الخميس، 11 ديسمبر، 2014

بقلم: علاء الديب، عن: تمر الأصابع

بَلَح العراق.. ورائحة الوطن
علاء الديب
تأخرت كثيراً في التعرف على أدب الكاتب العراقي الحر «محسن الرملي» الذي يقدم صوتاً فريداً متميزاً، خاصة في الرواية القصيرة، أنه يعيش في إسبانيا بعد أن هرب من جحيم الدكتاتورية العراقية الفريدة سنة 1993 ليدرس في إسبانيا الفلسفة، ويقوم بالتدريس في الجامعة، ويكتب الشعر والقصة، والرواية بالعربية والإسبانية. هو من مواليد شمال العراق، أجمل وأقدم قري علي نهر دجلة، وقرب بترول كركوك.
أصدرت الهيئة العامة للكتاب أخيراً طبعة جديدة من روايته الرائعة «تمر الأصابع». التي تسجل في فنية عالية وايجاز نافذ، تاريخ ثلاثة أجيال في التعامل مع دكتاتورية العراق وحروبها المتلاحقة، التي كانت عين العاصفة التي قلبت العالم العربي كله رأساً على عقب.
«محسن الرملي» نفسه ـ كما تقدمه سيرته الذاتية المتاحة ـ نموذجا فريداً لبحث الإنسان عن الحرية، وقدرته علي المقاومة والإبداع تحت أي ظروف، وهو من مواليد (1968) في قرية سديرة، وهو شقيق الكاتب العراقي الذي أعدمه نظام صدام 1990 بتهمة قلب نظام الحكم (لم يكن لأحكام الإعدام سبب). خدم محسن الرملي في الجيش العراقي في أثناء الحرب الايرانية 3 سنوات كقائد دبابة، وفي 93 هرب إلى الأردن، تاركا العراق، وتاركا قلبه وحبه وروحه في بلد يعشقه أهله عشقاً يماثل وأحيانا يفوق عشق المصري لأرض النيل، هل لأننا بلاد قديمة، أم لأننا أبناء نهر، أم لأن تاريخنا المركب يزيد من ارتباطنا بالأرض والأهل وبرائحة الوطن.
رواية «تمر الأصابع» تنتقل في سلاسة، وسرد وروائي عذب بين القرية الواقعة علي نهر دجلة، وقلب مدريد، وتحكي صراع جد وأب وحفيد من عائلة المطلق مع حكم غاشم ونظام فاسد وصل إلى إلغاء معني وجود الإنسان أو كرامته أو أي قدرة على الاختيار.
الجد الشيخ صحب حفيدته إلى المدينة لكي يعرضها علي طبيب، ومن سيارة مرسيدس من مد شاب أمن يده وضرب مؤخرة الفلاحة الجميلة المريضة التي تسير في صحبة جدها. «أنت مش عارف الولد ده مين؟! أبن سكرتير مدير مكتب الرئيس في تكريت! لم يسكت الجد ولا الأب الذين كانا يؤمنان بالمثل الذي يعيشان به «إذا نبح عليك الكلب فلا تنبح عليه، ولكن إذا عضك فعضه». انقلبت الدنيا وأخرج الأب نوح العملاق الشاب الرقيع من سيارته وطرحه أرضاً واستولى منه علي مسدسه، وأفرغ الرصاصات وأصر على أن يحشرها في مؤخرته، واحتفظ في يده برصاصة للذكري، انقلبت الدنيا مرة أخري أو انعدلت ، وانتقمت الحكومة من القرية كلها، وشطبت اسم العائلة من السجلات المدنية، وسحبت من الناس بطاقاتهم الشخصية، وأخبرتهم مع تغيير ألقاب عائلاتهم وأطلقت عليهم اسما مهينا «بدلوا ألقابنا جميعا من (المطلق) إلى (القشمر) وكلمة (قشمر) في العامية العراقية توحي بالاستخفاف والاستهانة والإهانة وتسم من تطلق عليه بالغفلة أو الغباء، وفي قواميس اللغة الفصحي التي قلبتها لاحقا تعني: القصير، الغليظ المجتمع بعضه علي بعض. سمعت اسمي وأنا محمول: سليم نوح القشمر، ثم ألقيت علي الأرض فآلمني ظهري.
قالت أمي «كنا نستلمكم جثثا مع الهوية والرعب يخرسنا. قلت: وجدي؟ قالت بخير، لم يضربوه كثيرا ولكنهم حلقوا لحيته وشاربه، ورأسه مثل الجميع:
غرقت حبيبة سليم.. «ابنة عمه «عاليه» في دجله التي كانت تقول عنه انه صديقها. الأب الذي احتفظ بالرصاصة مُصراً على مواصلة الانتقام بعد ان تصاعد الصدام بين القرية والسلطة، ومات الجد مختنقا بالقهر والاهانة حيث انه لم يقدر علي ان يعض الكلب الذي عضه. وبعد ان غيرت القرية مكانها وانتقلوا إلي جزيرة بين النهر والجبل، لم تتركهم الحكومة، وأعادت لهم جثث 17 من شباب القرية في صناديق ولم تسمح لهم بدفن الجثث إلا بعد أن تعفنت وخنقت رائحة الموت كل كائن حي.
غادر الأب نوح أولا إلى مدريد وافتتح لنفسه مرقصا وملهى محتفظاً في سلسلة مفاتيحه بالرصاصة، وقد علم أن الشاب الرقيع يعمل دبلوماسيا في السفارة، وأخذ يتحين فرصة لمواصلة الانتقام.
أما الابن سليم فقد غادر أقواس العراق مغتربا حيث التقي صدفة أباه وقال له إنه يفكر في أن يكتب قصة العائلة، ولكنه يخاف أن يفضح أسرارا عائلية. وقال الأب كلمة تفتتح بها الرواية التي نسجها المؤلف نسيجا مشوقا عاطفيا مشحونا بالفكر والعاطفة والإثارة: يقول الكاتب في أول الرواية بعد لقاء الصدفة في مدريد مع أبيه:
«ما كنت لأكتب قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيع أبي لي وهو يحلق شعر رأسي في مرقصه المدريدي، قائلا: اكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث.. هذا العالم جايف وجايف مأخوذه من جيفه!!
العالم الذي صنعه الفنان محسن الرملي في روايته «تمر الأصابع» نابض بالحساسية، وبالحب، والجنس، والحرية، والفكر، خلال بناء روائي جميل سريع ومعبر، ولغة نادرة العذوبة والسلاسة.
تأخرت كثيراً في اكتشاف كمية الجمال الفني التي يمكن أن تخرج من بشاعة الحدث اليومي الذي تعيشه العراق، والذي نراقبه جميعاً، وكأننا تحولنا إلى تماثيل من الحجر تجسد الذهول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الأهرام) المصرية، بتاريخ 3/12/2014 السنة 139 العدد 46748
 

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

الاجتماعي والنفسي في قصائد محسن الرملي /دراسة: وديع العبيدي

"ها نحن أرواح بانتظار الانفجار" 
المنظور الاجتماعي والنفسي في
ثلاث قصائد قصيرة لمحسن الرملي
وديـع العبـيـدي 
 
"خيار الشاعر: منفى في الخارج، أو منفى داخل ذاته!" أدونيس
تقوم تجربة محسن الرملي الأدبية على ركيزتين رئيستين، اللغة، والمقطع الواقعي. والركيزتان على مستوى من التداخل والتكافل، بحيث يعسر تصور إحداهما بدون الثانية. ولكن في كل الأحوال تتقاطع هذه التجربة مع تراث المدونة العراقية أو العربية شعراً أو قصة. بعبارة أخرى أننا هنا أمام عملية تجديد وتعريق أدبية تمتح من بواطن التجربة الأدبية الاسبانية تحديداً والغربية عموماً. ولا ينبغي لهذا أن يعني تسجيل هذه التجربة في رصيد الكاتب الفلاني بذريعة تقارب الأجواء أو وجود قواسم مشتركة معينة، على طريقة التفكير والنقد العربي، قدر ما يدعو لاستبطان هذه التجربة والوقوف على جوانب أو مظاهر محددة فيها.
بدأ الرملي قاصاً ومسرحياً وعرف روائياً بلغة شعرية إنسيابية تتماهى فيها حدود السرد مع روح الشعر، ويذوب خلالها العقل داخل شحنات العاطفة والدفقات الشعورية التي تدفع اللغة مثل أمواج متوالدة تعقب الواحدة الأخرى في متوالية لا تبدأ ولا تنتهي. محسن الرملي هو صاحب النص المفتوح بحقّ، كاتب (المقاطع العرضية) من الحياة، لمن يتذكر عبارة (مقطع عرضي) من دروس النبات أو الحياة، [مقطع عرضي للجلد، مقطع عرضي لساق نبتة]. وظيفة محسن الرملي اقتصاص مقطع عرضي من تاريخـ(عراقـ)ـه المعاصر ووضعه تحت عدسة مكبرة مليون مرة لاستفزاز شذراتها وشوائبها الدقيقة. ولتحقيق هذا الاستفزاز يستعمل القاص (مدي) ناعمة دقيقة جداً هي اللغة، لغة محسن الرملي المبهجة المبكية أو المؤسية في آن واحد. كان الاعتقاد الساري لدى الناس أن كتاب الكوميديا وممثليها هم الأكثر سعادة في العالم. الحقيقة أنهم الأكثر تعاسة وشقاء. وسرّ بهجة نصوص الرملي هو الأسى. الأسى القابع تحت جفون عينيه وهو ينظر نحو الأمام. تلك الشهقة المجروحة خلل بحة صوته. لذلك تنقطع الضحكة أو البسمة فجأة وتتكلس ملامحها على صورة الوجه، أقصد في أعماق الشعور. في اللاوعي.
لغة الرملي هي الفصحى العامية، التي نبتت بذورها في لغة الرصافي ومدونته الشعرية والأدبية الموروثة. سئل الكبير بلند الحيدري لماذا استخدم مفردة (سكين) ولم يستخدم (مدية) الأكثر فصاحة، قال أن كلمة (سكين) لها وخز وتصور عند سماعها أما الأخرى فتقرأ مثل كلمة أجنبية ليس لها دلالة نفسية في حياتنا الخاصة. بهذا المنظور يعجن الرملي المفردة العامية ويخضعها للنحو العربي، فتكتسب لغته نكهة خاصة، مثل نكهة (الهيل) العراقية أو (الميراميه) الشامية. ان الدلالة النفسية للمفردة، الدفقة العاطفية التي تشحن بها القارئ، الصدقية المفعمة، كل هاتيك تجتمع في كلمة (سكين) أو (هلهولة) أو (شوفة) أو (بوسة)، أو (عيني) العراقية. ولعلّ في هذا ما يلقي الضوء على فكرة التداخل والتكافل بين اللغة والواقع في تجربة محسن الرملي.
على صعيد الركيزة الثانية، يحتفظ الكاتب بمسافة كافية بينه وبين الواقع. محسن الرملي حذر جداً في أي شيء يخرج بسرده إلى الواقع (الآخر). يستخدم المؤلف دائماً صيغة المتكلم، ليؤكد لنا أنه يتكلم، ولكن عن (نفسه). فالكتابة لديه هي [ذاتية] وفق المصطلح الفني، ولكن هذه الذاتية تنطوي على مراوغة (تامة) في نفس الوقت. الرملي [ومن يكتب على هذه الشاكلة!]، ليس شخصية نرجسية ضّيقة، لا يضع زجاجة مزدوجة على عينيه، لكي تنعكس صورته في (بؤبؤ) العدسة. وانما هو شخصية اجتماعية حميمة وواعية وعياً مثقفاً. ولذلك تذوب القرية وشخوصها وحيواناتها وأفراحها ومناسبات زيجاتها وختانها جميعاً في رؤيته للذات، التي تستحق أن تدعى بالذات الجمعية، لتمييزها عن عقدة الذات النرجسية المهيمنة لدى قطاع آخر وكبير في إطار الثقافة.
الرملي في علاقته مع الواقع لا يخرج عن الذات، وفي علاقته مع اللغة لا يخرج عن الواقع. يشذّب نصوصه عشرات المرات ويضيق بأي حرف أو فارزة، زائدة. نصوصه القصصية، والروائية، والشعرية، كلها قصيرة، من كثرة التشذيب والاستئصال. الجدية المفرطة في نصوص الرملي وحياته، مبعث للألم. لأنها تجعل مساحة الفراغ [النسيان] محدودة، وربما معدومة. ولا حياة بلا نسيان. سئل الرصافي مرة لماذا يشرب الخمرة فقال .. [أن الحياة بحدّ ذاتها عبء ثقيل على الانسان وسبب متاعبها هو العقل الذي لا تخمد له حركة لا أثناء اليقظة ولا أثناء النوم، ولما كان العقل هو سبب المتاعب، كان في حظ الانسان أن يعيش بعض الزمن دون عقل وهذا ما يتم بشرب الخمر الذي يعطل مركز السيطرة في الدماغ.] مذكراته ص92. وأحسب أن الرملي بحاجة لهذه [الخمرة] في ثنايا نصّه، وربما يمنحه ذلك دفقات متواترة عندها، تساعده للتفريج عن مزيد مما يعتمل في دواخله.
في إطار تقنيته الحرفية في السرد، والتي تقوم على فكرة مدة أطول من الاعتلاج والاحتراق الداخلي لتجد الفرصة المناسبة، وجد في الأحداث السريعة المتلاحقة على بلده عبئاً فكرياً ونفسياً يزيد ضغطه على (قشرة الدماغ) ويبحث عن منفذ للتعبير، سرعان ما تشكل في صورة (لسعات) شعرية، ينغزها بين حين وآخر، في وسادة هنا، أو كتف هناك.
قصائد الرملي قصيرة، وجمله الشعرية قصيرة، وصوره الشعرية أو التقاطاته دقيقة حادة. وظيفة القصيدة، تبعاً، لدوافع (الأبداع) النفسي، تختلف عن وظيفة القصة والرواية، التي تتمتع بمساحة أوسع من الاسترخاء الذهني في تصوير سوريالية الحياة. وبينما تستمرّ ركيزتا اللغة والواقع (المقطعي) في تجربته الشعرية، تختلف تقنية اللغة ومعالجة الواقع هنا عن غيره. افتقاد (البهجة) أو وضوح (الأسى) الذي يتحول أحياناً إلى (سخرية) حادّة في شعره، يوحي أحياناً أن الرملي الشاعر أكثر إحساساً بالعزلة من الرملي القاص. ان القصيدة هي دفتر مذكراته الصغير الذي يحمله معه في (جيبه) أما (القصة) فهي دفتر الذكريات الذي يعود إليه مرة في الاسبوع أو الشهر أو أكثر. وربما لهذا تبدو قصائده أكثر مباشرة (لدى) القراءة السريعة، وأكثر إمعاناً في (شكلانية) اللغة. بيد أن الكلمة أو الحرف في الشعر ليست سوى (لغز) قابل للتأويل باتجاهات مختلفة، ومفتاح سحري يمكن أن يقود إلى عوالم غير متناهية، لم يعد (إيقاع) الحياة السريع والقراءات (الالكترونية) السريعة تمنحها فرصة التحقق والاستيلاد. بالمقابل، تساعد قصيدة [النثر] على منح دور الفكر أسبقية وتفوقاً على دور الشعور، وهو أحد معطيات ظهور الوعي [الحضاري] بدل سلطة (اللا) وعي الشعوري المقترنة بمرحلة حياتية بدائية أكثر التصاقاً وتعويلاً على الطبيعة في التأويل وإشباع الحاجات.
[1]
في إطار علاقته الجدلية بالواقعي، يختار الرملي (مقطعا) من المتحقق، يضعه في إطار [صورة] شعرية ويرتشه بلغة (سيكولوجية) ذاتية، لتأكيد الصلة الداخلية للنص وعدم تجاوز جغرافيا الذات. ان ربط العام بالخاص، والموضوعي بالذاتي يمنح النص خاصة (صدقية) تزيد من تواشجه مع ذات القارئ. وبدون التعرض [الاعلامي] المباشر لمشروع [تحرير] بلده، يتحول الوطن إلى حجرة أو مائدة وسط حجرة، [والوطن كان دائماً (مائدة) بغض النظر عن التأويلات] ، في هذه الحجرة تجري مراسيم (عيد ميلاد) للشاعر، ولم يبق غير تأثيث المائدة. وهنا تتواتر القصيدة.  مبتدأ جاء تشبيه الوطن (بكعكة) أو (كيكة)، وهو وصف تردد في لغة الاعلام دلالة على تنافس المصالح المغرضة واسلوب المحاصصات أو الخناجر الموغلة في جسد الوطن. وعلى غرار طاولة (عيد ميلاد) تنتصفها (كيكة) الوطن يستمر في استكمال بقية الاكسسوارات ولكنه بدلاً من الشموع التي تتوسط (الكيكة) يجد [صواريخ]، وبدل (النبيذ) يجد [دمه] في الكؤوس بأيدي المحتفلين الكثر، في سياق الاشارة إلى مغزى التشبيه بالكعكة والطاولة. مع جريان [الدم] في كؤوس شركاء الاحتفال، يحدث التحول في المشهد ، وتكتسب اللغة واقعية وشراسة أكثر. وهي صورة متناصة تماماً مع فكرة (القربان) المسيحي، الذي دمه (نبيذ) ولحمه (الخبز) وجسده (الهيكل / الكنيسة). أن البيت الذي يجري الاحتفال (..) فيه هو بيت [وطن] الشاعر، الذي سبق رؤيته على الطاولة في مستهل القصيدة. وأهل الشاعر ، تعرضوا للقتل، فانتفى مغزى الاحتفال، وفي انتفاء المغزى انتفاء للحدث، وبالتالي انتفاء (الولادة) الجديدة في الشرق الاوسط ، التي بشّر بها البنتاغون وحاشيته. فالقصيدة توصيف وتعبير عن خواء (الدعاية) الامبريالية وتفاهة (الشعارات) التي غلّفت وتغلّف سيناريو الفوضى المنظمة في بلد الرافدين.
(عيد ميلاد..)
وطني كعكة                                 والصواريخ الشموع
المحتفلون كثر                              ودمي في الكؤوس
البيت بيتي                                  وأهلي قتلى
فبميلاد من هذا الاحتفال                   وأنا المقتول..
                               قبل ميلادي؟!.
[2]
بعد انتفاء وإلغاء مراسيم وطقوس ومبررات (الاحتفال) الدموي، وعدم تحقق الولادة ، يخرج الشاعر (الكامره) إلى الشارع، أو يمدّ نظره عبر (نافذة) الحجرة، ليصف ما يجري في الشارع حيث تختلط جحافل الجنود بالمعممين. ان الوظيفة هنا مزدوجة ومتداخلة ومتبادلة. جنود الاحتلال في (بلدي) (يقتلون أهلي) (وأنا في المنافي) (أتحدث عن حقّ التنفس). وكما كانت الحصارات متداخلة ومزدوجة من قبل، جاء (الاحتلال) أيضاً متداخلاً مزدوجاً، أنه لا يقتصر على احتلال الوطن وقتل الأهل، وانما ملاحقة أبناء الوطن المنفيين، والتضييق على حق(هم) في التنفس والحياة. بعبارة أخرى، أن مشروع [الولادة الجديدة] هو مشروع نقيض ومعاكس في حقيقته، يهدف إلى قتل (الانسان الحقيقي والوطن الحقيقي) لاستقراد (روبوت) بمواصفات إمبربالية عالية الجاهزية والتعقيد..
ما الفرق بين هؤلاء الجنود /                   وهؤلاء المعممين؟! /
معاً هم في بلدي/                      وأنا في المنافي /
معاً يقتلون أهلي /                    وأنا أتحدث عن حق التنفس.
[3]
في مقطع (عرضي) آخر تكشف الكامره مظاهر (فلسفة) التفخيخ التي يشترك فيها الجميع، أو طريقة القتل (عن بعد) [remote killing]، التي تتم فيها تصفية (الأهل) المناوئين لطاقم [الفيلم] ، والتفخيخ هنا له هو الآخر دلالة مزدوجة، تتعدى اليورانيوم المنضب والـ[TNT] إلى الأفكار السامة والمريضة التي تحتل العقول والأرواح. يقدم الشاعر صورة سوريالية عبثية تذكر بنهاية قصته (ليلة القصف السعيدة) التي تنتهي بالضحك الهستيري [الخردلي]، ولكنها هنا تتجمد في حالة الخوف (بانتظار الانفجار). وانفجار الروح صورة عامية عراقية متداولة التعبير دالة على نفاذ الصبر أو الاحتمال الذي تجاوز الحدود [طكَتْ رُوحَهْ - وْمَاتْ] [طكَتْ روحي – بَعَدْ مَا أكَدَرْ..].
السيارات مفخخة/
الشوارع والعقول مفخخة /
الكلاب والحمير مفخخة /
فخخنا التفخيخ بالخوف /
وها نحن أرواح بانتظار الانفجار.
[4]
في اللقطة التالية، يعود الشاعر خائباً إلى وحدته أو عزلته الأولى رافضاً حفلة (عيد الميلاد) الديماغوجية، مفضلاً الاستئناس بحياته (الحُلُميّة) على اجتراع مرارة العبودية والذلة، معيداً ترتيب معادلات حياته الجديدة. وكالعادة، يحدد الشاعر موقفه الواضح منذ العنوان أو السطر الأول، وبشكل حاسم وحادّ لا يقبل التأويل أو القسمة. (أنا وغيري) إقرار بالفصل بين طرفين وحالتين لا تلتقيان. وتوحي مفردة (غيري) من القوة والرفض الضمني وعدم الانسجام والتفاهم ما يسدّ الطريق على أية مراوغة ذهنية. ثم تبدأ القصيدة بتفصيل المشهد ووفق تقسيم الخنادق المتقابلة الدارج في المقاطع السابقة. وهنا يتسلّح الشاعر بالزهد (الممتلئ) بينما يمنح (الغير) مظاهر القوة والجبروت (الخاوية). الشاعر ابن القرية أو المنفى مكتفياً بـحياته اليومية البسيطة [ياسمينه (تدفئه) - كأس ماء (ترويه) – أم (تحنو عليه) – جارة (تحرسه)] بينما (الغير) يزهو بغير حق فيبدو مثيراً للسخرية والاستهجان (كقرد) في (قميص حرير)، تندلق في جوفه يومياً ملايين (براميل) النفط المسروقة، تحميه بنوك وتحرسه أبراج وينافقه (حاسدون). ويحقق المشهد [السينمائي] ذروته في السطر الأخير مجسّداً مركزية الصراع والتناقض في صورة [ربو وسيجارة] في جانب من المشهد يقابله [ضريبة على الهواء]. ورغم السخرية المبطنة التي تضيفها العبارة (الفنتازيا) هذه، لا تخفى الدلالة المادية الاقتصادية لكلمة (ضريبة) المنسجمة مع تراكم المفردات السابقة التي تخدم المصالح الاستراتيجية للعدو [براميل نفط، بنوك، أبراج (التجارة)، ضريبة] بينما تفتقد خصائص الجانب الأول الخاصة بالشاعر أية دلالة مادية مؤكدة على قيم المحبة والجمال والانسانية الحميمة واجترار العذاب [ياسمينه – ماء – أم – جارة – ربو - سيجارة]، وهي كناية واضحة عن تقاطع العقلية الغربية التي تستعبدها المادة (!) الزائلة ، مع العقلية الشرقية الأسمى والأدنى للروحانيات والجوهر الانساني والخلود.
(أنا وغيري)
لي ياسمينة                         وللقرد قميص الحرير
لي كأس ماء /                       ولأمريكا براميل النفط
لي أم وجارة في نافذتها ياسمين         ولكم بنوك وأبراج وحاسدون
عندي ربو وسيجارة                 وأنتم ضريبة على الهواء.
وهنا يظهر تناص فكري مع مقطع من قصيدة (الذات والعالم) لوديع العبيدي التي يرد فيها ..
ليست لنا.. 
مدن .. سحب .. أساطيل .. زنازين
لنا منابعنا..
مرابعنا.. بيوت الياسمين
لهم الخليقة كلّها!
ولنا اشتعالات السنين..         ص56 – مجموعة (أغنية الغبار).
الموسيقى الداخلية في النص:
يبدو (النبر) الموسيقي على أشدّه في المقطع الثالث القائم على تكرار (ف / خ) [فخ] بشكل متوالية دون استراحة ذهنية أو نفسية حتى يبدو كل شيء (مفخخاً) في ذهن المستمع [حتى الهواء] حسب تعبير النص. بيد أن ذروة النبر هذه قد تحققت عبر (تنامي) تدريجي سمته الهدوء والتراتبية.[1] ثمة تقابل ذهني بين [وطن / صواريخ – كعكة / شمعة – محتفلوون / كؤووس – بيتي / أهلي / قتلي – ميلاد / مقتول]. وفي مجال تشابه النبر تهيمن الواو هيمنة استثنائية على المقطع [وطن ، صواريخ، شموع، محتفلون، كؤوس، مقتول] بينما تحقق [طاء نون، صاد خاء، شين عين، ميم نون، كاف ثاء، كاف سين، ياء تاء ياء، ميم دال، ميم لام، ميم ياء] مستوى آخر في أوركسترا من عدة طبقات تتساوق في [خلفية] النص، ناهيك عن الثيمة المركزية التي تبقى تتأرجح كالبندول في ذاكرة القراءة [كعك، كاف عين كاف ، ك ع ك]. وتحقق نهايات الكلمات الأخيرة الثلاثة في المقطع [فال – تول – لادي / فا صول لا سي] مصوّتات ممدودة صارخة [فااااالْ – توووولْ - لادييي]، مهيئة لتسكين الصورة والانتقال لمشهد آخر بعد (إظلام) مناسب.[2] من الاظلام يتكشف صمت تتحرك خلاله الصورة، بعد وهلة يستمر صوت بعيد (أنثوي / عميق) [ئوود~ ئوود~ نوود~ ئوود] يعقبه مباشرة جواب عالي مع صدى [مممممين معمممين] تتخلله [آء ~ آء ~ آء] [آء~ ئوم~ آء~ ئوم] تعقبه [معمممين~ معممعمين] ثم يتداخل الصوتان الأنثوي والرجالي [ئوود ~ ئووود~ ممممعممين~ معممعممين] بينما تتراجع [آء~ آء] إلى الخلف كصوت سحيق. وتتقابل في هذا المقطع أسماء الاشارة [هؤلاء - هؤلاء] وضمائر منفصلة [هم - أنا] أو [معا - أنا] ، وتتعاقب ضربة (الياء) العميقة [بلدي – منافي - أهلي]، بينما تخدم نهاية (تنفس) الساكنة صيغة الاستفهام المنتهية بسكون من عدة طبقات من صدى يجعل الكلمة تتوالد [تنفس~ أنفس] الدالة على جمع والمقابلة لصورة (أهلي).[3] يتكون النبر هنا من مستويين، أمامي وخلفي. في المقدمة تهيمن [فخفخة - تفخفخ] بينما تهيمن نبرة (الراء) في المستوى الثاني موازيا للأول كما في [شوارع، أرواح، انتظار، انفجار، حمير]. وقد انسجمت نبرة [نهاية] المقطع (آر- R) مع مضمون المقطع المرتبط بالقنبلة والتفخيخ بدلالتيه الحربية والفكرية، والمعادلة لنفاد الصبر والاحتمال حسب الدالة العامية.[4] تعقب الانفجار فترة صمت [انعدام الموصوّتات] كما في بداية المقطع الثاني، تهيئ لحركة الكامره إلى [ماضٍ – منفى - يوتوبيا] يبدو فيها الشاعر في عزلته، ويبتدئ نبر (ياء) من [لي ياسمينه] يقابله [قميص – حرير - أمريكا – برميل – عندي – سيجارة - ضريبة] يلحظ هنا هيمنة واضحة لأحرف العلة في كل الأسطر [لي – عندي – سيجارة - بنوك – حاسدون – ربو – هواء - ابراج ] وتتناسب نهاية [هواء ~ آء] مع مقطع صوتي سابق لتنظيم الصوت بين مقاطع المشاهد الصورية التي تتعاقب أمام القارئ/ المشاهد. ويقتضي للضرورة التمييز الموسيقي بين طرفي الصراع بدالة حرف معين أو الأحرف الصامتة والأحرف الصائتة بما يمنح الصورة العمق النفسي المنشود.
النسب المعمارية:
ثمة علاقة عضوية مزدوجة بين المقطعين الأول والرابع، على صعيد التقارب النفسي (عيد ميلاد) (عزلة شخصية) بينما الطرف الآخر يلعب (الغير) بجنونه العسكري في المقطع الأول، وجنونه (الاقتصادي) في المقطع الرابع.  وعلى صعيد البنية يستخدم الشاعر نظرية التقابل (المعماري) في المقطعين ، قاسماً النص إلى نصفين (متناظرين)، فيتناظر النصفان داخل المقطع من جهة، كما يتناظر النصفان الأول والثاني من المقطع الأول مع كل من النصفين الثالث والرابع على التوالي. [1~ 3 (ذاتي)—2~4 (غيري)]. بينما تلتحم وحدة عضوية بين المقطعين الثاني والثالث التي تجسد احداهما (هوية) وطبيعة الفاعلين، بينما يمثل الآخر (المقطع - 3) طريقة الفعل وفلسفة القتل.
البطولة المختزلة أو الغائبة:
مراجعة لقطات المشاهد السابقة تكشف عن غياب [أو- تغييب] عنصر رئيسي في جوهر الصراع الممثل بالشاعر [صاحب القضية]، فهو (مقتول) قبل ميلاده في المشهد الأول، وهو (محروم) من حق التنفس كناية عن القتل في المشهد الثاني، وهو [روح (مفخخة) تنتظر الانفجار (الطكَـ)] في المشهد الثالث، وهو (ربو) محاصر بين عدوين (داخلي) ممثل في السيجارة، و (خارجي) ممثل في الديون والفواتير المفتوحة، ودلالة الربو (الاختناق). فيكون الموت بفعل فاعل أي (القتل) هو القاسم المشترك لحالة البطل المؤشرة في أواخر المقاطع/ المشاهد الشعرية. هذا الاختزال (المتعمّد) في النص هو كناية عن (تغييب) العنصر المحلي في الصراع الممثل في [إرادة/ رأي] الشعب العراقي في سيناريو[ تحرير العراق] الأمريكي القائم على جملة معادلات سياسية وصفقات بينية مع أطراف دولية – اقليمية – محلية، غايتها الانقضاض على البقية الباقية من (أرواح) الشعب العراقي الموحّد. الغائب الوحيد فيها هو الضحية (المظنون). وبذلك ينجح الشاعر في تجسيد مغزى الاحتلال ومراميه في شريط سينمي شعري موجز ومعبر، يمكن الاستعاضة فيه عن الصوت بالصورة والتخطيط والتشكيل والكثير من الموسيقى التصويرية الحيّة من تراكمات (التراجيديا) العراقية المعاصرة.  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت القصيدة في العدد الأول من مجلة [صدى المهجر] لصاحبها الدكتور لطفي الحداد، الصادرة في أمريكا وبيروت.
**محسن الرملي (1967) كاتب وشاعر عراقي مقيم في اسبانيا، من أعماله: أوراق بعيدة عن دجلة، الفتيت المبعثر، ليالي القصف السعيدة، تمر الأصابع، نائمة بين الجنود، تفاحات بغداد، كلنا أرامل الأجوبة.. وغيرها. 
***معروف الرصافي في مذكراته- تحقيق الدكتور يوسف عزالدين- منشورات دار المدى- بيروت.
-----------------------------------
*نشرت في مجلة (الكلمة) العدد 91 نوفمبر 2014 لندن.
وديع العبيدي ومحسن الرملي

لقاء إذاعي مع محسن الرملي / إذاعة اسبانيا

لقاء إذاعي
مع محسن الرملي عن روايته (الفَتيت المُبعثَر)
الاذاعة الوطنية الاسبانية
في حلقتين من البرنامج الثقافي االإذاعي (دفاتر الثقافة)، هنا الجزء الأول من لقاء مع محسن الرملي، في الإذاعة الوطنية الإسبانية/ القسم العربي، أجراه الشاعر أحمد يماني، بمناسبة صدور رواية (الفتيت المبعثر) بالاسبانية والعربية، وتتبع اللقاء مقطوعة موسيقية للفنان خالد كاكي...
تم بث اللقاء بتاريخ 7/11/2014 ويمكن الاستماع إليه من هذا الرابط:
Primera parte de la entrevista con Muhsin Al-Ramli, sobre su novela (Adiós, primos) en RTVE, radio exterior española, (emisión en árabe - 07/11/14), realizada por Ahmed Yamani, en el programa "Cuadernos de Cultura". Y se finaliza con una música del artista Khalid Kaki...
 

الجمعة، 24 أكتوبر، 2014

ترجمة رواية محسن الرملي (تمر الأصابع) إلى الإيطالية

صدور رواية (تمر الأصابع) بالإيطالية بعد صدورها بثلاث لغات
سماح عبدالسلام  
بعد صدورها بالإنكليزية، صدرت هذا العام أيضاً الترجمة الإيطالية لرواية الكاتب العراقي محسن الرملي (تمر الأصابع)، وذلك عن دار نشر ثيكوريبولتا Cicorivolta edizioni وقد قامت بترجمة الرواية والتقديم لها المستعربة الإيطالية فدريكا بيستونو Federica Pistono التي سبق لها وأن نقلت إلى الإيطالية العديد من الأعمال الأدبية العربية المهمة كأعمال لغسان كنفاني وزكريا تامر وبهاء طاهر وإنعام كجه جي وغيرهم.
 وكانت رواية (تمر الأصابع) قد صدرت باللغة الإسبانية أولاً، ومن ثم العربية حيث رُشِّحت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2010. وحظيت باهتمام نقدي عربي وغربي جاد. ويتم العمل الآن على ترجمتها إلى لغات أخرى كالبرتغالية والفرنسية.
تدور أحداثها بين العراق وإسبانيا وتتناول جوانب من طبيعة التحول في المجتمع العراقي على مدى ثلاثة أجيال، فتتطرق إلى ثنائيات ومواضيع شتى كالحب والحرب والدكتاتورية والحرية والهجرة والتقاليد والحداثة والشرق والغرب. هذا، وقد وكانت الهيئة المصرية العامة للكتاب قد أصدرت طبعة شعبية من رواية (تمر الأصابع)، كما أعد تلفزيون الشارقة حلقة عنها وعن كاتبها ضمن برنامج (في حضرة الكتاب).
يذكر أن محسن الرملي هو كاتب وشاعر عراقي يقيم في إسبانيا ويكتب باللغتين العربية والإسبانية وقد صدرت له الكثير من الكتب في القصة والشعر والمسرح والترجمة إضافة إلى روايتين أخريتين هما (الفَتيت المُبعثَر) التي صدرت بالعربية والإنكليزية والإسبانية و(حدائق الرئيس) التي تتم ترجمتها الآن إلى الإنكليزية والإسبانية.
-----------------------
*نشرت في (قناة التحرير) بتاريخ 23/10/2014
*وفي (رأي اليوم) بتاريخ 21/10/2014
 *وفي (صوت العراق) بتاريخ 17/10/2014
*وفي (العرب اليوم) بتاريخ 21/10/2014
 

الأربعاء، 15 أكتوبر، 2014

محسن الرملي يعيد (الفَتيت المُبعثَر) بالإسبانية والعربية


محسن الرملي يعيد طباعة روايته الأولى بالإسبانية والعربية
المصدر: ثقافات
عن دار مسعى للنشر والتوزيع في البحرين صدرت طبعة جيب جديدة ومنقحة من رواية (الفَتيت المُبعثَر) للكاتب العراقي محسن الرملي، وقد تزامن ذلك مع صدورها بالإسبانية في مدريد بعنوان (وداعاً أبناء العمومة)، حيث زينت غلافي كلا الطبعتين لوحات للفنان العراقي المقيم في كندا قحطان الأمين.
وبهذه المناسبة صرح المؤلف محسن الرملي، المقيم في مدريد، لوكالة الأنباء الإسبانية وإذاعتها الخارجية بأنه يحب هذه الرواية وكأنها رواية كاتب غيره ذلك أنه يحب أعمال الآخرين أكثر من أعماله، على حد تعبيره، وقال:"من عادة أغلب الكتاب أنهم يتحاشون تقديم وإعادة طبع أعمالهم الأولى باعتبارها البدايات، لكنني وعند مراجعتي لهذه الرواية والقيام بترجمتها إلى الاسبانية أعجبتني جداً وصرت أعتز بها أكثر، كما اكتشفت فيها العديد من الجوانب المهمة على صعيدي الشكل والمضمون". وأضاف:"إنها ترصد بذرة بداية التفكك والخراب الذي حل بالعراق سياسيا واجتماعيا وكبلد، وفيها بدايات التساؤل عن مفهوم الوطن بالنسبة للمواطن العراقي، والذي وجدته يستمر في رواياتي اللاحقة (تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس)، كما أن فيها طزاجة وبراءة في الأسلوب والتجريب الفني". وقال:" يعجبني فيها أيضاً أنها رواية قصيرة ومع ذلك تضم الكثير من الشخصيات والمواضيع. كم أتمنى العودة إلى كتابة روايات قصيرة مثلها".
هذا وقد قوبلت الطبعة الاسبانية للرواية بالاستحسان، ففي مقال للكاتبة المكسيكية آليثيا تالابيرا، الحائزة على جائزة ديماك للسيرة الذاتية، قالت بأن هذه الرواية قد مستها من الأعماق بما فيها من حكايات الحزن والآلام العراقية حيث يرتدي الموت فيها مختلف الأقنعة إلا أنها مكتوبة بلغة شعرية مما يخفف من وطأة هذا الوجع. وفي السياق نفسه كتبت الشاعرة الاسبانية روسا ماريا بيرلانغا مقالا بعنوان (الرملي وجمال وصف الموت في روايته (وداعاً أبناء العمومة/الفتيت المُبعثَر) إضافة لخبر الاحتفاء بصدورها في صحيفة (الصوت الحر) الاسبانية و(شبكة الرؤية) التشيلية.. وغيرها.
يذكر بأنه ومنذ صدور الطبعة الأولى لهذه الرواية القصيرة في القاهرة، قد حظيت بالقراءة والاهتمام. وحازت ترجمتها الإنكليزية على جائز أركنسا الأمريكية لعام 2002. وتم تدريسها في العديد من الجامعات كميشيغان وهارفرد الأمريكيتين والقاضي عياض المغربية وجامعة لندن، فكما يرى البروفسور كاميران راستيغار من جامعة كولومبيا الأمريكية في مقاله عنها بمجلة (جمعية الدراسات الشرق أوسطية) : "أن أساتذة الرواية العربية المعاصرة والتاريخ أو السياسة العراقية أو الإقليمية الحديثة، سيجدون في هذا النص، بلا شك، ما يستحق لاتخاذه مادة في دروسهم". وقال عنها الناقد د.صبري حافظ:"تقدم لنا (الفتيت المبعثر) تجليات المأساة العراقية من خلال أُسرة متعددة الشخصيات المتنوعة المواقف والمضارب والأهواء كصورة مصغرة للوطن العراقي برمته، بتنوعاته الثرية والموقفية على السواء وحتى الأكراد لا تنساهم".
فيما وصفها الناقد الأمريكي هارولد برازويل، بأنها :"رواية تصوّر حياة عائلة كبيرة تحت نير الدكتاتوريّة، وتضيء الصورة الغائمة للتعقيدات التي عاشها الشعب العراقي. إنها رواية مؤثرة وذات ثيمة مكثفة، وتميّز نفسها عبر شيء هو أكبر من شهادة سياسية أو من مجرد فضول ثقافي". وقال الروائي السعودي عبده خال:"في (الفتيت المبعثر) نجد التجسيد الحقيقي لأثر الطاغية على الناس من خلال رواية اتخذت من الريف العراقي فضاءً لأحداثها وجعلت من صراع السلطة والمثقف محوراً".
وعن أسلوبها كتب الدكتور وليد صالح الخليفة الأستاذ في جامعة مدريد قائلاً:"إن لغة الرملي في (الفتيت المبعثر)؛ لغة مبدعة وخلاقة ومركزة، خالية من الحشو الزائد وساخرة في كثير من الأحيان، فالكلمة في هذه الرواية لا تبني بل تؤسس".  فيما اعتبرها الشاعر عيسى حسن الياسري:"إنها اللوحة البانورامية لمحنة الإنسان، تآزرت على استكمال آليتها الفنية والتقنية موروثتان: ميثولوجية وشعبية ظلت تكتوي بجحيم الحرب حتى استكملت نضجها.. وخرجت من حدودها المحلية الضيقة.. لتتسع إلى محنة كل البشر".
-------------------
*نشر في (ثقافات) بتاريخ 15/10/2014
*وفي صحيفة (عُمان) بتاريخ 19/10/2014
تجليات المأساة العراقية من خلال أُسرة متعددة الشخصيات
http://main.omandaily.om/?p=163315
*وفي (البوابة) بتاريخ 16/10/2014
 
*وفي صحيفة (الرياض) بتاريخ 16/10/2014
*وفي (صوت العراق) بتاريخ 15/10/2014

الأحد، 5 أكتوبر، 2014

محسن الرملي في مهرجان طليطلة الشعري 2014

محسن الرملي في مهرجان طليطلة الدولي للشعر 2014
شارك الشاعر والكاتب العراقي محسن الرملي في مهرجان طليطلة الدولي للشعر (أصوات حية) بدورته الثانية، وذلك خلال الأيام 5 -6 -7 أيلول/سبتمبر 2014، وقد جاءت مشاركة الرملي بصفته أحد أعضاء الهيئة الوطنية الإسبانية لتنظيم المهرجان وكمقدم للفعاليات وشاعراً.
برنامج مشاركات محسن الرملي في المهرجان
-------------------------------------------
*عن صحيفة (الإمارات اليوم) :
41  مشاركاً في مهرجان طليطلة الشعري.. بينهم 15 عربياً
«المدينة المحصنة» تفتـح قلبها لشعراء من العالم

بتاريخ: 16 سبتمبر 2014
المصدر(الإمارات اليوم): علي العامري ـــ طليطلة
احتضنت مدينة طليطلة الإسبانية مهرجانها الشعري الثاني، في الفترة من الخامس حتى السابع من سبتمبر الجاري، وسط احتفاء بالشعر والشعراء من مختلف دول العالم. وحقق المهرجان نجاحاً كبيراً على مدار أيامه الثلاثة، إذ دخل الشعراء بقصائدهم «المدينة المحصنة»، وهو أحد أوصاف طليطلة، التي تعد متحفاً في الهواء الطلق، لكثرة ما تضمه من آثار ومواقع تاريخية، حتى أنها دخلت سجل «اليونسكو» للتراث الإنساني في عام 1986، ويزورها كثير من السياح من مختلف دول العالم. وشارك في المهرجان 41 شاعراً من العالم، من بينهم 15 شاعراً عربياً، ولم توجه إدارة المهرجان دعوة إلى أي شاعر إسرائيلي. وغابت الشاعرة الإسبانية كلارا خانيس، صاحبة «حجر النار»، عن المهرجان لظروف صحية. وتعددت الأشكال الشعرية في اللقاءات التي بلغت 93 لقاء شعرياً، حيث قرأ كل شاعر بلغته الأم، وقرأ ممثلون الترجمة إلى اللغة الإسبانية. كما شارك شعراء من الصم والبكم.
في المدينة التي يلفها نهر تاخو «تاجو» من جهاتها الثلاث، كان الشعر هو الجهة الرابعة التي تمثل فضاء الإبداع. وتميز المهرجان بدقة التنظيم، بدءاً من رسائل الدعوات التي وجهت إلى الشعراء، حتى ليلة الاختتام التي شهدت أمسيات شعرية متعددة في «ثيغرّال دل أنخل» (بيت الملاك)، الذي يعد تحفة معمارية على ربوة تطل على نهر تاخو.
ورشة جمالية
تضمن مهرجان طليطلة الشعري، في دورته الثانية، قراءات شعرية مرافقة بموسيقى صوفية في معظمها، وتزاوج بين الآلات الموسيقية الشرقية والغربية، علاوة على فعاليات موسيقية مستقلة، وتحولت المدينة إلى «ورشة جمالية» على مدار أيام المهرجان الثلاثة، بحضور جمهور كبير يصغي إلى الشعر بلغات متعددة، إلى جانب اللغة الإسبانية.
ونظم المهرجان معرضاً للكتاب في ساحة البلدية «بلازا دل أيونتامينتو»، المجاورة لكاتدرائية طليطلة. وتضمن المعرض كتباً بلغات متعددة أيضاً، معظمها بالإسبانية. وعرض الشعراء كتبهم المترجمة، ووقع بعضهم للجمهور على الكتب، أو على القصائد التي نشرت في كتاب المختارات الشعرية، الذي أصدره المهرجان، وضم قصيدة لكل شاعر بلغته الأم وباللغة الإسبانية، كما تضمن المهرجان مطبوعات فنية، كل كتاب بمثابة عمل فني.
وشهدت الساحة الرئيسة للمهرجان الافتتاح الشعري بمشاركة عدد من الشعراء، قرأوا من على شرفة تطل على الكاتدرائية أمام جمهور كبير.
تعددية الأصوات
قال عضو اللجنة الوطنية المنظمة للمهرجان، الشاعر والروائي محسن الرملي، لـ«الإمارات اليوم»، إن «مهرجان طليطلة في دورته الثانية ضم فعاليات متعددة من الشعر والرسم والرقص التعبيري والمسرح ومعرض للكتاب، بمشاركة 41 شاعراً، وعدد من الموسيقيين والمسرحيين والرسامين». وأضاف أن «المهرجان ضم كل الاتجاهات الشعرية في العالم، من القصيدة الصوتية والقصيدة المشهدية والقصيدة الصامتة وقصيدة الصورة، إلى جانب الشعر المحلي في طليطلة». وأوضح أن 42 شاعراً شاركوا في المهرجان من 21 دولة بست لغات.
وأضاف الرملي أن المهرجان ضم أكبر مشاركة عربية في مهرجان غير عربي، قياساً بمجمل عدد المشاركين من مختلف الدول، من حيث عدد الشعراء، وتعدد الأجيال والأصوات الشعرية. وأكد أهمية المهرجان، مشيراً إلى أنه جمع شعراء من حوض البحر المتوسط، ومن دول غير متوسطية أيضاً.
وأشار الرملي أن «طليطلة لم يسبق لها أن استضافت مهرجاناً دولياً للشعر، وكان نجاح الدورة الأولى العام الماضي دافعاً لاستمرار المهرجان في دورته الثانية، التي حققت نجاحاً منقطع النظير على كل المستويات». وأشار إلى تزايد عدد المتطوعين من الشباب والأهالي للدورة الجديدة، إذ ضم المهرجان هذا العام طاقماً من 200 شخص، في لجنته المنظمة، وهيئة إدارته، ومن المتطوعين.
وحول الدعم الرسمي للمهرجان، قال الرملي إن «الأزمة الاقتصادية تسببت في أضرار للوضع الثقافي، ولكن مع كل هذا دعمت حكومة طليطلة المهرجان بمبلغ 10 آلاف يورو، وخدمات متنوعة بقيمة 15 ألف يورو». وأوضح أن المدينة قائمة على السياحة، لكن مهرجانها الشعري أصبح رافداً جديداً لاقتصادها. وأفاد بأن أهالي المدينة يتمنون استمرار المهرجان «يريدون تكريس جانب ثقافي معاصر في حياة طليطلة، لذلك قام أعضاء جمعية أصحاب فناءات البيوت بفتح باحات بيوتهم لإقامة النشاطات خلال المهرجان، كما قدموا لوازم الضيافة للمشاركين والجمهور».
وتضم مدينة طليطلة أكثر من 700 فناء منزلي ذات طابع معماري عربي، تتضمن بئراً ومغسلة ومقاعد ونباتات زينة متنوعة، وهي بمثابة فضاء لكل بيت.
وذكر أن التطوع في الدورة الثانية جاء مضاعفاً، وذلك بعد نجاح الدورة الأولى، ومعظم المتطوعين من طلبة المدارس الثانوية والمعاهد، إضافة إلى العائلات التي استضافت الشعراء في منازلها
مختارات شعرية في كتاب
تضمن كتاب المختارات الشعرية «أنطولوجيا»، الذي أصدره مهرجان طليطلة الشعري 41 قصيدة، باللغات الأصلية للشعراء، والترجمة إلى اللغة الإسبانية. وكتبت مديرة المهرجان أليثا مارتينيث، ومديرة مهرجان سيت الشعري في فرنسا، مايتي فاليس بليد، مقدمتين للكتاب.
وجاءت القصائد للشعراء: علي الحازمي (السعودية)، لميس سعيدي (الجزائر)، محمود شرف (مصر)، نجوم الغانم (الإمارات)، أنخيل غيندا، أنتونيو ميانديث روبيو، كارلوس أبيلا، كلارا خانيس، ديفيد تراشمانتا، فرانثيثكا أخوييرا، خوسيه ماريا كامبرينيو، ماريا لويثا مورا ألامادا، ميغيل أنخل ثامبيدرو، مونيكا كالدييرو، أوسكار أخوادو، فيكتور لوبيث، نوني بينيخاث، بيغونيا بوثو، غوادالوبه خيراندا، خوسيه مانويل لوثيا، أوسكار كورييسس (إسبانيا)، جانين غداليا، بيير غويري، ميشيل ثيون (فرنسا)، عبدالهادي سعدون، محسن الرملي (العراق)، كلاوديو بوزاني (إيطاليا)، جريس سماوي (الأردن)، محمد النبهان (الكويت)، محمد الفقيه صالح (ليبيا)، محمد أحمد بنيس (المغرب)، زاهر الغافري (عُمان)، علي العامري (فلسطين/ الأردن)، كاثيميرو بريتو (البرتغال)، صالح دياب (سورية)، يوسف رزوقة (تونس)، لاورا خيورداني (الأرجنتين)، باتريثيو سانشيز روخاس (تشيلي)، لويس رفائيل (كوبا)، ألفريدو ألنكارت (بيرو)، أحمد يماني (مصر).