الخميس، 1 ديسمبر، 2016

عن: الفتيت المبعثر / أوراق – المدى

وجعُ الوطن، ورغيد الاغتراب في "الفَتيت المُبعثَر"
ملحق (أوراق) المدى
حين يكون الوطن خوفا، جوعا، فقرا، وحاجة، وحين تُنتهك أحلامنا فيه، وتقتل مطامحنا، ولا نجد سوى شظايا ألم في هذا الوطن، وحين تُلبس الحروب أكاليل عُرسٍ لشبابها، وحين يحيطنا الألم ثم الألم، ويُلاحقنا القلق والارتعاب، وتُهددنا اصواتنا بالوشي بنا، ويحاصرنا ترهيب الطغاة، سنجد أن ارضنا وأوطاننا تضيق علينا كقبر مظلم تخنقنا تحت رمالها، وسنعمل جاهدين على التحرر منها، ونكسر قيود الإنتماء التي لانجد معنى لها، ونلتجئ إلى أحضان الإغتراب، سائليه احتواءنا"، هذا ما لخص به الروائي محسن الرملي فترة الثمانينات من القرن الماضي في روايته"فتيتٌ مُبعثر"التي صدرت عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون.
هذه الرواية عُدّت الأولى لكاتبها "محسن الرملي" وحازت على ترجمتها إلى الانكليزية، كما حصلت على جائزة أركنسا الامريكية للعام 2002، كما صدرت ترجمتها إلى الاسبانية عام 2014 بعنوان "وداعاً أبناء العمومة"، ولأهمية هذه الرواية عُدت منهجاً يُدرس في جامعة  القاضي عياض المغربية.
الرملي يصف في هذه الرواية قصة عائلة عراقية، ويبحث في معاناتها وصراعها الاجتماعي في ظل الحروب السلطات الدكتاتورية، تتحدث الرواية عن فترة الثمانينات وما تخللها من حروب ومشاكل في ظل الانظمة آنذاك، وقد حظيت هذه الرواية منذ صدورها إلى الدراسة والإهتمام، كما كتب البروفسور كاميران راستيغار من جامعة كولومبيا الامريكية مقالاً عنها في مجلة"جمعية الدراسات الشرق أوسطية"أن اساتذة الرواية العربية المعاصرة والتاريخ أو السياسة العراقية أو الاقليمية الحديثة سيجدون هذا النص بلا شك ما يستحق لاتخاذه مادة في دروسهم.
هذه الرواية القصيرة تتحدث عن المرحلة الثمانينية من تأريخ العراق، حيث يبحث بطل الرواية والذي هو ذاته الراوي في موضوعة الهجرة، مقتفياً آثار صديقه وابن عمته الذي عاش في الريف العراقي أشبه بنكره يجلهه الجميع إلا أن هجرته خارج العراق مكنته من أن يستحوذ منزلة جيدة، فهذا الذي لم يكن غيابه ووجوده يعني شيئاً لأحد إستطاع أن يكون شخصاً مهماً خارج هذا البلد.
وهنا يحاول الرملي أن يشير إلى أن هذا الوطن أشبه برمال تبتلع أبناءها، بهوياتهم، وشخوصهم، وتجعلهم مجهولين في كل شيء ومتلاشين في كل شيء، وحين يغادر أحدهم خارج هذا الوطن سيكونون كمن يخرج من الظلام إلى النور، مُجددين هويتهم وإنسانيتهم، فيعترف بوجودهم في المنفى بعيداً عن الارض والوطن.
ويرمز الرملي هنا أن المنافي تصبح أحياناً وطناً يحتوي اللاجئين لها، وتقسو الأوطان والأهل علينا فيصبحون كقبرٍ يدفننا بوجودنا ومطامحنا ونحن على قيد الحياة.
وهنا يتحدث الراوي أن الاعوام توالت عليه من بلد إلى أخر في محطات الانتظار، وسط مكالمات مقطوعة، ورسائل لاتصل أبداً وليس ثمة اخبار عن أهله، كانت الغربة تشبه السجن، وهنا يعبر الكاتب الراوي عن وحدته فلمن سيحكي معاناته، ووحدته، وألمه في بلد غريب لا أحد يفهمه، وهو الذي لا يفهم أحد، ما كان عليه سوى استذكار وجوه من يحب، عمته، أهله، وأخته المريضة.
ويتطرق الكاتب إلى صفات الجمال في الخارج، عمّا يسكنه في بلده، الهواء الذي يعبر عن حريته الذي يفتقر لها، والطبيعة الجميلة، أسماء الاشياء والأحياء، وكل ما يحيطه بتفاصيله يعبث للحرية، والطمأنينة التي يجدها في غربته والتي يحرم منها في وطنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي لصحيفة (المدى) العدد 3651السنة 13 بتاريخ 22/5/2016م

الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016

عن: ذئبة الحب والكتب / سهاد الفياض

بعد الذئبة
سهاد الفياض
بعدَ قراءتي لرواية الكاتب العراقي الدكتور...(محسن الرملي)...(الفتيت المبعثر)، أثارتني الرواية بعمقها وبكيتُ مع سطورها الأخيرة، هو كتبها عن قريته لكنني عشتُ مع أحداثها وكأني في بلدتي البعيدة.. تشابه عجيب بين أبطال الرواية واشخاصٍ مروا بحياتي... تحدثتُ مع الدكتور وأبديتُ إعجابي بها... فاجأني أنه يريد مني قراءة روايته (ذئبة الحُب والكتب) لأنه كتبها عن امرأة تحكي حكايتها مع الكُتب والحب، ويريد رأيي هل نجح في ذلك لأني إمرأة تستشعر إحساس المرأة..
من المؤكد أن الدكتور ليس بحاجة لرأيي، فقد كُتبَ عن روايته الكثير، لكنه التواضع، الذي لا يملكه إلا المبدعين الكبار أمثاله.
شاءت الأقدار أن أقرأ بعدها روايته الأخرى (تمر الأصابع)، وجاءت اللحظة لأقرأ (الذئبه)... يا ألله... ماذا أقرأ..؟؟
كيف يمكنُ لرجل ٍأن يصف بهذه الدّقه والعذوبة ما يختلج بصدرِ طفلة ثم نضجت فأصبحت فتاة ثم إمرأة ثم زوجة ثم أم.. عجيب، مُذهل هذا.. المحسن..!!.. وجدت نفسي لا أستطيع ترك الذئبه.. تلبستني... في يقظتي ومنامي... أكيد هو سمع عني أو أحدهم باح لهُ بأسرار قصصتها له... سألته هل تعرفني دكتور؟.... ضحك لماذا؟؟... بالله عليك كيف استطعت تصوير دواخل نصف نساء الكرة الأرضية...؟؟؟؟
*يا نساء العالم.. على الأقل صديقاتي منهن، اقرأنَ (ذئبة الحُب والكُتب)، بعدها أبداً.. لن تخجلنَ من مشاعرٍ هي من الله.. وليست من سواه.
بعد انتهائي من الذئبه بكيت مع نفسي طويلاً...وسجلتْ آهاتي هذه الكلمات:
بعدَ الذئبةِ
رجلٌ واحدٌ... واحدٌ فقط
يمكنُهُ إسعادُكِ أو إذلالُكِ 
يا للشقاء 
أنتِ رهينةُ خاتمٍ وعقدٍ 
أبرمهُ قاضٍ غبيٌ أو ذكي
لا أحبُّ ظلمَ الآخرين
فيلعبُ ذاك التافهُ أو قد يكونُ بارعاً
بكلِّ مقدراتِكِ 
ما فوقَ الأرضِ منها والمُختبِئ
يستخرجُهُ بأظافرَ يقطرُ
دمُكِ منها
يلحسُهُ بشراهةٍ
أيَّتها الذئبةُ المسكينةُ
تجلسينَ القرفصاءَ.. تحنينَ ظهرَك
تتجنَّبينَ سياطَ الشوقِ والذنبِ
قدرُكِ أن تأتي أنثى بتاءٍ
مهما افتعلتِ الصلابةَ
عوّقتكِ الهاءُ 
لطمتكِ الإرادةُ، استكيني 
فحتى إناثُ الذئابِ إناثٌ
ماذا فعلتَ يا قاضيَ البعيد
أراكَ تحملُ كلَّ سعادةِ 
وتعاسةِ وآثامَ ...الأيام 
ستنتهي الأيامُ وتنتهي الأفراحُ
و تعمُّ الدموعُ.. ويبصمُ التافهُ 
إمّا رضاً فيترحَّمُ عليكِ 
أو سخطاً فيلعنُكِ حتى البغاةُ
آهٍ منكِ... كم أنتَ ظالمٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سهاد الفياض: شاعرة وقاصة عراقية، من أعمالها: (الحب كلمة) و(الصبح ينتظر).

الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

محسن الرملي.. في حوارٍ ثقافيّ إبداعي/حاوره: عذاب الركابي

              الروائي العراقي محسن الرّملي

                  في حوارٍ ثقافيّ إبداعي

الشِعر ليس بمسالِم.. أبداً
أراهن على الشعر فناً متمرداً  

                                          حاورهُ: عِذاب الركابي

                                                                    القاهرة على هامش مؤتمر القاهرة الدولي للرواية 2015

د.محسن الرملي كاتبٌ، يربضُ في إيقاعِ كلمةٍ، تأخذُ شكلَ الفسيفساء الباهرة، شعراً، وقصّة قصيرة، ورواية، ونقداً، وترجمة.. يجدها مغامرةً، وهي شاقة وعذبة في الآن، ولكنّها وجودٌ وحياة ٌ.. تجدُ الذاتُ فيها (ذاتَها)، وهي تعقدُ حلفاً دهرياً مع الكلمات، للسَّفر الدائمِ على زورقٍ مخمليّ  في بحرِ هذا الإلهام البهيّ.. المتعدّد!!

محسن الرملي كاتبُ فقط..!! بعيداً عن كلّ الألقاب وبريقها الخادع، في وقتٍ يلهثُ فيه الكثيرون على لقب (الروائي) و(الشاعر) و(الناقد)..!!

يُحبُّ الشعرَ لأنّهُ لحظةُ وجودٍ..فرحُ الذات المتشظية..إيعاز الروحِ وهو بمذاقِ التديُّن.. انعتاق الجسد وحريته من سجنِ الرغبات.. ينحازُ إليه، مؤيّداً بجنون أصابعٍ ضروريّ،وموسيقا قريحةٍ لا تهدأ.. ويخافهُ في الآن!! يُحبُّ فيه قدرته على تجميل العالمِ، بكلّ ما فيه من تفاصيل جميلة، ويخافهُ من غدرِ وطيش قوافيه وأخيلته ، وتمرّدهِ في اللاوقت، وهو عذابُ اللغة وفتنتها وصانعها بامتياز!! وهو لغة اللغة، وخيالُ الخيال، والزورق الملائكيّ الآمن الّذي يغامرُ بهِ المبدعُ، وهو (يلهو بالاستعارات) متحدياً مقولة "ميلان كونديرا" هذهِ!

يُراهنُ على الشعرِ كفنٍّ متمرّدٍ، صعبٌ أن يتنازلَ عن كرسيِّه الوثير، وإذا ما ابتعدَ الجمهورُ والناشرُ عنهُ، فأنّهما سيعودانِ إليه معتذرين، موقدين شمعاً، وساكبين دمعاً حجرياً، فهوَ استراحتهم المخملية من صخب وفوضى سائر الفنون..!!

 محسن الرملي الروائي الذي أضافَ إلى السردِ العربي ما هو جديد ومُثير، أعماله التي صدرت في أسبانيا، والعواصم العربية وترجماتها إلى أكثر من لغةٍ تقولُ أكثر من ذلك!! لديه الرواية (رؤية للعالم والحياة).. وهي بالفعل لحظة اختصار للعالم، وصورة للحياة، وإنْ بدت (ملعباً للجميع) على حدّ قوله، فأنَّ اللاعب الأمهر هو مَن يضيفُ ويستمرُ.. أمّا اللهاث المحموم على كتابة الرواية، وإن بدا صحياً، لكنّهُ نداء السوق الذي(يتاجر بما يحتاجهُ الناس)، وليسَ نبضَ واقعٍ ثقافي..!!

كمترجمٍ عن الأسبانية، ينحازُ إلى الترجمة بكلّ أنواعها، لأنَّها فعلُ (حبّ) وليس فعلَ (خيانة) كما يرى بورخيس.. الترجمة ليسَتْ ضرراً، لأنها معرفة، وثقافة، وتواصل إبداعي وحضاري!!

الرمليّ يحبّ"الكتابة" و"مدريد"، هما عاشقتانِ أزليتان بفقهِ الروح، كلتاهما حُلمهُ الأبديّ، أما الكتابة فهي حريتهُ القصوى، وأمّا مدريد فهي المعشوقة المتقنة لكلّ فنون العشق فيما يصنع الحياة ويجمّلها، وهو الظاميءُ أبداً لعناقها، ولأضواء شوارعها، وهدوئها، وحريتها، وأمانها، وإذا ما سافرَ فأنَّه يسافرُ منها وإليها.. حسناء بكلّ صوت القلب، باهرة الجمال، ماهرة في تدفئةِ القلب بعطرها وإغوائها الدائم!!

صدرَ لهُ :. من القصّص القصيرة :-هدية القرن القادم – الأردن 1995-أوراق بعيدة عن دجلة – الأردن / وأسبانيا 1998-ليالي القصف السعيدة – القاهرة 2003-برتقالات بغداد وحبّ صيني – الأردن 2011. الروايات :-الفتيت المبعثر – القاهرة 2000-تمر الأصابع – باللغة الأسبانية – مدريد 2008باللغة العربية – بيروت 2009-حدائق الرئيس – أبوظبي / وبيروت 2012. الشعر :-كلنا أرامل الأجوبة – بالعربية والأسبانية 2003 والإنجليزية – مدريد2003-نائمة بينَ الجنود – بالعربية والأسبانية – القاهرة 2011-خسارة رابحة – بالأسبانية – كوستاريكا 2013. المسرح :-البحث عن قلب حيّ – مسرحيات – أسبانيا1997
. تُرجمت أعمالهُ إلى اللغة الأسبانية والفرنسية والروسية والإنجليزية والبرتغالية ولغاتٍ أخرى .. حصلَ على عديد الجوائز الأدبية والإبداعية، آخرها جائزة (أركنسا/ امريكا 2002) عن الترجمة الإنجليزية لروايتهِ (الفتيت المبعثر) . . أسّسَ سنة 1997 مع الكاتب عبد الهادي سعدون دار ومجلة ( ألواح) في أسبانيا. 

                               . الكتابةُ تُشبهُ الحياة ذاتها .

*أينَ أنتَ في هذهِ القارة الإبداعية المترامية الأطراف: قصّة قصيرة، رواية، شعر، مسرح، صحافة، ترجمة، ونقد.. فسيفساء إبداعية باهرة الألوان والخطوط والفكر، أيّ مغامرةٍ شاقةٍ عذبة هذهِ؟ حدّثني!

- أنا فيها كلها مثلما أنا في هذا العالم متعدد القارات، أقطنها كما يقطن الإنسان كل القارات، وبما أن همي وقضيتي هو الإنسان فهو يهمني أينما وجِد. القارات تتشابه في موادها المكونة لها، وكذلك هذه الأجناس الأدبية التي مادتها الأساسية هي الكتابة، لذا عادة ما أفضل تسميتي بكاتب على تسميات أخرى كروائي أو قاص أو شاعر وما إلى ذلك. نعم إنها عملية شاقة ـ عذبة، كما وصفتها، ولكنها في ذلك تشبه الحياة ذاتها؛ شاقة، عذبة ومحيرة وجودياً وأنا أنطلق من هذه الحيرة الوجودية في محاولة لفهم شقائها وعذوبتها وبالتالي جدواها أو على الأقل عيشها بشكل أصح وأفضل... أتمنى أن أكون نافعاً لغيري فيها.


                         . أحبّ الشعرَ بقدرِ ما أخافهُ .        

*مَنْ الأقربُ إليك مِن مدنِ هذهِ الخريطة المرئية؟ أعني مَنْ مِن كلّ هذهِ الفنون الأدبية، مَنْ يجيب عن أسئلتك الحضارية الدهرية  أكثرَ وأبلغَ وأعمقَ؟؟

- الشِعر، لأنه روحها كلها، لذا فهو أكثرها تعبيراً وإجابة، وفي الوقت نفسه أكثرها غموضاً ولغزاً، أنه الصوت والصدى الحقيقي لهذه الأسئلة الدهرية ويشبهها من حيث الانطواء على الأسرار، لذا فأنا أحبه بقدر ما أخافه، أقترب منه يومياً حد الاحتراق عبر القراءة واستهلاكي الدائم له.. وأبتعد عنه محاذراً وخائفاً من كتابته لما له من هيبة في نفسي. 


                      . الرواية رؤية للعالمِ والحياة .
*الرواية هي الرواية وليسَ شيئاً آخر!! هلْ لديك تعريف جامع للرواية؟ أمْ أنها كائن حربائي يصعب الإمساك به؟ هل هرب ميلان كونديرا حين قال: (هذهِ الكيمياء الإلهية)؟ أمْ ماذا؟!
- الرواية هي الرواية وأشياء أخرى كثيرة.. إنها أشبه بكيس كبير يمكننا أن نخزن ونحمل فيها أشياء كثيرة إذا ما أجدنا استعماله. وهي أيضا مرآة تعكس مقطعا من الحياة في زمان ومكان معينين، لذا فهي مرتبطة بالرؤية، أي أنها يجب أن تنطوي على رؤية معينة للعالم والحياة ولو من خلال عينة أو مقطع جزئي منهما. وهروب كونديرا منها، ربما لأنه عارف كبير بها وأنه منظر لها قل نظيره، لذا يخشى أن لا تكون نصوصه بمستوى تنظيراته تماماً.

                            . الروايةُ ملعبٌ للجميع .
*لماذا يجري حتّى اللهاث- جلّ الشعراء والأدباء والنقاد والفنانين نحو كتابةِ الرواية؟بلْ يسيلُ لعاب البعض على لقبِ(الروائي).. أهو زمنُ الرواية فعلاً؟ وهلْ تعتقدُ أنّ هناكَ فنّاً يُمكن أنْ يتنازلَ عن كرسيّهِ الوثير لفنٍّ آخر؟ حدّثني!
- ربما يمكننا القول أننا في زمن الرواية، ولكنني أعتبر ذلك مرحلياً ومؤقتاً وله أسبابه المعنوية والمادية، ولا أعيب على أحد إذا ما أعجبته الموضة وارتداها، أو أن يهرب إلى حضن أم يستقبل كل شيء بعد تعبه من مقارعة أجناس أخرى لا تمنح نفسها بسهولة. والشعر من الأجناس التي لا تمنح نفسها بسهولة ولا يتنازل عن كرسيه أما الرواية، بوضعها الحالي، فهي ملعب مفتوح للجميع وبإمكان أي كان أن يجري تمارينه فيها ويمارس رياضاته الخاصة.

               . الرواية  نداء السوق وليس نبض الواقع الثقافي .
*ألا تعتقد أنّ هذا الحجّ السياحي لمحراب الرواية وراءه فخّ الجوائز؟ أمْ أيديولوجيا الناشر وراء كلّ هذا اللهاث المحموم؟ أمْ ماذا؟؟
- الأسباب متشابكة ومنها على الصعيد الثقافي غياب الفكر والفلسفة والإيديولوجيات في العقود الأخيرة، والناس بطبعها، ومن حقها، أن تبحث عن منظور فكري ورؤية تعينها على تكوين مفهومها عن العالم والحياة، والرواية تقدم هذه الرؤية بشكل من الأشكال، يأتي بعد ذلك تأثير السوق الذي من طبعه، ومن حقه أيضاً، أن يتاجر بما يحتاجه الناس.. فعزز من توفير هذه البضاعة الرابحة عبر كل وسائله الدعائية والتي من بينها الجوائز. 

            . الشعرُ وسيلة التعبير السحرية للإنسان .
*والشعر؟ لماذا هو المواطن المسالم المنفي من وطن الثقافة، وأنه يكتفي بأنين غربتهِ بديوان يصدرُ هنا، وآخر هناك! لماذا ابتعدَ الناشرُ والجمهور معاً عن الشعر؟ أمْ أنكَ ترى غير ذلك؟ فكيف تفسّر هذا الهجران المبرمج وغير المُبرّر لإيقاعاتهِ الحياتية والكونية؟؟
- الشعر ليس بمسالم أبداً، بل هو المتمرد الأبدي على كل ما يتم سنه له من قواعد وقوانين وقوالب وتعريفات، وهو بذور الأوطان الثقافية لذا لايهمه أين يقيم مادام سينبت وطنه منه أينما حل، أما ابتعاد الناشر والجمهور العام عنه فهو ليس بأزمة شعرية كما يصف البعض، وإنما هي أزمة السوق والتجارة الشعرية، فالشعر ليس بتجارة رابحة، وهذا لاينفي وجود الشعر.. بل على العكس ربما هو لصالحة ليكون أنقى وأصفى وأثمن من المتاجرة به، ومهما ابتعد الناس عنه فهم لابد عائدين إليه بعد التعب من الصخب، إنه وسيلة التعبير السحرية للإنسان في كل العصور، ولد مع أول الكلام ولن ينتهي إلا بانتهاء آخر الكلام.

           . الرواية ليست عمل توثيقي بقدر ما هي رؤية .
*أعودُ إلى الرواية قبلَ أنْ نسافرَ على منطاد سؤالٍ أعمى آخر.. أصبحَ (التاريخ) مادة جلّ الروائيين العرب والغربيين، كيفَ تفسّر هذا؟ أهو هروب من الواقع الذي يبدو موحشاً مظلماً وغامضاً؟ أمْ أنَّ الماضي أصبحَ بطلاً روائياً بامتياز؟ أم أنّ أحداث التاريخ مادة غنية، ومصدر التخييل الموصول بواقعٍ أكثر وأعمق تعبيراً.. ماذا تقول؟
- عدا كون التاريخ هو رواية بشكل ما وأن الرواية هي تاريخ، فإنّ الرواية التاريخية هي الأخرى لها أسبابها،ومنها التي ذكرتها سابقاً. إضافة إلى اهتمام السينما بالأفلام التاريخية مما عزز هذا التوجه،وشحة الخيال المعاصر ولجوئه للبحث عن مصادر أخرى. إن الإنسان ذاكرة وبالتالي فإنّ الإنسانية هي ذاكرة نفسها،وبما أن الأحداث، التي تستحق أن تسمى تاريخية،أصبحت متسارعة وعاصفة في كل مكان،في يحتاج الإنسان للتوقف أمامها ومحاولة استيعاب وفهم أسبابها ومؤثراتها وتسلسلها،من هنا تسهل له الرواية التاريخية ذلك،الروائي والمؤرخ يصفان  وجهين لعملة واحدة،ألا وهي الإنسان،الروائي يصف حالها الداخلي في ظرف معين والمؤرخ يصف حالها الخارجي في الظرف نفسه.و(الرواية التاريخية) ليست بعمل توثيقي يلتزم بالمعطيات بقدر ما هي وجهة نظر ورؤية لحدث تاريخي أو شخصية تاريخية أو مرحلة،وما يهم فيها هو الجانب الإنساني أكثر من المادي المتمثل بالحروب والغنائم والخسائر فهذه صارت  أقل أهمية وتاثيراً بالنسبة للقاريء المعاصر الذي يبحث عن تصور معين لتلك الأجواء وكيف عاشها الإنسان وتعامل معها، وليس عن المعلومات البحتة التي يمكنه  أن يجدها بسهولة من مصادر أخرى غير الرواية. وهنا يشكل التاريخ خلفية وحاضنة تتحرك فيها الشخصيات،ومن خلال ذلك نرى كيف يتعامل ويتصرف الإنسان في ظل ظروف معينة، مما يزيد معرفتنا بالكشف عن خفايا النفس البشرية وهذا هو أهم غايات الأدب. 

               . الترجمة فعل( حُبّ) وليسَ فعل ( خيانة) .
*يقولُ بورخيس في كتابهِ الرائع ( صُنعة الشعر):" كلّ ترجمة هي خيانة لأصلٍ فريدٍ لا نظيرَ له".. كمترجمٍ كيف تنظر إلى هذا القول؟ ما الشروط المهمة التي يجبُ توافرها في المترجم الجاد صاحب المشروع؟ وإذا كانت الترجمة فعل تواصلٍ حضاري إبداعي، فكيف تعلّل ندرة المترجمين الحقيقيين المخلصين لهذا الفنّ، وهو لا يتجاوزون عدد الأصابع؟
- قد أتفق مع كون النصوص الحقيقية هي أصول فريدة ولا أتفق مع أنها لا نظير لها، كما لا أتفق مع وصف الترجمة بأنها (خيانة) لأن الخيانة هي فعل يلحق الضرر بالآخر، ولا أعتقد أن أحداً يقوم بالترجمة بهدف إلحاق الضرر بالنص الذي يترجمه، وإنما على العكس فهو يقوم بترجمته لأنه يحبه أو لأنه يعتقد بأهميته، وبالتالي فإن الترجمة هي فعل (حب) وليست فعل (خيانة). وكل الترجمات، حتى السيئة منها، هي إيجابية ومفيدة وتنفع بشيء معين.. ولو بمجرد التعريف بالنص الأصلي بنسبة أربعين بالمائة، وهذا أفضل مما نبقى دون معرفة أي شيء عن ذلك النص، والترجمة أولا وأخيراً هي إبداع لذا فالحكم على مستواها نسبي. شخصياً، أنا مع فعل الترجمة أي كان مستواه، فما نترجمه الآن بشكل ضعيف،ووجدنا بأنه يهمنا، سيأتي آخر ويترجمه بشكل أفضل وهكذا. أما عن قلة المترجمين للأدب فليس ذلك لقلة في الأشخاص الذين يمتلكون القدرة ويحبون فعل ذلك، ولكن السبب الرئيس هو مادي، لأن المترجم الأدبي لا يتلقى مقابل جهده ما يوازيه..للأسف، بل أن بعض المترجمين الكرام مَن قام بالدفع من جيبه لنشر عمل ترجمه محبة به واعتقاداً بأهميته.

          .صحافتنا الثقافية أفضل صحافة وتحتاج إلى جرأة وجدية أكثر .
*كصحفي قديم ومؤسّس لمجلة ثقافية مثل (ألواح).. كيف تقيّم صحافتنا الثقافية، وهي المتهمة أبداً بأنّها صحافة علاقات، ومجاملات، وأنها مرآة مهشمة، أمام تفجّر إبداعي  كبير؟ ماذا تقترح لصحافةٍ هادفة منافسة؟؟
- بصراحة، ومقارنة بما رأيته وعرفته، أرى بأن صحافتنا الثقافية أفضل بكثير من الصحافة الثقافية في بلدان كثيرة، ففي زمن تراجع واختفاء المجلات الثقافية من المكتبات نجد بأنه لازال لدينا صحف ومجلات ثقافية مستمرة منذ عقود، وبينما لا تخصص صحف العالم اليومية إلا صفحة أو اثنتين، أو ليس فيها صفحات ثقافة، مقابل تخصيص خمس للرياضة وضعفها للإعلانات،نجد بأن كل صحفنا تخصص صفحات للثقافة، وصفحاتنا هذه تتميز في كونها تنشر نصوصاً وأخباراً وحوارات ومقالات نقد وغيرها، فيما صحف عالمية تكتفي صفحاتها الثقافية بأخبار عن حفلات موسيقية ومعارض تشكيلية ووفاة بعض الأسماء وصدور عمل جديد للكتاب المعروفين، عادة ما تقوم دور النشر بدفع ثمن نشرها وما إلى ذلك. بالنسبة للشللية والمعارف والعلاقات فهي ظاهرة موجودة في كل العالم وكل الأزمنة وكل الأوساط وليست الثقافية فقط، أما ما يجب على صحافتنا فعله، هو ألا تركن إلى التقليدية والكسل وأن تسعى لتطوير نفسها باستمرار والحرص على متابعة الآليات والأساليب الجديدة التي تبتدعها الصحافة المعاصرة وهي تقاوم من أجل البقاء وسط موجة المد اللأكتروني الكاسحة. وعليها أيضاً أن تكون أكثر جرأة وتأخذ نفسها على محمل الجدية والأهمية أكثر لأنها ليست هامشية وغير مؤثرة، كما يعتقد البعض، فكلنا تعلمنا منها وعرفنا من خلالها الكثير مما ترك أثراً في تفكيرنا وحياتنا.

             . "مدريد " قطعة منّي وأحبّ فيها الأمان والحرية .
*يقولُ الكاتب والروائي الإيطالي إيتالو كالفينو في (مدن مرئية):"المدنُ مثل الأحلام مكونة من رغباتٍ ومخاوف".. كيف ترسمُ بورتريهاً للمدينة التي تقيم في منفاك الاختياري؟ ما الذي يخيفك فيها؟ وما موطن الجمال والإيحاء فيها لشاعرٍ وكاتبٍ وروائي؟؟
- نعم، هي كما يصفها كالفينو، وكثيرة هي المدن التي عرفتها وللحظة فكرت أن أقيم فيها، هذا على الرغم من أنني ابن قرية أصلاً، لكن مدريد التي أعيش فيها منذ أكثر من عشرين عاماً صارت قطعة مني فأشتاق إليها كلما تجاوز غيابي عنها ثلاثة أيام. أعيش في قلبها وهي في قلب إسبانيا التي أحبها. أحب فيها الأمان والحرية وإمكانية رؤية وجه السماء من كل ركن فيها لأنها خالية من الأبراج وناطحات السحاب، أحب فيها ناسها ومقاهيها وشوارعها ومناخها وأنها تُعرف وتمنح نفسها للماشين أكثر من الراكبين، وأنا من المشائين. أحب فيها تجاور الطبيعة والأبنية، الصمت والصخب، ويمكنك أن تنتقل من أحدهما إلى الآخر ببضع خطوات، أحب لياليها الساهرة الساحرة وقدرة المرء فيها على الاختيار في أن ينعزل أو أن يكون اجتماعياً متى وكيف شاء... أما ما يخيف فيها فهو الخوف عليها من أضرار الأزمة الاقتصادية وازدياد البطالة الذي يقلق أهلها أكثر على مستقبلهم المعيشي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عراقيان ضمن المتنافسين على جائزة زايد
ابو ظبي – الزمان: اعلنت اللجنة التحكيمية لجائزة الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان للكتاب عن الاسماء المرشحة لقائمتها التي تتضمن  15 أدبيا. وقال بيان تلقته (الزمان) أمس ان (من ضمن القائمة في فرع الادب العراقيان الروائي رسول محمد رسول والكاتب المقيم في اسبانيا محسن الرملي).واضاف ان (270  عملا تقدم لمنافسات الجائزة للعام الجاري يمثلون  19 دولة عربية فضلا عن 6  دول اجنبية).ويذكر ان عنوان رواية رسول (يحدث في بغداد) فيما  عنوان كتاب الرملي (ذئبة الحب والكتب).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في مجلة (البيان) الكويتية، العدد 542 سبتمبر 2015م
*ونشر في صحيفة (الزمان) بتاريخ 30 اكتوبر 2015م