الجمعة، 6 فبراير، 2009

قراءة في أوراق الرملي / حقي جاسم


من حقائق البعد الجمالي في الأدب العراقي الجديد
قراءة في أوراق الرملي
حقي جاسم

في الآونة الأخيرة ظهرت آراء عديدة مختلفة حول الأدب العراقي المعاصر، ومنها تلك التي تدعو إلى رفض إطلاق التسميات الوصفية مثل: أدب المنفى/أدب الخارج، والكف عن الفصل بين ما يُكتَب داخل/خارج ضمن هذا المفهوم، على اعتبار أن ذلك يضر أولاً بسمعة النتاجين (داخل/خارج العراق) ويضع حدوداً وهمية مبنية على المقارنة والحكم المتحيّز، فضلاً عن ذلك فإن الكاتب العراقي (داخل/خارج العراق) لا يحتاج إلى الانضمام إلى أحد الفريقين، وسواء كنا مع هذا الرأي أو الرأي المضاد، فإن الأمر ليس بهذه البساطة التي تنحصر في الشكل الخارجي للتسمية، فكلنا يعرف حدود حرية التعبير/ الإبداع ضمن الإطار الذي يحتله النظام داخل العراق. لكننا بحاجة ملحة إلى دراسات نقدية، استكشافية تلقي الضوء على حلقات الربط بين النتاج الإبداعي داخل/خارج العراق لكي ندرك ونتفهم حقيقة البعد الجمالي الذي يحاول أن يطرحه المبدع العراقي، وهي حاجة لا تنحصر في مجال الأدب فحسب، بل في مجالات الإبداع عامة. وفي هذا الصدد فإن المجموعة القصصية (أوراق بعيدة عن دجلة) للكاتب العراقي محسن الرملي هي مثال مناسب لدراسة من هذا النوع.
فالرملي ينتمي إلى ذلك الجيل الذي تمرس على المراوغة الديناميكية في لعبة الكارثة.. جيل عرف كيف يسترخي بين أسنان الكماشة المطبقة، وطرح تنبؤاته عن الفوضى القادمة والكارثة التي ستستمر حتى في القرن الجديد.
من خلال عشرة قصص قصيرة تستعرض حيوات مختلفة/متشابهة، لا يترك لنا الكاتب فسحة للتأني إلا برهة قصيرة، لننتقل في سيولة الاسترسال إلى وضع آخر.. في كل مرة هو نفسه، يشبه الوضع السابق ويختلف عنه، نستبدل الأمكنة السابقة التي تشبه القادمة وتختلف عنها أيضاً، ونستشعر مرور الزمن الذي توقف.. نزحف في تيه فنتازيا الواقع. نهاية كل حكاية هي ليست استراحة، وقد لا تكون الحكاية القادمة مُتابَعة جديدة لمشوار السيرة الذاتية للكاتب، لكننا نتأكد بشكل قاطع من أننا نسير معه في طريقه المسدود. إن حجم القلق يتكاثف في كل مرة.. الحيرة هي ليست التردد نفسه، لكنها ضياع شجاعة الوعي: الخوف.. فالأزمنة التي يستعرضها الرملي ما هي في حقيقتها إلا هذا الزمن الذي نعيشه.. إنه الزمن العراقي الخالص والخاص: زمن الحروب المفجعة، الكارثة الاجتماعية، انحسار إنسانية الإنسان، غسل الأدمغة، هجرة العقول والكفاءات/الهجرة المليونية لشعب صغير، القتل والإرهاب الجماعي المبرمج.. وفي الحصيلة الموت المطلق.
يشهد الفن الكتابي في أوراق الرملي على حدة ذكاء هذا الكاتب وحرارة حنينه المتخوم بالوطن والذكريات المُرّة. إن أسلوبه مزيج جميل من الشعر النثري، والسريالي والوثائقي؛ فقصة (عُرس الواوي) قد تكون مثالاً جيداً لذلك، حيث يمكن للقارئ أن يخمن ما لمحسن من خزين هائل من السرد الذي يتشكل فوق خلفية مثيرة من الفولكلور، وأن موضوعاته المركّبة هي من صلب الحيز العراقي المضطرب بوجهيه: الداخل والمنفى، حيث يتخذ النفي دلالة أوسع تُذكر بنفي الإنسان المقذوف في الوجود، فالنفي هنا هو موضوع للولوج إلى العودة الأبدية باتجاه الخلفية الثرة.. إنه مقارنه سطحية لإشكالية أعمق وأكثر إلهاماً بالنسبة لإبداع محسن الذي يصف أوراقه بأنها :"بعض محاولاته قبل الانعدام..".
في قصة (أنا الذي رأى.. وثائق) يعطي الرملي المسبق في لا جدوى الوجود:" سجون هذه الأرض.. هذا الوجود من مبتدئه إلى منتهاه أو إلى لا منتهاه: الرحم، الجسد، البيت، الحب، الوطن، اللغة، الأوراق، القبر، الجنة والنار..". ليدخلنا إلى تاريخ سجون الوطن: سجونه/ سجون الإنسان العراقي على امتداد الخريطة الأرضية، بطريقة وثائقية تسجيلية أولاً، ثم يشحن النص تصاعدياً تراجيوكوميدياً ساخراً مستعيناً بخياله السريالي العدمي حتى النهاية، وهو لا يعتمد على الفعل الدرامي في أسلوبه.. إنه هكذا ـ ببساطة ـ يقدم الأحداث بصورتها المعقدة كما هي، فهي كفيلة بخلق حقيقتها، لكنه يلتقط كل الأشياء التي تقع عليها ذاكرته بطريقة التركيب والتراكم المتتالي. ويتدخل في توزيع إيقاعاتها الرنانة بفعل الموسيقى الشعرية لأوزان الكلمات أحياناً كثيرة، وهذا ما يفعله أيضاً مع الفولكلور الشعبي أو الرموز العديدة.. ليصنع بالتالي نصاً يمتد بكل الاتجاهات مثل الأميبيا، وهو بذلك يشبه عملاً تشكيلياً منجزاً بطريقة التركيب أو الكولاج، وعمل كهذا لا يهتم كثيراً بتجسيم الأبعاد/البعد الثالث للمادة، بقدر اهتمامه بالبناء Structure الذي تضع المادة الخام أبعاده، وهي هنا: مادة اللغة/الكلمة الشعرية. وعلى الرغم من وجود موات ذات أبعاد مجسمة: المكان والشخوص، إلا أن وجودها النهائي غير ثابت ويخضع للشكل العام للبناء الذي يبدو تجريدياً معتمداً على السطوح الناتئة في إظهار شدة التضاد المفتعل فيها. ومع ذلك تبقى اللغة غير المادة الفيزيائية للبناء التشكيلي، فهي أكثر مرونة بفعل الخيال الطبيعي الذي يكونه العقل البشري لمحتوى وشكل الكلمة المقروءة، خلافاً للحس البصري الذي يتقبل الضوء المكوّن للصورة. وأسلوب الرملي يذكرنا كثيراً بالقصيدة النثرية في الثمانينات العراقية والتي هي ـ في رأيي ـ من أهم مميزات وإنجازات ذلك الجيل.. تلك القصيدة التي اكتسبت مناعة ذاتية ضد الهجومات المَرضية التي حاولت احتوائها وإلغائها، فقبل كل شيء كانت ثمة حاجة إلى طريقة جديدة وصعبة المنال في التعبير الحر، بمعنى آخر.. مادة سطحها الخارجي صلب وشفاف في الوقت نفسه، يتحمل الصدمات العنيفة، وجوفها مرن يتسع لاحتواء مواد كثيرة ومختلفة.
إن هيكل الأسلوب يرتكز على قاعدتين أساسيتين: أولاً؛ تحليل المفردة اللغوية وإعادة تركيبها من جديد بترتيب مفتعل وحُر ( وهي تشبه التكعيبية التحليلية في الفن التشكيلي التي قدمها براك وبيكاسو في بداية القرن العشرين). ثانياً؛ تكثيف مادة الموضوع وتوزيعه باتجاهات مختلفة دون شروط زمنية أو مكانية. هذا إضافة إلى الاستعانة بالرموز عبر استعارتها وتحميلها طابعاً مغايراً لحقيقتها الأمر الذي يعد من الابتكارات الجريئة في النص، فقد أصبح بالإمكان استخدام كل شيء بلا تردد، ذلك أن الجوف الهائل الكامن في الهيكل قادر على ابتلاع كل ما يُلقى فيه. ورغم بساطة الفكرة، فإن استخدام التقنية يتطلب مهارة فائقة في البناء العام وصناعة وحدة نص متكاملة ومتجانسة.. إذ لابد من التحكم بموازنة الإيقاعات التي تتوزع بلا انتظام على امتداد مساحة النص.. إن الجديد المثير هنا ليس هو الإلهام ولا حتى التخطيط المبرمج نفسه، وإنما ضبط التلقائية الارتجالية improvisation في تكوين المواضيع والصياغات المتولّدة أثناء العمل.
قد يبدو أسلوب كهذا بأنه مخصص لقارئ (غير عادي) وبالعكس، مثلما جرى اتهامه بالسطحية المفرطة وعدم قدرته على جذب القارئ وشده إلى طروحاته.. وربما كان ذلك هو السرد الذي جعله متواصلاً حتى في زمن التفتيش الجذري. وفي كل الأحوال يمكننا القول: أن نوعاً من المفهوم الجمالي قد تم خلقه بإصرار الإبداع المتميز والصادق..
وعند قراءتنا لأوراق الرملي، سنجد بأنه قد كان حريصاً على الالتزام بصناعة نص له مواصفات الابتكار الماهر: السير في خطوط متوازية للسرد، تقاطعات عرضية للأحداث ـ حادة غالباً ـ توزيعات متتالية لإيقاعات الكلمة المفردة ومرادفاتها، وربطها بتوقفات زمنية قصيرة للفظ الحروف، وبطريقة المنمنمات الدقيقة يستخدم الفولكلور الشعبي بصورة خاطفة مشيراً إلى هوية المادة، وكذلك يفعل مع الأمكنة والرموز ليحدد تاريخها. فنحن نتعرف على موقعه الحالي/ الأخير: إسبانيا.. القريبة إلينا جداً، لأنها الأندلس ولأنها جزء مهم من تاريخنا الذي جعلناه عظيماً.. لكننا نتحسس الحنين الممزوج بالقرف:" قَرفتُ غرناطة وسيل طنين الحنين العربي الزائف إليها.." ومن بلده أيضاً حيث يقول على لسان شخصية (سعدي الشاعر) في قصته الأخيرة من المجموعة:" بعد أن قرأتُ تاريخ حروب بلادي ظللتُ أحلم في كل ليلة أنني عملاق أضع إحدى قدميّ في زاخو والقدم الأخرى في الفاو وأتغوط غائطاً بركانياً كبيراً". وهو نص يدل على السقوط عميقاً في دوامة الحيرة، ويؤكد مشكلة الانتماء التي ترفضها فلسفته الوجودية بينما تصر عليها عاطفته.. وهي بالتالي حيرة الكثير من المثقفين العراقيين الذين يؤرقهم اليأس التام من العودة، وقد يدفعهم أحياناً إلى فكرة الانتحار، فعنوان المجموعة بحد ذاته يشير إلى عاطفة طفولية تؤكد حقيقة حنينها إلى ماء دجلة/ الوطن. والعنوان أكثر من أي تعبير آخر في النص لا يحمل استعارة رمزية بقدر ما يحمله من شهادة ميلاد الكاتب. كما أن بداية القصة الأولى في المجموعة تشير بوضوح إلى قلقه العميق وحجم اليأس الشبيه بذلك اليأس الذي دفع الشاعر الروسي يسينين إلى الانتحار. وهكذا يختتم قصصه على لسان الشاعر سعدي في غرناطة:" سأرحل دون أن أخبر أحداً.. ولا أدري إلى أين..". لكن رحلة الرملي لابد وأنها ستكون عبر مناطق الحيرة ذاتها.. رحلة شائكة، تشبه رحلاته السابقة.. سيجوب صحراء انتمائه ويتلمس رملها حبّة حبّة، سيكتشف جدبها ويَخبره.. وقد يعود ليخبرنا برحلة جديدة.
----------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الزمان) سنة 1999 لندن. وفي موقع (القصة العربية) بتاريخ: الاثنين 19 نوفمبر 2001م.
من لوحات الفنان حقي جاسم
كاتب وفنان تشكيلي عراقي يقيم في السويد

ليست هناك تعليقات: