الاثنين، 12 سبتمبر، 2016

100 قصيدة كولومبية، انتصار الشعر على المخدرات / هاشم شفيق

مائة قصيدة من الشعر الكولومبي
انتصار عالم الشعر على عالم المخدّرات
مائة قصيدة كولومبية
إعداد وترجمة وتقديم د. محسن الرملي
دار المدى، 2014 بيروت/ 140 صفحة
هاشم شفيق
ما أن يُذكر اسم كولومبيا، تلك البلاد المنتمية لأمريكا اللاتينية، حتى يقفز الى الذهن اسم الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، أو المخدرات، وأيضا الشعر. يا لهذه الكلمة الغرائبية المركبة، الشعر والمخدرات، فيها جاذبية فنية، وفيها نوع من التماهي الفانتستيكي، نوع من المخيال المجنّح القادر على تحقيق الجمال في التضاد. والضد كما قيل سابقاً، يظهر حسنه الضد، شعر ومخدرات، كأنه عنوان جميل لديوان شعري، أو لرواية عجائبية تنهل من عالم الواقعية السحرية، حيث يتعايش الجميع، في الجنة المُخدَّرة، شعراء وروائيون ورجال مخدرات وعصابات.
في الواقع هذه هي حقيقة كولومبيا، مدينة الشعر والرواية والمخدرات، مدينة الصحافة والكتابة وجمال الطبيعة، وهي الى جانب ذلك مدينة اللصوصية والخطف والعنف أيضاً. مدينة يعيش فيها المتضاد في حلف دائم، في توليفة مرضية، في تمازج صامت، فالشعر في هذه المدينة معلن كالشمس وشجر الجوافة والظلال الكولومبية، الشعر يحياه الجميع ويُحتفل به ويُرحَّب به، حيثما حلّ في كولومبيا وفي بلدان أمريكا الجنوبية قاطبة، فهو كائن قادرعلى تخطي الموانع والأسوار بحرية، عكس غريمته المخدرات التي تعيش في الظل، في عالم الأسرار والأقبية والأنفاق الأرضية، في عالم المحذور والممنوع والمُحرَّم دولياً.
من هنا الشعر يكون عالمه، عالم الحالمين والذاهبين في جهات المُتخيَّل والشطح والذوبان في الشؤون الجمالية ومراجعها العديدة. إذاً هل الشعر هو نوع من المخدر المبثوث في الخيال؟ هل هو نوع من الهلوسة الربانية التي تبتكر وتُبدع وسائل للتعبير في غاية الإيغال، تجاه أفق محلوم وخيالي وتأمّلي وهذياني، جانح الى التهويمي وكأنه ناهل حفنة من الأفيون والخشخاش والقنب الهندي الذي يعمل عمل السحر والشعر والخلخلة في المخيلة البشرية؟
هذه الأسئلة التي فيها عدوى من مخدر شعري، قد نجد لها أجوبة مقنعة ودالة، في مختارات شعرية قرأتها مؤخراً، لشعراء كولومبيين، جميلين وآسرين، في رؤيتهم الشعرية وفي تعدّد أساليبهم ومفاهيمهم للفن الشعري، تجمعوا ومن أجيال شتى في أنطولوجيا شعرية مترجمة، قام بنقلها مباشرة عن الكولومبية الى العربية الشاعر محسن الرملي، ذلك الأديب والمترجم الذي يتقن الإسبانية والدارس لها والحاصل فيها على شهادة عليا، أهلته لأن يقدم عيون الأدب الإسباني الى العربية .
انطلاقاً من هذه الفتنة المائزة والمتوفرة في الشعر الكولومبي، وجدنا رؤيتنا وذائقتنا الشخصية تتوقف أمام شعراء عديدين، ظهر من بينهم من له أصول عربية، سورية ولبنانية، ليدرجوا ضمن هذه المختارات التي جمعت خمسة وثلاثين شاعراً كولومبياً، مثلوا تيارات وأجيالاً ومدارس عدة، امتازت بما هو عصري وتقدمي وحديث.
من هنا ظهرت لنا، في هذه الأنطولوجيا الجامعة، أصوات شعرية مؤسسة ورائدة وبانية للشعر الكولومبي، منذ مطالع القرن المنصرم وحتى نهاياته، وجلها أصوات مؤسِّسة، لها نهجها الخاص وطريقة تناولها للنموذج الشعري. فإذا كنا قد قرأنا لرموز المدرسة اللاشيئية التي ظهرت في الأربعينيات والخمسينيات، تلك المدرسة التي تعتمد «اللاشيء» طريقة وسبيلاً للكتابة الشعرية، سنجد فترة السبعينيات تتمثل بظهور جيل غاضب، ومحتج وثائر، يقول كل شيء، ليعلن موقفه الإنساني والشعري والفني، مترسماً بذلك خطى جيل الغضب الستيني الذي ظهر في الغرب، وبخاصة في أمريكا، أو «جيل بلا اسم»، وهو الجيل الأكثر تمرداً والمتسم في الغالب بنزعة فردية، ذاتية، لا ترغب في أن تدرج تحت أي مسمّىً شعري. أنه الجيل الأحدث، جيل الألفية الجديدة المنخرط في المهرجانات والوِرش الشعرية والمُعلن عن حياته في وسائط الاتصال الإلكترونية. جيل وصل الماضي بالحاضر، ووصل الى المهرجانات العالمية. ومن أبرز المهرجانات الشعرية التي تميزت بها كولومبيا مهرجان «مديين» العالمي، الذي جمع شعراء من مختلف مدن العالم ليتعرفوا، عن كثب وتماس، على الحياة الأخرى في كولومبيا، ألا وهي الحياة الشعرية والرومانتيكية، وعلى المنابع الفنية والأدبية والفكرية فيها، غير حياة عالم المخدرات وطرقه المحطمة للطاقات البشرية والإنسانية، وبالأخص مجتمعاتها الفقيرة.
يذكرني الشعراء الكولومبيون وأنا مسترسل في قراءتهم بالشعراء العرب، وبخاصة الكبار، فهم يقدسون الشعر، ويعتبرونه خبزاً يومياً، ولذا تحتم على الشاعر هناك، أن يكون شاعراً كلياً، معبراً بكل ما يمتلك من طاقة إبداعية عن هموم الناس البسطاء، ومدافعاً شرساً عن الحريات والمعتقدات والأفكار، ومناضلاً عنيداً، ضد الظلم والطغاة والديكتاتوريات، ولكم يدفع بي هذا لتذكر ماركيز مرة أخرى، وخصوصاً مذكراته «عشت لأروي»، فهو يشرح في أكثر من موضع ويصف الشعر والشعراء. وبما أنه كان قد كتبه في بداية حياته، فيبدو من خلال تلك المذكرات، أنه قد كان شاعراً مرهفاً، وجلّ من كانوا معه يكتبون الشعر ويتعاطونه، جنباً الى جنب عالمهم الروائي والقصصي والسردي، وهذا كان يجري بالطبع أثناء سِنيّ بداياتهم الأدبية.
الشاعرة لاورا فيكتوريا، عاشت مئة عام 1904ـ 2004، بدأت الكتابة في الرابعة عشرة، وصَدمتْ مجتمعها حينذاك بقصائدها الإيروتيكية، ولكنها تحدَّتْ واقعها وتعلمتْ، حتى وصلت الى السلك الديبلوماسي فمثلت بلدها في المكسيك وإيطاليا كملحقة ثقافية. كتبها كانت تثير جدلاً واسعاً لدى صدورها وتبيع بشكل كبير. ففي قصيدة «حين تعود» تقول:
"حين تعود، لن تجد حتى ولا آثار الماضي،
ففي المتنزه، قد ماتت الإوزات والأزهار الحمراء قد جفّت،
وتلك الأشعار المتهللة التي كنت أسمعك إياها وأنتَ تأخذ بيدي،
قد تبدَّلتْ بأخرى متفحّمة."
أما الشاعرة ميرا ديليمار، فهي تختلف عن سابقتها في أسلوبها وطريقة تفكيرها، وفي النماذج الشعرية التي تنتجها. فهي من مواليد 1922، درستْ تاريخ الفنون والأدب والموسيقى في العاصمة الإيطالية روما، وتنحدر من أبوين لبنانيين وهي عمة المطربة شاكيرا، وأسمها الأصلي هو أولغا شمس الحاج. في شعرها ثمة حنين للدفء وللمنازل وللذكريات وللأشياء الحميمة. ففي قصيدة «رجوع» نقرأ:
"أريد العودة الى الذي ذات يومٍ، كنا نسميه جميعاً بيتنا،
أن أصعد درجات سلمه القديم، افتح الأبواب والشبابيك،
أريدُ البقاء فيه لبرهة، للحظة، أصغي فيه الى ذلك المطر ذاته،
المطر الذي لم أعرف أبداً حدّ اليقين، فيما لو كان ماءً أو موسيقى،
أريد الخروج الى الشرفات،
حيث كانت تطلّ طفلة،
كي ترى طيور السنونو التي كانت تعود في ديسمبر،
ربما سأجدها بعينيها المحدقتين بالزمن ولهب المسافات في جبهتها الصغيرة يتقد."
أما الشعراء فجلهم معروف ومشهور في كولومبيا، فشاعر مثل البارو موتيس المولود في بوغوتا العاصمة الكولومبية 1922، نراه في شبابه يترك الدراسة، ليلتحق بالعمل في الصحافة والإذاعة، وهو يعد بحسب المترجم من أهم الشعراء والكتاب الناطقين بالإسبانية، نال خلال مشواره الأدبي جوائز عديدة أبرزها جائزة ثربانتس، عاش معظم سنوات حياته في بلجيكا ومن ثم المكسيك، وهو صديق حميم لماركيز، ومن ثم لنيرودا وأكتافيو باث، اللذين تأثر بهما، سجن في المكسيك بسبب مواقفه السياسية اليسارية، وكان قريباً من عالم السينما، فعمل في العديد من مؤسسات الإنتاج السينمائي، ناهيك عن الروايات التي كتبها وهي تفوق الى حد ما دواوينه الشعرية. ومن رواياته التي ترجمت الى العربية ونالت صيتا وسمعة كبيرتين رواية «عبدول الحالم بالسفن». هنا نموذج من أحدى قصائده المكتوبة عن الشاعر الفرنسي رامبو:
"يا سيد الرمل،
تجوب ممالكَ،
وعبر برج المراقبة،
من أعلى الأبراج تنطلق أوامرك التي سوف تضيع
في الفراغ الأصمِّ لمصبّ النهر،
ياسيد الأسلحة المغرورة،
منذ زمن والنسيان يعمل في سلطاتكَ،
أن اسمك مملكتك،
البرج، مصب النهر، الرمال والأسلحة."
في مقابل هذا الشاعر نجد شاعراً لا يقل شهرة وتميزاً ، هو الشاعر خايمه خارميلو إسكوبار، ويا له من اسم، إسكوبار تاجر المخدرات الشهير الذي صُنعت حول حياته الأفلام، وأشتهر في كل العالم كونه الشخصية الغامضة والمحيرة والملغزة للبوليس ولرجال المخابرات والشرطة، لكن شاعرنا لا يقل سطوة عن هذا، فهو مؤسس مدرسة اللاشيئية في الشعر، وقد منح لنفسه رمزاً هو»إيكس 504»، وقد عرفته مجتمعات أمريكا اللاتينية عبر هذا الرمز، بدلاً من اسمه الحقيقي. في إحدى قصائده المعنونة بـ»الرغبة» يقول:
"يا آليولي،
إني أرغب في أن ألقاك في الشارع،
وأن نجلس في مقهى لنتحدّث طويلاً عن الأشياء الصغيرة في الحياة،
أن نتذكر كيف كنتُ جندياً،
أو حين كنتُ شاباً،
فنخرج معاً نجوب المدينة،
وعلى أطرافها نجلس على العشب،
وننظر الى الغروب كيف يطوّقنا."
ولو أخذنا أصغر الشعراء الموجودين في المختارات الشعرية الكولومبية هذه، سنجد الشاعرة فيفيانا اوسوريو، وهي من مواليد 1985، شعرها بالتأكيد يختلف عن المؤسسين والرواد المذكورين في الكتاب وهم كثر، فشعرها قريب من عالم ما بعد الحداثة، وفيه نجد أصداء العالم الجديد وثورته المعلوماتية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (القدس العربي)، العدد 8583 بتاريخ 11/9/206م لندن.
**هاشم شفيق: شاعر ومترجم وناقد وروائي عراقي يقيم في لندن، وواحد من أهم شعراء جيل السبعينيات العراقي، له أكثر من عشرين كتاباً، منها: قصائد أليفة، أقمار منزلية، صباح الخير بريطانيا، مئة قصيدة وقصيدة، التطريز بالكرز، أشهر من شهريار.. وغيرها.


الأحد، 11 سبتمبر، 2016

عن: حدائق الرئيس / حسين جمعة

حدائق الرئيس .. التاريخ الذي نَحتهُ المظلوم
حسين جمعة
مازلت أحتفظ بنصيحة ذهبية لأحد أساتذتي عندما نصحنا ذات يوم ونحن نقرأ في مكتبة الجامعة، كنّا في بدايات قراءاتنا وقتها، وكل شخص فينا يهوى اختصاص معين ليبدأ قراءته فيه رغم اختصاصنا الأكاديمي المعروف، فكانت كتبنا ذوات اختصاص (الفلسفه، الاجتماع، الدين، الأدب) وكل منّا يحسب نفسه إله القراء العرب، وهذه حالة يُصاب فيها أغلب القراء المبتدئين، وكنّا إذا ما ٱعجبنا بنص أو سطر شَرعنا بتلاوته للآخر.. وكأن بيننا سباق التقاط الإقتباسات الجميلة. كانت نشوة القراءة تزداد فينا كلما قَلب أحدنا ورقة من الكتاب الخاص به، وفي غفلة سَمعنا صوت خفيف وكأنه همس لأستاذ مادة التاريخ يَطلب مساعدة أمين المكتبة لمعرفة الكتب التي جُلبت يوم أمس من شارع المتنبي لرفد مكتبة الجامعة بكتب جديدة، تهامسا فيما بينهم، وعَرفنا بأن أمين المكتبة قد إعتذر للأستاذنا لعدم جاهزية إدخال الكتب الجديدة قسم الأرشفة والترقيم المكتبي بعد. اقترب الأستاذ بعد أن لَوح بيديه كعلامة تدل على السلام من دون كلام يصدرة، سَلمنا بدورنا وأزاح أحدنا كرسيه ليجلس بينما هَم أحدنا ليجلب كرسي خامس، حيث كراسينا أربعة فقط، سأله أحدنا عن كتاب الأستاذ الجديد الذي  دفعه مؤخراً إلى المطبعه ولم ينشر بعد، ليجيب أستاذنا بعد أن عَرف بأننا قد تركنا ما في أيدينا لنغلق كتبنا مع إبقائها أمامنا دلالة على أننا قراء وأصدقاء للمكتبة، بعد أن سألنا؛ ماذا تَقرأون، وعَرف فيما بعد بأن كُتبنا هذة من أول الكتب التي نَقرأها خارج كتب الاختصاص في الجامعة، قال: "على القارئ المبتدئ أن يبدأ قراءته في معرفة تاريخ بيئته، مدينته، بلده، بقدر استطاعته وكفايته لمعرفة بلده وإن لم يستطع فليقرأ عن الثلاثين أو الأربعين سنه الماضية ليعرف ويفهم  ما حَوله، فمن لا مَاضي له لا مستقبل ينتظره، وإن كان ماضياً مأساوياً". خرج الأستاذ وخَرجنا معهُ، مرة يطلق المزاح فنضحك ومَرة نَطلقها فيبتسم.
تَخرجتُ ونسيتُ ذكريات كثيرة فلا مرادف لذَكرها، فقد تَفرق كل شيء.. أما نصيحة الأستاذ فقد طويتها مع ذكريات الجامعة وعُدتُ الى قراءتي فيما أحب، إلى أن جاء اليوم الذي تذكرت كل كلمة قالها الأستاذ وكأنه جالس أمامي... فقبل شهر واحد تقريباً، حدثني صديقي المغربي عن بَلده بمختصر مفيد، وسألني إن كنت أعرف شيئاً عن المغرب، فكان جوابي له اني بحكم قراءتي أعرف المغرب من خلال قصص محمد شكري فقط، ولا أعرف معلومات أخرى غير أسماء المدن ولهجتهم الغريبه التي لا أعرف ترجمتها مطلقاً، سألني بعدها صديقي المغربي سؤالاً صدمني فيه حين قال: كلمني عن العراق؟
أخذت أسرد له الأحداث التي يمر بها العراق، بعد أن تطرقت الى معلومات لثورة العشرين والعائلة المالكة ثم عبدالكريم قاسم ثم أحمد حسن البكر ثم صدام حسين ثم تطرقت لحرب الخليج الأولى والثانيه وأحداث ما بعد السقوط، ذكرتها بسطور موجزة. راسلني بعدها ليسأل عن غزو الكويت وعن حرب إيران وعن بطولة صدام حسين، وعن سنة العراق وشيعته... إلخ، سألني عن الكثير، ربما بحكم تَصدُرنا الأول في نَشرات الأخبار. استذكرت بعد سؤاله مباشرة نصيحة أستاذي الذهبية وكأنني أسمعها لأول مَرة، وحققت ما أردته وأرادهُ أستاذي حين اشتريت صدفة رواية للكاتب العراقي محسن الرملي، بعنوان "حدائق الرئيس" فغصتُ في بحر همومها لأبكي تارة، وألعن وأشُتم أخرى.. وكأنني مخبول كإسماعيل الأبله حين رأى رؤوس أبناء قريته في حَيرته... كانت الرواية عبارة عن عراق مصغر يتكون من ثلاث أشخاص "أبناء شق الأرض".
أبطال الرواية: عبدالله كافكا، طارق المُندهِش، إبراهيم قِسمة، كل واحد منهم كان تاريخاً لحاله، تاريخٌ عراقي بقلم أمين ذكر ما علينا وما لنا؛ من حرب الخليج الأولى ومعاناة الجنود الأحياء والجنود الأسرى وما لحقهم وجرى عليهم في سجون الأسر، ومن جبروت زجهم أحياء في طريق طويل بعد الانسحاب من الكويت، ومن غزو النُهاب لأملاك الكويتين، إلى حدائق الرئيس حيث يعيش كملك في جنته، وشعبه يبكي ألم الجوع المسرطن...
الرملي في روايته، ذكر بعين الباحث الأمين تقلبات الأشخاص في نظام الحكم في شخصية زوج قسمة إبنة إبراهيم، وفي الأشخاص الموالين للجمهورية الإسلاميه والذي يطلق عليهم بـ "التوابين"، وفي شخصية قسمة...
الرواية تاريخ لثلاثين سنة ماضية، كتبها الرملي كشاهد حقيقي على الأحداث، فقد عايشها بمُرها وألمها ومَوتها وحُزنها.

كَتبَ أحدهم مُعلقاً على الرواية "يجب أن تُدرَّس في المدارس ضمن حصة التاريخ العراقي".. نعم، فهي تستحق ذلك وأكثر، فالأحداث التي يكتبها المظلوم تُنحت في ذاكرة التاريخ، وما (حدائق الرئيس) إلا تاريخ خَطّهُ مظلوم عن مظلومين.
*حسين جمعة: كاتب من العراق.

الاثنين، 29 أغسطس، 2016

سرديات الحب والحرب والآخر / باقر صاحب

«برتقالات بغداد وحُب صيني»
سرديات الحب والحرب والآخر

    باقر صاحب 
من يقرأ المجموعة الأخيرة للقاص والروائي محس الرملي «برتقالات بغداد وحب صيني» الصادرة بطبعتها الثانية في بغداد، عن دار نشر سطور، هذا العام، من يقرؤها يدرك تنوع ثيماتها وحيويتها، فهناك ثيمات الحب والحرب والهجرة وتعايش الثقافات كما اختلاف تعاملاته السردية معها، منها الواقعي والرمزي والتجريبي.

متعدد الإبداع
محسن الرملي، الأكاديمي والشاعر والمترجم العراقي المقيم في اسبانيا، غادر العراق في تسعينيات
القرن الماضي. فترة الإقامة الطويلة في إسبانيا كان لها الأثر الكبير. 
كتاباته شعرا وقصة ورواية، فضلا عن ترجماته، ندرك فيها التأكيد على تعدد الثقافات وضرورة
التعايش معها، والتأثيرات المتبادلة بين الشرق والغرب.
 وفي قراءة فاحصة لمنجزه الإبداعي الغزير، نوقن أن الرملي يعد أبرز الأدباء العراقيين المغتربين، الذي استثمروا الإقامة في أوروبا أفضل استثمار، على الصعيد الثقافي.
على الرغم من  أنه لم يبلغ الخمسين من عمره بعد، فهو من مواليد العام 1967. له في الرواية «تمر الأصابع» و«حدائق الرئيس» و«ذئبة الحب والكتب» و«الفتيت المبعثر». وفي القصة «هدية القرن القادم» و«أوراق بعيدة عن دجلة» و«ليالي القصف السعيدة». 
وفي الشعر «كلنا أرامل الأجوبة» و»نائمة بين الجنود» و«خسارة رابحة» وفي المسرح «البحث عن قلب حي». 
وفي الترجمة من الإسبانية إلى العربية «المسرحيات القصيرة» لميغيل دي ثربانتس، و«مختارات
من الشعر الإسباني في العصر الذهبي» و«مختارات من القصة الإسبانية في العصر الذهبي» و«واقع الرواية في العالم المعاصر.. شهادات وقضايا».. وغيرها.

تعايش الثقافات
ضمت المجموعة 12 نصا قصصيا، منها: التلفزيون الاعور، برتقالات وشفرات حلاقة في بغداد، مختلسات من راسي الهذرام، بدوي الثلج، البقرة الوجودية، عيون، الشاعر الشجرة، أقاصيص.. الولد المشاكس، وغيرها. 
ولضيق المجال المتاح لنا هنا، أكدنا على نصوص الانفتاح على ثقافات الآخرين والتعايش معهم و العمل على التأثير فيهم، متناولا إياها بأساليب سردية عديدة، منها الميتا سرد، في قصة حب عراقي- صيني، طارحا تساؤله، هل هذه قصة، هي قصة حب بين عراقي وصينية ثم افترقا. 
ميتا سرديتها كامنة في توقع أفق انتظار القارئ، هل سيحسبها قصة مستجيبة لعناصر القص: «ربما أن هذا الأمر لا يحسب كقصة في قراءة آخرين لأنه مجرد حكاية (امرأة ورجل) متكررة بشكل يومي منذ أول الزمان والاختلاف هنا في كونهما (صينية وعراقي)»: ص53.
هي إذن قصة حب انتهت سريعا، ولكن كيف يشكل القاص منها قصة بمتطلباتها كقصة ناجحة، هنا تبرز مهارة الكاتب. فقد بدأ قصته من حيث انتهت علاقة الحب، ومنذ اللحظة الأولى ينتبه القارئ، إلى أن هناك راويا بضمير المتكلم يخاطب غائبة، إذن هي قصة على شكل رسالة من بدايتها إلى نهايتها. 
العراقي بثقله المعرفي يريد أن يرصن هذه العلاقة بحمولات شخصية وتاريخية وقومية ودينية، وهي تقول له لاحاجة الى ماتذكر، ومن هنا بدأ الخلاف يكبر بين العراقي المثقل بمعاناته الشخصية ومعاناة بلده ومواطنيه، والصينية التي تكره التاريخ والحروب، فهي تريد أن يحدثها عن الرسم، ومن ثم تتخذ قرارا بتركه.

محاور متعددة
قصة «بلد الباحثين عن بلد»، تتناول العلاقة بين فتاة من أب اسباني وأم مغربية تعيش في اسبانيا وشاب من أب مغربي وأم اسبانية يعيش في المغرب، هما يعيشان على ضفتي مضيق جبل طارق - ضمن الحدود البحرية الفاصلة بين البلدين المغرب واسبانيا- كلا في ضفة، ويتنقلان بين الضفتين أيضا بحكم أن كلاهما خليط من دماء عربية وأوروبية، تشغلهما فكرة هذه الإجناسية المشتركة، ويسعيان إلى جذب كل من هو شاكلتهم لتأسيس بلد افتراضي لهم أسموه بلد المضيق، ثم عدلا عن ذلك ليسموه بلد المتسع، في إشارة إلى أنه يتسع لكل ذوي الجنسيات المشتركة. اذن هي قصة حاذقة  في استثمار فنتازيا العالم الافتراضي لتوليد الافكار المؤمنة بهذا التعايش الضروري بين الأجناس وثقافاتهم؟
أما قصة «أنا وبقية ابن بقي» فتتحدث عن هجرة مجموعة من جنسيات عربية مختلفة، وبضمنهم الراوي المشارك، وهم في قارب في عرض البحر فروا من ضيم بلدانهم ومضوا إلى وجهات مختلفة
« كنا ستة في (قارب الموت) وسابعنا الضياع. أحمد الفلسطيني يغفو محتضنا مفتاح بيتهم الذي هدموه، أحمد الجزائري يحلم بباريس، أحمد المغربي لا يريد أكثر من يجلب مهر فطومة.. فيما أبحث أنا عن أرض تلفيني ولم أجدها منذ أن غادرتك يا بغداد»: ص25-26، فكان قارب البوح بهمومهم وتطلعاتهم وخشيتهم الملازمة لهم طوال الرحلة، من دوريات الشرطة البحرية. يقول الرملي في أحد حواراته: «في الثقافة الاسبانية يقولون: الورق يحتمل كل شيء». 
وهذا ما فعلته، حيث أصب كل ما يثقل تفكيري وذاكرتي وأحلامي وقلقي على الورق، لكي أتمكن بعدها من مواصلة حياتي بشكل أكثر تخففا وصحة، وهو المفهوم القديم نفسه الذي كان لدى الإغريق القدماء، أي دور الفن في التطهير».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*باقر صاحب، شاعر وناقد وإعلامي عراقي.
*نشرت في صحيفة (الصباح) العراقية، بتاريخ 28/7/2016م

أنا وحنين محسن الرملي في تمر الأصابع/ جواد كاظم محمد

أنا وحنين محسن الرملي المتوحدان في إنا وحنين شخصياته..
تمر الأصابع رواية محسن الرملي
دار المدى ط 2015//173صفحة
جواد كاظم محمد
"هويتي الأولى حنيني"... صدرت (تمر الأصابع) بالإسبانية سنة 2008 وبالعربية، في بيروت سنة 2009، وترشحت للبوكر ضمن القائمة الطويلة، ولها طبعة مصرية، وأعادت طبعها دار المدى 2015م.
و(تمر الأصابع) هي رواية التحوّل بين الأجيال بصفات التحول: الإنسانية، الاجتماعية، السياسية، التغييرية... ويلغز ذلك كله محسن الرملي من خلال اللقاء الذي يجري في إسبانيا الاغتراب بين الراوي ووالده. فإسبانيا ومدينته العراقية وأنا الراوي التي هي أنا يمتزج فيها محسن الرملي بوجعه في غربته وبين الحنين، كلهن جزء من (تمر الأصابع) عنوان الرواية المطلّسم بذائقة محسن الرملي في أسماء رواياته... ووسط الحنين واللاحنين تكمن (تمر الأصابع).. تلك الرواية الحزينة الحزينة الحزينة الحزينة مثنى وثلاث ورباع.
حزينة في حزن محسن الرملي، حزينة في غربة الراوي الداخلي البطل، حزينة في السرد عن الوطن، حزينة في الانتقام القديم... ووسط هذا الحزن تتكون قرية (القشامِر) ومجتمعها الغريب، المسكون بالخروج عن الدولة وهي عين الدولة التي ظلمت الجميع، ومن ثم تحولات الخارجين منها للتغرب كالأب القديم والأب بصورته الحالية وسط حياته الجديدة.
إبدع محسن الرملي في صفحات الرواية في إبراز مكامن التحول في النفس الإنسانية، وفي إبراز الخلل في علاقة الفرد بكل من الوطن القديم، المجتمع القديم، الوطن الجديد، المجتمع الجديد... وسط متوالية علاقة الأب بالابن، وهي علاقة صاغها محسن الرملي معقدة كل التعقيد دلالة على الخلل الذي يصيب النفس قبل وأثناء وبعد الغربة، وهو خلل طالما عالجه محسن الرملي في مجمل أعماله السابقة واللاحقة.
محسن الرملي راو من حجم خاص.. و(تمر الأصابع) رواية من معنى خاص.. وكما تقول العرب في أمثالها: كلاهما وتمرا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جواد كاظم محمد، رئيس تحرير مجلة (إدارة الأزمة) العراقية.

الأحد، 28 أغسطس، 2016

عن: ذئبة الحب والكتب / جواد كاظم محمد

ذئبة الحب والكتب رواية محسن الرملي
مقدمة ملحمة عراقية
دار المدى 2015/ط2/423صفحة
جواد كاظم محمد
هذه رواية عن وجع الحزن وعن قمم الحزن وعن فراق الحزن، لروائي عراقي أقل ما يوصف به أن لغته مُبينة عن نفسه وعن مراده. محسن الرملي آخذ بناصية الحرف واللفظ والمبنى والمعنى في أعماله السابقة، وهو في هذه الرواية ممسك باعنتهن يجريهن أنى أراد.
محسن الرملي أحد أساطين الرواية العراقية في تحولاته، في بحثه عن نص يعبر عن محسن الرملي، روايته هذه أشبه بسيرة ذاتية منها لرواية، تصف البحث عن الحب ابان حرب تلو حرب وحصار تلو حصار ودكتاتور تتعدد أسماؤه، وهي رواية البحث عن حسن مطلك الأخ الشهيد المعدوم الروائي حسن مطلك الخيالي وحسن مطلك الحقيقي بموازاة محسن الرملي الحقيقي ومحسن الرملي الخيالي. إنها رواية فيها الغربة عامة وخاصة، والاغتراب عام وخاص، وفيها جوهر الثقافة يبرز البطل ومن حوله وتلك المرأة وتلك الثقافة التي تسيل قطر السيل لا قطر المطر في خيال تلو خيال وسير تتلو سيرا. المراة في هذه الرواية هي الذات التي نجدها في الرجل، في تجزئ لإبداع صاحب (الفتيت المبعثر) و(حدائق الرئيس) و(تمر الأصابع).
أوجعتني هذه الرواية جمالاً وحسناً وحلاوة وحزنا، الرسائل الخاصة فيها تبعث برسائل أن محسن الرملي هو روائي عراقي بامتياز، أنتج مقدمة ملحمة عراقية كان فيها حسن مطلك ومحسن الرملي والمهاجِر والمنافي غيوما تصب الحزن العراقي من بغداد لليمن لإسبانيا لعيون تلك التي تتعلم اللغة في منفاها. محسن الرملي أمتعني كما يليق بمتعة تجيء من محسن الرملي...
شكرا إيهاب القيسي، قطب رحى الكتب في المدى لأنك دللتني على محسن الرملي...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جواد كاظم محمد، كاتب عراقي ورئيس تحرير مجلة (إدارة الأزمة)

الخميس، 25 أغسطس، 2016

ذئبة الحب والكتب.. مديح الأدب العالي / صالحة عبيد

الرملي ينصِّب الكلمة كمتْن أول لهذا العالم
«ذئبة الحُب والكتب».. مديح الأدب العالي
صالحة عبيد
يقول الروائي البيروفي «ماريو فارغاس يوسا»: تأتي الأعمال الأدبية في البداية كأشباح بلا شكل... في أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة، بقوة مشتركة بين كل من وعي الكاتب وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت، وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات، لينتج بشكل تدريجي شكل النص، وإيقاعه وحركته وحياته.. صنعت اللغة هذه الحياة المصطنعة، وللدقة هي حياة متخيلة.. وحتى الآن يسعى الرجال والنساء لتلك الحياة.
فور قراءتي هذه الجزئية من مقال «يوسا»، حول القراءة والكتابة وما حولهما، عاد ليسطع بذهني عمل الدكتور والروائي العراقي محسن الرملي.. «ذئبة الحب والكتب» الصادر مؤخراً عن «دار المدى». الذئبة هي تلك الرواية التي تراوح بين شخصيتين رئيسيتين، أولهما «الرملي» نفسه.. الذي يجعلك تبدأ القراءة وأنت تعتقد أن ما يذكره هنا، هو مجرد توطئه للعمل لتتفاجأ بعد الفصل الأول، بأنك قد دخلت العالم الروائي فعلاً، العالم الذي تجعله اللغة هنا متخيلاً حتى وإن بدأت بفكرة معاكسة.. لتنسل بعد ذلك في الفصل الثاني إلى الشخصية الأخرى، حيث «هيام» السيدة الأربعينية المتزوجة، والمهاجرة العراقية إلى إسبانيا التي تعتاش على الكتب.. الأدب، وما يبقيها على قيد الشغف في ذلك العالم المتخيل الذي تتوق إليه بشدة وشراسة، ربما هي أقرب للذئبية، إلى الدرجة التي تقرر أن تجعل منه عالماً شبه واقعي، من خلال مجموعة رسائل تصوغها إلى حبيب متخيل. وهذه الرسائل، شكلت القاعدة التي بني عليها العمل، حيث المسرح العريض، الذي يحوي كل ما يحتاجه العمل السردي من مراحل زمنية وحكاية وحبكة وشخوص.
هناك أيضاً شخصية رئيسية ثالثة لا يذكرها العمل بصراحة، لكنها تلعب دوراً محورياً في ربط الفصول ببعضها، وصياغة حبكة العمل.. فـ«حسن مطلك الرملي» شقيق «محسن الرملي» والأديب العراقي الجميل جداً والمبتكر إلى حد لا يصدق، والذي جرى للأسف الشديد إعدامه في 1990 ميلادية، هو الرابط الذي أوصل «هيام» بـ«محسن» بين الفصول، وهو الذي يجعل العنوان متسقاً مع فكرة العمل، فالكتب التي قرأتها «هيام» لحسن مطلك، والتعلق الشديد بلغة «حسن» الذكية والمرهفة والملغزة في آن، هي نفسها الرغبة اليائسة الأخيرة، التي حدت بمحسن الرملي إلى إنشاء مدونة إلكترونية لحفظ أعمال شقيقه، وإعادته دائماً إلى الذاكرة رغماً عن أنف المستبد. امتزاج الرغبات هنا أتى بتلك المصادفة الإلكترونية، مهدها اختيار الشخصيتين لبريد إلكتروني، يحمل اسم إحدى روايات «حسن مطلك»، رواية «دابادا»، مع بعض الاختلافات، تلك الصدفة التي مكنت «محسن الرملي»، من قراءة رسائل «هيام»، التي كانت توجهها لحبيب مجهول الاسم بداية، قبل أن تطلق عليه اسم «حسن» تيمناً بـ«مطلك» الراحل.

شذرات سيرة ذاتية
وبين صوتين، «هيام» و«محسن الرملي»، ودور «حسن مطلك» الخفي، تراوح الفصول وتتمازج. هنا ربما شذرات سيرة ذاتية مجتزأة لمحسن الرملي في الفصول الذي يتحدث فيها بصوته. وهناك على الجانب الآخر، حيث صوت هيام الأنثوي، تشع المرأة المثقفة التي تحب الحياة، رغم كل ما مر بها من العراق ثم الأردن وصولاً إلى إسبانيا، في صور وتداعيات للذاكرة والأحداث، والانعطافات المهمة وما يشملها من قضايا حول الوطن والحب والحرب، وغيرها مما هو مسكوت عنه في المجتمع الذكوري الممتد، والذي ينقل ذكوريته الشرقية تلك بشكلها السلبي حتى إلى البلاد التي لم تعد تؤمن إلى حد كبير بسيادة الرجل على المرأة، وهو نقد ضمني قد يحاول الراوي من خلاله أن يشير إلى أن التغيير والنضج الفكري والاجتماعي لا يحدث بمجرد الانتقال الجغرافي للمكان، وأن الأمر يستعد استعداداً معرفياً تراكمياً، هو الذي حول هيام بثقافتها الذاتية التي تنمو في الوقت الذي توقف من حولها عن ذلك النمو، هيام التي تمارس في العمل فصلاً من الثرثرة طويلة جداً.. بعضها مكرر إلى الدرجة التي قد تجعلك تتساءل: هل عمد الدكتور «محسن» كروائي إلى ذلك، من باب تقمصه المتقن لشخصية الأنثى، التي تقرر أن تتحدث عن كل شيء بأدق تفاصيله، حتى لو تكررت الأحداث وبات ترديد بعض المواقف واضحاً ومستهلكاً، أم أنه تكرار سقط سهواً، فذهب بصبر بعض القراء على فصول هيام الطويلة، كما أن هناك ملاحظات تبديها هيام، قد تجعلك تبصر صوت السارد الرجل، وليس صوت هيام الأنثوي، لتتساءل مرة أخرى: هل هي خشونة المحطات التي مرت بها امرأة، كان جل ما تريد أن تحب وتقرأ، هو ما حولها إلى تلك الشخصية، بصوتين أنثوي وآخر ذكوري، أم أنه سقوطٌ ساه آخر من الروائي الرجل؟
هناك على الجهة المقابلة، جو إنساني جميل مصاحب للعمل، يستعرض فيه الراوي بشكل غير مباشر أحوال نماذج متنوعة من شخوص العالم السفلي، وعندما نشير للعالم السفلي هنا، نذهب إلى أولئك المهمشين، الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم زوائد بشرية طارئة لا يتم الالتفات لها لخلفية حيواتها الكاملة، ولهمومها التي قد لا يبصرها إلا من تعايش معهم بشكل يومي، ففي تلك الشقة المكتظة التي انتقل إليها «محسن» بطل العمل في الأردن، كانت هناك سير قصيرة ومؤلمة للبسطاء المهاجرين، بحثاً عن عيش يستمر بكرامة، وحالات يأس وجذل متشابكة في اليوم الواحد، ونهايات منكسرة لبعضهم هم الذين لا ينفصلون عن السيرة الكبرى لهذا الشرق الملتهب، بالوجع الإنساني المستدام، ثم هناك عاملة المنزل السيرلانكية، في استقراء لحالة إنسانية خاصة، حول ذلك الآخر الذي نختلف معه في اللغة والسحنة، ونشترك في الهشاشة، والاغتراب، وأسئلة الوحدة والحب والألفة، إن شيئاً ما في العمل، كان يستند بشدة على هذه الشخوص، على فكرة أنك في بحثك عن الإنسان الذي تحب والذين تلخصهم «هيام» في بحث «محسن» عنها، ستتعثر بآخرين.. يُقَوُمُونَ عودك أثناء ذلك السعي، لأنك محاط بهم، ستكتسب شيئاً من التوهج الإنساني الخارق، والفهم الأصدق لهذا العالم، بداية من أولئك الذين لا يعيرهم العالم نفسه انتباهاً، فيما لا يدركون هم أيضاً، أنهم يشكلون دعامته، وسبب استمراره، لأنهم الندرة الذين يعيد من خلالهم فهم الصدق والبساطة والوفاء، وهنا تتمنى أيضاً كقارئ لو أن عالم «هيام» البعيد، قد حمل شيئاً من هذه الشخوص البعيدة، فشخصية «هيام» كانت ذاتية جداً في واقعها في أرض المهجر وأعني هنا في مرحلة استقرارها الأخير في الأراضي الإسبانية، لا الماضي الذي ترويه في استحضار لذاكرة سابقة، فالشخصيات التي جاءت في حاضر «هيام»، وقت رواية العمل، جاءت بحضور باهت لم يميز لها ملامح نفسية، تساعد القارئ على تكوين وجهة نظر حولها.. كالدكتور والشاعر الذي حرص على أن يمنحها رواية «حسن مطلك» الأولى، أو شخوص الضفة الأخرى، في حيوات عائلة زوجها، الذين يتقاسمون معها تلك الغربة القسرية.

الحقيقي والمتخيل
أخيراً يأتي ذلك الفصل الأخير وتلك الخاتمة المدهشة، بعد أن ينتقل «محسن الرملي»، في جغرافية العمل من الأردن إلى إسبانيا، حيث يدور في حلقة مفرغة لا تقوده إلى حبيبته المنشودة، ليعود إلى العراق في رحلة أخيرة من باب أن ما تبحث عنه قد يعود ليبحث عنك، نجد أن النهاية تعيدنا وبقوة إلى مدخل «ماريو فارغاس يوسا» الذي تناولته في مقدمة هذه القراءة.. فما الذي صنعته بنا اللغة/‏ الكتاب/‏ الأدب في «ذئبة الحب والكتب»؟ وما الحقيقي من المتخيل؟ أين «هيام» أخيراً؟ أو ما هي «هيام» بالأحرى؟ وهل صنعت هي حسن الحبيب المتخيل، أم أن «حسن مطلك» هو الذي زرع صورة شبحية لها في وعي «محسن الرملي» بطريقة غير مباشرة سببها الأساسي هو إصرار «محسن الرملي» على أن لا يموت «حسن مطلق» أبداً، فهل هذه المشاعر المتضاربة كلها، هي ما يقوم عليه الأدب؟ هو ما يُعجن داخل كل كاتب بصبر، لتتشكل مواقفه الكبرى عن العالم وملامحه التي يذيلها بتوقيعه الخاص؟ ‏كلها تفاصيل وأسئلة يطلقها «الرملي» – الروائي هنا- بشكل يجعلك متحيراً ومعجباً في آن واحد.
في المجمل، هذه رواية ترغب في أن تعيد الاعتبار للثقافة وللأدب عن طريق إثبات قدرتهما على الإتيان بما يعجز عنه الإنسان الحديث والتكنولوجيا التي ابتدعها رغم تطورهما البارع. هو عمل ينصب الكلمة كمتن أول لهذا العالم، ويحاول أن يعيد ثقتنا، نحن المتشظين في كل مكان أمام الخوف والخرائب، والمنطق الجاف، بذلك الحب الصادق، بالحب لأجل الحب، ككيان إنساني مستقل، تماماً كما يؤمن كاتب الرواية وبطلها، وهو فيما يتعلق بخط الدكتور «محسن الرملي» السردي، يأتي مختلفاً عما سبق من حيث القتامة ومن حيث المعالجة العامة للمحيط الاجتماعي والسياسي، ومن ناحية صناعة الشخوص نفسها، فهو عمل منعش يجعلك تبتسم.. تتأمل.. تتحسر.. أو تنتشي.. بكثير من الخفة والحيوية.

بحثاً عن أمل
عراقيان، امرأة ورجل، يبحثان عن الحُب في ظِل الحُروب والحِصار والدكتاتورية والاحتلال والمغترَبات. إنها رواية حُب تدعو للحُب في أزمنة تُهمش الحُب، لذا يهديها كاتبها الى كل الذين حُرِموا من حُبهم بسبب الظروف. ذِئبَة الحُب والكُتُب رواية مُثقَّفة عن مُثقَّفين، تَمنح المتعة والمعرفة لقارئ يجيد الانصات إلى بوح الدواخل وانثيالاتها. إنها بمثابة بحث عميق في الخفي والمكبوت. تتقصى العواطف والجمال والأمل الإنساني وسط الأوجاع والخراب. مكتوبة بلغة وأسلوب وتقنية مختلفة عما عهدنا عليه محسن الرملي في أعماله السابقة، حيث يمزج فيها بعض سيرته الذاتية بالخيال، متقمصاً صوت المرأة، ومتعمقاً أكثر في جوانح شخصياته بعد أن وصف ما مر به بلده من أحداث قاسية وتحولات عصيبة في رواياته السابقة التي تُرجِمَت إلى أكثر من لغة: (حَدائق الرئيس)، (تَمْر الأصابع) و(الفَتيت المُبَعثَر).

الناشر.... كتابة الحياة
أحلم بكتابة هي نمط آخر من الحياة، فالحياة أهم من الكتابة، وعلى الكتابة أن تتحول إلى حياة لتكسب أهمية أكبر. عندما كنت صبية وفي مرحلة المدرسة المتوسطة، كنت أعيد كتابة كل ما يعجبني من الأفلام والمسرحيات التي أشاهدها، حيث أشعر بمتعة رؤيتها بعينيّ أنا وبكلماتي، وكم استهلكت من الدفاتر المدرسية في ذلك، وأمي تسألني: كل يوم تريدين دفاتر جديدة.. أين تذهبين بها.. هل تأكلينها؟. فأضحك وأقول لها: نعم، آكلها وتأكلني. وفي الجامعة وبعدها، كثيراً ما كانوا يسألونني لماذا لا تكتبين؟.
أبحث عن حياة تجعلني أكتب أو كتابة تجعلني أحيا، لا فرق... أحلم بأصابع تمتطي الحرية وتلك كانت المعضلة... أنا مثل حسن مطلك وهو يقول: «لا فرق بيني وبين ما أفكر به... بما أنني سقت نفسي بقسوة إلى الاعتراف بعدم الكذب. أنا والكتابة شيء واحد!»، وهو يتساءل: «كيف أصطاد التجربة بالكتابة؟. يبدو أنني لم أعد أستطيع أن أكتب عن أي شيء، لأنني سوف أستغرق في تأمل الأشياء التي تتحول إلى ما هو أكبر مني». وأحياناً أقول: بما أن في العالم كتب كثيرة تستحق القراءة فلا مبرر لأن أكتب أنا... ويكفي أني أقرأ.. ليتني أجد الفسحة الزمنية الكافية لقراءة كل ما أريد قراءته.

بعيداً عن القتامَة
فيما يتعلق بخط الكاتب السردي، يأتي عمله هذا مختلفاً عما سبق من حيث القتامة ومن حيث المعالجة العامة للمحيط الاجتماعي والسياسي، ومن ناحية صناعة الشخوص نفسها، فهو عمل منعش يجعلك تبتسم.. تتأمل.. تتحسر.. أو تنتشي.. بكثير من الخفة والحيوية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في (المحلق الثقافي) لصحيفة (الاتحاد) الإمارتية، بتاريخ: الخميس 25 أغسطس 2016


الاثنين، 22 أغسطس، 2016

عن (قصص) محسن الرملي / جواد كاظم محمد

برتقالات بغداد وحُب صيني (قصص) محسن الرملي

ط2 دار سطور 2016 بغداد /93 صفحة

جواد كاظم محمد

"لا راحة لقلِق الروح مثلك" ص47
هذه مجموعة قصص لصاحب (الفتيت المبثعر) و(تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) و(ذئبة الحب والكتب).. وصاحب كتب أخرى ومقالات أخرى.. أعني محسن الرملي، والعارف لا يُعرّف.
والكاتب في كتابه هذا، اختار وانتقى مجموعة قصص جميلة رمزية، بعضها يؤرخ للدكتاتورية وبعضها يؤرخ للتاريخ وبعضها رمزي وبعضها غريبة غرابة الجمال في أسلوب محسن الرملي،
وما بين (التلفزيون الأعور) التي تكاد تكون هجائية للدكتاتورية وأقاصيص (الولد المشاكس) التي حمل فيها القاصر داخل القصة دفتره، تكمن قصص أخرى عن الوجود الإنساني وعن أسئلة الحيرة وعن الرحلة الغرائبية للصين وعن الحب والعشق وعن العراق الذي يقول في قصته (عيون) عنه:
"فقدنا العراق فهل نأسى على فقد عين أحبته"ص51
قصص محسن الرملي موجعة حد الوجع.. حتى وإن غلفها بمزحة أو بإشارة للتهكم، فالروائي والقاص محسن الرملي واحد ممن أعدهم تجسيداً للحزن العراقي.. كيف لا وهو الفاقد لأخيه إعداماً في زمن الدكتاتورية التي أعدمت كل شيء.. حتى العراق.
محسن الرملي في قصصه، ينهل من العراق وبغداد ويعولمها أحياناً ليتجول، وهو العراقي، بين مدن مرئية ومدن لا مرئية، إذا ما جاز لي اقتباس ذلك من إيتاليو كالفينو في عنوانه.
محسن الرملي في قصصه، كما هو في رواياته، يتمنى أن تذهب حرفة الأدب إلى الجحيم(ص29) مقابل العودة إلى (بلد الباحثين عن بلد) ص75.
محسن الرملي روائي وقاص لا أنصح سريعي البكاء بقراءة أعماله، لأنه سيبكيهم على وطن غاب أهلوه وغاب حلمه وغاب الأخوة فيه بين مشنقة وقتل وسجن ومنفى وركوب بحر كما في هذه القصص التي أوجعتني.
قصص محسن الرملي هذه، سأُهديها لسواي، خوفاً من أن أعاود قراءتها فتقتلني من جديد..
وتلك سمة من سمات محسن الرملي القاتل بكلماته.
شكرا محسن الرملي... أوجعتني بقصصك لله درك.

شكرا بلال محسن البغدادي في دار سطور... لقد نجحتَ من جديد في اختيار ماتنشره.
جواد كاظم محمد
رئيس تحرير مجلة (إدارة الأزمة)