الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

عن رواية ذئبة الحُب والكُتب للدكتور محسن الرملي/عمار الثويني

في انتظار هيام...
قراءة في رواية ذئبة الحُب والكُتب للدكتور محسن الرملي
عمار الثويني
بداية، أود أن أعترف أنني كقارئ للأدب الروائي لا أميل إلى أعمال السيرة الذاتية التي برزت بكثرة في أدب ما بعد الحداثة لأن الواقع يغلب فيها على الخيال حرصاً من كاتبها تقديم تجربة تخضع لمعايير المصداقية، ولا أحبذ الروايات التي تتمسرح في أكثر من مكان لأن المكان شطر مهم في بنية السرد وتعدده ربما يشتت ذهن المتلقي، وثالثاً لست من المعجبين بتقنية الرسائل أو وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة مثل المدونات لتقوم مقام الأحداث والحوارات المباشرة، لغلبة الحديث على الحدث، وبالتالي تحجيم متعة التشويق. 
بيد أن هذه الحواجز الثلاثة، والتي ظهرت جلية في رواية (ذئبة الحب والكتب) للدكتور محسن الرملي- الصادرة عن دار المدى (بيروت/بغداد) وتقع في 21 فصلاً- قد تهاوت جملة وتفصيلاً في احدى لحظات السرد، لحظة انشاء الكاتب مدونة باسم دابادا (الرواية الشهيرة لأخيه الراحل حسن مطلك) وبكلمة دخول تحمل الاسم المعكوس للرواية مع رقم 718 (الذي يصادف تاريخ إعدامه- 18 تموز/يوليو- على يد النظام السابق لاتهامه بمؤامرة قلب الحكم). في تلك المحطة الأهم في العمل، المحطة التي يحيرنا الكاتب فيها بكيفية نجاحه بالنفاذ إلى بريد الكتروني مختلف بطريق الخطأ ويحمل رموزاً سرية قريبة جداً من البريد الذي أنشأه، يتعرف على امرأة عراقية مغتربة اسمها هيام ويكتشف أنها أرسلت العديد من الرسائل إلى حبيبها المفترض ’حسن‘ عبر ذلك البريد. يمكن وصف ما يحصل في صفحة 14 بأنها "لحظة الدخول إلى "عجائب هيام" وولوج العمل إلى "برزخ الخيال" بعدما سار السرد بهدوء وروية عرض فيه المؤلف شطراً مهماً من حياته الاغترابية كثيرة المشقة والمعاناة في عمان برفقة طبقة مسحوقة من العمال المصريين بحثاً عن لقمة العيش وبعيداً عن الدكتاتورية والحصار والمعاناة، وأدرج خلال تلكم الصفحات لقاءته مع شخصيات حقيقية من بينهم الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي والروائي الأردني مؤنس الرزاز "رحمهما الله".
يمكن القول إن هذه الرواية تقوم على العديد من المثلثات، بدءاً من الفضاءات الثلاثة: السيرة الذاتية (الواقعية)، والخيالية (بوجود هيام) والواقعية الخيالية (البحث عن هيام وكشف حقيقتها)، والأماكن الثلاثة (العراق، عمان، اسبانيا التي هاجر إليها الكاتب بحثاً عن هيامه) والشخصيات الثلاث المحورية المتحركة خلال أنساق العمل: الكاتب نفسه، وهيام، العراقية المغتربة التي تعيش مع عائلتها في اسبانيا، وحسن مطلك، الغائب الحاضر في هذا النص. أضف إلى ذلك، تطرح هذه الرواية ثلاثة أسئلة جوهرية في الأقل: ما الذي عناه بالذئبة؟ ولماذا أقحم أخاه حسن مطلك الراحل؟ ولماذا وهب جل السرد لهيام لتتحدث بكل هذه التفاصيل بينما آثر أن يكون هو- أي المؤلف- شخصية الظل، في المقعد الخلفي لمركبة السرد؟ 
فأولاً، محسن الرملي يجيد الكتابة الواقعية بامتياز، دون تكلف أو مبالغة، ولكن بأسلوب مميز قريب من الواقعية السحرية، ويظهر ذلك جلياً في أعماله العديدة مثل (الفتيت المبعثر) و(تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) التي ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية، وهي الأعمال التي تتميز بواقعيتها وسردها الإنساني الذي يتماهى فيه الواقع مع الخيال بنمط حكائي بارع التفاصيل.
وثانياً اختار ثلاثة أماكن: العراق المنهزم منه بتركة ثقيلة وحزن عميق دون أن يفتر عشقه له، بلده الذي يئن بكافة ألوان الجراحات والمعاناة، والأردن التي قصدها كمحطة لا بد منها في مسيرة كفاح وشظف عيش شديد مع أحد عشر عاملاً بغرفة واحدة دون أن يوهن كل ذلك الرغبة المتقدة للكاتب لمواصلة طموحه في القراءة والكتابة وعشق الأدب والسير على ما مضى فيه أخوه حسن. وأخيراً، كانت اسبانيا التي سافر إليها بشق الأنفس لإكمال دراسته وللبحث عن هيام والحب المفقود.
وثالثاً، على صعيد مثلث الشخصيات الرئيسة، محسن وحسن وهيام، فإن الشخصية الرئيسة (المؤلف) مستعرضة من خلال عيون وتفاصيل المحيطين به، حيث ترك لنا الكاتب المساحة الرحبة للتفكير والتخيل والتأمل في الطباع المجبول عليها: الهدوء، عشق الحياة، التفاؤل، والأمل وطيب السريرة. وبخلاف العديد من الكتاب الاخرين، يميل الرملي إلى غلبة الايثار على الاستئثار، لا يبالغ بالطرح عن شخصه وتلميع صورته مع كل الكاريزما التي يملكها، بل يلوح لكأنه ظل نفسه. وبإدراج أخيه حسن بين ثنايا العمل، صنع من شقيقه الراحل المحور الأساس للعمل، فمن خلال هذه الشخصية دخل المؤلف عالم عجائب هيام المغرمة بحسن وبدابادا، في لفتة ذكية أراد منها التأكيد أن الأدب خالد، والنتاجات المميزة تظل نابضة بالحياة أبد الدهر حتى بعد رحيل صاحبها، بحيث يشعر كل من يقرأ هذا العمل أن حسن مطلك حي بيننا. 
لقد نجح الروائي تماماً من خلال اقحام أخيه وتسليط الضوء على أهم نتاج روائي للكاتب الراحل، (دابادا) التي اثارت ومازالت تثير اهتمام النقاد بكونها عملاً متفرداً، في تحقيق تكريم معنوي لطبقة الأدباء والمبدعين الذين كانوا ضحاياً لأعتى نظام في بلد ألف ليلة وليلة، البلد الذي لم يعد فيه أي تقدير واهتمام للإبداع والجمال والأدب حتى بعد زوال الدكتاتورية. لذا نرى الروائي يدشن نصه وفي السطور الأولى تماماً بالقول: "أنا... أنا محسن مطلك الرملي، مؤلف كل الكتب التي تحمل اسمي، باستثناء هذا، ولو لم أكن شقيقاً لحسن مطلك، لكتبت ضعف ما نشرته حتى الآن، أو لما كتبت أياً منها أصلاً" (ص11). فهو بهذه المقولة الافتتاحية أكد حالة الايثار، وأدخلنا في عالم حسن مطلك كشخصية حية ومهمة، وأشعرنا، وهو الأهم- وباستهلال ذكي- بأن الرواية لا تعود له حتى وهو كاتبها، ليوصل رسالة مفادها أن أخاه صاحب الفضل الأعظم فيها، ولولاها لما وجدت هذه الرواية أصلاً.
أما الشخصية الثالثة، هيام، فقد وهبها المساحة الأكبر من السرد، بل أن الكاتب بوأها عنوان العمل "ذئبة الحب والكتب" لما يتصف به هذا الحيوان، رغم صورته الشرسة لدى البشر، بالذكاء الشديد والإخلاص والحب. كانت هيام هي الباحثة عن الحب الذي لم تجده وهي في الأربعين، كونها متزوجة من شخص يكبرها بقرابة نصف عمرها ولا يشاطرها أو تشاطره أية مشاعر. وفي احدى الرسائل المبتعثة إلى حسن، تنعت هيام نفسها بـ "العذراء" كناية بأن بكارة قلبها لم يفتضها أحد (ص18). لقد وجدت في حسن الحب الذي تبحث عنه، ونافذة الأمل التي تتنفس الحياة من خلالها، والعشق المفقود الذي طالما طلبته، فأخذت تبادله الرسائل وتكتب في كل شيء: تاريخ أجدادها المسرود بطريقة حذقة وحكايات الشجاعة والعذر، زواج والديها، طفولتها، دراستها الجامعية في البصرة ومكوثها مع بيت أقاربها في منطقة الخمسة ميل، هروبها من بغداد فترة القصف إلى مناطق الأهوار وقصة الفتاة "بشعة" وعيونها الثاقبة ومطاردة لها حتى تمكنت منها، اللجوء إلى اسبانيا وتعلم لغتها، الحياة اليومية العائلية الروتينية بكل تفاصيلها حد الممل وعشقها للكتب.
خلال رحلة بحث الرملي عن هيام، ومضت في فكري مسرحية ’في انتظار غودو‘ الشهيرة لصموئيل بيكيت، والتي تدور حول شخصيات معدمة، ومهمشة، ومنعزلة تنتظر شخصاً يدعى (غودو) ليغيّر حياتهم نحو الأفضل، لكن طريقة السرد كانت عبثية تكتنفها نزعه سوداوية وسخرية لا متناهية. وفي نهاية العمل المسرحي، نكتشف أن ’غودو‘ هو الذي لا يأتي، المشكلة التي بقيت بدون حل، لأن ’جودو‘، مع كل الرمزية التي خلعها بيكيت عليه، هو مجرد ’الانتظار‘- الانتظار الذي نكتشف في خاتمة المطاف ألا وجود حقيقياً له أصلا أو لا معنى له. ولكن في رواية (ذئبة الحب والكتب) لم نعش تلك الحالة المدقعة من السلبية والعبثية واللا معنى جراء انتظار غودو، لقد كان، بفضل السرد المحكم في هذه الرواية، لوناً من البحث الإيجابي لا الترقب العبثي، والحراك مقابل الجمود، والأمل بالعثور على هيام لا المحاولات اليائسة من وصول جودو، والتشويق عوضاً عن الملل، فسرنا مع الكاتب وعشنا بين صفحات الرواية لحظات التشويق والحيرة والترقب أملاً في العثور على هيام، في اسبانيا والعراق، لا يهم، فكل ما نريده للشخصية الرئيسة أن تلتقي بهيام. وحتى بعد إسدال الستار عن آخر صفحة في الرواية وفك اللغز عن تلك الشخصية الانثوية، فإننا ننحي العمل جانباً وفي شفاهنا يظل سؤال جوهري: "أين هي هيام؟"
لقد نجح الكاتب في أن يقدم لنا شخصية مميزة من نسج الخيال وعرضها بطريقة ربما لو كانت هيام حقيقية لما كتبت عن نفسها بهذا الأسلوب الحكائي والسجايا العفوية، الجريئة، الذكية، العاشقة، والإنسانية. وسواء أكانت هيام من نسج خيال الكاتب تماماً أم صوراً متقطعة الأجزاء برع المؤلف في فك أحجيتها لصياغة الشكل النهائي لها، فإنها أضحت "ذئبة الحب والكتب" حقاً، وواحدة من الشخصيات المميزة التي لا يخلقها سوى الأدب المميز، ولا تعيش إلا في ثنايا السرد المحكم، وهو الأمر الذي انفرد به محسن الرملي في هذا العمل الجميل.
------------------------------------
*نشرت في صحيفة (العراق الإخبارية) العدد 686 بتاريخ 18/9/2019
*عمار الثويني: كاتب وناقد ومترجم عراقي، من أعماله: القديسة بغداد، في ذلك الكهف المنزوي ومشحوف العم ثيسجر

الاثنين، 27 أغسطس 2018

أبناء وأحذية، رواية محسن الرملي.. أسئلة المصير الفردي/مصطفى ديب

*أبناء وأحذية لمحسن الرملي.. أسئلة المصير الفردي
*جاءت "أبناء وأحذية" بحسب محسن الرملي انطلاقًا من حسرة يقول إنّها رافقته كلّ عمره، بعد أن وقفت عائلته ضدّ رغبته في دراسة المسرح
*أبناء وأحذية" لمحسن الرملي رواية عواطف متنوّعة وتساؤلات
 
من: مصطفى ديب

"أبناء وأحذية" هو عنوان الرواية الجديدة للكاتب والروائي العراقيّ محسن الرملي ، والتي صدرت حديثًا عن"دار المدى"، لتُضاف إلى أربع روايات في حصيلة الروائي المقيم في إسبانيا منذ ما يزيد عن 20 عامًا.
"ألترا صوت" التقى محسن الرملي، صاحب (حدائق الرئيس)، الذي عرّف لنا روايته قائلًا: "يصعب عليّ اختصار الرواية حتّى على صعيد الحكاية، وإلّا لكتبتها على صفحة الفيسبوك، أو على شكل قصّة قصيرة مثلًا. كما أنّ الحكاية ما هي إلا عنصر واحد من عناصر الرواية وليست الرواية كلها، وعادة ما يكمن الأهم في التفاصيل وفيما خلفها".
ويضيف: "لكنني أستطيع القول بأنّها تدور في العراق وإسبانيا وكولومبيا، يرويها بطلها وهو شاب مولع بالمسرح يمنعهُ والده الشرطي من دراسة المسرح فيخالف إرادة والده بعد أن يلتقي بشابّة تشبهه بحبها للمسرح وأجبرها والدها رجل الدين على دراسة الشريعة. يقوم بكسر ذراعه بإرادته كي يستطيع الانتقال من كلية الرياضة إلى المسرح حبًا به وحبًا بتلك الشابّة".
جاءت رواية "أبناء وأحذية" بحسب صاحبها انطلاقًا من حسرة يقول إنّها رافقته كلّ عمره، بعد أن وقفت عائلته ضدّ رغبته في دراسة المسرح. وبالتالي، يقول ضيفنا إنّه حاول عبر هذه الرواية أن يقوم بما لم يستطع القيام به آنذاك، مستندًا في ذلك إلى تجربته الشخصية التي قادتها الصدفة أو الظروف، كما يقول، إلى دراسة اللغة الاسبانية ومن بعدها معرفته ببلدان أخرى كإسبانيا وكولومبيا.
دائمًا ما تأتي أعمال محسن الرملي الروائية محمّلة بالأسئلة والرسائل؛ أسئلة يسند إلى القارئ مهمّة الإجابة عليها، ورسائل يسعى إلى إيصالها إليه من خلال تلك الأعمال. ولا تختلف "أبناء وأحذية" عن سابقاتها من هذه الناحية، إذ يقول صاحب "الفتيت المبعثر" إنّها ولدت بأكثر من رسالة أو تساؤل. ويضيف: "من بين هذه الأسئلة هو السؤال القديم العريق: هل نحن مسيرون أم مخيرون في حياتنا؟ ما الذي يمكننا اليوم اعتباره خيرًا أو شرًّا؟ أخلاقيًا أو ليس أخلاقيًا؟ هل علينا أن نعيد تعريف مفاهيمنا للأخلاق بين زمن وآخر؟ إلى أي حد يمكن لتفاصيل صغيرة في علاقاتنا العائلية أن تغير حياتنا كلها ومصائرنا؟ هل فكرنا بطبيعة علاقتنا بالطبيعة؟ علاقتنا بالآخر المختلف في ثقافته؟ وأسئلة أخرى كثيرة من هذا النوع أعرضها أمام القارئ عبر الوصف لاحتمال واقعي واحد من احتمالات كثيرة جدًا في حياتنا".
تختلف "أبناء وأحذية" عن سابقاتها بأنّها ابتعدت قدر الإمكان عن الخوض في غمار السياسة والدخول في أجواء الحروب والدكتاتورية التي اتّسمت بها أعمال محسن الرملي السابقة. ويقول هنا إنّها تبتعد، لجهة الجغرافية، عن المكان العراقيّ فقط. وتجعل أيضًا من العلاقات العائلية والآثار النفسية والحياتية ميدانًا لها. إنّها رواية عواطف متنوّعة وتساؤلات بشأن المصير الفردي أكثر من الجماعي.
أمّا بالنسبة لعنوانها، يقول صاحب (تمر الأصابع) إن العنوان مأخوذ من عبارة وردت على لسان البطل يقول فيها "لم تكن حياتي سوى أبناء وأحذية... أبناء وأحذية، وكلاهما للآخرين وليس لي". ويقول مفسّرًا الأمر هنا بأنّ هذه العبارة كان سببها: "أنّ بطل الرواية بعد أنجب طفلته من تلك الشابة التي أحبها وتزوّج بها بعد انهائهما لدراسة المسرح، ماتت الطفلة بعد ساعات، ودفنها هو قبل أن تفيق الأم من التخدير، فغضبت بسبب فعلته وقررت تطليقه، وإثرها تغيّرت حياته، وأوجد لنفسه، لاحقًا، مبررات نفسية يقول فيها أنه يهدي طفلًا لأية امرأة تحلم بالأمومة".
في نهاية حديثه لـ"ألترا صوت"، يقول محسن الرملي: "بودي الحديث عن الرواية كثيرًا بالطبع لأنّني أردتُ من خلالها قول الكثير مما يشغلني، ولكن لندع القارئ يطلع عليها أولًا، وأن يقول العمل بنفسه عما فيه، لكي يكون النقاش بعدها أكثر وضوحًا وجدوى. آمل أن يعجب عملي هذا القراء، وإن كنت على يقين من أنه سيزعج كثيرين، ممن لا يزالون ينامون مستريحين في قوالب التابوهات التقليدية، بل وأن بعضهم قد انزعج حتى من مفردة (أحذية)، أحدهم أكاديمي، قال إن الحذاء شيء نجس، وهو نفسه كان قد أوصاني قبل عام كي أبحث له عن ماركة حذاء إسباني دفع فيه مئتي دولار ليتباهى به أمام الآخرين، وهذه واحدة من تناقضات وغرائب الذهنية عندنا، ففي كل العالم يعتبر الحذاء من بين أفضل الاختراعات الأولى للإنسان، من حيث فائدته أولًا ومن حيث اعتباره من أساسيات الزينة، حاله كحال الثياب الأخرى، ويحتل واجهات أرقى المحلات في مراكز أكبر المدن في العالم، والكل يعتني بحذائه جيدًا قبل أن يخرج لمقابلة الآخرين".
----------------------------------
*نشرت في (ألترا صوت) بتاريخ 26/8/2018
https://www.ultrasawt.com/%D8%A3%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A3%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D9%84%D9%8A-%D8%A3%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AF%D9%8A/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%AF%D9%8A%D8%A8/%D9%86%D8%B4%D8%B1%D8%A9-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9

محسن الرملي يقص حكاية العراق


في «تمر الأصابع».. محسن الرملي يقص حكاية العراق

«تمر الأصابع».. وجوه متعددة لصراع الهوية


الشارقة: محمدو لحبيب
أحياناً يحاول المغترب صنع صورة وطنه، واستحضارها دوماً معه، لا في حقيبة سفره، بل في تفاصيل حياته في مغتربه، وتكون الصورة أكثر جلاء وعمقاً حين يتولّى تشكيلها روائي، فتغدو تفاصيلها واضحة جداً، كما لو أن ضوءاً ساطعاً يسلط عليها باستمرار.
في روايته «تمر الأصابع» يحشد الروائي العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي، كل قدرته السردية ليقص حكاية العراق، بل ليعيد تشكيلها وفق رؤيته لكل ما جرى فيها أثناء فترة معينة.
الرواية التي صدرت في طبعتها الأولى عن الدار العربية للعلوم، ومنشورات الاختلاف في الجزائر سنة 2009، حظيت بمراجعات عديدة على الإنترنت، وتباينت آراء القراء حولها، فمنهم من يراها تجربة سردية ناجحة لوصف الصراع بين الماضي في الوطن، وبين الواقع والتكيّف معه في الغربة، ومنهم على العكس من رآها رواية شابتها شوائب تتعلق بإقحام الكاتب أو مبالغته في حشو الرواية بما لا يليق بها، وآخرون اعتبروها رواية نقدية لمفهوم وعقلية الثأر المنتشرة في العادات العربية العشائرية.
أحد هؤلاء القراء يعلّق على الرواية قائلاً: «تمر الأصابع، أولى رحلاتي مع محسن الرملي، حكاية جديدة من حزن العراق، والشتات، والأنظمة الفاسدة، والحروب الدموية، لكن هذه المرة، بطريقة جديدة، العراق في الذاكرة والقلب، ومكان الرواية هو إسبانيا، رحلة في التراجيديا والتقلبات والتحولات والثنائيات»، ويستشهد هذا القارئ ليعزز رأيه في جماليات الرواية بما كتبه أحد النقاد عنها فيقول: «وصفها الشاعر والناقد مانويل رينا في مقال له عنها بأنها: رواية مشحونة بالعاطفة، بديعة باستحضاراتها وحنانها، وتمتاز بقدرة كبيرة على رسم التناقضات ونقاط الاختلاف والتلاقي بين ثقافات الغرب والشرق».
إحدى القارئات تعترف أنها تعجلت في الحكم على الرواية بسبب إفراط الرملي في حشوها ببعض المشاهد النمطية المكررة دون داع: «كِدت أحس بالابتذال أثناء قراءتي للرواية، وكأنني أشاهد مسلسلاً تركياً: زواج ومسامحة، وحمامات بيضاء، لكن السطر الأخير من الرواية جعلني أندم لإطلاقي أحكاماً متسرعة، نهاية جعلت الرواية تستحق تقييماً جيداً».
وتركز القارئة على نقاش الرواية لمسألة الثأر في المجتمعات العربية فتقول: «الأفضل أن تصفح حين يُعتدى عليك وتسامح، هذا الانتقام العشائري والثأر دمّر المجتمع، جميل أن نمارس مبدأ الصفح في حياتنا، نصفح عن غيرنا لنحرر أرواحنا، هو شيء صعب لكنه جميل».
قارئة أخرى تتحدث عن صراع الهويات بين العرب والغرب، والذي تناولته الرواية فتقول: «العربي عربي، لا أتكلم عن الذين عاشوا في الغرب منذ جاءوا إلى الحياة، ولا يعرفون عن أوطانهم الأصلية، إلا كما نقرأ نحن عن شهبندر التجار، وست الحسن في كتاب ألف ليلة، أقصد بالتحديد من عاشوا حياتين، من مدّوا أذرعتهم لطبيب الغرب ليغرز فيها لقاحاً يقلل من تأثير هويتهم، فإذا به يصيبهم بحساسية عالية لها وله»، وتضيف: «حقيقة أخرى تحملها الرواية، هي أننا مهما ادعينا البساطة لسنا كذلك، إننا معشر البشر تركيبة عجيبة من عدة أشخاص داخل جسد واحد.
-----------------------------------
*نشرت في صحيفة (الخليج) بتاريخ 26/8/2018

*ونشرت في موقع (جائزة كتارا للرواية العربية) بتاريخ 26/8/2018

الخميس، 23 أغسطس 2018

حوار مع محسن الرملي / مجلة: الأهرام العربي


الروائي العراقي محسن الرملي: الشعر فن الكلام الأرقى إنسانياً
ما زلت أحمل في داخلي رقيبي الذاتي والأخلاقي الذي يمنعني من قول كل ما أفكر به
المهجر أعطاني الكثير: الأمان والحرية والانفتاح على الثقافات الأخرى
حوار ـ السيد حسين
يؤكد الروائي والمترجم العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي، أن المهجر أعطاه الكثير، من الأشياء أولها الأمان والحرية والانفتاح على الثقافات الأخرى ومعرفتها ومعايشتها بشكل مباشر، وبالمقابل حرمه من العيش وسط عائلته وأهله وأرضه الأولى وذكرياته، لذا كانت الأعوام الأولى في المهجر صعبة ومريرة، في حواره لـ «الأهرام العربي» لفت إلى أن المشهد الثقافي العراقي حاليا جيد، على الرغم من أن الظروف المحيطة بها غير جيدة، لأن المؤسسات الثقافية الآن تعاني ما تعانيه مجمل هيكلية الدولة من ضعف وخراب وفساد. 
> ما الهاجس الذي يحرك قلم محسن الرملي، لماذا تكتب، وماذا تنتظر؟
 هواجس عديدة، وعلى رأسها المتعلقة بوجودي ككائن عابر في هذا العالم، ومن خلال القراءة والكتابة أحاول أن أفهم شيئاً عما يتعلق بمعنى ذلك، أو على الأقل إيهام ذاتي بوجود معنى معين. أكتب لأنني أشعر بأن لدي ما أريد قوله قبل أن أمضي.. وأسعى لمشاركة الآخرين، أقرأ ما يكتبون وأكتب لمن يقرأون، ومن خلال هذه التجربة المشتركة قد نسهم بشيء ما لصالح الإنسان.. وما أنتظره.. هو أن يصبح الإنسان أكثر  إنسانية، ذلك أنه لا يزال ينطوي على الكثير من التوحش والقسوة.
> ما ملاحظاتك على الحركة الثقافية والمشهد العراقي شعرًا وسردًا الآن؟
أراها جيدة، على الرغم من أن الظروف المحيطة بها غير جيدة، وأغلبها يقوم بجهود فردية من قبل المبدعين سواء أكانوا في داخل العراق أم خارجه، لأن المؤسسات الثقافية الآن تعاني ما تعانيه مجمل هيكلية الدولة من ضعف وخراب وفساد، بينما يتحرك المبدعون العراقيون وينتجون بشكل مدهش في كل مكان وفي مختلف الأجناس الإبداعية، لدينا أعمال روائية وسينمائية وتشكيلية شاركت في محافل عالمية وحازت على جوائز.
> خرجت من العراق منذ سنوات طويلة، ما الأسباب التي أدت إلى تركك الوطن؟
غادرت البلد بعد إعدام أخي حسن مطلك والتضييق عليّ وعلى عائلتي وعلى مجمل البلد، حيث اشتدت ضراوة الديكتاتور وضراوة الحصار معاً. قمع لكل أنواع الحريات ومعاناة في كل شيء. كانوا يستدعونني شهريا للتحقيق الأمني، حتى وأنا مجرد جندي في الجيش طوال الوقت، لذا فحال انتهائي من أداء الخدمة العسكرية، التي دامت ثلاث سنوات في صنف الدروع، غادرت البلد باتجاه الأردن وبعد عامين انتقلت إلى إسبانيا.
> ما الذي أعطاه المهجر لمحسن الرملي وما الذي سرقه منه وما تأثيراته على شخصيته وكتاباته؟
أعطاني المهجر الكثير، وأولها الأمان والحرية والانفتاح على الثقافات الأخرى ومعرفتها ومعايشتها بشكل مباشر، وبالمقابل حرمني من العيش وسط عائلتي وأهلي وأرضي الأولى وذكرياتي، لذا كانت الأعوام الأولى صعبة ومريرة إلى أن نشأت لي عائلة جديدة فخففت عني شيئاً من هذا الحرمان.. لكن يصعب أو يستحيل تعويض ما فقدته، فقد مات العديد من أفراد عائلتي الأولى في غيابي، وتغيرت ملامح كل شيء بسبب الحروب وبعدها الإرهاب.
> ماذا عن روايتك «حدائق الرئيس».. لماذا اخترت هذا العنوان؟
هذه الرواية، فيها عن معاناة أبناء بلدي أكثر مما فيها عني، لذا فهي الوحيدة من بين رواياتي التي لم أسردها بضمير المتكلم.. وعنوانها، بمثابة إشارة مريرة إلى ما كان يزرعه الديكتاتور في أرض العراق، مقابر جماعية، قبور تلو القبور للآلاف من ضحاياه.. حتى في حدائق قصره نفسها.
> رواية «حدائق الرئيس» ترصد سنوات الحرب في العراق وصولاً إلى الغزو الأمريكي... فهل هي تروي الواقع العراقي بعين المثقف؟
حاولت أن أجعلها ترصد من خلال عين أي عراقي عايش تلك العقود، مهما كان مستواه الثقافي أو وظيفته، لذا فإن تلقيها كان أوسع من مختلف الفئات، بما في ذلك من قبل أجيال الشباب الحاليين الذين ولدوا بعد الحرب العراقية ـ  الإيرانية وبعد كارثة غزو الكويت، ويقولون لي بإنهم يدركون الآن أفضل ما كان يحدثهم به آباؤهم ويدركون خلفيات الحال الذي وجدوا أنفسهم فيه، ففي هذه الرواية جوانب تؤرخ للماضي القريب، للأمس الذي أوصلنا إلى اليوم، لهذا يقترح البعض حتى تضمينها في بعض المراحل التعليمية الدراسية.
> لماذا جعلت إعدام شقيقك عام 1990 هو المحرك الرئيسي للشخصيات الرئيسية في روايتك (ذئبة الحب والكُتب)؟
بالفعل، في هذه الرواية، عدت لما هو شخصي أكثر من أي عمل سابق، خصوصا أنها جاءت بعد (حدائق الرئيس) التي ابتعدتُ فيها عن الشخصي الذاتي تماماً. كنت أريد أن أكتب رواية خاصة بالحب وحده وبهواجسه، في دواخل الإنسان بشكل عام والإنسان العراقي بشكل خاص، بعد أن كانت كل أعمالي عن أجواء الحروب، ولأن أقوى حب في حياتي هو حبي لأخي حسن مطلك وحبي للكتب.. جاء العمل على هذا النحو.. ومع ذلك لم أستطع تجنب حضور وأثر تقلبات الظروف العراقية العامة.. يحدث هذا معي دائماً، لأنني أعتمد على الصدق في الكتابة.
> رواياتك تستحضر الخراب العراقي، هل يمكن القول إنها روايات ذاكرة تاريخ العراق؟
نعم، هي كذلك إلى حد كبير، فمن خلال ما أدونه أنا والكثير من أصدقائي المبدعين العراقيين، ثمة محاولة للحفاظ أو على الأقل ترميم ذاكرة بلدنا التي تعصف بها هذه الأحداث الكبيرة السريعة والتخريبية الكارثية في أغلبها، إضافة إلى أن ذلك جزء من مهمة الأدب عموماً كونه يرصد ماهية وضع الإنسان في ظل ظرف استثنائي.
> أكثر المبدعين حينما يعانون من الاغتراب داخل أوطانهم وتسنح لهم الفرصة أن يغادروا الوطن، تكون البيئة الأخرى حاضنة لموهبتهم ومكانا خصبا لغزارة إنتاجهم، هل هذا ينطبق عليك؟
شخصياً لا أعتبر نفسي غزير الإنتاج، ولا تشغلني مسألة الكم كثيراً، فها أنا أتجاوز الخمسين من عمري وليس لدي سوى أربع روايات، كما أن الأمر ليس كما يتصوره البعض، فصحيح أن المكان الجديد يوفر لك الأمان والحرية، ولكنه لا يحتضنك لتتفرغ لمشروعك الكتابي، بل على العكس، عليك أن تضحي بالمزيد من الوقت كي تتعلم لغة بلدك الجديد وتفاصيل ثقافته ونظامه وكيفية كسب عيشك فيه والتكيف معه.. بل تأسيس حياة جديدة بالكامل، وكل هذا على حساب وقتك.. وأهم ما يحتاج إليه المبدع هو الوقت.
> شخصياتك الروائية، هل تتمتع بحالة من الانعتاق من سلطة الكاتب اللغوية والفكرية؟
ليس تماماً، فالشخصيات الروائية هي من صُنع الروائي أولاً وأخيراً، ولكنها بعد أن تتخذ لها ملامح وكينونة خصوصا على يدي صانعها، تبدأ بفرض شروطها التي تجبر صانعها نفسه على الانقياد لها، فها أنا في كتابة الجزء الثاني من (حدائق الرئيس) مثلاً، أجد نفسي مضطراً للتعامل مع شخصياتي باعتبارها موجودة فعلاً كما هي، وجل ما يمكنني فعله، هو أن أضعها في مواقف وظروف أخرى وتدوين ردود فعلها.
> ألم يحدث أن تورطت في تحميل إحدى الشخصيات قناعاتك الخاصة؟
نعم، لقد حدث هذا كثيراً وسيظل يحدث، ففي خلاصة الأمر، مجمل أعمالنا، وبكل ما تنطوي عليه من شخصيات مختلفة، هي أدواتنا للتعبير عما نريد قوله، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر، فأنا موجود في أغلب شخصياتي بمن فيها الشخصيات النسائية، وكما قال فلوبير عن شخصية روايته: مدام بوفاري هي أنا.
> هل استطاع الأديب العراقي من خلال منجزه الإبداعي كشاعر وقاص وروائي أن يرتقي إلى حجم الدمار والفجيعة والمأساة التي يعانيها العراقيون؟
لا، فهذه مهمة مستحيلة، وكل ما أنجزه المبدعون العراقيون، وهو كثير ورائع، ما هو إلا محاولة لوصف جزء صغير من هذا المشهد المهول لما حدث ولا يزال يحدث.
> ما زال الأديب العراقي في المنفى يعاني التهميش من المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام والصحف في تسليط الضوء على تجارب أدباء المهجر، ما رأيك؟
لم تعد هذه المسألة مهمة كثيراً اليوم، بل إن المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام هناك هي التي تعاني من التهميش وسوء الحال والرثاثة والتحزبات والفساد، ولم يعد الأديب العراقي ينتظر منها الكثير، كما أن وسائل الإعلام غير الرسمية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، قد أصبحت متاحة له وللجميع لإيصال ما يريدون إيصاله.
> كيف ترى العراق اليوم وحال العراقيين؟
أراه اليوم، كما تعودت على رؤيته منذ ولدت فيه، جرحا نازفا، كلما أوشك على الشفاء هب عليه ما يزيد من نزفه، ولكن سيبقى العراق عريقاً وعظيماً كما كان دائماً بفضل أهله النادرين بصبرهم ووعيهم وحلمهم.. أما عما يقولونه لي وأقوله لهم، فهم يقولون لي بأنهم يحبونني ويفتخرون بي وبكوني منهم، وأنا أقول لهم بأنني أحبكم وأفتخر بكم وبكوني منكم.
> أمام هذا الكم المتلاحق من الهزائم العربية هل يمكن أن تنتج الرواية بطلا يحمل انتصارا قادما أو يبشر على أقل تقدير بمستقبل أفضل؟
لا أظن، لأن الأدب عموماً هو واصف وناقد دائم للأحوال، ويشير إلى مواضع الألم والخلل أكثر من غيرها، فحتى لو كانت الحال كلها انتصارات، سيعمد الأدب على فضح ثمن تلك الانتصارات الذي يدفعه الإنسان. إنه يشخص ويطرح أسئلة أكثر مما يعالج ويقدم إجابات، تاركاً تلك المهمة لغيره، بعد أن يعينهم على التشخيص والوعي بالذات والعالم.
> بالرغم من كتابتك للشعر منذ سنوات، إلا أنك مقل في نشر الشعر كيف تفسر ذلك؟
هذا صحيح، علماً بأنني لا أنقطع يوماً عن قراءة الشعر سواء لي أو لغيري، ومساهماتي في المهرجانات والملتقيات الشعرية هي أكثر منها بكثير من مشاركاتي في مؤتمرات السرد.. أما عن عدم نشري لدواويني فمن أسبابه أن الناشرين يطالبونك بالروايات والدراسات والترجمات ولا يطالبونك بالشعر، ولو عرضته عليهم سيتهربون، وهذا أتفهمه بحكم متطلبات سوق الكتاب، عدا ذلك، فلم يعد من الأمور الضرورية أو المستعجلة أن يتم إصدار الشعر في كتب، لأن القصيدة صارت تصل إلى مساحة أوسع من القراء عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والمهرجانات والقراءات في المكتبات والمقاهي وغيرها، أكثر من وصولها إليهم في دواوين.. بينما لا يمكنك أن تنشر روايتك في صفحتك على الفيسبوك أو تقرأها على جمهور في مهرجان أو أمسية في مقهى.
> أنت تكتب باللغة العربية والإسبانية أيضا.. ما علاقتك باللغة؟
نعم، ولكنني أكتب بالعربية أكثر من الإسبانية لأن العربية هي لغتي الأم واللغة الأحب إلى قلبي، والأمر يشتتني أنا أكثر مما يشتت القارئ، فأشعر بالحرج عندما أنشر شيئاً بلغة ويطالبني قراء اللغة الأخرى بترجمته، وهذا حقهم، لكنه سيتطلب مني وقتاً وجهداً للقيام به، مما جعلني أميل أخيرا لترك مسألة ترجمة بعض أعمالي لغيري.. أما عن علاقتي باللغة، فهي بالفعل قد تغيرت مع الوقت حتى صرت أراها وأتعامل معها على أنها مجرد أداة وليست هدفاً.
> أين دور المثقفين في مواجهة الفكر المتطرف والإرهاب؟
إنه في كل الكلمات التي يكتبونها ويقولونها كل يوم، وفي نتاجاتهم المتواصلة في فنون المسرح والسينما والرسم والموسيقى والرقص والشعر والترجمات وغيرها.. هذه هي أسلحتهم التي لم ولن يكفوا عن استخدامها في مواجهته أبداً.
> أين أنت من الشعر حاليا؟
أنا في الشعر دائماً، لم أغادره ولم يغادرني، ولا يمر أي يوم دون أن أقرأ فيه شعراً، وأشارك شهرياً تقريباً في أكثر من نشاط شعري، أما على صعيد كتاباته فلدي الكثير من القصائد بالعربية والإسبانية، وبعضها نشر في أنطولوجيات أو قرأته في مهرجانات وملتقيات، وبعضها لا يزال على شكل مسودات، أنتظر فرصة الوقت، على مهل، كي أراجعها وأنشرها.
> هل هنالك روايات عربية استطاعت الانفلات من التقاليد الأوروبية في الكتابة؟
لا توجد رواية عربية ولا غير عربية ليست متأثرة بالرواية الغربية، وإلا لما سميت رواية، فهذا الجنس الكتابي بصيغته المتعارف عليها عالمياً الآن هو تسمية وتصنيف تبلور في الغرب وتطور وتحول إلى صناعة قائمة بذاتها.
-----------------------------------------
*نشر في مجلة (الأهرام العربي) العدد 1109 بتاريخ 28/7/2018 القاهرة

الأربعاء، 22 أغسطس 2018

رواية جديدة ومختلفة للعراقي محسن الرملي

صدور رواية جديدة ومختلفة للعراقي محسن الرملي
*أبناء وأحذية" تعيد طرح التساؤلات حول مواضيع إنسانية كبرى
*رواية محسن الرملي تحفل بالتنوُّع الثَّريِّ في الشخصيات والأحداث والأماكن والمواقف والأفكار والعواطف.
*إلى الذين بَعثرَت الأقدارُ أحلامَهم؛ فرمَّمُوها بأُخرى
*أسلوب الرملي ينحو للتَّشَبُّه بتولستوي، في تركيزه على التفاعل بين الشخصيات خلال تدفُّق نهر الزمن

بغداد/ عن دار المدى في بغداد وبيروت، صدرت رواية جديدة للكاتب العراقي محسن الرملي، بعنوان (أبناء وأحذية) وفي هذه الرواية يخرج الرملي عن مواضيع الحروب والدكتاتورية التي سبق له وأن تناولها بنجاح في رواياته السابقة، كما يوسع من مساحة المكان الذي تدور فيه الأحداث فينقلها بين العراق وإسبانيا وكولومبيا، مفتتحًا إياها بهذه العبارة اللافتة:"انتقامًا من موت طِفلتي في العراق، أنجبتُ سبعة وعشرين طفلًا في إسبانيا وكولومبيا"، ويهديها "... إلى الذين بَعثرَت الأقدارُ أحلامَهم؛ فرمَّمُوها بأُخرى".
حيث تحفل هذه الرواية بالتنوُّع الثَّريِّ في الشخصيات والأحداث والأماكن والمواقف والأفكار والعواطف، مُشيرةً إلى تشابُه ما هو إنسانيٌّ في العمق، على الرغم من الاختلاف في الثقافات. وتعيد طرح التساؤلات حول مواضيع إنسانية كبرى، والمفاهيم التي طالما أعادت الآدابُ الخالدة طَرْحَها في مختلف العصور: الخير والشر، الحب، الحلم، الحرية، القَدَر، الموت، الأخلاق، والعلاقات العائلية وأثرها في رسم مصائر الأشخاص. كل ذلك بأسلوب الرملي الذي وصفته صحيفة (الغارديان) العالمية بأنه "ينحو -أحيانًا- للتَّشَبُّه بتولستوي، في تركيزه على التفاعل بين الشخصيات خلال تدفُّق نهر الزمن (الذي يمرُّ من بينهم ومن حولهم)، وفي إحساسه بالحياة الفردية وعلاقتها بالمجتمع... محسن الرملي من نجوم الأدب العربي المعاصر".
سبق وأن حَظِيَتْ أعمالُه باهتمام القُرَّاء والنُّقَّاد، شرقًا وغربًا، وتُرْجِمَتْ إلى عدَّة لغات، كرواياته: (الفَتيت المبعثَر) التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002، و(تَمْرُ الأصابع) و(حدائق الرئيس) اللتين تَرشَّحتا ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2010 و2013، ونالت الترجمة الإنكليزية لـ (حدائق الرئيس) جائزة القلم الدولي 2016. ورواية (ذئبة الحُبِّ والكُتب) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2015.
------------------
*نشرت في (ميدل إيستأونلاين) بتاريخ 20/8/2018
https://www.middle-east-online.com/%D8%A3%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A3%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B7%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A4%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B6%D9%8A%D8%B9-%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89

*ونشرت في (رأي اليوم) بتاريخ 19/8/2018
-----------------------------

محسن الرملي يكتب لابنته


محسن الرملي يكتب لإبنته: "السكوت من ذهب"
علي عبد الأمير
كتب الروائي والكاتب العراقي محسن الرملي، المقيم في أسبانيا رسالة إلى ابنته، يخبرها فيها عن قيمة الاندماج الاجتماعي والقراءة، وكذلك خطر الإسهاب في الكلام، بمقابل عبقرية الصمت.
يبدأ صاحب "الفتيت المبعثر" رسالته التي نشرها في صحيفة "ألباييس" الإسبانية الشهيرة بالقول: "عزيزتي سارة: يقلقني صمتك وفي الوقت نفسه يطمئنني. أعرف أنك في بداية مراهقتك، حيث يشعر المراهق بالخجل دون معرفة السبب بالضبط، إلى جانب نوع من الشعور بأنه هو والعالم وحدهما موجودان في هذا الكون، يتنافسان، وكل منهما يحاول صياغة الآخر على هواه.". 
الرملي لأبنته: كوني فخورة بأصولك العراقية والإسبانية

ويضيف صاحب رواية "حدائق الرئيس" موجّهاً حديثة إلى إبنته "يقلقني صمتك لأنني أريد سماعك، أجدادنا الحكماء قالوا: "تحدّث لكي أراك" وأنا أريد رؤيتك في كل لحظة وأن ترينني أنت أيضاً عبر الاستماع إليّ، أريد أن أقول لك مثلاً، عليكِ أن تكوني فخورة بكونكِ مزيجًا من الدماء والثقافات واللغات والجنسيات: إسبانية، عراقية وألمانية، وقد سرني أن أرى أغلب أصدقائك وزملائك في المدرسة هم مزيج من أصول مختلفة. كما أريد منك أيضًا أن تعلمي أخيكِ الصغير مراد (مومو MuMu) كيف يكون فخورًا بمزيجه الاسباني المصري العراقي"
ويتساءل الكاتب العراقي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب " لم أكن أعرف هذا الثراء وحسن الحظ في مسألة المزيج وتعدد الأصول إلى أن جئت إلى إسبانيا منذ أكثر من عشرين عامًا، لأنهم كانوا يعلموننا في السابق أن نكون متعصبين لأمة واحدة، وطن واحد، لغة واحدة، دين واحد وكل شيء هناك واحد موحّد، زيّ موحد، ويتم اختصاره برمز ديكتاتوري واحد خانق". 
عن "لوركا العراقي"
وينقل الكاتب الرملي، حديثه لابنته نحو المسار الإنساني العميق الذي مثّله شقيقه الكاتب الذي أعدمه نظام الدكتاتور؛ "كان عمك حسن مطلك، أحد أشقائي الأكبر مني سناً، والذي كان يحب القراءة والكتابة والرسم، مدركاً تماماً لأهمية الانفتاح، وكان أول من نصحني بالانفتاح على الثقافات الأخرى، ولقراءة "دون كيشوت"، على سبيل المثال، قائلًا لي ما قاله دون كيشوت لسانشو: إن الحرية، يا محسن، هي من أثمن ما منحته السماوات للإنسان. لا تعادلها كنوز الأرض، ولا تلك الدفينة في البحار، فمن أجل الحرية والكرامة يمكن ويجب على الإنسان أن يجازف بحياته".. حتى إنه غامر بحياته، وواجه الديكتاتور الطاغية، وأُعدِم في الساعة السابعة مساء يوم 18 تموز/يوليو 1990، وكان كاتب حداثوي ورسام وشاعر، والمثقفون العراقيون يعتبرونه لوركا العراق".
ويواصل صاحب "تمر الأصابع" رسالته لابنته بالقول "أريد أن أتحدث معك كثيراً عنه، عن والدي الذي علّم نفسه بنفسه القراءة والكتابة، عن أمي التي حلمت برؤيتك قبل أن تموت. عن تجربتي القسرية في الحرب كعسكري في كتيبة دبابات. وعن كم من القراءة والصبر والتسامح والأحلام نفتعني. أريد منك التوقف عن النظر إلى شاشة الهاتف وإلقاء نظرة حولك، وأن تقرأي المزيد من الكتب، فأنا قرأت حتى داخل الملجأ، تحت القصف. لقد أنقذت القراءة حياتي، وأعطتني الثقة في أحلامي وفي نفسي، أعطتني الطعام أيضاً، لأن الثقافة تعطي الطعام، في حين أن الطعام لا يعطي ثقافة".
ويخلص الرملي إلى القول "ومن جهة أخرى يطمئنني صمتك، فكما قال لنا الحكماء القدماء "إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب" ، وعلمتني الحياة أن الكثير من مشكلات الناس ناتجة عن الكلام الكثير، فالصمت هو واحد من أفضل الحيل أو وسائل الخلاص في المواقف الخطيرة.
كثير مما أريد أن أخبرك به، تجدينه في كتبي وفي الكتب الأخرى. في كل واحد منها، هناك شيء أردت أن أخبرك به. لذا، من فضلك، إذا كنت لا تريدين التحدث معي كثيراً، فلا تتوقفي عن القراءة على الأقل. أنت تعرفين كم أحبك ، ولكن ما لا تعرفيه، هو أنك أفضل بكثير من الابنة التي حلمت بها طوال حياتي".
------------------------------------
*النص الأصلي للرسالة بالاسبانية:


*نشرت في موقع الشاعر والإعلامي (علي عبدالأمير) بتاريخ 15/7/2018