الجمعة، 20 أكتوبر، 2017

صورة الأب ودلالاتها في رواية «تمر الأصابع» لمحسن الرملي / جواد السراوي

صورة الأب ودلالاتها في رواية «تمر الأصابع» لمحسن الرملي
 
جواد السراوي
تحفل روايات عديدة بتصوير الأب من حيث هو موضوع سردي، غير أنه من اللافت للانتباه أن نجد رواية تحتفي به من فاتحتها حتى نهايتها، إلى درجة القول إن شخصية الأب هي من تحرك خيوط السرد وتتحكم فيها. ضمن هذا السياق، سنحاول مقاربة رواية «تمر الأصابع» للروائي العراقي محسن الرملي، من خلال التركيز على صورة الأب الذي تجمعه صلات متشابكة ومعقدة مع وسطه الأسري من جهة، وبمحيطه الاجتماعي وببعض الأنساق من جهة أخرى. «تمر الأصابع» هي الرواية الثانية لمحسن الرملي، وقد استطاعت أن تخلق تلقيها الخاص في النسق العربي والغربي على حد سواء. إذ تحفل بموضوعات جديرة بالانتباه، مثل العلاقة بين الشرق والغرب، الحب، الهجرة، الحرية، والديكتاتورية، ولعل هذا ما جعلها محط اهتمام منذ صدورها بالإسبانية في مدريد 2008، قبل ترجمتها للعربية 2009. ليتم ترشحها ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2010.
الرواية
تبدأ أحداث «تمر الأصابع» باصطحاب إستبرق إلى المدينة لتلقي العلاج بعد مرض ألمّ بها، وفي الطريق يتجرأ عليها شاب ويلمس مؤخرتها وهو ما حمل آل مطلق على جمع رجال القرية والهجوم على «تكريت» حيث نوح الذي تم القبض عليه جراء محاولة غرزه الرصاصة في مؤخرة الشاب، ثأرا لإستبرق. وبعد الاشتباكات بين الطرفين، تحكم الشرطة سيطرتها على القرية فتبدل ألقابهم، من «المطلق» إلى «القشمر» هذه التسمية التي توحي في العامية بالاستخفاف والإهانة. يستغيث الجد مطلق بأصدقائه من القرى المجاورة، وبعد معرفة الحكومة بذلك تطلق سراح نوح بعد تعذيبه، وهو ما تسبب في عدم إنجابه مذاك. يسافر نوح إلى مدريد، يعقب ذلك سفر سليم الذي يصادف أباه هناك، وفي خضم ذلك يكتشف الأصدقاء الجدد لأبيه (من الألمان والإسبان والإنكليز). يود استفساره في وفاة (أو قتل) مطلق جده، لكن بدون جدوى. يزداد ارتياد سليم للمرقص حيث يعمل الأب، وينخرط في الحديث مع فاطمة، المرأة المغربية. بعد ذلك يستحضر سليم أيامه في القــــرية مقارنا إياها مع ما يعج في المرقص، حيث تجتمع كل المتناقضــــات ليسترسل في قصة فرض الحكومة تجنـيد الشــباب العراقيين واستبدال تسمية قرية القشامر باسم قرية الفارس. وستشكل هذه الحادثة الحدث المفصــلي الذي أثر على الجد مطلق. عاود رجال هذا الأخير بمن فيهم نوح الهجوم على الجبهة، جيء بسيارات حكومية، توقفت وسط القرية حاملة لسبعة عشر تابوتا فيها جثت شباب القرية الذين قتلوا في الهجوم الأخير على الجبهة، وكان من ضمنهم صراط حبيب إستبرق. بعد ذلك، لم يأذن الجد مطلق لرجال القرية بدفن الجثت إلا بعد الثأر لها، وهو ما جعلها تتعفن وتنبعث رائحتها. في الصباح، وبعد نقاش صاخب بين الأب (مطلق) والابن (نوح) يموت الأب (أو يقتل) ويقرر نوح السفر إلى إسبانيا للأخــــذ بالثأر، وغرز الرصاصة المتبقية في مؤخرة الشاب/الدبلوماسي الذي تجرأ على لمس مؤخرة إستبرق. في الأخـــير، يكتشف نوح بمساعدة من صديقه الكردي أن الشاب الذي تجرأ على إستبرق قد تم تعيينه ملحقا في السفارة العراقية في إسبانيا، يعدل عن ثأره ويسافر رفقة حبيبته روسا إلى ألمانيا التي كان متيما بها تاركا مرقصه لابنه الذي تزوج هو الآخر بفاطمة.
تصوير شخصية الأب
لا تخفى الإمكانات التي يثيرها التصوير الروائي في فهم العالم وتعقيداته وتشــــابكاته. تحتفي الرواية بثلاث شخصيات جوهرية تتحكم في مسار السرد وهي على التوالي: الابن (سليم) والأب (نوح) والجد (مطلق). هذه الشخصيات الثلاث تنتظـــــم في علاقــــــات متشابكة ومعقدة في ما بينها، بحيث يعسر فهم أحدها بمعزل عن الآخر، إنها تتشابك في ما بينها، في الوقت الذي تؤسس فيها لاستقلاليتها.. علاقة السارد (سليم) بأبيه (نوح)، علاقة نوح بأبيه (مطلق)، ثم علاقة السارد بنفسه.
علاقة السارد سليم بأبيه نوح
يمكن أن نميز فيها بين مرحلتين.. قبل سفر الأب إلى إسبانيا وبعده. وتتكشف علاقة السارد بأبيه في النص عبر مجموعة من الصور الجزئية التي تنتظم في ما بينها لتشكل في ما بعد صورة كلية، قوامها الازدواجية التي طبعتهما معا، فغدا كل واحد منهما «آخر» بالنسبة للآخر. تغيرت نظرتهما إلى القرية المهجورة، وإلى عالم الآخر (إسبانيا) الذي سيصبح في مستقبل السرد فضاء للحرية والانعتاق من سطوة التقاليد وكل أشكال السلطة، سواء الداخلية (سلطة الأب/سلطة الأسرة) أو الخارجية (سلطة القرية بعاداتها وتقاليدها). كان الأب نوح يختزن في داخله ذلك الآخر الذي لم يرد أن يكشف عنه في نسق «محافظ»، يعج بأشكال الطاعة والولاء، حيث يجسد الأب مطلق المركز الذي تنتظم حوله العائلة ما يجعل من العلاقة الأولية بينه وبين الابن نوح والحفيد سليم علاقة هرمية. وسيتضح في ما بعد أن هذه العلاقة ستخضع لانعطافات جديدة بفعل عوامل خارجية مساعدة، منها السفر نحو «الآخر» وتمثل قيمه ونمط عيشه. يقول السارد واصفا العلاقة القبلية التي كانت تجمعه بأبيه نوح: «في أثناء صعود الحمار للجبل يضعني أبي أمامه كي لا يميل جسده الضخم على جسدي الصغير، وعند النزول يردفني خلفه كي أستند إلى ظهره. وكانت لحظات تطويق ذراعي لجسده واحتضانه هي أحب اللحظات إلى نفسي، حيث الإحساس بقربي لأبي واتحادي به. كنت أشعر بحنان لذيذ وثقة ودفء لأنها أشد حالات التصاقي به، أشعر بحب كبير له وبحبه لي». هذه العلاقة التي قوامها التقدير والاحترام بين الابن سليم والأب نوح، ستعرف تغيرا لافتا، بل إن ذلك سيؤثر على علاقة السارد بنفسه، كما ستساهم في تغيير نظرته للأمور وللنسق الذي يقطن فيه. في خضم هذه المتغيرات سيطفو نوح الجديد، نوح المنبهر بالنسق الإسباني، الولوع بترف الحياة والبذخ وقيم الحرية والديمقراطية، المهووس بالثقافة الألمانية الحافظ لديوان غوته «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي». يقول السارد واصفا أباه الجديد: «أنا مشغول جدا يا سليم… ولا يقول ابني ـ كما ترى، ولكنني أعدك غدا.. غدا بالتأكيد ـ ولا يقول إن شاء الله». «أفكر بأن أبي في داخله اثنان، هناك كان يخفي الذي يمارسه هنا، وهنا يخفي الذي كان يمارسه هناك، بدون أن يتخلى عن أحدهما نهائيا، وأحيانا يطعم أحدهما بالآخر». إن الاستشهادات المنتقاة تومئ بالتبدل النوعي الذي طرأ على شخصية الأب نوح، وهو ما أثر على علاقته بابنه سليم الذي انبهر بهذا «الأب الجديد». وعبر أطوار السرد يظل السارد في سعي حثيث نحو فهم هذه الازدواجية التي طرأت على شخصية أبيه. لذلك ما فتئت الرواية ترسل في السمة التركيبية بين الأب والابن، وهي خليط من التقليد والحداثة، فيها شيء من الماضي وشيء من الحاضر، كحال المجتمع العربي المعاصر الذي ما زال يرزح تحت وطأة الحنين إلى الماضي والتوق إلى عوالم الحداثة، فلا يملك إلا أن يزاوج بينهما. ذلك حال الشخصيات الثلاث في الرواية، إنها تعود إلى ماضيها الغابر، لكنها تقيم مسافة بينها وبينه.
علاقة نوح بأبيه (مطلق)
يكشف السارد منذ فاتحة السرد وحتى نهايته عن العلاقة الوطيدة التي تجمع بين أبيه نوح والجد مطلق، وهي علاقة يتم تصويرها بالاستناد إلى أساسيين متلازمين معقدين هما: الطاعة والولاء من جهة، والتمرد والتحرر من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فإنه يمكن النظر إليها بالمقياس السابق، أي قبل السفر وبعده. يقول السارد: «أبي لم ينظر في عيني جدي أو حتى حدّق في وجهه على الإطلاق، دائما ينظر إلى الأرض مستمعا إلى كلامه بانتباه، تجاوز عمره الأربعين عاما وهو يقول إنه يستحي من النظر إلى وجه أبيه». «وأعترف لك الآن وحدك، ولأول مرة في حياتي.. بأنني كنت غالبا ما أرى الرب مجسدا فيه». تدلنا الأمثلة المنتقاة بطبيعة العلاقة التي تجمع بين الأب والابن في بعض الأنساق العربية، علاقة قوامها الهيبة والاحترام والرهبة في آن، لا سيما في الأوساط القروية، فرمزية الأب فيها تتجاوز الوظيفة البيولوجية المتمثلة في التربية والإعالة، لتغدو سلطة رمزية فوقية، وتصير له «الوصاية» على كل من تحت ولايته من أفراد أسرته. لكن الأب مطلق لا يبرز من موقع الأب المتسلط الذي يفرض خضوعه وطاعته، بل كشخصية مثقفة وقارئة، شخصية تمتلك من مؤهلات التواصل ما يجعلها تعقد صلات مع إثنيات متعددة. وعليه، فإننا لا نقرأ في الأمثلة السالفة نوحا واحدا، بل ذلك النوح الجديد المتجدد؛ فيه من رواسب النسق الذي تربى فيه (إحدى قرى العراق) وفيه من عالم الآخر وما يعج به من قيم الديمقراطية والحرية والانفتاح، إنه شكل من أشكال الانفلات من سلطة الأب الرمزية، فيكتشف القارئ أمارات التغيرات التي طرأت على هذه الشخصية، إذ خرجت من انطوائيتها وأصبحت تنعم بحرية الرأي وحرية الاختيار.
علاقة السارد بنفسه
من عاديات الأمور أن تحدث شقوق في البناء الداخلي للسارد، وهو ما سيؤثر على علاقته بنفسه ومحيطه الخارجي، لا سيما بعد وفاة الجد مطلق، علاوة على التأثر بـ»الأب الجديد» نوح الذي خلق مسافة بينه وبين ماضيه. علاقته أيضا بجده مطلق مبنية في كافة أطوار السرد على الاحترام والهيبة والرهبة والخوف في الوقت ذاته. يقول: «لا أدري ماذا أفعل، وقلبي يدق بشكل لم أعهده من قبل إلا في حالات الخوف من جدي». وفي مستقبل السرد، خاصة بعد رحيل سليم إلى إسبانيا، بعدما خنقته رائحة الجثث المتعفنة، نقرأ ساردا جديدا هو ذلك المعجب بإسبانيا المنبهر بقيمها، يفسر ذلك التوق الشديد لتمثل قيم هذا الآخر والرغبة الجامحة في التموضع ضمن هذا النسق، يقول: «صار يعجبني العيش هنا وسط هذه الحرية وهذا السلام لذا فأنا منهم، من هنا حيث أكون خارج شقتي».
صورة الأب المثقف
تضعنا الرواية أمام شخصيات مثقفة تعبر عن وجهة نظرها ومنظورها للأمور، استنادا إلى مقولة دمقرطة الحكي. سننصت للرواية من زاوية تصويرها للابن (سليم) والأب (نوح) والجد (مطلق) باعتبارهم شخصيات تتمتع بذخيرة معرفية، إنهم قارئون لتراثهم وتراث الآخر. يقول السارد: «وربما كنت مدفوعا إلى الشعر بسبب أبي أيضا، الذي يحفظ (الديوان الشرقي الغربي) لغوته بالألمانية». «تعلم أبي الألمانية والإنكليزية من الأجانب في شركات النفط، وكان يحفظ أيضا مقاطع من هاملت وشكسبير، وبالطبع يحفظ القرآن كاملا». فالشخصيات الثلاث وعبر مسار السرد تكشف عن ذخيرتها وخلفياتها المعرفية التي تتأرجح بين المعرفة بالنسق ومعرفة أخرى تنهل من الآخر وتتفاعل معه في الوقت ذاته، لتشكل صورة كلية أرست ما يمكن أن نسميه بـ»بلاغة التناقض»، فالرواية تغرق في أشكال الازدواجية التي طبعت شخصياتها.
*نشرت في صحيفة (القدس العربي)، العدد 8980 بتاريخ 19/10/2017 لندن.
**جواد السراوي: كاتب وباحث مغربي.

الخميس، 12 أكتوبر، 2017

حدائق الرئيس: الواقعية المطلقة والرمزية التامة/ عبيد بوملحه


 حدائق الرئيس: الواقعية المطلقة والرمزية التامة
عبيد بوملحه
ما زال الإبداع الانساني يسمو بالانحطاط البشري، مبيناً وكاشفاً أو ملامساً مقوّماً محاوراً للفكر أو الروح من أجل المبادىء الحياتية الراسخة والمتغيّرة، يسري مثل النهر شاقّاً طريقه في القلوب والعقول القابلة وناحتاً المتحجر منها، مبعثه الصراع الانساني الأبدي للفرد مع نفسه أو مع الآخرين - بصورة شخصية أو موضوعية- أو مع الوجودية والعدمية، تاركاً إرثاً إنسانياً عظيماً تأصّل في الجذور تأرث له نيران النفوس أو تضطرم متمردة كصفة منبتها لتنبثق رواية حدائق الرئيس للروائي محسن الرملي معلنة عن كيانها الروحي بصورة محسوسة وتجليّات انبّجست من الهوان والتنزّه حافظاً للفرد العراقي بشكل خاص والبشرية بشكل عام الكرامة الانسانية، أبدع الأستاذ محسن الرملي في الخِلقة السردية لحدائق الرئيس خالطاً بين مدرستي الواقعية المطلقة والرمزية التامة الوافية حتى أصحبت أمشاجاً، نسيج واحد محكم الفتل وثيق انسيابي وَوَسَقٌ يصعّب على القارئ التفريق بينهما، مشركاً إيّاه في أن يهوي خلف السطور في أرض أخرى بعيدة عن حبر الكلمات المتراكبة ليسمق محلّقاً يفكّك يصفّي ويغربل بين نقيين منقّباً عن المعاني الغائبة ليصل إلى العلّة واللب، البحث الانساني الدائم عن الحقيقة والاستقصاء في رحلة الحياة ومحطات الاستقرار والسفر والرحيل، العزلة والانزواء، المخالطة والانضواء. 
السرد في حدائق الرئيس بسيط وسلس جاذب كنبأ يحاكي جلّ المستويات، يحوي عمقاً محسوساً وغير محسوس يتسلقه القارئ بحسب إمكانياته. حذاقة الأستاذ محسن الرملي وتمكّنه من صنعته جعلته يختلق قصّاً روائياً مبتكراً يرتكز على نقاط انطلاق وهي الشخصيات والأحداث ولكن من غير مركزية، فكل نقطة عنده تنطلق في اتجاهات عدة في فوضى خلّاقة بنت رائعة محسن الرملي "حدائق الرئيس"، فقد نشاهد إحدى نقاط مرتكزاته تعود إلى الماضي ومن ثم تنطلق في صورة أفقية تلامس النقاط المجاورة فينطلق مرتكز آخر إلى المستقبل وتتخالط فيما بينها وتتشابك ويفككها بمهارة ودربة وانتقالات سلسة يستحيل معها أن يشعر القارئ بقطع في الأحداث أو اغتراب عن النص الروائي. يعلن الأستاذ محسن الرملي عن تحديه للقارئ بأن يضع خارطة للطريق وألغاز أو إشارات لرحلة بحث تفضي في نهاية المطاف لتأويل آخر ومعانٍ مختلفة على القارىء حلها وتفكيك رمزيتها، يتضح ذلك من النص بداءة من أسماء شخصيات الرواية مثل عبدالله كافكا وإبراهيم قسمة البسيط الراضي وطارق المندهش أو الشيخ وما لكل اسم من دلالات واختلافات أصولية وفكرية وصفاتية، فعلى سبيل المثال قد يرمز عبدالله كافكا إلى النضال وغرائبية الحياة وغموضها، البؤس والشقاء بين الدواوينية والمثالية، أو قد تشير إلى خلافات البطل مع أبيه، والأب قد يرمز أيضاً إلى العديد التأويلات والتفسيرات، ويبين لنا الأستاذ محسن الرملي ذلك في صفحة 80: "للحظة فكّر كيف أنه بين عمياوين، ظلامين، الولادة والموت، (وقد اعتاد على أن ثمة رموزاً في الكون دائماً)"، ومن هذه الرموز التي أوردها الأستاذ محسن الرملي في صفحة 118 عن شجرة شوكة البحر والتأويلات التي تحيلنا إلى الوجودية والمكانية الآنية، ولكن الإبداع في الرمزية عند الأستاذ محسن الرملي أنّه بناها ككيان مرن هلامي غير محسوس لا يحيل إلى فكرة واحدة فقط، ولكنه يحاكي فكر كل قارئ ليستنبط منها ما شاء بحسب خارطته الذهنية وقدراته التأويلية أو البحثية، فكما قيل: "جميع إمكانيات التأويل تظل مفتوحة، وكل واحدة منها تنطوي على شيء ما شبيه بالحق، لكن ليس بين هذه الإمكانيات إمكانية واحدة مؤكدة بصورة واحدة وثابتة". 
وذلك ما تحيلنا إليه نهاية حدائق الرئيس من سوداوية تشرذم وتفرق، أو بيضاوية البحث عن الحقيقة من بين الأشلاء والتاريخ، وذلك بحسب الزاوية التي ينظر منها القارىء نفسه، ليخلط الأستاذ محسن الرملي بين استراتيجيتين في الكتابة بصورة إبداعية، وهما: جلوس الكاتب في برجه العاجي ليفهمه الناس ويصلوا إليه، وبين أن يكون الكاتب لسان المجتمع وحاله.
اللغة.. الإيحاءات في أسماء الشخصيات وبعض المواقف والأحداث.
---------------------------------------------
*عبيد بوملحه: كاتب وناقد إماراتي، من أعماله: رجل بين ثلاث نساء، ليلة غاشية، سوق نايف، الذبابة.. وغيرها.
*نشرت في (مداد) بتاريخ 12/10/2017 الإمارات.
 
 
 

الخميس، 5 أكتوبر، 2017

عن: ذئبة الحب والكتب / عبدالله مكسور

ذئبة الحب والكتب.. صورة البحث عن الحياة بتناقضاتها
عبدالله مكسور
عديدة هي النصوص الروائية التي تناولت مفهوم الهجرة، في وصف لما يلاقيه المغترب من صعوبات في مواجهة عالم جديد. هذا العالم بكل ما فيه من تناقضات ونزاعات وأمل ومآس تعكسه رواية “ذئبة الحب والكتب”، الصادرةُ، مؤخرا، عن “دار المدى”، في بيروت وبغداد وأربيل، للكاتب العراقي محسن الرملي الذي يصور لنا الهروب إلى الخارج حيث الراوي الذي يسرد لنا حكايات عن الحرب والموت والصداقة المقتولة والحب.
عبر ما يقارب الأربعمئة وخمسين صفحة يطوف الكاتب العراقي محسن الرملي برحلة الحياة من الوطن وإليه، خلال روايته المرشّحة في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الحالية “ذئبة الحب والكتب” بسرد غريب يمسك الراوي بهِ من أطراف عدّة رغم تعدّد الأمكنة والأزمنة، إلا أنَّه يحافظ على التشويق وعلى ملامح الشخصيات ليضع القارئ أمام مفارقات عديدة يتم اكتشافها تباعا خلال النص.
“الأشياء الصغيرة تجلب الغبطة الصافية، الذاكرة تنتقي، تقدم وتؤخر كما تشاء”، بهذا المفتاح يمكن قراءة رواية الكاتب العراقي المقيم في أسبانيا محسن الرملي، “ذئبة الحب والكتب” ليست رواية فقط، إنها حكايات في قلب حكاية أرادها الرملي مختلفة عن كل ما قدمه في إنتاجاتهِ الأدبية فبدأها بإقرار لا يقبل اللبس بأنَّه هو محسن الرملي الكاتب العراقي الذي قدّم للوسط الثقافي كل أعماله السابقة إلا هذه التي بين يدي المتلقي الصادرة عن دار المدى في بيروت وبغداد وأربيل، هذا النص الذي أراده الرملي كشف حساب مع الماضي دون مواربة، الماضي بكل ما فيه من مشاكل وأحلام وعقبات.
العمل من منظور نفسي
بدأ تشكل المستقبل عند الرملي في مرحلة مبكرة من حياته، وهنا بالطبع لا بد من إخضاع النص للمدرسة النفسية التي تقوم على قراءة الأدب من منطلق نفسي، حيث نرى طيف الشاعر العراقي حسن مطلك الذي تدور حوله الحكاية، ساكنا في ثنايا النص وإن حاول محسن مرارا الاختفاء بعباءته عبر الاختباء بصورة أنثى عاشقة للشاعر العراقي الذي اتهمته سلطات البلاد في ذلك الوقت بالتخطيط لقلب نظام الحكم الذي يقوده القائد الضرورة.
يقدم الرملي بعد مرور سنوات بيان نعيٍ أدبي مكثّف اعتمد من خلاله ترميم المشاعر وتوظيف التكثيف في بنية السرد بين ثلاثة أعمدة وثلاث مدن، الأعمدة الثلاثة تمثلَت بالشاعر الراحل الذي هو شقيق محسن الأكبر والكاتب ذاته الرملي وامرأة تظهر وتختفي تحت اسم هيام.
وتمتد الحكاية عبر هذه الأركان بتفاصيل يضمنها الرملي ذاكرته الشخصية المتنوعة، ذاكرته التي عاشها في ثلاث مدن ظهرت في النص على هيئة العراق بوصفه مدينة كبيرة ممتدة من الموصل وحتى البصرة، والأردن بوصفها مرتكزا للمنفى الأول الذي وصله الرملي بمئتي دولار فقط فخلق ذلك ثنائيةَ عمان وإربد، بينما تظهر مدريد بوصفها الحلم الكبير البعيد الذي يقع على الضفة الأخرى من المتوسط.
رغم المواربة التي وضعت على غلاف الرواية بأنها عن عراقيين يعيشون الحب رغم كل الظروف، إلا أنّ المقطع العرضي للنص يدفعني إلى القول إن الزمان والمكان هما زمان ومكان محسن الروائي بصفته الكاتب والإنسان معا، تاريخه الشخصي الذي اعترف لي محسن مرة بحوارٍ سابق إنه يمرره عبر شخوص أعماله، يجعلها تتغذى عليه فتحمل ملامحه وذهنيته وأوجاعه وأفكاره ومشاعره، لذلك يمكن تصديق الحبكة الخيالية التي قدمها في مطلع الرواية عن بريد إلكتروني يطابق إيميل المدونة التي أنشأها الراوي لشقيقه الراحل بعد حكم الإعدام وحرصه الشديد على أن يضع فيها كل قصاصة وكل جملة وكل عبارة تركها حسن مطلك، تلك القصة التي أراد منها محسن أن يغوص أكثر في عوالم النفس البشرية من خلال المسح النفسي لرجل فقد كل شيء خلال الحرب، فقد تاريخه وحاضره ومستقبله، ولكنه ظل مؤمنا بالحب كمظلة تجمع كل النقائض.

دائرة السرد
يسير النص في دائرة مغلقة، بدأها الرملي بذاته العراقية وأنهاها في نقطة معلقة بين حدودين في مواجهة العراق الوطن الذي عاد إليه باحثا عن الحب الذي اخترعه وصدقه، دائرة يسير قطرها دون نقطة ارتكاز سوى الحب الأزلي الذي يمشي على ساقين عند الرملي ضمن إحساسين الأول هو الأخوة الصرفة تجاه حسن مطلك والثاني هو حب الأنثى الغائبة التي تطابق حبّ ما قبل النظرة الأولى لمرأةٍ تسكن الروح.
القطر الذي يسير ضمن نقطتين في دائرة السرد نراه يعبر المدن ويصورها من خلال الأحداث المختلفة التي ضربتها، تكثيف الحدث التاريخي يظهر بشكل جلي في مدن العراق ليمر على الحرب الإيرانية العراقية وحرب الكويت والاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين عام 2003، الحدث الأخير يفرض نفسه عبر مسارات يحاكم من خلالها الرملي الموقف الإنساني داخليا وخارجيا من الاحتلال، أثر الحرب على الذين وقفوا على الحياد فيها، بين ضفتين رمت كل منهما الواقفين فيها بعبث دون انتظار اكتمال الحدث، هنا يظهر قطب القصة للمرأة المتخيلة هربا من الاحتلال والموت نحو اليمن ومنها إلى الخرطوم وصولا إلى ليبيا عبر شاحنة خطت عجلاتها في الصحراءِ آثارا عكسها الرملي في نفسية منكسرة تبحث عن الحب وصولا إلى مدريد، ذلك الوصول الذي دفع بالرملي الكاتب إلى اتخاذ قراره بالاتجاه نحو أسبانيا بعد أن قدم مقطعا عرضيا آخر للحياة الثقافية والاقتصادية في ثنائية “عمَّان/ إربد” في الأردن.
خلال تلك المرحلة أرسى الرملي خيوطا كثيرة وآراء عديدة في الرواية والمسرح والشعر والجمال ضمنها خلال الحديث عن علاقاته الاجتماعية في عمان، وهو هنا استخدم أسماء صريحة لأشخاص وشعراء وصحفيين، فضلا عن تعيينه لأسماء مطاعم ومقاه وجامعات ومسارح وأحياء لإضفاء الشرعية على النص.
تحضر الأسطورة في الرواية من خلال صورة جلجامش وأنكيدو والجد الذئب وهذا يقودنا نحو قراءة أخرى للنص تقوم على التأويل ضمن ثلاثية أخرى تقوم على الإنسان والسماء والأرض، مررها الرملي في متتالية تتناسل منها الحكايات ليصوغَ اللوحةَ الكاملةَ للحياة في ظل الدكتاتور وخارجها، ليضع مسارات جديدة يتحدّث فيها عن الممنوع والمسموح والممكن في ظل السلطات المتعددة المتمثلة بالضمير والدين والأخلاق والقبيلة والزوج والأب معتمدا في هذا البوحِ على صوتين رئيسين هما المرأة والرجل المختبئ خلف رجل آخر وصلت إليه المراسلات صدفة فدفعته الأحداث ليكون البطل كما يعترف الرملي أن ذلك حدث في حياته الشخصية حين قضى حسن مطلك إعداما فحمل هو بأناه الواحدة صورة الرجل الراحل ليصل صوته إلى كل مكان.
----------------------------------------------
*نُشرت في صحيفة (العرب)، بتاريخ 2015/11/02، العدد: 10085 لندن.


عبدالله مكسور

الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

الطماطميّة / د. محسن الرملي

تراث
الطماطميّة
د.محسن الرملي
ـــــ يا أخي، هؤلاء مجانين وعديمو الإحساس.
قال لي ذلك ونحن نشاهد في نهاية نشرة الأخبار الإسبانية خبراً عن مهرجان التراشق بالطماطم (لاتوماتينا La Tomatina) الذي يقام سنوياً في بلدة بونيول في بلنسية، فسألته: لماذا؟ وأجاب طويلاً بالتحدث عن التبذير والاستهانة بالنعمة ولماذا لا يتبرعون بهذه الأطنان من الطماطم إلى الفقراء وما إلى ذلك، فقلت له: ليتنا مثلهم نتراشق بالطماطم في عالمنا العربي بدل أن نتراشق بالدماء.
أخبرته أنه وبفضل هذا المهرجان، تعيش آلاف الأسر التي كانت فقيرة في هذه القرية الصغيرة والقرى المجاورة لها، والتي كانت تعاني في بيع محاصيلها الزراعية ومنها الطماطم، بحيث أن إحدى الحكايات التي تقال عن أصل هذا الاحتفال تشير إلى أنه قد بدأ بعراك بين فلاحيْن بسبب التنافس في تنزيل أسعار الطماطم وكسادها، فانقسمت القرية إلى فريقين تتراشق بالطماطم، وفي تلك الأثناء مرت مجموعة من السياح ووقفت تتفرج على هذه الحرب، عندها انتبه الفلاح البادئ بها فقال لهم: هذه احتفالية والفرجة عليها أو المشاركة فيها ليست مجانية. وراح يبيع الطماطم على عليهم في أكياس كي يشاركوا، فوجد نفسه قد جمع من المال ما يفوق قيمة كل ما كان لديه وما لدى خصمه. حكاية أخرى تقول بأنها بدأت عام 1945 أثناء احتفالات استعراض الدمى العملاقة، حيث تعارك بضعة شباب فيما بينهم وراحوا يتراشقون بالطماطم التي أخذوها من البقالات في الساحة، واشترك معهم عدد كبير من الجمهور، وفي الأعوام اللاحقة صاروا يأتون بأكياس الطماطم من بيوتهم حتى تحول هذا الأمر تدريجياً إلى فقرة من هذه الاحتفالات، حكاية أخرى تقول بأن شباباً كانوا ينصتون إلى مطرب في هذه الساحة ولأن صوته كان قبيحاً جداً أخذوا يرمونه بالطماطم ثم اتسعت دائرة التراشق لتشمل كل المستمعين... وأيّ كانت الحكاية، لكنها تحولت إلى تقليد سنوي وصارت من أشهر الاحتفالات السياحية في العالم، تقام منذ سبعين عاماً في آخر أربعاء من كل أغسطس وفي سنة 2013 تم تحديد عدد المشاركين بـ 22 ألف وببطاقة ثمنها عشرة يورو، بعد أن وصل عددهم إلى 45 ألف سنة 2012، يحملون أكثر من تسعين جنسية من محتلف أنحاء العالم، يستمتعون لبضعة ساعات بالتراشق بما يقارب المائة طن من الطماطم تحملها 6 شاحنات ويقوم على الحراسة 500 رجل أمن، كما تقام على الهامش العديد من النشاطات الفنية والثقافية والاجتماعية والحفلات الموسيقية ونشاطات خاصة بالأطفال، ويحضرها للتغطية أكثر من مائة صحفي، وأصبحت ساحة القرية وشوارعها ميدانا لتصوير العديد من الأفلام الوثائقية والسينمائية بعد ان كانت مهجورة، وكل هؤلاء يحجزون مبكراً في الفنادق وينفقون في المطاعم والأسواقها والمواصلات مما أنعش السياحة بشكل مذهل في هذه القرية وفي القرى المجاورة لها. علما أن الطماطم المستعملة هي الأرخص لأنها من تلك الليّنة التي لا تباع وقد ترمى إلا أنها صارت مصدراً لتحريك وجلب الملايين من اليورو... فهل تسمي هذا تبذيرا أم حسن استثمار عبر خلق تقاليد وتراث يجلب للناس البهجة والمال ويزيد من التعارف فيما بينهم؟
صمت صاحبي قليلاً، ثم كرر ما قلته له سابقاً: ليتنا مثلهم نتراشق بالطماطم في عالمنا العربي بدل أن نتراشق بالدماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (تراث) الإماراتية، العدد 193 نوفمبر 2015م

الثلاثاء، 8 أغسطس، 2017

عن: حدائق الرئيس / فائز وفراس

عن: حدائق الرئيس
كتب: فائز المصري
رواية بوكرية بكل المقاييس، أبدع فيها حقيقة الكاتب المتميز د.محسن الرملي وأمتع، لا سيما أنه لعب حبكتها الكتابية بتقنية "فلاش باك" التغذية العكسية التي عادة ما تقتضي من الكاتب مهارة استثنائية في طبيعة البناء السردي للنص الروائي، مع موازنة مُحكمة في عملية تبادل الأدوار بين أبطال العمل الروائي بوجه عام.
في حدائق الرئيس، هنا العراق الأصيل بكل ألوان الطيف السياسي تجدهُ ماثلاً أمامك كقارئ ضمن محكية روائية تؤرخ بسلاسة نصية راقية لعدد من الحقبات السياسية الدامية التي ألمت بهذا البلد وأهلهِ على إمتداد نصف قرن من الزمان.
فمن خلال ثلاث شخصيات محورية هي: طارق بن ظاهر، عبدالله كافكا، وإبراهيم الدمشقي يسطر صاحب (تمر الأصابع) و(ذئبة الحُب والكتب) واحدة من أجمل المحكيات الروائية العراقية المعاصرة، وأكثرها غوصاً في أتون وجع الإنسان العراقي من خلال استعراضه المتقن والرمزي لسير أبطال عمله الثلاث، ودون إغفال من الكاتب لضرورة استحضار "العراق" المثخن بجراحه دوماً في خلفية المشهد الروائي للعمل ككل.
"حدائق الرئيس" توليفة روائية مفعمة بتفاصيل الحكاية الإنسانية الشفيفة، والممزوجة بعذابات الواقع البائس لبلد ارتهنت مصائره على الدوام لصالح قوى البطش والجبروت والطغيان، ليدفع الإنسان العراقي البسيط وحده ثمن ذلك كله من عذاباته، ودموعه، ودمه، ومستقبله.
آمل أن تكون هذه الرواية نقطة تحول حقيقة في جوهر ومضمون وعي وإدراك كل إنسان عراقي، متطلع بصدق لغدٍ أفضل، وعراق أمثل بإذن الله. أقول ذلك وكلي ثقة بأبناء العراق من الجيل الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

كتب: فراس شلال الطائي

من أهم وأعظم الروايات العربية، بل هي وحدها تأريخ وطن كامل، بشعبه وأرضه ومأساته الجتماعية والدينية والسياسية والنفسية.
رواية (حدائق الرئيس) للكاتب الشاعر العظيم جدا محسن الرملي من العراق مقيم في 
طبعا من الجمال والحظ الحسن أن تعثر على معلم يعلمك الحياة من خلال منجزه الروائي. 
تشعر بالفخر وانت تسمع هكذا رواية تحمل ملامحنا، أحزاننا، وجوعنا، هزائمنا، وابتساماتنا الباهتة.
موتنا الذي يطاردنا من حرب الى حصار من طاغية الى طائفيين من مجرمين قتلة الى سياسين جبناء.
موت بشبهنا بكل عراقيتنا وعربيتنا وإنسانيتنا.
تلك الرواية حين تراها اليوم وهي تقرأ ظلامنا الى شعوب أخرى 
تبتسم ابتسامة شبيهة بطفولة..

الأربعاء، 26 يوليو، 2017

محسن الرملي عن سيرته وسيرة الأدب الأسباني

محسن الرملي عن سيرته وسيرة الأدب الأسباني

http://alqabas.com/418595/

محمد حنفي

ـــ الكويت ـــ

أكد الكاتب والمترجم العراقي محسن الرملي أن الشعوب، التي تريد التعلم من تجاربها لا تهمل أدبها، وإنما تتعامل معه بشكل تراكمي، وهو ما فعله الأسبان، ولم يفعله العرب، حيث لا يوجد امتداد لعمالقة الأدب العربي مثل: المعري والجاحظ. كلام الرملي جاء خلال محاضرة «رحلة إلى الأدب الأسباني»، التي ألقاها في منصة الكتابة الإبداعية بمكتبة تكوين.
قسم الرملي محاضرته إلى قسمين: الأول تحدث فيه عن رحلته الشخصية من العراق إلى أسبانيا، حيث أشار الرملي إلى أنه ينتمي إلى عائلة محافظة من جنوب أربيل، وكان يحلم بأن يكون مسرحيا، لكن عائلته كنت تنظر إلى الفن نظرة متحفظة، فقرر دراسة الإعلام، ولكن صديقه الروائي ألقى إليه بفكرة غيّرت حياته، حيث عرض عليه دراسة اللغة الأسبانية من أجل قراءة رواية ماركيز «مائة عام من العزلة» بلغتها الأصلية، وكانت الرواية ذائعة الصيت في أنحاء العالم آنذاك.
وتحدث الرملي عن رحلته مع دراسة اللغة الأسبانية في العراق، رغم أن لا مستقبل لخريجي هذا القسم هناك، وبعد التخرج كان عليه الانخراط في تأدية الخدمة العسكرية لمدة ثلاث سنوات وصفها بالكابوس، كان يومها آمر دبابة، وحين دخل جيش صدام إلى الكويت كان هو على الحدود التركية، ولم يشارك في جريمة الغزو. 

"دون كيخوتة" أم الروايات
ثم تناول الرملي رحلته إلى الأردن، فتحدث عن معاناته في بلد صغير مزدحم لا توجد فيه فرصة عمل، فاضطر إلى ترجمة بعص النصوص الأسبانية إلى العربية، ونشرها في الصحف الأردنية، ومن هناك قدم أوراقه إلى السفارة الأسبانية للحصول على الدكتوراه.
ويصف الرملي أيامه الأولى بعد السفر إلى أسبانيا بالصعبة، حيث رفض المتخصصون الموافقة على موضوع رسالته «تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوتة»، لأن الرواية نوقشت في نصف مليون دراسة من قبل، لكنه أصر حتى وافقوا، وحصل على الدكتوراه عام 2003.
وقال الرملي إنه بعد أن تعمق في دراسة الأدب الأسباني، أصبح إعجابه بماركيز أقل، وأصبح يعجب بكتاب وشعراء يكتبون بالأسبانية أكثر منه، ومنهم سرفانتس مؤلف «دون كيخوتة»، وتوجه بنصيحة لكل روائي عربي شاب بأن عليه أن يشعر بتأنيب الضمير إن لم يقرأ عملي «ألف ليلة وليلة» و«دون كيخوتة»، مشيرا إلى أن الأخيرة تضم كل تقنيات الرواية المعاصرة، ولذا يعتبرها أم الروايات. 

الأدب تراكمي
في القسم الثاني من محاضرته تحدّث الرملي عن رحلة الأدب الأسباني، فأكد أن 19 بلدا في العالم يتحدثون الأسبانية في دول أميركا اللاتينية، حيث أشار إلى أن البداية الحقيقية للأدب الأسباني كانت في القرن الرابع عشر، بعد تفتيت اللغة اللاتينية، وظهور اللغات التي أنشقت عنها ومنها الأسبانية، وكانت الملحمة أبرز ما يميّز أدب هذه الفترة، الرملي أكد أن الأدب الأسباني منذ هذا التاريخ كان أدبا تراكميا، فالشعوب لا تهمل أدبها، وإنما تتعامل معه بشكل تراكمي، وهو ما لا يوجد في أدبنا العربي.
وانتقل الرملي للحديث عن القرن الخامس عشر، حيث انتقل الأدب من الملحمة إلى موضوعات أخرى، ثم كانت النهضة الحقيقة للأدب الأسباني مع بداية القرن السادس عشر وحتى بداية القرن السابع عشر، حيث ظهر المذهب الإنساني، وهي الفترة التي كتب عنها الرملي كتابه «الأدب الأسباني في عصره الذهبي»، وهي المرحلة التي يعتبر سرفاتنس جزءا من روحها، حيث وصف روايته الشهيرة «دون كيخوتة» بأنها رواية عن الفرسان، تسخر من رواية الفرسان التي كانت سائدة.
 
فترة الانحطاط
وأشار الرملي إلى الأدب الأسباني خلال القرن السابع عشر، حيث مر بمرحلة انحطاط، بسبب تشدد الكنيسة، حيث أصبح مقياس الأدب هو ما أطلق عليه «التفذلك اللغوي»، وبدخول القرن الثامن عشر تخلص الأدب الأسباني من مرحلة الوعظ إلى ما أسماه «التنوير أو إيصال المعرفة»، حيث أكد الرملي أن الأدب لابد أن يحمل رسالة، وليس فقط من أجل المتعة.
أما القرن التاسع عشر، فكانت أسبانيا أشبه بعراق صدام، على حد قول الرملي، تخسر الدولة تلو الأخرى، بينما يتحدث الخطاب الرسمي عن عظمة الإمبراطورية، بينما المواطن يئن من الجوع والقهر في الداخل، وقال الرملي إنه عندما تمر الدول بالأزمات، فلابد أن يتوقف المثقفون، ويبحثوا عن إجابات للأسئلة الأولى، وهو ما فعله الأدباء الأسبان، حيث بحثوا في أعمالهم الأدبية عن أسئلة تتعلق بالهوية وعلاقة الأسباني بالمكان. 
تسامح أسبانيا
ثم كانت نهاية رحلة الأدب الأسباني في القرن العشرين، الذي شهد الحرب الأهلية الأسبانية، ووصول الديكتاتور فرانكو إلى السلطة، وهي الحرب التي دفع الكثير من الأدباء ثمنها، ومنهم الشاعر لوركا الذي لقي حتفه خلالها، وأشار إلى أنه بعد عودة الديموقراطية بعد رحيل فرانكو عاد أدباء المنفى، وحتى أولئك الذين كانوا مع النظام السابق لم يحاكموا، ومنهم الأديب كاميليو خوسيه ثيلا، الذي كان مسؤول الرقابة في حكومة فرانكو، لكن تسامح أسبانيا معه جعلته يمنحها جائزة نوبل عام 1989، وأنهى الرملي حديثه عن هذه الفترة بأن الأديب الأسباني تخلي عن دور التنوير السياسي للأحزاب، وتفرغ للأدب، فانفتحت آفاق جديدة أمام الادب الأسباني، وتم السماح للأقليات بكتابة أدبها بلغاتها الهامشية، وهو ما أدى إلى بزوغ الأدب الأسباني وزيادة الطلب عليه. 

انشطار الهوية
خلال المداخلات التي تلت المحاضرة، طالب الرملي الدول العربية بالاتجاه نحو دول أميركا اللاتينية المتحدثة بالأسبانية، حيث إنها تصنف مثلنا بالعالم الثالث، وليس بيننا وبينها دماء وحروب واستعمار، كما أنها تتعاطف مع قضايانا العربية، كما أجاب عن سؤال الناقد فهد الهندال، المتعلق بانشطار هويته بين دولتين متشابهتين، هما العراق وأسبانيا، فقال الرملي إن العربي عندما يذهب إلى قصر الحمراء يبكي على الفردوس المفقود، وأنه في بداية رحلته كان يخشى على هويته، لكنه بعد كل هذه السنوات اكتشف أن موضوع الهوية ستار للحفاظ على السلطة والمال، مشيرا إلى أنه بات يشعر بالسعادة، كونه منشطر الهويات، رغم أن قلبه مازال متعلقا بالعراق.
------------------------------
*نشرت في صحيفة (القبس)الكويتية، العدد 15854 بتاريخ 21/7/2017م

https://twitter.com/whoispopulartdy/status/888341589269065729
https://www.whoispopulartoday.com/%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D9%84%D9%8A/2017-07-21/kw

السبت، 1 يوليو، 2017

دكتوراه عن جماليات السرد في روايات محسن الرملي

دكتوراه عن جماليات السرد في روايات محسن الرملي
Tesis doctoral sobre La estética narrativa en las novelas de Muhsin Al-Ramli
 la Universidad de Mosul
 
الرواية نت - كركوك
  نال الباحث العراقي محمد إبراهيم الجميلي شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عن أطروحته الموسومة (جماليات التشكيل السردي في روايات محسن الرملي)، وذلك من قسم اللغة العربية في كلية التربية الأساسية بجامعة الموصل، وقد جاءت الأطروحة في ستة فصول رئيسية مهمة بعد المقدمة ثم التمهيد الذي حدد مفاهيم مصطلحات العنوان، كمفهوم الجمال والجمالية ومفهوم التشكيل والسرد، وتبعها باستعراض السيرة الذاتية والإبداعية للروائي محسن الرملي، وبعدها جاء الفصل الأول بعنوان: جماليات تشكيل العتبات النصية الروائية، والذي قسمه إلى أربعة مباحث هي: عتبة العنوان، عتبة الإهداء، عتبة الاستهلال وعتبة الغلاف، وفي الفصل الثاني تناول جماليات تشكيل مرجعيات النصوص الروائية عند الرملي مركزا في هذا الإطار على ثلاثة مرجعيات رئيسية، هي: النصوص الدينية، الحكاية الشعبية والتراث الأدبي، فيما خصص الباحث الفصل الثالث لبحث جماليات تشكيل الزمن الروائي في أعمال الرملي، وبشكل خاص تقنية ترتيب الزمن وتقنية تسريع الزمن، وفي الفصل الرابع تناول: جماليات تشكيل وسيلتي السرد، الوصف والحوار وقام بتحليل لأسلوب محسن الرملي في وصف الشخصيات ووصف المكان، ومن ثم كيفية توظيفه للحوار بنوعيه: الحوار الخارجي والحوار الداخلي.
أما في الفصل الخامس فقد درَس: جماليات تشكيل الجسد والمتخيل السردي، ومنها آليات كشف الرملي للذات في مرآة الأنثى، وما هي صورة المرأة المثال، وفي الفصل السادس والأخير، سلط الباحث الضوء على: جماليات تشكيل اللغة الروائية، وما تتضمنه من صيغ التهجين بين لغة السرد ولغة السيرذاتي إضافة إلى أساليب تركيب نحوية وتعبيرية ثانوية فاعلة.
هذا وقد أشرف على الأطروحة الدكتور محمد صالح الحافظ الذي أشاد بالجهد الاستثنائي للباحث على الرغم من الظروف العصيبة التي مر بها في ظل إرهاب داعش ومن ثم اضطراره للنزوح، مخاطبا إياه بالقول: "كنت خلال فترة كتابة الأطروحة في ظرف صعب ونجاك الله. ها أنت أخيرا بجهدك المضني مع البحث والكتابة، تتوفق وتنجح وتسير قدما في شعاب الحياة مرفوع الهامة عزيزاً، لأنك كتبت رسالتك للدكتوراه رغم المعاناة والرعب الذي رافقك ليلاً ونهاراً.. حتى أنك كنت لا تستطيع تأبط كتاباً أو تلمس قلماً، خوفاً من غدر المتطرفين". 
وقد تمت المناقشة في الموقع البديل لجامعة الموصل في كركوك، من قبل لجنة متخصصة من أساتذة الأدب الحديث في عدة جامعات، وهم: الدكتور محمد جواد علي، الدكتور عبدالرحمن محمد الجبوري، الدكتور اسعود أحمد يونس، الدكتور محمد سالم سعدالله والدكتور محمد نوفل صكر.
يذكر بأن هذه ليست الأطروحة الأكاديمية الأولى وليست الأخيرة التي تتناول أعمال الكاتب العراقي محسن الرملي، فقد سبق وأن نال الباحث عدي جاسم أحمد، شهادة الماجستير عن أطروحته (أنماط الشخصية ودورها في البناء السردي في روايات محسن الرملي)، من جامعة البلمند في لبنان وباشراف الروائي اللبناني د.شربل داغر، ,اصدرها بعد ذلك في كتاب، إضافة إلى رسائل أخرى للدكتوراه لا زالت قيد الإنجاز في جامعات بابل وتكريت وأربيل، إلى جانب عدة دراسات أكاديمية أخرى بالإسبانية والإنكليزية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في (الرواية نت) بتاريخ 1/7/2017م