الجمعة، 9 نوفمبر 2018

الأدب الإسباني – د.محسن الرملي /عرض: مؤمن الوزان


قراءة في:
الأدب الإسباني في عصره الذهبي - د.محسن الرملي 

مؤمن الوزان
يكتب الدكتور محسن الرملي في تقديمه للعصر الذهبي الإسباني: "... حيث لا يمكن  اعتبار الكاتب شاعرا إلا إذا كان ملما بالعلوم واللسانيات ويمتلك العقيدة أو المنهج الفكري المبدئي لمعرفة التقليد. وكما في في مشهد أريستوفانيس؛ يجب على الكاتب أن يكون مثل النحلة التي تمتص الرحيق من زهور كثيرة ومن ثم تكون عسلها الخاص. كما يجب أن يحفظ في ذاكرته أعمال الشعر والنثر التي تترك انطباع جيدا في نفسه بجمالها وأفكارها، إذ يجب عليه أن ينوع على ثيمتها في كلماته.
ونجد شيئا مشابها يرد على لسان جار الله الزمخشري -الذي عاش في القرن الخامس للهجرة في ظل الخلافة العباسية والتي تعتبر من العصور الذهبية للمسلمين- في كتابه "ربيع الأبرار": "إن من لا يعلم إلا فنا واحدا من العلم ينبغي أن يسمى خصي العلماء" ويضيف الدكتور مصطفى جواد معلقا على هذا القول في كتابه قل ولا تقل (الجزء الأول- ص. 82-83)   والسبب في ذلك أن الوقوف على علم واحد عند القدماء كان عجزا وعيبا.

*الأدب الإسباني في عصره الذهبي
هذا البحث الكبير والدراسة الشاملة للأصناف الرئيسة الثلاثة (الشعر والمسرحية والرواية) في الأدب الإسباني في عصره الذهبي (النصف الثاني من القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر) ألا إنه بصورة عامة يشمل هذين القرنين. ويُقسم هذا الكتاب إلى قسمين رئيسين الأول هو عبارة عن دراسة نقدية تحليلية لهذين القرين سواء على المستوى الاجتماعي والتاريخي والسياسي أو المستوى الأدبي من خلال استعراض أبرز الأدباء والشعراء الأسبان، والتعريج على أولئك الذين لم يسلط الضوء عليهم كذلك، وشمل القسم الآخر من الكتاب، ثلاثة أبواب: هي عبارة عن مختارات قصصية وشعرية ومسرحية. وقام بهذا العمل الكبير سواء بالترجمة أو التقديم والعرض الدكتور الروائي محسن الرملي. والذي قام بعمل جبار ومجهود كبير، خاصة وهو يذكر الصعوبات والعراقيل التي واجهته أثناء الترجمة لهذه النصوص التي تعتبر في وقتنا الحالي لغةً وتراكيب؛ تاريخية، وقراءتها إلى قواميس ومعاجم تساعد على الفهم، فكيف بالترجمة! على أية حال، فإن هذا الكتاب وما يحتويه من مادة ضخمة، تكفي لأن تكون مرجعا للباحثين والدارسين، فيتم تقديم الكتاب بنظرة تاريخية حول الأوضاع السياسية التي كانت دائرة في القرن السادس عشر، والخلافات التي كثرت في البلاط الملكي الإسباني، خاصة حين نعرف أن هذه المملكة أو الممالك قامت بعد الدولة الأندلسية التي استمرت على هذه الأرض لأكثر من ثمانية قرون، لذلك فإن الأجواء والصيرورة لهذه المجتمع ما زال -حديثا- إن جاز لنا القول، وفي الوقت ذاته فأهله مرتبطون بمن سبق، مما يعطي لهذه المرحلة في التاريخ الإسباني في أصعدته كافة، ميزة متفردة على المستوى الأوروبي المحيط، ومحاولة العودة والانتشال بعد قرون من الفوضى عاشوا فيها "كأسبان بهويتهم الخاصة" كل هذه الأسباب ألقت بظلالها على الأدب الذي كانت إسبانيا والبرتغال تربة خصبة لنشوء العصر الباروكي وهذا ما يشير له مصطلح باروك ذو الأصل البرتغالي، والنتائج في العصر الوسيط (1550-1650) تقريبا، كانت ثرية جدا بما أضافت له للأدب الأسباني خاصة والأدب الأوروبي والعالمي عامة. لذا ينقلنا هذا الكتاب في رحلة امتدت لأكثر من قرنين نقف فيها ومعها على أبرز الظواهر الأدبية شعرا ونثرا، والتعرف على أبرز الأدباء الإسبان، والذين لا يمكن حصرهم باسم أو اسمين لكن ما يجمع عليه الجميع ألا وهو اللؤلؤة الكاملة ميغيل دي ثربانتيس الشاعر والروائي والمسرحي صاحب الرواية الخالدة والتي ما زالت تقرأ حتى اليوم "دون كيخوته" والتي كما يذكر الرملي في تقديمه لهذا الأديب بأن قال "أنا أول من كتب الرواية باللغة الإسبانية"، يُلحق التقديم لهذا الروائي حديث عن روايته الشهيرة الكيخوته. وكذلك الشاعر غارثيلاسو دي لابيغا والمسرحي تيرزوا دي مانيلا صاحب المسرحية الشهيرة "محتال أشبيلية والتمثال الضيف" أو ما تعرف بالـ دون جوان أو خوان، وهي المسرحية التي تأثر بها المسرحي الفرنسي الشهير موليير.
ومن الأشياء المهمة التي تذكر في الكتاب ما يخص العمل الأدبي (سيليستينا/ القوادة) أو ما يعرف بصاحبة الماخور، والتي يميل البعض لكونها رواية كما نجد هذا الشيء لدى كولن ولسون في كتاب فن الرواية، لكن للرملي رأي آخر إذ يعلل رأيه بأنها مسرحية وليست رواية بـ: العمل بمجمله يعتمد على الحوار بين الشخصيات، ويتمحور الموضوع حول علاقات عاطفية غير شرعية كونها لا تقود إلى الزواج. كما أن الحدث يقتصر ضمن وحدة زمنية قصيرة، هذه المواصفات وغيرها تجعل العمل ضمن إطار المسرحية الإنسانية -والتي كانت عادة ما تقرأ بصوت عال ولا يتم تمثيلها- وهي وريثة لبلاوتو وتيرينثيو من حيث مضمارها العالمي، كل ذلك يبرر تصنيفها ضمن الأعمال المسرحية أكثر من كونها رواية.
وبعد تقديم وتحليل لأبرز ما في هذين القرنين على المستوى الأدبي، ننتقل إلى القسم الآخر من الكتاب والذي كان عبارة عن مختارات قصصية، وشعرية، وثلاث مسرحيات قصيرة أو ما تعرف بـالإنتريميس   ENTREMES، والتي يعرفها الرملي، بأنها نوع من المسرحيات القصيرة التي كانت تمثل قديما بين فصلي المسرحية الرئيسين، وكلمة إنتريمس تعني المشهيات -من المخللات- وهي تكون مسرحيات من فصل واحد -كما في الفودفيل الذي شاع في القرن التاسع عشر- هدفها المتعة والتسلية كما نجد هذا في مسرحيات الكتاب الثلاثة (قاضي الطلاق، انتخاب رؤساء بلدية داغانثو،  ومسرح العجائب). قام بترجمة هذه المختارات الرملي أيضا، ليثري الكتاب والقارئ العربيين بالمزيد من ينابيع الإبداع وفتح نافذة على الآخر.
وحين نقرأ هذه المختارات الأدبية نجد أنفسنا بحضرة أدب غني وثري بالإبداع والأصالة، والجمال والحكمة والعبرة والعظة، ويكشف لنا عن أدباء أفذاذ بعقول وخيالات وأفكار إبداعية قليلة نظائرها، كما ونجد في القصص الإسبانية التأثير العربي الواضح وهذا ما يؤكده الرملي عن التأثر بأدبيات عربية كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، هذا ما يضفي لهذه القصص لمسة يستشعر بها القارئ خاصة تلك التي تحمل العبرة والحكم وتذكرنا بأخبار الأذكياء وأخبار الأغبياء كتابي أبو الفرج بن الجوزي. وكذلك المواضيع التي تخص بعض القصائد التي تفيض حبا وعاطفة نقيين وهو كالحب العذري، النزيه العفيف، الذي كان شائعا في قصائد شعراء العرب والأندلس، كل هذا يضفي للأدب الإسباني في عصره الذهبي لمسة خاصة تجعله قريبا من الأدب العربي وقارئه.
إن الترجمة الشعرية في عمومها يكاد يكون هناك إجماع على أنها أصعب أنواع الترجمات، إن لم تكن في كثير من القصائد ضمن المتسحيلات؛ فلا أن يمكن أن تترجم القصيدة دون أن تفقد القصيدة رونق ونظام لغتها الأصلية، وهذا ما يمنح الشعر خاصية متفردة في كل لغة تضم الأوزان وبحور الشعر والإيقاعات والقوافي والأصوات، وجرس ورنين كلمات كل لغة، التي تختلف من لغة إلى أخرى، ومن أسس نظم الشعر في أدب إلى آخر، وتزداد الصعوبة حين تتم الترجمة بين الأبجديات المختلفة، فالترجمة من الإنجليزية إلى الهولندية أو العكس هي أسهل نوعا ما من الترجمة من هاتين اللغتين إلى العربية، وكذا الحال مع بقية الأبجديات.
وتقاس جودة المترجم في ترجمته الشعرية على ما يوصله للقارئ في لغة القصيدة الجديدة، من روح وموسيقى ومعنى الشعر، وهي مهمة لا نجاح كامل فيها، يشوبها الخلل بل سمته إياها. في كتاب الأدب الإسباني في عصره الذهبي، الكتاب الذي قام بكتابته وترجمة مادته الدكتور الروائي محسن الرملي وتقديمها إلى القارئ العربي، وهو من الكتب المهمة التي تتناول الأدب الإسباني في القرنين السادس والسابع عشر، أو ما يعرف العصر الوسيط بينهما بالعصر الذهبي. الكتاب الذي ينقسم بصورة رئيسة إلى ثلاثة أقسام (الشعر والمسرحية والرواية) يسبقه دراسة نقدية وتحليلية لهذه الأقسام وأبرز روادها، وحديثي فيما يخص الشعر والنماذج الشعرية من العصر الذهبي التي تم ترجمتها في الكتاب والتي توزعت على طوال أكثر من مئة صفحة خصصت لهذه المختارات في الكتاب. يقول الرملي في تقديمه لهذه المختارات والصعوبات التي واجهها:
أما عن هذه الترجمة، فبمقدار ما سعينا فيها إلى الشمولية لتضم أكبر عدد ممكن من شعراء (العصر الذهبي) بقدر ما تزداد فيها الصعوبات، حيث إن هذا التنوع في التيارات والمراحل والشعراء يؤدي بالمقابل إلى تنوعات متشعبة أخرى في الأساليب والمواضيع والمفردات، الأمر الذي لا يمكن مقارنته بعملية ترجمة نصوص عديدة لمؤلف واحد يمكن الإلمام بسيرته ورؤيته ولغته.. هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك تلك الصعوبات الموجودة أصلا في عملية ترجمة النصوص القديمة لكون لغتها قد أصبحت موغلة في البعد الزمني عن لغة اليوم بعد أن طرأت عليها تحولات كبيرة، حيث أن القارئ الإسباني نفسه يواجه صعوبة في فهمها بعد أن اندثرت منها كلمات كثيرة، وتغيرت معاني كلمات أخرى مثلما تغيرت تراكيب الجمل وبناءاتها، فليجأ، مثلما فعلنا نحن، إلى القواميس والشروحات.
ومما سبق نستنتج قبل أن نقرأ أن ما ستصل له أبصارنا نماذج شعرية قد تعرضت لمعادلات كيميائية لغوية معقدة ليتم الحفاظ على سلامتها اللغوية والتعبيرية والتركيبية، لكننا في المقابل نجد ترجمة أقل ما يقال عنها أنها بديعة، وقصائد شعرية تحمل من الجمال والبلاغة والصور الشعرية والتنويعات الوصفية والخيال الإبداعي الفذ، وتصوير الحالات النفسية والمشاعر التي تختلج في نفوس قائليها، حتى تصفق لهذا الجموح في الخيال والتميّز. لكننا هنا نكون بحضرة سؤال مهم كيف وصلت لنا كل هذه الأحاسيس والتفاعلات مع القصائد والنماذج الشعرية، بل وحتى تُشنّف آذاننا لرنين الكلمة ونُصغي لصدى جرس عباراتها؟ يقول المترجم المصري هشام فهمي -الذي ترجم ويُترجم سلسلة روايات صراع العروش- بأن إعجاب القارئ بالمؤَلَّف تعني أن المترجم قد أدّى دوره بالتمام، لذلك لا داعي للحزن إن نسى القارئ شكر المترجم. ونحن في حضرة هذه القصائد نجد أنفسننا مجبرين على التعبير عن امتناننا وشكرنا للرملي على هذه الإبداع في الترجمة.
والآن مع بعض المقتطفات الشعرية التي ترد في المختارات:

لقد سلبتِ مني في ساعة
         كل  الخير الذي وهبتني في السابق
        فخذيني، إذًا، مع المساوئ التي تركتني فيها
       وإلا فسوف أشك؛ بأنك قد وضعتني
        وسط خير عميم.. لأنك ترغبين
برؤيتي ميتا وسط ذكريات حزينة!
**

لا أحد يستطيع أن يكون سعيدا
يا سيدتي.. ولا تعيسا
إن لم يكن قد رآكِ
لأن المجد الذي سيراه
سيفقده في لحظتها
حين يدرك أنه لا يستحقكِ
وهكذا فإن الذي لا يعرفك
لن يستطيع أن يكون سعيدا
يا سيدتي.. ولا تعيسا
إلا إذا رآكِ!
**

لقد أخذتني الأحداث
إلى موت مؤكد
.. الذنب ذنبكم وأنا من يعاني!
**

دخلت في الحقل
كي أتصارع مع رغبتي
ضد نفسي كنت أحارب
فدافع عني يا رب من نفسي
والعقل يحاول تقويمي
إصرار مع إصراري
لكن الحرب تعاود أيضا
ويداي على رأسي
منتظرا هنا من ينجدني
ينجدني من لا أحد، ينجدني من هذياني
لأنني أنا من يحارب نفسي
فدافع عني يا رب من نفسي!
**

آه.. مني
فلأمت بعد أن أراك
وآه.. منك
يا من سيسألك الرب!
كنا ضدي، نحن الاثنان؛
أنا الذي أموت بمن ينساني
وأنت بانتزاع الحياة
ممن يموت بك
بالنسبة لي
سأبقى مطفأً هكذا
ولكن أنت
ماذا ستقول للرب؟
إذا كان اعتذاري مجديا
فإن موت بك هو اعتذاري!
**
وجهك أغلى من وجوه الملائكة
لهذا فهو يمنحني السلام الذي عليه السلام
**
إن الذي يموت جوعا في النهارات
ستطعمه الليالي أحلاما لذيذة،
وحيدا، هناك، في الجبل على صخرة
**
أنت جزء من إسبانيا، لكنك أفضل منها كلها!
**
آه.. فبالرجال وحدهم تكون البلاد عزيزة ومجيدة
**

نحّى آلامه هناك
وهو ينظر
إلى فتاته السعيدة
مقارنا ما عليه من هموم
بما عليه هي من بهجة
**
ومما يضاعف حزني؛
أن تفكيري يتعقد
أنك لم تكوني تحبينه
فإنه هو الذي سيحبك إذا رآكِ
وهذه حقيقة، لأن الحب يعرف
بأنه منذ أن طعنتني
ومن أجل مزيد من الإيلام..
ينقصني منافس أقوى مني!
**

لأنني أعرف جيدا بفضل آلامي؛
أن الذي يخشى الخب
لن يخيفه أي خطر آخر!
**
آه.. أيتها الليلة التي قدتني.
آه.. أيتها الليلة التي هي أعذب من الصبح
آه.. أيتها الليلة التي جمعت عاشقا بمعشوقه
معشوق في العاشق ذاب!
**

آه.. يا نداء الحب الحي
يا من تجرح بحنان
أعمق صولجان في روحي!
**

أطالبك بالعدل أيتها السيدة
كوني منصفة
فإما أن تحبيني كما أحبك
أو.. أن تقتليني!
**
ذلك قد يأتي أو لا يأتي
ذاك قد يخرج أو لا يخرج
فلا شيء يساوي فرح العشق!
**
هذه الحياة بالغة الحزن والمرارة
فهي للمعاناة طويلة
وللسعادة قصيرة
**
فأنت الذي تدفعني يا مولاي
تحركني رؤياك على الصليب
مقيدا ومهانا
تدفعني رؤية جسدك الجريح
يدفعني ما لاقيته من سخرية.. وموتك
يدفعني، في نهاية الأمر، حبي لك
أحبك إلى الحد الذي حتى لو لم تكن ثمة جنة
فسوف أحبك
وحتى وإن لم يكن ثمة جحيم فسوف أخشاك
ليس عليك أن تعطيني لأني أحبك
فأنا وإن كنت أنتظر عطاياك.. لا أنتظرها
.. فأنا أحبك وسأبقى أحبك

*طرائف اللصوص ما بين الماضي والحاضر
قبل أيام مجموعة من اللصوص يحاولون سرقة متجر ولكن صاحب المحل يطلب منهم العودة مساء، وبالفعل قاموا بتنفيذ طلبه وبعد اتصاله بالشرطة قاموا بانتظار اللصوص وإلقاء القبض عليهم بعد أن عادوا! كما في الفديو أدناه
ونجد قصة مشابهة يذكرها الرملي في كتابه الأدب الإسباني في عصره الذهبي، للكاتب خوان دي تيمونيدا (1520-1583) ومتن القصة التي تحمل الرقم 37:
حاول بعض اللصوص خلع باب بيت كي يدخلوا لسرقته، وعندما أحس صاحب الدار بما كانوا يفعلونه، أطل عليهم من أحدى النوافذ وقال: أيها السادة، اذهبوا الآن وتعالوا بعد قليل.. لأننا لم ننم بعد.
https://www.youtube.com/watch?v=a4dkGVYdsWE 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مؤمن الوزان: كاتب ومترجم عراقي يقيم في بلجيكا.

أدباء وكتاب عراقيين: محسن الرملي / تعريف: عباس موسى


مشروع التعريف بالأدباء والكتاب العراقيين ومنجزهم الأدبي
الحلقة (33): محسن الرملي 

عباس موسى
د.محسن الرملي: كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجم عراقي، ولد في قرية (سديرة) شمال العراق عام 1967، تخرج من جامعة بغداد/ كلية اللغات (بكالوريوس لغة وأدب إسباني) سنة 1989، ويقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بامتياز مع درجة الشرف في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة كاتباً ومحرراً ثقافياً منذ 1985 وله عشرات المواد المنشورة في الصحافة العربية والإسبانية والأمريكولاتينية. تَرجم العديد من الأعمال الأدبية بين اللغتين العربية والإسبانية، وله ما يزيد على العشرين إصداراً تنوعت بين القصة والشعر والمسرحية والترجمات والرواية. منها رواياته "الفتيت المبعثر" التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002 و(تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) اللتان تَرشحتا ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2010 و2013، ونالت الترجمة الإنكليزية لـ(حدائق الرئيس) جائزة القلم الدولي 2016. ورواية (ذئبة الحُب والكُتب) التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2015. نَشر مجموعته القصصية الأولى (هدية القرن القادم) سنة 1995 في الأردن. تُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الدولية. وهو شريك في تأسيس وإدارة دار نشر ومجلة "ألواح" الثقافية الفكرية في إسبانيا منذ 1997. وعضو في هيئة تحرير مجلة (آركيترابا) الكولومبية المعروفة المتخصصة بالشعر. يعمل حالياً أستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد. حاز على جوائز في القصة منها: جائزة الطلبة والشباب للقصة القصيرة (تقديرية)/ بغداد 1988- جائزة الطلبة والشباب للقصة القصيرة (الأولى/ مناصفة)/بغداد 1989- جائزة مجلة الشرق الأوسط للقصة القصيرة، لندن 1996- جائزة أركنساس/ أمريكا 2002 عن الترجمة الإنكليزية لروايته (الفتيت المبعثر)... وغيرها.

رواية: حدائق الرئيس : 
صدرت طبعتها العربية الأولى سنة 2012 عن دار ثقافة في أبو ظبي وبالاشتراك مع الدار العربية للعلوم - ناشرون، في بيروت.. وفي 6 كانون أول/ ديسمبر 2012 ترشحت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2013 (البوكر)، وصدرت ترجمتها الإنكليزية عام 2017 والإسبانية 2018.
في روايته "حدائق الرئيس" يغوص بنا الروائي محسن الرملي عميقاً ليقترب من معاناة الإنسان العراقي. يسرد حكاية بلد استوطنته الحروب. بلد تُختزل آلامه للعالم على شاشات التلفزة ووسائل الإعلام في أرقام عن عدد التفجيرات وعدد الضحايا.. بسلاسة لغوية يروي لنا تاريخ العراق خلال ستين عاماً من الحروب العبثية والديكتاتورية والمذابح والحروب الأهلية... وما أورثته تلك الحروب من مآسي إنسانية كبيرة.. نعم إنها الحروب التي ليس فيها رابح ولا فيها بطل.. وإنما فقط القتلة هم الأبطال الفعليين في تلك المسالخ البشرية المتواصلة في مستوطنة الخراب السرمدي...
حدد الراوي قريته الصغيرة لتكون مسرحاً للأحداث الرئيسة واختار أبناء قريته أبطالا لحكاية تختزل كل تاريخ العراق المعاصر.. تبدأ مع ثلاثة اصدقاء هم "أبناء شق الأرض" كما وصفهم، وتنتهي مع صناديق الموز المحملة برؤوس تسعة من أبناء قريته عام 2006 حيث يستشري العنف وتعم الفوضى الأمنية..
المكان إذاً هو قرية صغيرة شمال العراق تصر على الحياة رغم الموت الذي ألقى بظلاله عليها... أبطاله (عبد الله كافكا، طارق المُندهِش، ابراهيم قسمة) الأصدقاء الذين جمعتهم قرية واحدة ومصير واحد. تستهل الرواية بعبارة خبرية هي نهاية الحكاية :"في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها...".. بهذا المشهد المرعب يبدأ الروائي الدكتور محسن الرملي روايته...
إبراهيم قسمة وعبد الله كافكا وطارق المندهش، هم ببساطة نموذج الإنسان العراقي الذي ذاق مرارة الحروب، إنهم صنيعة واقع اجتماعي ديني عشائري خاضع لسلطة العادات والتقاليد والأعراف الجمعية والتي تنحسر أمام ضغطها طموحات المرء وأحلامه.. إن مصائرهم هي رهن واقع سياسي متخبط لا ناقة لهم فيه ولا جمل. يتحول الإنسان بآدميته وأحلامه وتفاصيله وسنوات عمره إلى مجرد رقم في سجلات توثيق أعداد القتلى والمفقودين والمعذبين والأسرى والمخطوفين...
أنهى عبدالله كافكا وابراهيم قسمة الخدمة العسكرية، وسرعان ما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، على إثرها تم أُسر كافكا (سمي كذلك على اسم الكاتب التشيكي كافكا الذي كان عبد الله مولعا بقراءته وتأثره بافكاره الكابوسية السوداء) مع مئات الجنود العراقيين لدى إيران. يبقى كافكا في عداد المفقودين لعشرين عاماً قضاها في "ايران" ثم يعود حطاما من هول ظروف الأسر غير الانسانية. بينما ابراهيم الذي لم يكد يهنأ بالنجاة والعودة بعد ثماني سنوات في جبهات القتال، حتى يُستدعى من جديد للقتال في الكويت. يعود من الكويت بقدم واحدة ورأس مطأطئ من هول ما رأت عيناه من صور فظيعة لتلك الحرب المجنونة وبضمير معذب لتركه جثة صديقه أحمد وراءه، عذاب الضمير الذي يرافقه ويفقد حياته وهو يحاول أن يُكفر عن ذنبه. يستفيض الرملي في وصف أهوال تلك الحرب بدقة عالية... إبراهيم الذي يؤمن بأن كل شيء في الحياة قسمة ونصيب لم يكن مخيراً بأي شيء فيما يخص حياته وبكل مراحلها، حتى زوجته لم يكن له أن يختارها هو، أمه هي من اختارتها له.. كذلك لم يختر عمله في حدائق الرئيس كحفار قبور لجثث مشوهة لمعارضين وموالين مدنيين وعسكريين. أما طارق، الشخصية المكيافيلية التي تلعب على الزمن والظروف بذكاء لتكسب البقاء متكيفة مع كل التغييرات السياسية بما يبقيه محافظاً على وضعه ومستواه الاجتماعي، هو معلم وشيخ جامع وتاجر مقتدر له نفوذ سياسي واجتماعي.
في تنقل زمني ومكاني يسير بنا الرملي خلال ثمانية وعشرين فصلاً في مجموعة حكايات متشعبة نحو الماضي والمستقبل عبر شخوص تجمعه بهم قرية لم يسمها، ربما في إشارة إلى أنها يمكن أن تكون كل قرية أو أيّ بقعة في العراق... وهناك أبطال آخرين مثل زينب الكردية زوجة المختار، المرأة الطيبة التي انتصرت إرادة الحياة لديها على الموت إلى أن سلّمت إلى كافكا صندوق أمه وأخبرته بحقيقة بنوته لابنها المغتصِب. و"قسمة"، الشابة المتمردة على واقعها والتي تقرر في النهاية أن تبحث عن جثة والدها رغم كل الصعاب...
أنجز الرملي في "حدائق الرئيس" رواية متميزة وجريئة عن الواقع الإنساني العراقي الذي مازال مستمراً، متنقلاً في إيقاع فني بين الظلم والاستبداد الاجتماعي في القرية متمثلاً في اغتصاب زكية ومن ثم قتلها لغسل العار، وبين أهوال الحرب الطويلة، ثم إلى عوالم الرئيس المرعبة في إشارة إلى أن الشعب يحصد الخوف والموت مما زرعت يد الحكام من ظلم وطغيان...
رواية "حدائق الرئيس" تسرد جانباً من تاريخ العراق على مدى أكثر من نصف قرن، وكيف انعكست أحداثه على حياة الناس البسطاء: الحروب، الحصار، الدكتاتورية، الأسر في إيران، غزو الكويت، المقابر الجماعية وفوضى القتل التي يضيع فيها دم إبراهيم، كرمز للدم العراقي المهدور.. والرملي يحرص في أعماله على التنبيه، ورفض اعتبار الضحايا مجرد أرقام، كما يرد في الصحافة، وإنما "هم أناس لهم تاريخ وعواطف وأحلام وطموحات، كل شخص هو عالَم قائم بذاته.. ومن بين مهام الأدب تبيان ذلك".
إنها أكثر من رواية، هي حكاية وطن، بين عراق الأمس وعراق اليوم، يصوغها محسن الرملي، ليفضح من خلالها زيف القيم والكذب والكراهية التي كانت مخبأة في زاوية من زوايا تاريخنا المزيف...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عباس موسى: باحث عراقي حاصل على شهادة في اللغة والآداب الفرنسية من جامعة بغداد عام 1989 وفي الأدب الإنكليزي عام 1999، وضمن اهتمامه بالآداب، هذه حلقة من مشروعه الخاص بالتعريف بالأدباء والكتاب العراقيين ومنجزهم الأدبي.
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10216686176965381&set=a.1413169047801&type=3&theater

عن رواية: أبناء وأحذية / بلال خاركوفيسكي


مبروك الحذاء الجديد!!
بلال خاركوفيسكي
بعد فترة من القراءات المتنوعة في الأدب العراقي، الرواية على وجه الخصوص، في نصف السنة الاخير جاءت النتاجات بمستويات متفاوتة.. إلا أن معظمها لم يكن ملبياَ لطموح القارئ الإنتقائي حتى إن بعض الروايات وجدتها تسبب جفاف الريق!! الى أن صادفني منشور للكاتب محسن الرملي ينوه فيه الى الافراج عن روايته الجديدة (أبناء وأحذية) من المطابع، وما إن اقتنيتها لم أنتظر طويلا، حيث سافرنا معا - أنا والرواية- من مطار بغداد الدولي وصولا إلى مطار أسنوفا في خاركوف الأوكرانية ونحن نتجاوز الحدود، أنا بجواز سفر ورقي والرواية بجواز سفر أصدره محسن الرملي على مسؤوليته وذوقه الخاص.. لتجيء الرواية بعد جفاف الريق كالشاي العراقي الضابط للايقاع اليومي.
تستحق هذه الرواية أن توصف بأنها "جديدة" ليس فقط كونها آخر أعمال الرملي، بل نظرا للزوايا التي إختارها لطرح تساؤلات رغم أزليتها تبدو وكأنها تطرح للمرة الاولى، تختلف هذه الرواية عن سابقاتها -عند الرملي- فهي تبحث المصير الفردي للأنسان عبر جغرافيا واسعة لا تنحصر على العراق فقط . كأن الرملي قد عثر على نافذة سرية تطل على الفناء الخلفي للتساؤلات لينظر من خلالها الى (الاخلاق، القدر، المصير، الخير، الشر، الظلم، الموت ومفاهيم أخرى) بنظرة مخالفة لما هو سائد ومُتَبَنّى ساعده في ذلك طريقته الفعالة في السرد التي أخذت بالتسلق من متنٍ الى آخر بالترتيب فالقارئ الجيد سيجد إيذانات، ليست مفتوحة بل إن هنالك مردود لكل إيذان فلا صدفة في السرد. أما "جغرافيا الانسان" في (أبناء وأحذية) فجاءت غير خالية من الشجن محملة بأوصاف دللها الرملي وإعتنى بها كإعتنائه بالجميلات المثيرات اللاتي شَكّلّنَ محورا مهما "التحاماً" بالمحاور الاخرى هذا غير إن جغرافية الرواية العامة ممتدة لتستعرض أعماقا إنسانية تختلف تبعا لاختلافات ثقافية وتتشابه في كونها إنسانية ليُبقي الرملي على كلمة (إنسان) غير قابلة لتجزئة الفهم وبعيدة كل البعد عن الذيول الي تُلصق بها. يستمر الإتقان ليتجلى واضحا في بناء الشخصيات، فالشخصيات لم تستيقظ لتجد نفسها داخل متن غريب بل إنها خُلقت قبل زمن الرواية وعاشت حياة إستكملتها داخل الرواية بأريحية تامة فلا شخصيات مفروضة على الحكاية ولا شخصيات مستغربة وجودها أو أخطأت العنوان حتى إن دقة بناء الشخصيات ومقاربتها داخل المتن أقرب للأسلوب السينمائي (مدرسة الفعل الحركي) الذي يتم عن طريق بناء (هيستوري) كامل فتعيش الشخصية خارج الفيلم (الرواية) قدر ما تعيشه داخل الفيلم(الرواية) أقل أو أكثر بقليل. كقارئ فأنا مستعد للرهان على ان فكرة الرواية – رغم غرابتها وحداثتها- وأحداث الرواية هي أقرب لأكثر من واقع منفصل زمنيا وجغرافيا عاشه الرملي سابقا، ربما ليس بكل هذا الصخب ولا بكل تلك الدقة فاحداث الرواية ليست منسوخة بدقة من الواقع ولا مفتعلة  ولا خيالية بحتة بل هي – كما تبدو لي – أشبه بنتاج علاقة حميمة بين واقع الكاتب وخياله، حتى إن بعض المواضع داخل النص بدت لي وكأن خيال الكاتب إلتحم بواقعه بعنف مرغوب ومقدر من قبل الواقع لينتج عن ذلك الإلتحام مواقف أثرت النص وأكملت إنسيابه. عين العاشق المقدر للمرأة تبدو واضحة جلية، فالرملي لا يكتب المرأة ولا يصفها بل يتجلى ليخلقها في عالم الرواية حيث يُقَّدر للقارئ المنتشي بالجمال أن يشاهد نساء رواية الرملي يجلسن حوله أثناء القراءة بكل ذلك الدلال الذي دللهن به الرملي بين سطوره المثيرة. الكاتب الشاعر، فالوصف بأحسن حالاته يتخلل السرد أنيقا ويحسب إختيار بعض مرادفات الكلمات على حساب الكلمات الأصلية إنتصارا لموسيقى السرد , فالموسيقى جاءت بمنتهى السلاسة فلا توقف اثناء القراءة ولا نتوءات كلامية تعرقل الإنسياب وهذا يعود للغة الشعرية العالية في الرواية وتحقيق المعادلة الصعبة بين الفكرة نفسها و الوعاء او القالب الذي تطرح به تلك الفكرة دون أن نجد فكرة عرجاء أو مفردة أُدخلت رغم حروفها!. موقع الراوي وانتقال الحكي داخل النص جاء بقدر جيد من السلاسة، والبناء العمودي ربما جاء مغايرا لما يدل عليه هذا المصطلح إلا إنه بطريقة أو اخرى قد حقق مفهوم المصطلح، فشخصيات مختلفة تكرر سرد حدث واحد، وشخصية واحدة تكرر سرد أحداث متعددة بوجهات نظر متفقة أحيانا ومختلفة اغلب المرات إختلافا صحيا ناتج عن أعماق مختلفة للشخصيات، كون أغلب هذه الشخصيات جاءت مختلفة عن بعضها البعض إلا أنها تشترك بالأهم ألا وهو العمق الأنساني، حيث يحسب للرملي بناء شخصياته على المستويات الثلاثة، الخارجي، النفسي والتفاعلي.. فكأن الرملي يسير دافعا عربة التسوق في أزقة البناء البشري يقتني مهنة من هنا، ملامح من هناك، عمق نفسي وخيال من على رفوف تبدو عالية بالنسبة للآخرين، فكل شخصية تختلف كليا عن الاخرى ولكل شخصية ميزة أو أكثر تجعلها غير معرضة للنسيان أو الاهمال متجاوزا بذلك النظرة المطلقة النمطية للشخصيات, فالمطلق الوحيد عند الرملي هو كون الإنسان أنسانا! فلا شر مطلق ولا خير مطلق، إنما هي شخصيات تراكمية متفاعلة مع الحدث ومع الشخصيات الأخرى بعيدة كل البعد عن النمطية وخارجة على المطلق. الرواية قابلة للتخيل و إستحضار المشاهدة الآنية فهذا الكتاب ينتمي الى مجموعة الكتب القليلة التي من الممكن إقتباسها للسينما أو الدراما بعد معالجة بسيطة فهي رواية غنية بالشخصيات المختلفة باعماق متفاوتة وأحداث مطلية بعنصر التشويق وتمتد على جغرافيا واسعة بوصف دقيق يضمن المتعة البصرية سينمائيا أو دراميا. ختام الرواية جاء – على مزاجي كقارئ- تصرفا ربما لم يكن منتظرا من البطل إلا إنه قرار منطقي جدا ومناسب جدا لدرجة النضح التي وصل إليها البطل في حافة السرد الاخرى بعد تراكمات وتجارب غنية، أما الجملة التي قَدَّمتُ بها مراجعتي هذه (مبروك الحذاء الجديد) فهي تمثل - لي على الأقل – نقطة إنطلاق الحكاية بشكل لا يقل عن إيذان الحدث الرئيسي وإعلانه الانطلاق الفعلي.
..السرد العراقي بخير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في (كتابات) بتاريخ 10/11/2018
https://kitabat.com/cultural/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A3%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B0%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A/?fbclid=IwAR02byOJY_nW2bAsiciIuJZcyKjhl8XPhUuBcUIfOBwBzI6myVz25aEtj5I

* بلال خاركوفيسكي: كاتب عراقي يقيم في أوكرانيا.

السبت، 27 أكتوبر 2018

محسن الرملي: الرواية كتاب معرفي وليست حكايات للتسلية /حنان عقيل

حوار
محسن الرملي: الرواية كتاب معرفي وليست حكايات للتسلية
الشاعر والروائي والمترجم العراقي يؤكد أن الرواية العراقية لم تتناول حتى الآن مراحل التاريخ الثريّة، وأن جودة العمل لها الأولوية على صيت الجوائز. 

حنان عقيل
محسن الرملي، شاعر وروائي ومترجم عراقي، يقيم في إسبانيا منذ ثلاثة وعشرين عامًا. وصفته صحيفة “الغارديان” بأنه من نجوم الأدب العربي المعاصر. وهو صاحب تجربة ثريّة في الشعر والنثر والترجمة والمسرح. وقد أدرجت روايته “ذئبة الحُب والكتب” في القائمة القصيرة لنيل جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015. “العرب” حاورت الرملي حول بعض ملامح مشواره الإبداعي وتجربته مع الترجمة.
رغم سنوات البُعد عن الوطن لا يزال الروائي العراقي محسن الرملي مسكونًا بالهم العراقي وتاريخه المُثقل بالهزائم والانكسارات في أعماله الأدبية. يرى الرملي أن العراق ليس فقط ذاكرته وإنما “هو وجهي، ملامحي، جيناتي، والدي، جرحي، دمي وبصمتي، وهذه أشياء يستحيل التخلص منها أو الانفصال عنها مهما ابتعدت في المكان أو الزمان، ومهما تغيّرت أفكاري وقناعاتي وطبيعة حياتي اليومية، وأشياء كهذه ستبقى تهمك وتؤثر عليك، شخصيّا وعلى أعمالك”.

التجربة والروايات 

من حكايات العراق

تحفل أعمال الرملي الروائية بهموم فكرية مختلفة. نجده يكتب عن الهوية الدينية والاجتماعية والدكتاتورية وتأثيرات العولمة وغير ذلك من القضايا والانشغالات الفكرية. نسأله إن كان الاشتغال الجمالي فحسب للرواية غير كاف وعليها دومًا أن تعكس الأفكار وتحللها؟
عن ذلك يجيب الرملي “نعم، فأنا ممن يعتقدون بأن العمل الروائي لا بد أن يحتوي على عنصرين أساسيين معًا وليس أحدهما فقط، وهما المتعة والمعرفة، وهذا الأمر أطبقه حتى في أسلوبي التدريسي وفي تفاصيل الحياة، ولا أتفق مع الذين يرون أن الرواية هي للمتعة فقط، لأن وسائل المتعة كثيرة ومختلفة ومتوفرة وأسهل، وبعضها أكثر متعة، وعند تفحص كل الأعمال الروائية الخالدة عبر التاريخ نجد أنها تضم هذين العنصرين (المتعة والمعرفة)، ومعروف أن الأدب كان مصدرًا للكثير من الفلسفات والأفكار ومنطلقًا للعديد من النظريات الفكرية والعلمية، بل وحتى منطلقًا لعلوم صرفة واختراعات استمدت بذورها من روايات الخيال الأدبي عمومًا ومن روايات الخيال العلمي بشكل أخص، والكثير من المفكرين والعلماء استعانوا بالأدب لتوضيح طروحاتهم وتحليلاتهم ومنهم فرويد على سبيل المثال في تأسيسه لعلم النفس. على هذا الأساس، أنا أتعامل مع الرواية على أنها كتاب معرفي كأي كتاب آخر، وليست مجرد حكاية للتسلية”.
يلفت الرملي إلى أن كل ما يرد في رواياته من شخصيات ومواقف وقضايا وغيرها، له بذوره وجذوره في الواقع مهما بدا خياليًا، وتبقى الفروق في مدى نسبة ما نأخذه من الواقع ومدى قربه الشخصي منا، مضيفًا “أنا بذلك لا أختلف كثيرًا عن غيري من الكتاب. أميل لأخذ الأقرب إلى تجربتي ومعرفتي ورؤيتي عادة، لم آخذ شخصية كاملة من الواقع كما هي أبدًا ولم أخترع أية شخصية من اللاشيء”.
يحضر البُعد الذاتي للرملي في الكثير من الأعمال بتنويعات مختلفة. في كتاباته القصصية والروائية نجد أجزاء من سيرته الذاتية. يوضح الكاتب “أستقي جل أعمالي من تجربتي الشخصية، فأنا أفهم الفن بتعريفه التقليدي والكلاسيكي، وهو: ترشيح الطبيعة أو الواقع من خلال ذات الفنان. وأكتب عما أعرفه وعما أريد معرفته أفضل مما يخصني ويخص الذين يهمونني، أكتب لأن ثمة شيئا أريد أن أقوله أنا بحسي ولساني ورؤيتي”. 
مساحات إضافية من حيث الجغرافيا والثيمات

في ظل كثرة الإبداعات الروائية العراقية في الفترة الأخيرة يرى البعض أنها لا تزال أسيرة لواقعها وظروفها وماضيها التاريخي وأن السرد العراقي على اتساع رقعته لا يزال غير قادر على التحليق في عوالم مغايرة لهذه المنطقة.
 يُعلِّق الرملي “مهما قيل عن كثرة الروايات العراقية في الفترة الأخيرة، فهي لا تزال قليلة جدًا قياسًا إلى كثرة وثراء المواضيع والهموم والقضايا العراقية الحاضرة، عدا أن مراحل التاريخ العراقي الثرية لم تتناولها الرواية لحد الآن، لذا أتمنى أن يتم إنتاج روايات عراقية أضعاف أضعاف ما أُنتِج لحد الآن، والأدب العراقي ليس ملزمًا بالابتعاد عن مناخات منطقته، فالصيني يكتب عن الصين والإسباني يكتب عن إسبانيا والأميركي عن أميركا ولم يطالبهم أحد بالكتابة عن غير مناطقهم وثقافاتهم”.
يشير الكاتب العراقي إلى أنه انتهى لتوه من رواية جديدة بعنوان “أبناء وأحذية” صدرت منذ أيام، وقد حاول فيها مد خطوات تجربته نحو مساحات إضافية من حيث جغرافيتها ومن حيث ثيماتها، وابتعد فيها عن أجواء الحرب والدكتاتورية التي تناولها في أعماله السابقة.
كما أنه أنهى الرواية التي يمكن اعتبارها بمثابة جزء ثان لـروايته “حدائق الرئيس”، وإن كان يمكن قراءتها كعمل مستقل أيضًا، وهو الآن في مرحلة المراجعات والتحرير والمناقشات مع ناشرها الإنكليزي.

الأدب كوثيقة

بالموازاة مع الكتابة الإبداعية في الشعر أو النثر، ترجم الرملي العديد من الأعمال من وإلى العربية. في هذا الإطار يعتقد أن نظرة الغرب وغير الغرب نحو الأدب بشكل عام هي في طور التغير، وما عادت التصنيفات الجغرافية والقومية من الأولويات، وإنما يتم الاهتمام بأي عمل جيد فنيًا وعميق إنسانيًا بغض النظر عن جنسية كاتبه، ذلك أن العالم أصبح مفتوحًا على بعضه البعض، أما عن الجانب الوثائقي الاجتماعي والسياسي الذي يُشكّل اهتمام الغرب الرئيسي في أحايين كثيرة بترجمة كتابات عربية محددة فهو موجود بشكل أو بآخر في طيات كل عمل فني، ولكن ليس هو العنصر الأهم على الرغم من أهميته، وأي عمل فني هو في نهاية الأمر يعد شهادة أو وثيقة على عصره حتى وإن كان عملاً خياليًا بحتًا. وبشكل عام فإن الأدب العربي المعاصر أخذ يحقق حضورًا تدريجيًا عبر أعمال جيّدة وباستحقاق، يعني ‘بذراعه’ وليس بمِنّة أو دعم أو تعاطف من أحد”. 
قصة المذابح في العراق

وفيما يتعلق بدور الجوائز في تعزيز الاهتمام الغربي بترجمة الأعمال العربية المتوجة بجوائز هامة يوضح الرملي “لا شك أن الجوائز تمثل دعمًا ولفت انتباه إلى الأعمال الحاصلة عليها، لكن ذلك لا يكفي لمسارعة الناشر الغربي إلى الاهتمام بالعمل، فالجوائز كثيرة جدًا في العالم، كما أن أعمال الجوائز العربية التي قامت هيئات الجوائز نفسها بترجمتها، لم يحظ أغلبها بالنجاح والاهتمام الغربي، لا من قبل الناشرين ولا من قبل القراء، لذا فجودة العمل لها الأولوية على صيت الجوائز. وأعمال عربية مثل ‘طوق الحمامة’ و’ألف ليلة وليلة’ و’حي بن يقظان’ وغيرها تمت ترجمتها إلى أغلب لغات العالم وفي أزمنة مختلفة، دون أن تكون حاصلة على أية جائزة من أي نوع. مع ذلك، وبشكل عام، أنا أرى أن مسألة الجوائز إيجابية، بغض النظر عن إشكالياتها المعروفة، فكل ما يصب في مصلحة الدعم والترويج لما هو ثقافي وفني أهلًا به”.
نسأل الرملي عما يمثله له وصول أعماله وترجمتها للغات أخرى؟ وهل ثمة اختلاف في قراءة ونقد أعمالك في الوطن العربي عنها في الخارج بمعنى أنها أكثر أو أقل تعمقًا وتوغلًا في فهم أبعاد العمل؟ ليجيبنا “إنه يطمئنني على أن أعمالي تحتوي على أبعاد إنسانية تهم الآخرين من ثقافات أخرى على الرغم من مناخاتها ومواضيعها التي تبدو محلية، وأنني بالتالي نجحت في إيصال ما هو هَم إنساني في بيئتي المحلية ووصله بالإنساني العام، أما عن النقد والقراءات فهما بصراحة نعم يختلفان، نبهني النقد الغربي إلى مسائل عديدة من حيث الشكل والموضوع لم ينبهني إليها النقد العربي، منها على سبيل المثال أنني أصف الموت بجمالية وأن تركيزي على طبيعة العلاقات بين الشخصيات يفوق تركيزي على المكان وحتى على الحدث نفسه أحيانًا، وأمور عديدة من هذا النوع، لكن ذلك لا يعني أن القراءات النقدية العربية قاصرة، وإنما تتناول الأعمال بشكل مختلف”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (العرب) العدد 11106 بتاريخ 12/9/2018 لندن

*ونشر في صحيفة (المشرق) العدد 4143 بتاريخ 19/9/2018 العراق
http://www.al-mashriq.net/inp/view.asp?ID=129151