الأحد، 1 فبراير، 2009

قراءة مسرحية/د.عبدالكريم بن علي بن جواد

قراءة فـي مهرجان المسرح العماني الثاني

هل نجح الباحثون عن قلب حي أن يقدموا عرضاً حياً؟
أساليب إخراجية متعددة آثرت تحقيق الفرجة على إبراز الحالة النفسية

د.عبدالكريم بن علي بن جواد

كانت مسرحية «البحث عن قلب حي» هي أول عروض مهرجان المسرح العماني الثاني ورغم أن المسرحية خرجت من المسابقة خالية الوفاض إلا أنها تصلح أن تكون نموذجا للمسرحية المهرجانية أو ما يعتقده الكثيرون من المسرحيين العرب فـي العقود الثلاثة الأخيرة أنها الشكل المسرحي الأمثل لمسرح يتحدث بلغة الحداثة أو بصيغة من صيغها أو صيغة مقاربة لها. المسرحية هي أقرب إلى الفكرة أو الخاطرة التي يمكن أن تقال فـي جملة وتنفذ فـي دقائق قليلة على خشبة المسرح. ولأن العرض المسرحي، عرفا على الأقل، لا يكتمل إلا بمساحة زمنية معينة على خشبة المسرح وبفعل متحرك نابض كان على المخرج أن يبحث عن معالجة مزدوجة نصية وإخراجية تضمن له عرضا مسرحيا حيا وهو بحث لا يقل عناء عن بحث الممثلين على خشبة المسرح عن قلب حي يهدونه لأخيهم الراقد على فراش الموت.
النص كما يذكر المخرج فـي مقدمته للمسرحية «صرخة ميلودرامية مدوية… أطلقت من زنزانة محسن الرملي يرثي أخاه بعد إعدامه ظلما»… محسن الرملي مؤلف عراقي هو صاحب النص الأصلي الذي بني عليه العرض. إن قراءة النص قراءة ميلودرامية من قبل المخرج لا تنسجم مبدئيا مع نص يتمرد على الصياغات التقليدية كما أنها لا تنسجم مع الوسائل أو الحلول الإخراجية التي لجأ إليها المخرج بنفسه على مدار العرض. إن تأجيج المشاعر واستعطاف المشاهد ليندمج معها ألقى بظلال من الكآبة غير المبررة على العرض كما انه زعزع الثقة بينه وبين المشاهد الذي تجاوز مرحلة الخضوع العاطفي المحض أو الاستسلام التام للعبة المسرحية التقليدية. لذا فان الإنشاد العرفاني الحزين ذو الصبغة الدينية الذي بدا وكأنه ضميراً فردياً للمريض يتوسل الانتقال من الخاص إلى العام من خلال التوحد فـي الضمير الجمعي للمجتمع ككل كان يبدو منفصلا أو عاجزاً عن تحقيق الهدف رغم جمال صوت المنشد ورهافة الكلمات التي كان يؤديها. إن المخرج مصطفى العلوي وفريق عمله فـي تناولهم للنص المسرحي أدركوا أهمية أن يطوروا النص المسرحي من مجرد فكرة أو خاطرة إلى حالة ومن ثم يعرضوا الحالة بأوجه مختلفة بغية الوصول إلى فرجة مسرحية تضمن الحيوية لعرض فكرته الأساسية استنفذت فـي الدقائق الخمسة الأولى!!! فماذا فعلوا؟ وهل نجحوا فـي مسعاهم؟.
على مستوى النص صار التأكيد على الحالة لا على الفكرة، والحالة هنا هي الحالة الشعورية المتضخمة لدى بطل المسرحية العاجز عن إنقاذ أخيه المريض. ولكن الحالة هنا تتبلور عبر مونولوج فردي طويل وبطل أوحد للعرض «مونودراما» يسهب فـي عرض معاناته الداخلية وهذا ما أوجد تحديا آخر للفرقة فمن هو الممثل الذي أوتي من البراعة ما يؤهله إلى أن يحمل عرضا مسرحيا كاملا على أكتافه وحيدا على خشبة المسرح؟ تجنبا لمغامرة مونودرامية غير مضمونة العواقب كان الحل أن تقسم شخصية الأخ المعذب إلى ثلاث شخصيات تعكس كل واحدة منها ملمحا من ملامح الشخصية الأساس. إلا أن هذه الشخصيات الثلاث وان ملأت المسرح بتشكيلات وتنويعات حركية أكثر سلاسة لم ينج العرض المسرحي من التكرار والتداخل مما جعل البعض يرى أن دمجها فـي شخصية واحدة كان أوقع واقرب لتحقيق الفكرة.
إن المخرج فـي هذا العرض المسرحي سعى جاهدا ليتغلب على إشكاليات النص ومارس أسلوبا يمكن وصفه بأنه أسلوب الهروب إلى الأمام ولعل أول معالم هذا الهروب هو الخروج بالنص من كونه حالة معانات نفسية داخلية مكثفة إلى المحيط الخارجي فـي صور صراع مختلق بين الشخصيات الثلاث أو المعالم الثلاث للشخصية الأساس. أما المعلم الثاني فهو يتمثل فـي استخدام العديد من الوسائل المسرحية «التكنيك» لتحقيق الفرجة المسرحية التي تعوض فقدان النص للفعل الدرامي المتصاعد. وهنا يبرز السؤال الآخر المهم، إلى أي مدى كانت هذه الأساليب منسجمة أو متوافقة مع طبيعة النص من ناحية والى أي مدى كانت قادرة على تحقيق فرجة مسرحية حقيقية أو موضوعية؟.
كان أول سعي للمخرج لفك انغلاق النص يتمثل فـي الانتقال بالمعانات النفسية من الداخل إلى التجسيد الخارجي، كما ذكرنا، وذلك لأن التعامل الخارجي مع المشاعر أيسر على المؤدي والمشاهد من الغوص فـي العوالم الداخلية السحيقة للنفس البشرية وهو المبتغى الذي كان يسعى له النص. هذا الانتقال لازمه انتقال آخر من حدود خشبة المسرح إلى صالة المتفرجين وهو ما يعرف بكسر الإيهام أو بتحطيم الحاجز الرابع وقد مهد للمسرحية قبيل البدء وتكرر خلالها عدة مرات بنزول الممثلين إلى الصالة أو الخروج من ايهاب شخصياتهم التمثيلية لتوجيه جملة أو عبرة خطابية مباشرة، فالمسرحية تبدأ بحفلة عيد ميلاد من الصالة تسودها بعض معالم الفرح المتمثلة بموسيقى الفرح وبتجوال الممثلين بين الجمهور موزعين عليهم الحلويات وبطاقات المسرحية المرسوم عليها قلوبا وردية مخبريهم بأن المسرحية ستبدأ بعد قليل. ثم يستخدم المخرج تكنيكا آخر ما يعرف بأسلوب الصدمة أو الانقلاب أو التحول المفاجئ إذ سرعان ما يتحول الفرح إلى حزن طاغ عندما نكتشف ان حفلة عيد الميلاد إنما هي لأخ يقبع على فراش الموت وأن الشخصيات على خشبة المسرح إنما تحتفل بعيد الميلاد على أمل أن تجد له الهدية المناسبة التي تنقذه من النهاية المحتومة، قلب نابض حي يستبدل به قلبه المعطوب. وحتى لا يتوقف الحدث بعد ذلك يسعى المخرج إلى استخدام تكنيك «الاسترجاع» أي العودة بالذاكرة إلى الماضي كالعودة إلى الطفولة أو العودة إلى مواقف فاصلة فـي حياة المريض والأخ المعذب ولم يكتف المخرج بتلك العودة بل يلجأ إلى أن يجعل من بعض ملامح تلك العودة صورة أقرب إلى الكاريكاتور فـي محاولة لاستقطاب الصالة بمشاهد كوميدية لا تحتملها طبيعة العرض أو طبيعة الحالة المعروضة وهذا أمر انعكس على أداء الممثلين إذ تشتتوا بين أن يكثفوا حالة الحزن أو أن يخرجوا من المناخ العام «المود» لأداء المشاهد الكوميدية الأمر الذي أورث العرض اضطرابا فـي الإيقاع. بغض النظر عن تلك الحالة يمثل اختيار مثل هذا النص تحديا صعبا للممثلين على خشبة المسرح خصوصا عندما يكونوا من الشباب اليانعين فـي خبرتهم التمثيلية فالأمر فـي مثل هذه الأعمال يتطلب دراسة نفسية معمقة تبرز ما فـي داخل الشخصيات الممثلة قبل أن تبرز مظاهرها الخارجية. من ناحية أخرى وقف الديكور فـي العرض، ككتل من الأقمشة والسلالم، محايدا لا يكاد يقول شيئا لصالح العرض أو ضده، ووظفت الإضاءة بحدود تفي بحاجة العرض.
إن تعدد الأساليب ينم عن مخرج يملك أرضية معرفية طيبة تحتاج إلى تراكم الخبرة وتأمل التجربة وأداء الممثلين، قاسم الريامي، جلال عبدالكريم، علي نور الدين على خشبة المسرح غلب عليه الاجتهاد الحسن النية الذي لابد أن يتواصل ويدعم بالدراسة والبحث وتدريبات عملية فـي تكنيك فن التمثيل وبالذات منهجية «مايرهولد» أو ما يعرف بالرتم الداخلي للممثل.

ليست هناك تعليقات: