الأربعاء، 30 مايو 2018

حوار مع الشاعر والروائي محسن الرملي /صحيفة:الاتجاه الثقافي


الشاعر والروائي محسن الرملي:
الشعر روح الأدب، وأنا مدمن على قراءته وأتهيّب في كتابته 📚
مع الرواية، أشعر بمساحة أكبر للتعبير عن رؤية أوسع
حاورته: وصال مصطفى
الدكتور محسن الرملي.. كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجِم عراقي، ولد في شمال العراق عام 1967 ويقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بامتياز في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد، مع درجة الشرف. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة كاتباً ومحرراً ثقافياً منذ 1985 وله عشرات المواد المنشورة في الصحافة العربية والإسبانية والأمريكولاتينية. تَرجم العديد من الأعمال الأدبية بين اللغتين العربية والإسبانية، وله عشرات الإصدارات تنوعت بين القصة والشعر والمسرحية والترجمات والرواية. منها رواياته: "الفتيت المبعثر" التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002 و(تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) اللتان تَرشحتا ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2010 و2013، ونالت الترجمة الإنكليزية لـ(حدائق الرئيس) جائزة القلم الدولي 2016. ورواية (ذئبة الحُب والكُتب) التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2015. نُشرت أعماله القصصية تحت عنوان (تُحفة السهران) 2017، وتُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الدولية. وهو شريك في تأسيس وإدارة دار نشر ومجلة "ألواح" الثقافية الفكرية في إسبانيا منذ 1997. وعضو في هيئة تحرير مجلة (آركيترابا) الكولومبية المعروفة المتخصصة بالشعر. يعمل حالياً أستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.
من أجل تسليط الضوء على تجربته الأدبية، حاورناه عبر عبر وسائل الاتصال، فكان هذا الحوار الذي بين أيديكم: 

*كيف كانت خطوتك الأولى مع الأدب لاسيما في مجالي: القص، والرواية؟ وماهي مصادر الهامك الأبداعي؟
ـــ كانت بتأثير من أخي حسن مطلك، الذي كان يهديني في صغري كتاباً أو علبة ألوان أو مجلة، على كل نص قصصي أكتبه، وكنا نناقش طويلاً أي شيء يكتبه أحدنا، وتلك كانت متعة هائلة بالنسبة لي. أما عن مصادري فأولها التجربة الشخصية، الداخلية والخارجية، ما يتعلق بالأسئلة والقلق والشعور الوجودي، وما يتعلق بالظروف التي مررت بها ومر بها من هم حولي وبلدي، يضاق إلى ذلك طبعاً الشغف بالقراءة والتي تعينني في محاولتي لفهم كل ذلك ومن ثم التعبير عنه.
*اشتغلت في عموم مشروعك الابداعي على أجناس أدبية متنوعة، أي الاجناس منها أقرب إليك الشعر، القصة، الرواية، ولماذا؟
ـــ بالنسبة لي كلها تنتمي للكتابة، وأتبع معها بديهية أن المضمون يفرض شكله، يعني هناك ثيمة يكون الأنسب لها القصة وأخرى الشعر وأخرى المسرح وأخرى الرواية وهكذا. كقارئ فإن الشعر هو الأقرب إليّ دائماً، ولم يمر يوم في حياتي دون أن أقرأ فيه قصيدة على الأقل، أعتبر الشعر هو روح الأدب وأنا مدمن على قراءته وأتهيب في كتابته، والقصة هي متعة ممارسة التقنيات الصعبة في فن السرد ومدرسته.. أما الرواية فمعها أشعر بمساحة أوسع للتعبير عن رؤية أوسع.
*إلى من تعطي الأولوية في البناء الروائي.. للشخصيات أم للحبكة؟
ـــ للشخصيات، لأن أغلب بذور رواياتي تنطلق من شخصيات وترتكز عليها، وعادة ما يكون اشتغالي على الحبكة هو لصالح إبراز هذه الشخصيات، فأنا أعتقد بأن الشخصيات هي أكثر ما يبقى في ذهن القارئ بعد الانتهاء من قراءة العمل، تصبح بعضها من ذاكرته وكأنها أشخاص حقيقيين التقاهم في حياته.
*هل تعتقد بأن ثمة ملامح تميز الانتاج الروائي العراقي في الداخل عن انتاجه في المهجر، وماهي أبرز هذه الملامح - ان كنت ترى وجوداً لها؟
ـــ لابد وأن ثمة مميزات وبعض الفروق بينها، وأتمنى لو أن الدراسات النقدية تتفحص لنا هذا الجانب لنستفيد منه نحن الكتاب أيضاً، وأعتقد حتى أن أعمال الكاتب نفسه ستكون فيها بعض الملامح المختلفة بين تلك التي كتبها داخل العراق وتلك التي كتبها خارجه، ابتداءً بتجربة رائدنا غائب طعمة فرمان وصولاً إلى أحدث الأعمال. حتماً أن هناك اختلافاً في زاوية النظر والرؤية للموضوعة العراقية، في الذي يعيش في داخل الحدث ليس كمن يعيش خارجه، والذي يكتب من الواقع اليومي ليس كمن يكتب من ذاكرته، كما أن هناك تأثيرات أخرى بحكم القراءة والاطلاع والعيش في ثقافة أخرى.. وفي كل الأحوال، فإن أعمال الخارج والداخل تكاد تكون وجهان لعملة واحدة.. وهي في نهاية الأمر يكمل بعضها البعض وتعتبر أنا إثراءاً للرواية العراقية.
*إلى أي مدى يمكننا القول بأن مشروعك الأدبي، هو استكمال بشكل أو آخر لمشروع أخيك الشاعر والروائي حسن مطلك، الذي أعدمه النظام السابق عام 1990، وإلى أي مدى أيضاً أثرت هذه الفاجعة في أعمالك؟
ـــ فقدي التراجيدي لحسن مطلك أثر في كل شيء في حياتي ولازال وسيبقى هذا الأثر حتى موتي، إنه أكبر جرح.. بل كارثة في حياتي، وآثار ذكراه مبثوثة في أغلب ما عشته وما كتبته، بل أنني تناولته بالاسم كشخصية محركة للشخصيتين الرئيسيتين في روايتي (ذئبة الحب والكتب)، أما عن عن مشروعينا الأدبيين، فمشروعه أهم وأكبر وأعمق من مشروعي، لكنه لم يكتمل للأسف، فيما أنا مجرد تلميذ له، تعلمت منه الكثير، ولكن لا أستطيع الزعم بأن مشروعي هو استكمال لمشروعه، لأن لكل منا أسلوبه ورؤيته وتجربته وحساسيته الفنية، وسوف يكفيني ويرضيني إذا كان لمشروعي ولو دور بسيط بالتعريف بمشروعه هو، والتذكير به دائماً، لأن أدبه أكثر أدبية من أدبي بكثير.
*الذي يقرأ أعمالك، لاسيما الروائية منها على وجه التحديد، يجدك تركز جل اشتغالك على ارخنة الواقع العراقي أو قل - بتعبير آخر:- الوجع العراقي ابان حكم النظام السابق، وهذا ما نلحظه في روايتك الأخاذة (حدائق الرئيس).. هل أردت التعبير فيها عن امتعاضك السياسي من ذلك النظام فقط أم لقناعتك بأن الرواية وعموم الأدب قادران على التغيير وتحويل مناطق القبح واليأس إلى مناطق جمال وأمل؟
ـــ الكاتب يكتب عما يعرفه، وأكثر شيء عرفته وعشته في حياتي هو الوجع العراقي، لذا من الطبيعي أن يكون هو همي الأول، وأنا حين أفعل ذلك فإنما أحاول وصف الوجع الإنساني عموماً، فالعنف والقسوة والحروب والخراب والدكتاتورية هي تجارب مريرة لم ينج منها أيها شعب في العالم على مدى التاريخ، والرواية هي مرآة للفرد والمجتمع وبالتالي هي مرآة للإنسان. في (حدائق الرئيس) حاولت قدر الإمكان وصف ما عاناه الشعب العراقي في العقود الخمسة الأخيرة.
*أقمت في اسبانيا - وما زلت - سنين طويلة.. حدثنا عن تأثير الثقافات الأخرى في تجربتك الإبداعية لاسيما الثقافة الاسبانية منها؟
ـــ يصعب حصر ما نفعتني به هذه التجربة في كلمات بسيطة، لأنها حياة كاملة، لقد أصبحت الثقافة الإسبانية جزء أساسي من ثقافتي، وبفضلها أيضاً اطلعت بشكل صحي وصحيح على الكثير من ثقافات الشعوب الأخرى، والآداب واللغة الاسبانية أثريا ذائقتي وحساسيتي الأدبية واللغوية كثيراً، وبفضلها صرت أعرف نفسي أفضل لأن معرفة الأخر تعرفنا بأنفسنا أفضل.
*من هم الكتاب الذين كان لهم أبلغ الاثر في انتاجك الأدبي؟
ـــ كثيرون، ربما كل الذين قرأت لهم قد أثروا بي بشكل أو بآخر، لكن أكثرهم تأثيراً عليّ هو حسن مطلك ومن بعده تشيخوف وثربانتس وفوكنر وساراماغو وغسان كنفاني والجاحظ وديستويفسكي وبروست وغيرهم الكثيرين.
*يشتغل معظم الكتاب لاسيما الروائيون منهم على ثيمة الواقع المتخيل الذي ربما - ليس له وجود أو مشابهات أصلاً مع الواقع الحقيقي... أليس في هذا التلفيق خداعاً للقارى؟ وما قيمة الكتابة إذا لم تلامس الحقيقة؟
ـــ لا، ليس هناك أي خداع، فالقارئ يعرف تماماً بأنه مقبل على قراءة أدب وليست صحيفة أخبار، والأدب مزيج من الواقع والخيال، ونلجأ إلى ما فيه من خيال لكي نفهم أنفسنا وواقعنا أفضل، فالإنسان أكثر الكائنات تخيلاً لنفسه وللأخرين وللعالم، وبفضل الخيال الذي يميزه صار أرقى الكائنات وأكثرها تطوراً، هذه قضية انتهى الأدب والفكر من مناقشتها منذ قرون، وإذا كانت ثمة حقيقة أصلاً فإن التعرف عليها لن يتم إلا عن طريق الخيال أولاً.
*هل ثمة حلم إبداعي ما زال يراودك وتشعر بأنك لم تحققه حتى الآن؟
ـــ نعم، الكثير، ولا أعتقد بأنني قادر على تحقيقها كلها خلال الوقت المتبقي لي، والذي هو مزدحم أصلاً. ثمة الكثير من الكتب في رأسي وبين أوراقي تنتظر دورها بالخروج، روايات، دراسات، مسرحيات، ترجمات، دواوين، رسوم، ذكريات، تجارب.. وأحلام أخرى لآخرين أتمنى تحقيقها لهم وهي أكثر من أحلامي.
*كيف ترى المشهد الثقافي لاسيما الروائي منه في العراق؟ ولماذا - بتقديرك وبوصفك شاعراً أيضاً - انحسر الشعر أمام المد الروائي؟ وهل يمكن أن نصطلح على الزمن الأدبي - إن جاز التعبير - في العراق الآن بانه زمن الرواية؟ وإلى ماذا تعزو ذلك؟
ـــ هذه أسئلة كثيرة وكبيرة في سؤال واحد، لا أدري كيف سأجيب عليها باختصار! ولكن، بشكل عام، المشهد الثقافي العراقي، إبداعياً هو بخير ومتدفق بالحراك والانتاج، أما مؤسساتياً فهو سييء التخطيط والتنظيم والرعاية، ولو حظي المبدعين العراقيين برعاية لائقة وحقيقية لهم ولنتاجاتهم لشكلوا نهضة ثقافية حقيقية في هذا البلد وقاموا بتغيير تاريخي لمساره. أما عن انحسار الشعر، فهو لم ينحسر إبداعياً وإنما تجارياً، وهذا في رأيي لصالح جودة الشعر وحريته بعيداً عن تأثيرات السوق، فالشعر موجود دائماً وسيبقى ما بقي الإنسان موجوداً لأنه أرقى فنون القول. أما عن موضة الرواية الآن، فالأمر لايتعلق بالعراق وحده، وإنما هي ظاهرة عالمية، ولها أسبابها الكثيرة، منها غياب الفلسفة والفكر والأيديلوجيات فتلجأ الناس إلى الرواية للبحث عن رؤية ما للعالم، هذا إضافة إلى تأثير عوامل أخرى كثيرة منها السوق والسينما والجوائز وحاجة الناس للخلاص قليلاً من ضغوطات الحياة اليومية الواقعية المعاصرة.. وغيرها.
*ألا تفكر بالعودة إلى الوطن أم أنك غادرته إلى الأبد؟ وماذا تفعل عندما يداهمك الحنين إلى قريتك الجميلة (سديرة) في قضاء الشرقاط، التي اكتشفت فيها الدهشة الأولى للحياة؟
ـــ بل انني أفكر بالعودة إليه منذ أن خرجت منه منذ ربع قرن وسأبقى أفكر بذلك، وأغلب العراقيين خارجه يفكرون ويشعرون بشعوري هذا، لكن المشكلة أن العراق الآن ليس بأفضل من العراق الذي اضطررنا لمغادرته، من حيث عدم ضمانه توفير الأمان والحرية والمساواة والكرامة والقانون العادل لمواطنيه، أنا لا أتحدث عن شروط مادية وخدمات أساسية وما إلى ذلك، وإنما عن شروط معنوية إنسانية وشروط مواطنة حقة لي ولعائلتي، ولو توفرت لكان ذلك لما تأخرت يوماً واحداً ولكان ذلك أسعد يوم في حياتي.
*ماذا في درجك من مشاريع إبداعية جديدة؟
ـــ أعمل الآن على مراجعات أخيرة، مع ناشري الانكليزي، للجزء الثاني من (حدائق الرئيس)، وحال الانتهاء من ذلك، سوف أعود إلى مواصلة كتابة رواية سابقة، أحبها وكنت قد أنجزت نصفها، لكنني توقفت عنها مضطراً، هذا عدا مشاريع أخرى مؤجلة تنتظر دورها، بين ترجمة ودراسة وديوان شعري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الاتجاه الثقافي)، العدد 207 بتاريخ 24/5/2018 بغداد
 http://www.alatjah.byethost15.com/alatjah/207/4.html

حوار مع محسن الرملي / أجراه: أمير النعيمي


محسن الرملي: الرواية تَمنحني مساحة أكبر في التعبير
وأتهيّب كتابة الشِعر

حاوره: أمير النعيمي

إنه ذلك الكاتب الروائي العراقي المقيم في مدينة مدريد، كاتب في اللغتين الاسبانية والعربية، وتَرجم العديد من الأعمال الأدبية بين هاتين اللغتين، وله عشرات الإصدارات تنوعت بين القصة والشعر والمسرحية والترجمات والرواية. نُشرت أعماله القصصية تحت عنوان (تُحفة السهران) 2017، وتُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الدولية...
*حدثنا عن البدايات؟ وبمن تاثرت في بدايتك؟
ـــ البدايات كانت مثل بدايات الجميع، أي في البيت والمدرسة، وكان لأخي حسن مطلك الدور والتأثير الأكبر في تشكيل وعيي وثقافتي وتشجيعي على الكتابة، حيث كان يقدم لي هدية معينة عن كل كتاب أقرأه أو نص أكتبه، وكنا نتناقش طويلاً حول النصوص التي يكتبها كل منا، مما علمني ذلك كثيراً حول تقنيات قراءة النصوص وكتابتها.
*ما هي العوامل التي تحفزك لتكتب الشعر أو الرواية؟
ـــ القلق الوجودي، الأسئلة، الألم، االتفكير، محاولة الفهم، البحث عن معنى، محاولة فعل شيء.. وبشكل عام.. السعي للتعبير لأن الإنسان في الأصل كائن تعبيري، سواء بالحركة أو الكلام أو الفعل أو الرقص أو الغناء وملايين الطرق، وأنا أعبر بواسطة الكتابة سواء أكانت شعراً أو نثراً، فالمحتوى هو الذي يختار أو يفرض شكله.
*كتبت الرواية والشعر...أي منهم أقرب إليك؟
ـــ الرواية تمنحني مساحة وحرية أكبر في التعبير عن أفكاري ورؤيتي وذاكرتي، وإن كان الشعر هو الذي يجذبني أكثر، فأنا شغوف بقراءته دائماً، ولا يمر يوم دون أن أقرأ فيه ولو قصيدة واحدة على أقل تقدير، لكنني أهاب كتابته، لذا فإنني لا أنشر إلا القليل مما أكتبه من قصائد، وما أنشره باللغة الإسبانية أكثر من العربية، وأكثر مشاركاتي الشعرية في اسبانيا وغيرها من بلدان أمريكا اللاتينية هي بالاسبانية.
*هل هناك شخصية من الشخصيات التي كتبت عنها، كانت تعبر عن شخصيتك؟
ـــ كل الشخصيات التي كتبتها تعبر عني، فكما قال فلوبير "مدام بوفاري، هي أنا"، لأن الكاتب يتقمص شخصياته ويمنحها من ذاته لتكون أكثر مصداقية وإقناعاً، وأنا أنطلق من تجربتي الشخصية في أغلب أعمالي، وبالطبع تتفاوت النسبة بين شخصية وأخرى، فمثلاً، شخصية سليم في رواية (تمر الأصابع) فيها الكثير مني، ثم وظفت شخصيتي مباشرة وباسمي الصريح في روايتي (ذئبة الحب والكتب) دون أن يعني هذا بأن الشخصية الروائية هي الشخص الواقعي، ففي نهاية الأمر، الأدب هو مزيج بين الواقع والخيال.
*هل باعتقادك ان الرواية العراقية قادرة على منافسة الروايات العالمية؟
 ـــ لا أحبذ توصيف منافسة في ميدان الأدب والفنون، فهو ليس مسابقة رياضية، وإنما أفضل توصيف مساهمة أو مشاركة، ومن هذا الباب، أعتقد بأنه نعم، ساهمت الرواية العراقية سابقاً في المشهد الروائي العربي، وصارت تشارك مؤخراً في المشهدين العربي والعالمي، ولدينا تجارب روائية عديدة ناجحة وترجمت لأكثر من لغة وحظيت باهتمام عالمي.
*كيف تنظر إلى المستقبل الأدبي للوطن العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص؟
ـــ أنا ممن يعتقدون بأن الحاضر والمستقبل هما أفضل من الماضي دائماً، لذا أتوقع أن يقدم الأدب العراقي والعربي الكثير من الأعمال الجميلة والمهمة، فثمة حراك إيجابي ومبشر في اتساع ظاهرة القراءة والمتابعة والاهتمام بالثقافة وبالآداب، وخاصة من قبل الشباب اليوم، وقد لمست ذلك مباشرة في مختلف البلدان العربية التي زرتها، ونشاط ظاهرة القراءة سيزيد ويحسن حتماً من الإنتاج الإبداعي الأدبي.
*يتعرض الشخص الناجح لكثير من النقد والصعوبات... حدثنا عن كيفية مواجهتك لمثل هكذا أمور؟
ـــ هذا أمر طبيعي واعتدت على التعايش معه منذ صغري، حيث ينظر إليك محيطك الاجتماعي بغرابة واستهجان، وعلى أي شخص يشتغل في ميدان عام، أن يتوقع شتى أنواع الآراء وردود الفعل، وشخصيا أعتبر النقد إيجابي مهما كان ضد العمل، إلا أنه يضايقني نقل ميدان النقد والتجريح إلى الجانب الشخصي، أما إذا كان موجهاً ضد العمل، فلا بأس، وهذا من حق الناس، فبعد أن يخرج العمل من بين يدي وينتشر، يصبح ليس لدي عليه أي سلطان ومن حق من يشاء أن يقول أو يفعل به ما يشاء. وأنا ممن يحترمون كل الآراء، بغض النظر عن اتفاقي معها أم لا، وليس من عادتي الرد على من ينتقدني، فلا أريد تبديد المزيد من وقتي والذي أحرص على استثماره إنجاز مشاريع أخرى تنتظر دورها.
 *كلمة أخيرة تحب قولها؟
ـــ ربما هي كلمة للطلبة والشباب، الذين أحبهم ولي صداقات كثيرة معهم، وهي أن تمسكوا بأحلامكم مهما بدت غريبة للآخرين، واعملوا على تحقيقها من خلال المزيد من المعرفة والقراءة عن كل ما يتعلق بها، القراءة هي مفتاح معرفة كل العوالم، ومن ثم تعلم الصبر والكفاح من أجل تحقيقها.. فالأمل دائماً بكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (المراقب العراقي)، العدد 1887 بتاريخ 18/4/2018م

من عادات الكتابة ومحفزاتها/ محسن الرملي /اليوم السابع


محسن الرملي عن بعض عاداته في الكتابة ومحفزاتها 

بواسطة: شيماء فؤاد
أنا لا أكتب عادة إلا اذا كانت عندي فكرة تلح علي، وشيء أريد قوله، فأعتمد ما عرفته عن ديستوفيسكي، وهو أن أترك الفكرة لوقت أطول ولا أكتبها مباشرة، فإن نسيتها، فهي غير مهمة وليست جديرة بالكتابة، أما إذا بقيت تلح علي وتفرض نفسها فهي تستحق الكتابة، وإلا لن أرتاح دون تدوينها، لذا أبدأ الاشتغال على إنضاجها في عقلي ونفسي وخيالي ومشاعري، ولكي أستطيع تحفيز نفسي لبدء العمل فعلياً، أدخل في حالة تغيرات في سلوكي، فأمارس بشكل غير عادي، بل ومبالغ فيه أحياناً لعدة سلوكيات، ومنها المشي كثيرا والتدخين بشراهة والقراءة المتنوعة وغير المنظمة، وجمع المعلومات، والنوم المضطرب فأنام طويلا أحياناً لأيام متواصلة وفي أيام أخرى بالكاد أنام، كما أشرع بالانفصال عن المحيط تدريجياً والإكثار من إيجاد الأعذار عن كل التزام اجتماعي والمسارعة بتأدية الواجبات المفروضة العائلية والاجتماعية.. وغيرها، بسرعة وكثافة كي اتخلص منها، أقوم بعملية تحرر تمهيدي لكل ماهو خارجي، وأغوص في ذاتي وخيالي وموضوع العمل الذي أريد كتابته، ومع ذلك تظهر لي دائماً حجج نفسية للتأجيل، وأنا متقلب بين مقاومتها أو الاستجابة لها أحياناً، وهكذا إلى أن أكاد أغير كل روتين حياتي اليومي وبعض عادتي فأشرع بالكتابة.. عندها أعيش في عالم شخصي شبه مفصول عن العالم الخارجي حتى وأنا في وسط الناس أو في العمل.
ومن محفزاتي أيضاً، أنني أستعيد ذكرى أخي حسن مطلك أكثر، وأضع صورته أمامي على المكتب دائماً، كي تذكرني بوجوب الكتابة قبل مرور الوقت، وكيف أن الموت قد حرمه من إكمال مشاريعه الأدبية بعنف ودون رحمة، فأصبح عندها في سباق أكثر مع الزمن، وأضغط على نفسي كي تقلل من تبريرات التأجيل النفسية والحياتية.
عملية الكتابة ليست سهلة بالنسبة لي، إنها شاقة ومتعبة، ولست ممن يتمتعون بالكتابة وإنما من الذين يعانون أثناءها، لأنني أعيش انفصالا مُتعبا، وأبذل جهداً بالتظاهر بأنني أعيش بسكل عادي وطبيعي فيما الحقيقة ليست كذلك، وهكذا إلى أن أنتهي من كتابة المسودة الأولى من العمل، بعدها أشعر بالتخفيف وتأتي مرحلة الاشتغال على المراجعات والتعديلات، وهذه تعبها يختلف، وأكون فيها نفسيا أفضل، وأستعيد روتيني وحياتي السابقة العادية.
-----------------------------
*نشرت في (اليوم السابع) بتاريخ 27/1/2018م القاهرة

عن: ذئبة الحب والكتب / د.شاكر راضي


ذئبة الحُب والكُتب
د.شاكر حسن راضي

رواية الدكتور محسن الرملي، ذئبة الحب والكتب، 2015، تجمع بطريقة ممتعه ما بين سيرة ذاتية للروائي وشقيقه الشهيد، حسن مطلگ، الحاضر الغائب، في كل سطر من سطور الكتاب، وقصة معاناة امرأة عراقية، عبر عقود من حكم الاستبداد والخوف والحروب، تروي لنا من خلال رسائلها إلى الحبيب المتخيل، الحي، قصة بحثها الدائم عن الحب، وخيبات الأمل، وتقاليد وموروثات تسلب المرأة إنسانيتها.
لقد أبدع الرملي في كتابة رواية يوثق فيها ضيم المرأة العراقيه، المتعلمه وغير المتعلمه، واحلامها واحباطاتها وتمردها بحثا عن حرية في زمن مفقود... ما بين ازقة بغداد تحت القصف والخوف والهيمنة الذكورية الفاشلة، وصحارى جنوب الصحراء وصولا إلى البحر المتوسط.. علها تجد ما يمكن أن يكون الفردوس الذي طال السعي اليه واستغرق عمرا، ومن خلال، الرسائل، يكتشف القاريء، قدرة الكاتب على إحياء تكنيك في الفن الروائي أعاد من خلاله صورة البطل الذي تحبه امرأة لم تلتق به، لكنها تعرف نبضات قلبه، بفعل، تاثير حسن، الذي وقف بوجه الطغاة ووصل به الحال انه صحح الاخطاء اللغوية في قرار المحكمة الصادر بحقه...يتداخل حسن ومحسن وكل الذين عرفهم في رحلة عذابه، رحلة البحث عن الكأس المقدس، إذا صح التشبيه، أو تلك الملهمة الهائمة ، التي دخلت الى قلبه من حيث لا يدري، مثله مثل ذلك الصوفي الذي قال" ليس في الجبة الا الله"، هو مشغول بترتيب الحياة الواقعيه وهي مشغولة بترتيب الحياة الخياليه، فلا أدري اي الأمرين أصعب، أو أجمل أو أهم أو أجدى كما تقول في آخر رسائلها... هذا الجمع العجيب يستحق القراءة المتأمله...


الأحد، 29 أبريل 2018

محسن الرملي، عن القراءة والكتابة/هند سعيد/مهرجان الإمارات للآداب


محسن الرملي: القراءة توسع الخيال والكتابة تطهير للنفس
بقلم: هند سعيد
 شارك الكاتب محسن الرملي في مهرجان طيران الإمارات للآداب لهذه السنة بعدة جلسات، ومنها جلسة مخصصة لطلاب الجامعات، وكان من دواعي سروري أن اقوم بتقديم الكاتب في هذه الجلسة التي حضرها ما يقارب مئتي طالب وطالبة من مختلف جامعات الوطن العربي.
تحدث الكاتب عن كتاباته وعن الكتابة والقراءة بشكل عام، كما تحدث عن الثقافة والمعلومات وأجاب على أسئلة الطلاب التي كانت تعكس اهتمامهم بهذه المواضيع، وفي الوقت نفسه تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على وعي وإدراك الشباب، ولذا فإن فرص مثل هذه، يلتقي فيها الشباب والشابات بالكُتاب تشجعهم على أن يتناقشوا ويسألوا أكثر لإثراء معرفتهم ولأنارة طريقهم.
ما تحدث به الكاتب محسن الرملي في تلك الجلسة، كلام من القلب وصادق، كما هو شرطه في الكتابة وفي الحياة، فقال مثلاً، حول الفرق بين المعلومات والثقافة:
هنالك فرق بين المعلومات والمعرفة والثقافة. فالمعلومات ليست ثقافة، كلنا لدينا معلومات وهي متوفرة وكثيرة، ولو كانت المعلومات ثقافة لأصبح الكومبيوتر أثقف مَن فينا. أما المعرفة والثقافة فهي تتعامل مع حس الإنسان، مرتبطة بكل شيئ معه، بشعوره وتعامله مع الناس وبخياله. فعندما تقرأ رواية تتخيل الشخصية ووجها وتشاركها فيما يدور في حياتها، أي أنك تشعر بها. عليك أن تتعايش مع ما تقرأ لتشعر بما تقراءه. ولكن المعلومات لا تتعايش معها لأنها مجرد معلومات.
ويضايقني عندما أحتاج للقيام بالبحث عن بعض المعلومات في التاريخ، مما يجعلني أبتعد عن الشخصية التي أكتبها وأفقد تواصلي مع الحي معها خلال فترة البحث. 

القراءة
لدينا تعبير عربي يقول، أقرأ لأُضيع وقتي، أما في الغرب فيقولون، أقرأ لأستثمر وقتي ، لأن القراءة ليست مضيعة وقت بتاتا.. حتى وإن قرأت كتاباً رديئا ، فالقراءة هي التي تشكلك كما يتكون جسمك من الطعام المختلف الذي تأكله، القراءة تغذيك فتنميك أيضاً.
وكما قال أحمد سعدواي، مسبقا، "إن القراءة تقوي إنسانيتنا"... حتى وإن كانت كتب تحكي عن الفضاء أو السحر وغيرها.. كلها تقوي من شخصك وفهمك للآخر وفهمك ذاتك، وهذه هي أهم نقطة.
إن القراءة أنقذتني لأنني رأيت وعشت الكثير من المآسي في حياتي، وأول جثة رأيتها كان عمري ١٣ عاما، وبعدها تواصلت رؤيتي للجثث حتى اليوم. فالقراءة مثل الطبيب النفسي تساعدك على تخطي الصعوبات.. وعلى إحداث التوازن، وذلك من خلال الخيال، فالخيال أهم من الواقع. نحن كبشر، ما يحركنا هو خيالنا وما نتصوره عن أنفسنا، وليس بالضرورة أن يكون تصورنا عن أنفسنا هو ما يراه الآخرون فينا.
بالنسبة لي، لا فرق بين الخيال والذاكرة، لأن ذكرياتنا غير موجودة، حدثت في زمن ما ولم تعد موجودة الآن، وعليه فقد أصبحت ضمن الخيال. ان الخيال صحة والأدب يقوي الخيال وبالتالي فهو يقوي الإنسان. 

الكتابة

كما أنقذتني القراءة من الكآبة، فالكتابة أيضاً كان لها دور في ذلك. الكتابة تطهير للنفس. كما ترون كتاباتي حزينة وكئيبة، بينما أنا في حياتي مرح وأمزح.. لماذا؟ لأنني أتخفف من أثقال أوجاعي على الورق وأزيح من ذاكرتي وضميري.. ولذا أعيش حياتي بشكل أنشط وأخف، فالكتابة هي التي تساعدني على أن أعيش حياتي.. فحتى المآسي، عندما تنظر إليها على الورق ستنظر إليها بشكل آخر. مثلما يحدث أنك عندما تتحدث في مشكلتك مع صديقك ترتاح، لأنك ستراها في حجمها الطبيعي وليس بالهول الذي في داخلك.. والكتابة هي بوح من هذا النوع، يعين على الرؤية الأفضل للمشكلة. عندما تكتب عما في داخلك سيساعدك ذلك على التخلص منه.
إذا كانت لديك فكرة، لا تكتبها مباشرة، ودعها في تفكيرك لفترة، فإذا نسيتها، سيعني ذلك أنها لا تستحق الكتابة، أما إذا بقت معك وتلح على تفكيرك بتواصل، عندذاك اكتبها... وأنا شخصياً لا أكتب إلا إذا كان ثمة شيء أريد أن أقوله. ومثال ذلك، كانت لدي فكرة ملحة جداً، هاجس وتساؤل: أين كان موضوع الحب عند النساء من جيلي، النساء اللاتي عشن القمع والحصار والحروب؟ كيف تعاملن معه بينما تأخذ الحرب الرجال – ابن الجيران ميت أو في جبهات القتال ـــ وموضوع الحب شي أساسي في حياة كل إنسان، وخاصة النساء. أقلقني الأمر لفترة طويلة، وكنت أود أن أعرف كيف تعاملن معه.. وهكذا كتبت رواية (ذئبة الحب والكتب)، بعد أن أمضيت سنتين أقرأ الأدب النسائي ودراسات عن الأدب النسائي، وسألت الكثير من النساء من حولي لأتمكن من معرفة شخصية المرأة أكثر قبل أن أكتب هذه الشخصية.
وكذلك الأمر مع رواية (حدائق الرئيس)، حيث كنت أتلقى أسئلة كثيرة من عرب وأجانب حول العراق، وهنالك تصورات مختلفة عن العراق وعن الدكتاتور.. وأردتُ أن أوضح ذلك وطبيعة ما حدث للعراقيين في الخمسين سنة الماضية.
الكتابة صحة، أكتب لنفسك أولاً، عليك أن تشعر بأنك بحاجة ماسة لأن تعبر عما في داخلك. أكتب بصدق وكرس وقتك وجهدك للكتابة. أغلب الكتاب فشلوا في البداية.. ولكن لا تيأس إذا كنت تشعر بأن الكتابة هي أمر ضروري جداً لنفسك أولاً.. حتى لو قرأ لك خمسة أشخاص فقط، فهذا شيء جيد، لأنك أفدت أو أثرت على خمسة أشخاص.. وما عليك إلا الاستمرار وأن تكريس جل وقتك وجهدك للكتابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت بتاريخ 22/4/2018م
هند سعيد ومحسن الرملي

أنثروبولوجيا الأدب، دراسة لقصة محسن الرملي


أنثروبولوجيا الأدب، 
دراسة لقصة (أنا الذي رأى... وثائق) للقاص محسن الرملي
مجلة القادسية للعلوم الانسانية ـــ مجلة علمية محكّمة ـــ جامعة القادسية
أ.م. د.ناهضة عبدالستار/ أ.م. د.علي جواد وتوت/سندس محمد عباس
النص الكامل للدراسة على هذا الرابط



Un ensayo sobre un cuento de Muhsin Al-Ramli, en la revista académica de
 Al-Qadisyah University

الاثنين، 2 أبريل 2018

حوار مع محسن الرملي / صحيفة: الرأي /علياء الموسوي


حوار/
روائي وشاعر ومترجم عراقي... الواقع والخيال بالنسبة له سيان
محسن الرملي: الصدق... هو شَرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة

ـــ السياسي المتسلط الدكتاتور يخاف الثقافة والمثقفين لأنه يريد شعباً جاهلاً

ـــ يجب على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في أعماله، وإنما يضمنها قدراً معيناً من المعرفة

ـــ الفتيت المبعثر، أتعبتني.. لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة 


حاورته: علياء الموسوي
للوهلة الأول بمجرد أن تجوب كتابات الشاعر والروائي والمترجم العراقي محسن الرملي وتبحر في أعماقها، تجد الكثير من الألم والحزن الوفير، متدفقة بغزارة تحاكي المأساة العراقية على لسان تقرح لكثرة نحيبه، وعيون جفت لمرارة ما رأت... في هذا الجو يأخذنا الرملي - بأسلوبه الأدبي - في رحلة مضنية مليئة بالحسرات والندبات بين سطوره ومفرداته، ليفصح عن ما شاهد عاصرها بوعي الكاتب وضمير الإنسان، ويقول: «اللغة معجزة البشرية كلها»، مؤكدا أنه يهتم أولاً بأن يتشبع جيداً بما يريد التعبير عنه، وأنه لا يميز حتى في حياته الشخصية بين الواقع والخيال. ويرى أنه كتب «الفتيت المبعثر» وهو مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارب من عذابات العراق، بدأها في الأردن وأنهاها في إسبانيا، كاشفا عن أن الأدب الإسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً. وقال: «شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الديكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية»... وباح الرملي، بأن القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي... ويفسر جزءاً من الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة. ومن ثم فإن الرملي كشف الكثير من الرؤى التي نتعرف عليها خلال هذا الحوار:
*يقال بأن اللغة أعجوبة، تقع في يد سطان مبدع، فمتى تصير اللغة خارج الكلمات وتصبح لغة الروح؟
ـــ بالفعل، إن اللغة معجزة البشرية كلها، لذا يستحيل على أحد بمفرده أن يقبض عليها، وما يفعله المبدع ليس سوى محاولة للتدرب على صيد شيء منها، شيء من هذا الشيء الذي يعشقه ويسحره، ولكنه كأي عاشق حقيقي، يموت وفي نفسه شيء من معشوقه، أما اللغة التي خارج الكلمات فهي أكبر من لغة الكلمات ذاتها، لذا تتعاون كل الفنون في محاولة قول ما يصعب قوله بالكلمات. وفيما يتعلق بالكتابة.. يبقى ما بين السطور وما خلفها وما هو خلف الكلمات جزء مهم وربما الأهم عما أرادت قوله الكلمات، وفيها تكمن الروح التي نشعر بها ولا نراها.
*يقال بأن المبدع المجبول ليس بحاجة إلى أن يتأثر بأحد وحتى وإن جال العالم جولا حتى يكتب، فكيف ذلك؟
ـــ ما من أحد لا يـأثر بأحد، فكما يقال "الأسد هو مجموعة الخراف التي هضمها"، إلا أننا لا نستطيع في أغلب الأحيان تحديد مواضع هذا التأثر، ولا المبدع نفسه بقادر على ذلك، ففي نهاية الأمر، كل شخص ينظر بعينيه الخاصتين هو إلى العالم نفسه، ولا أحد يرى العالم بعيني شخص آخر، إلا أن الآخر سيعينه على رؤية العالم بشكل أفضل، وكل مبدع يقوم في أعماله بتمرير رؤيته للعالم من خلال ذاته.. رؤيته هو للعالم.
*كيف توظف أدواتك السردية في نقل إحساسك الداخلي؟
ـــ باتباع القاعدة المعروفة، وهي أن المحتوى يفرض الشكل الذي يناسبه، لذا فأنا أهتم أولاً بأن أتشبع جيداً بما أريد التعبير عنه.. أتقمصه، بل وأعيشه بكل ما أستطيع من حس وشعور ثم أستحضر كل أدواتي لوصف... أعتقد بأن المتلقي سيشعر بما يشعر به الكاتب أثناء الكتابة إذا كان الكاتب صادقاً، وقد أبلغني الكثير من القراء عن مشاهد في أعمالي أبكتهم أو أضحكتهم أو لم يفهموها أو شعروا بالملل معها.. وهو بالضبط ما شعرت به أنا أيضاً أثناء كتابة تلك المشاهد، بكوا مع المشاهد التي بكيت عند كتابتي لها، وضحكوا مع المشاهد التي ضحكت عند كتابتي لها.. وهكذا.
*ما سبب إصرارك على مواجهة القارئ بقصص حقيقية واقعية، وإبعاده عن القصص الخيالية، مع أنك تملك المخيلة والأسلوب المناسب في توظيف قصة جديدة بأسلوب آخر؟
ـــ إصراري الرئيسي أو شرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة، هو الصدق.. أي أن أشعر صدقاً بالذي أعبر عنه، بغض النظر عن واقعيته من عدمها، فإنا ومنذ زمن طويل أكاد لا أميز حتى في حياتي الشخصية بين الواقع والخيال، فأشعر أحياناً بأنني أعيش في عالم أدبي أو روائي وأن العالم وأحداثه من حولي ما هو إلا أدب، فيما أشعر بالكثير من الروايات الخيالية والقصائد بأنها واقعية وأتعامل معها على هذا الأساس، ومثال ذلك أن شخصية دون كيخوته في رواية ثربانتس اعتبرها واقعية وحقيقية وموجودة أكثر حقيقة ووجوداً من أناس أتعامل معهم في الواقع.
*"الفتيت المبعثر" إحدى روايتك التي تتحدث عن تفرق شمل العائلة العراقية، لتداعيات سياسية، كيف عشت طقوس كتابتها بكل تفاصيل الوجع فيها والثقل الذي تحمله؟
ـــ كتبتها وأنا مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارباً من عذابات العراق، بدأتها في الأردن وأنهيتها في إسبانيا، فعلى الرغم من قصرها إلا أنها أكثر رواياتي التي أتعبتني في كتابتها، لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة جداً، وكنت قلقاً، خائفاً وحزيناً..أنتقل من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان عند كتابة كل مقطع.. كنت وكأنني أهرب من مشهد إحدى قريبات أمي وهي تجلس في مقبرة قريتي بين قبور أبنائها الأربعة الذين فقدتهم في الحرب العراقية الإيرانية، وكنت أراها في صباح كل خميس هناك.. تنتحب بمرارة قاتلة عليهم أحياناً، وأخرى تحدثهم عن أخبار صغارهم وتضحك كمجنونة.. كنت أشعر بعذابها وأتعذب.. أشعر بتفتت قلبها فيتفتت قلبي.
*كيف تجد الأدب الإسباني في تلون أشكال الكتابة الأدبية فيه، مقارنة بالأدب العربي؟
ـــ الأدب الأسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً، والتي استطاعت التعبير بشكل شامل وممتاز عن المجتمع الاسباني بشتى مراحله، ولعب دوراً مهماً في صياغة ثقافة وذهنية الناس، كما ساهم بتطوير وإثراء الأدب العالمي، أما الأدب العربي على الرغم من إرثه العظيم إلا أنه لايزال مقصراً أو أنه لم يحظى بالفرصة التي تليق به للقيام بهذه الأدوار على الوجه الأكمل، وأقصد منها التأثير في ثقافة الناس، التعبير بشكل شامل عن المراحل التي مرت بها الشعوب العربية والمساهمة الفاعلة في الآداب العالمية المعاصرة كما سبق وأن ساهمت فيه (ألف ليلة وليلة) و(حي بن يقظان) و(طوق الحمامة) و(رسالة الغفران).. غيرها في القرون السابقة.. عانى الأدب العربي الكثير من القمع والظلم منذ الاحتلال العثماني.. ولكنني أعتقد بأنه يشهد الآن استعادة لنفسه وحريته وهو في طور آخذ مكانته التي تليق به.
*يقول الشاعر التركي ناظم حكمت "الدولة تخاف من الشعر"، ما مدى صحة هذه العبارة بالنسبة إليك وهل تمثل واقعا معاش؟
ـــ الأدق، ليس الدولة بمفهوم الدولة الصحيح، وإنما هو أن السياسي المتسلط، الدكتاتور هو الذي يخاف الثقافة والمثقفين، لأنه يريد شعباً جاهلاً يتحكم به على هواه دون أن تنغص عليه تسلطه نصوص وفنون المبدعين، لذا نرى المستبدين عبر التاريخ يعملون على أمرين في تعاملهم مع المبدعين، إما تجييرهم لصالحه أو إخراسهم بالقتل أو السجن أو المنع أو النفي.. وبالنسبة لي، نعم شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الدكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية.
*كونك مترجم وشاعر وكاتب، عندما تكتب أين تجد نفسك، بين قوافي الشعر أم نغم الحرف الروائي أم في بحر الترجمة الوافر؟ ولماذا؟
ـــ لا أدري حقاً إن كنت (أجد) أم (أضيّع) نفسي، ولكن الذي أعرفه هو أنني أمضيت كل حياتي في القراءة والكتابة.. ولم أشعر بشيء أقرب إلى نفسي منهما، وأكثر شيء فعلته ولازلت وسأبقى هو القراءة.. أما على صعيد التصنيف الكتابي فأنا أعتبر نفسي كاتباً بشكل عام، بغض النظر عن الجنس الكتابي الذي أدونه، مع ذلك يمكنني القول بأنني أشعر مع الرواية بمساحة أكبر في التعبير، فيما أعتقد بأن الشعر هو روح الأدب، وأنا مستهلك كبير ومدمن على قراءة الشعر، بحيث لا يمر أي يوم دون أن أقرأ فيه ولو قصيدة واحدة، أما الترجمة فللأسف لا أجد الوقت الكافي للقيام بها كما أريد، لأن مشروعي الإبداعي الخاص يحظى بالأولوية، وإلا فإنني أتمنى ترجمة الكثير من الكتب التي أعجبتني بالإسبانية.
*كيف وجدت تلقي القارئ الغربي للأعمال العربية المترجمة بشكل عام، ولأعمالك بشكل خاص، وهل تحظى بالاهتمام المنشود؟
ـــ لازال القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي، لأن ما تمت ترجمته حتى الآن يعد قليلاً من الإرث الأدبي العربي الهائل عبر القرون، لذا لم يشكل الأدب العربي المترجم ظاهرة حتى الآن، ومع ذلك فثمة أمل بأنه قادم في، والقارئ الغربي يرغب بمعرفة المزيد منه وعنه، وبشكل عام فإن أغلب الأعمال المترجمة تحظى بالقبول والاحترام لأنها أصلاً منتقاة بعناية من قبل الناشر الغربي العارف بذائقة زبائنه، أما عن أعمالي فهي جزء قليل من هذا الجزء القليل الذي تمت ترجمته، وبالنسبة لي اعتبر أن ما حظيت به من تلقي ونقد واهتمام حتى الآن هو جيد ومُرضي.
*في تصورك، ما مدى مسؤولية الأديب اتجاه المضامين الفكرية التي تطرح في الساحة الثقافية اليوم؟
ـــ ما أراه هو قلة المضامين الفكرية.. بل شحتها اليوم، حيث يمر عالمنا بأزمة فكرية وفلسفية أصلاً، كما لم تعد الإيديولوجيات الحقيقية موجودة ولا فاعلة، لذا أفسر جزءاً من هذا الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة، ومن هنا أرى بأن على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في إعماله وإنما فليضمنها بقدر معين من المعرفة، شخصياً أرى في ذلك جزءاً من مسؤولية الأديب وإن كان الغالبية من زملائي لا يتفقون معي في ذلك.
*من وجهة نظرك، كيف تجد توالد ظاهرة "المثقف الأمي" بين أوساط المثقفين في الشرق والغرب؟ وهل تسود كفة على أخرى؟
ـــ هذا أمر عادي وطبيعي، وكان وسيظل موجوداً في كل المراحل والأزمنة وفي مختلف الثقافات، وبالطبع سيكون الزمن كفيلاً بغربلة ما هو أصلح أو أجمل أو أنفع للناس.
*بين نخيل البصرة وماء دجلة، وبقايا القصور الأندلسية والسمرة الخمرية الإسبانية، أين يجد الرملي نفسه الآن بعد انشطار الهويات وضياعها في الظروف الراهنة؟
ـــ هذا الذي تصفينه، هو ما كنت عليه فعلاً، قبل أكثر من عقد من السنين، وظهر في أعمالي التي كتبتها آنذاك، مثل كتابي القصصي (أوراق بعيدة عن دجلة)، أما الآن فلم تعد مسألة الانشطار أو تعدد الهويات موجعة لي كما كانت في السابق، لأنني تصالحت معها وتبنيتها وصارت مسألة تعدد الهويات هي هويتي التي أعتز بها وأدعو إليها وأدافع عنها وأربي ابنتي عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الرأي) الكويتية، بتاريخ 2/4/2019م العدد 14154