الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

قراءة / أحمد العزب



الفتيت المبعثر .. الالتفاف على القانون

أحمد العزب

ـ القاهرة
ـ

صدرت عن مركز الحضارة العربية/مصر .. رواية (الفتيت المبعثر) تأليف محسن الرملي تقع في 93 صفحة من القطع المتوسط، وتتناول هذه الرواية عائلة عراقية في ظل ظروف الحرب والسلطة الدكتاتورية. تتكون من سبعة أبناء؛ ستة ذكور وأنثى واحدة إضافة إلى الأبوين، ولكل من هذه الشخصيات خصوصيتها ورؤيتها وسلوكها المختلف. حيث تحاول الرواية أن ترسم صورة لحال الشعب العراقي عبر عينة منه (عائلة) تمثله بشرائحه المختلفة والمتباينة في المواقف إزاء ما يحدث لها، لهذا نجد شخصية الأب التي ترمز إلى الجيل الكلاسيكي من الوطنيين الذين ظلوا يتحدثون عن مآثر آبائهم في مقارعة الاستعمار، ويرى في السلطة الحالية أنها تمثل الوطن مادامت هي من أبناء الوطن بغض النظر عن أخطائها وقمعها له، فنجد أن هذه الشخصية تموت نزفاً في النهاية بعد أن فقد الأب كل أبنائه؛ مَن كان مع السلطة أو ضدها، لهذا يهتز عنده مفهوم الوطنية الذي كان راسخاً ويرمز بموته هذا إلى موت المفهوم الأعمى والساذج لمعنى الوطنية. أما الأبناء ففيهم الفنان (قاسم) الذي يرفض رسم صورة للقائد ويهرب من الجيش لعدم قناعته بالحرب فيتم إعدامه وسط القرية، فيما يُقتل في جبهات القتال شقيقه (عبدالواحد) لأنه ذهب إلى الحرب مستجيباً لسلوك القطيع، بينما شخصية (سعدي)، الشاذ جنسياً يصبح مقرباً من السلطة، أما الذي يخرج من البلد هارباً إلى الخارج فهو (محمود) الذي يرمز إلى المعارضة التي لا هوية لها ولا قيمة حقيقية أو مؤثرة، وعليه تبدأ الرواية على لسان الراوي ابن خالة محمود وهو يحلم باللحاق به من أجل فعل شيء جاد ومنقذ لكنه في النهاية لا يجده بل أنه يشعر بنفسه في أنه لا يبحث عنه حقيقة. الابن الآخر (أحمد) وهو الناجح في الدراسة إلى أن يصبح قاضياً فينتهي إلى السجن لأنه لا يستجيب لرغبات أقرباء السلطة في مسائل الالتفاف على القانون. الابن الآخر(عبود) وهو الذي يولد جميلاً ثم يصاب بالجنون وتتغير ملامح جماله إلى تشويه خلقي فيعوي كالذئب، وعندما تستجيب عائلته إلى نصائح الدراويش في علاجه بوضعه ليلاً في قبر مفتوح يختفي ولا أحد يعرف مصيره… تبقى الأخت الوحيدة(وردة) الجميلة التي ينبهها أخوها قاسم إلى فداحة ما يحدث حولها ثم تتأكد من قوله عند إعدامه ومن موت زوجها في الحرب فهي تمثل المرأة العراقية التي كانت بعيدة في وعيها عن الاهتمام بما يحدث للوطن، ولكنها أدركت متأخراً فداحة هذا الذي يحدث فتروح حالمة بالتغيير إلى أن تتزوج بشخص عازف وموهوم وحالم أيضاً يعدها بالخلاص ويحدثها عن خططه كل ليلة وهي تحلم معه بالخلاص وينجبون الأبناء الذين يحملون أسماء الموتى.بينما تبقى الأم تنوح بين قبور أبنائها وزوجها تنقل لهم أخبار أطفالهم تبكي وتضحك مع قبورها وعيونها تنطفئ شيئاً فشيئاً بسبب كثرة البكاء.
يتم بناء الرواية داخل تأطير تقني مقصود، حيث تبدأ بفصل يحمل عنوان(صِفر الروي) وتنتهي بفصل يحمل عنوان (صِفر اليدين) بينما تدور أحداث الرواية الأساسية على مدار عشرة فصول تحمل أرقاماً، مما يبدو أن صوت الراوي وهو قريب العائلة يشير إلى حاله كشخصية تؤطر ما حدث عبر الروي ولكنها جزء منه في الوقت نفسه، وتبث حيرتها أمام ما يجب فعله إزاء هذا الفتيت المبعثر الذي صارت عليه العائلة/الوطن. الأمر الذي يجعل من هذا العمل ناجحاً في وصفه للتفتُّت المادي والمعنوي النفسي للإنسان العراقي سواء أكان في داخل العراق أم خارجه.
وتتسم الرواية بلغتها المشحونة والمحتبسة بالصراخ والوجع، ولهذا فإن التكثيف الشديد فيها يساعد على فتح آفاق التأويل، إلى جانب ذلك يحاول الكاتب محسن الرملي شد القارئ بحميمية إليه عبر ضخه المتدفق للإحداثيات والأحداث التي تدور حولها الرواية، ولهذا نجده يتنقل في استخدامه وتعامله مع الزمن حيث يتحدث عن الماضي بصيغة الحاضر أو المستقبل أحياناً، فهو يشير وسط السرد إلى أحداث ستقع لاحقاً، علماً بأن الأحداث قد وقعت كلها في الماضي. إضافة إلى تجسيده لامتداد الماضي عبر وصفه لحاضر الراوي الذي يعاني التمزق بين الحنين إلى الوطن وعجزه عن إيجاد سبيل حقيقي يقوده إلى ما يحلم به لوطنه.الأمر الذي نستطيع القول معه بأن (الفَتيت المُبعثَر) قد حاولت نحت هويتها التجريبية ولم تتخل عن حرصها على العناصر الفنية رغم رسالتها الصارخة حول ما يحدث في العراق وسعيها إلى تسجيل هذه الأوجاع ووصف الكارثة والحث على التفكير في سبيل إلى الخلاص ولو كان بالمقاومة عبر خندق الحلم...
إن رواية محسن الرملي هذه الرواية شهادة حقيقية تسجل ما حدث ومازال يحدث للشعب العراقي وقد كتبها روائي له تجربته الفعلية في الحرب والحصار وقمع السلطة التي شنقت شقيقه الروائي حسن مطلك سنة 1990، إضافة إلى تجربته في الكتابة حيث كان لمجموعته القصصية الأخيرة (أوراق بعيدة عن دجلة) التي حظيت باهتمام كبير لما فيها من تميز في اللغة والرؤية والطرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع (محيط) بتاريخ 13/3/2001 القاهرة.

ليست هناك تعليقات: