المستوى الذي وصلت إليها حالات الخوف والهلع الإنساني، وقد تكون الزوجة فكرت أن زوجها من الممكن أن يبلغ عنها هي، فبادرت هي بالإبلاغ عن فعلته، قبل أن يسبقها.
إن أقسى لحظات الرواية، وأكثرها فنيا وتأثيرا، لحظة أن رفض الوالد الاستجابة لطلب ابنه قبيل لحظة تنفيذ حكم الإعدام، في أن يراه.
رجع الشرطي وقال: "إنه يرفض". فاعتصر الألم قاسم مكثفا في لحظة موجعة. أشد إيلاما من آلام مضت أو ستأتي فاقترب منه الضابط وامتدت الآذان لتسمع: "إذن لا تضيع وقتا، اطلب أي شيء آخر بسرعة".. وهنا تغيم الدنيا في عين قاسم، وبعد فقرة وصفية عميقة بها نوع من تيار الوعي المصاحب لذكريات الطفولة، يهز قاسم رأسه قائلا: "لاشيء".
ويظل البكاء والعويل سيد الموقف، وتمتد الرواية قليلا بعد إعدام قاسم، مبشرة بجيل جديد يستطيع أن يحقق رؤى قاسم وأحلامه، وأحلام الوطنيين من أمثاله: "تزوجت وردة إسماعيل ووعدته أن لا تنجب له إلا أولادا ووعدها أن يسميهم كلهم "قاسم".
وتبقى كلمة أخيرة للمؤلف تحت عنوان "صفر اليدين" يقول فيها بجرأة تحسب له ـ كما عودنا فنيا طوال الرواية ـ:
"هنا في الأصقاع القريبة من غرناطة نتقاسم مع الفلسطينيين النحيب.. نبكي كالنساء على أوطان لم نعرف المحافظة عليها كالرجال (كما قالت أم عبد الله الأحمر ـ آخر ملوك غرناطة في الأندلس)، وكم بصقنا على شواربنا في مرايا الغرب "تـفـو" ثم انتهينا إلى حلاقتها جميعا. لا نجيد غير تسويد الصفحات بصرخات حزينة، فيراودني الشك بأن مصانع تكرير الورق ستكفي لفيض آبار الحكايات في وطني".
حقا إنها رواية القهر في دول العالم الثالث المحكومة بالحديد والنار، وقد صدرت عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة 2000م.
--------------------------------------------
*نشرت في موقع ( ww.middle-east-online.com ) حزيران 2003م القاهرة.
*ونشر أيضاً ضمن: ہ ملخص البحث الذي شارك به الشاعر والناقد المصري أحمد فضل شبلول في مؤتمر غرب ووسط الدلتا الثقافي بدمنهور خلال الفترة من 5/31 إلى 2/6/2003م.
*نشرت في صحيفة (العرب) بتاريخ 1/6/2003م ـ لندن.
*نشر أيضاً ضمن كتاب: (أبحاث المؤتمر الرابع لإقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، دمنهور 2003).

ليست هناك تعليقات: