الأحد، 29 أبريل 2018

محسن الرملي، عن القراءة والكتابة/هند سعيد/مهرجان الإمارات للآداب


محسن الرملي: القراءة توسع الخيال والكتابة تطهير للنفس
بقلم: هند سعيد
 شارك الكاتب محسن الرملي في مهرجان طيران الإمارات للآداب لهذه السنة بعدة جلسات، ومنها جلسة مخصصة لطلاب الجامعات، وكان من دواعي سروري أن اقوم بتقديم الكاتب في هذه الجلسة التي حضرها ما يقارب مئتي طالب وطالبة من مختلف جامعات الوطن العربي.
تحدث الكاتب عن كتاباته وعن الكتابة والقراءة بشكل عام، كما تحدث عن الثقافة والمعلومات وأجاب على أسئلة الطلاب التي كانت تعكس اهتمامهم بهذه المواضيع، وفي الوقت نفسه تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على وعي وإدراك الشباب، ولذا فإن فرص مثل هذه، يلتقي فيها الشباب والشابات بالكُتاب تشجعهم على أن يتناقشوا ويسألوا أكثر لإثراء معرفتهم ولأنارة طريقهم.
ما تحدث به الكاتب محسن الرملي في تلك الجلسة، كلام من القلب وصادق، كما هو شرطه في الكتابة وفي الحياة، فقال مثلاً، حول الفرق بين المعلومات والثقافة:
هنالك فرق بين المعلومات والمعرفة والثقافة. فالمعلومات ليست ثقافة، كلنا لدينا معلومات وهي متوفرة وكثيرة، ولو كانت المعلومات ثقافة لأصبح الكومبيوتر أثقف مَن فينا. أما المعرفة والثقافة فهي تتعامل مع حس الإنسان، مرتبطة بكل شيئ معه، بشعوره وتعامله مع الناس وبخياله. فعندما تقرأ رواية تتخيل الشخصية ووجها وتشاركها فيما يدور في حياتها، أي أنك تشعر بها. عليك أن تتعايش مع ما تقرأ لتشعر بما تقراءه. ولكن المعلومات لا تتعايش معها لأنها مجرد معلومات.
ويضايقني عندما أحتاج للقيام بالبحث عن بعض المعلومات في التاريخ، مما يجعلني أبتعد عن الشخصية التي أكتبها وأفقد تواصلي مع الحي معها خلال فترة البحث. 

القراءة
لدينا تعبير عربي يقول، أقرأ لأُضيع وقتي، أما في الغرب فيقولون، أقرأ لأستثمر وقتي ، لأن القراءة ليست مضيعة وقت بتاتا.. حتى وإن قرأت كتاباً رديئا ، فالقراءة هي التي تشكلك كما يتكون جسمك من الطعام المختلف الذي تأكله، القراءة تغذيك فتنميك أيضاً.
وكما قال أحمد سعدواي، مسبقا، "إن القراءة تقوي إنسانيتنا"... حتى وإن كانت كتب تحكي عن الفضاء أو السحر وغيرها.. كلها تقوي من شخصك وفهمك للآخر وفهمك ذاتك، وهذه هي أهم نقطة.
إن القراءة أنقذتني لأنني رأيت وعشت الكثير من المآسي في حياتي، وأول جثة رأيتها كان عمري ١٣ عاما، وبعدها تواصلت رؤيتي للجثث حتى اليوم. فالقراءة مثل الطبيب النفسي تساعدك على تخطي الصعوبات.. وعلى إحداث التوازن، وذلك من خلال الخيال، فالخيال أهم من الواقع. نحن كبشر، ما يحركنا هو خيالنا وما نتصوره عن أنفسنا، وليس بالضرورة أن يكون تصورنا عن أنفسنا هو ما يراه الآخرون فينا.
بالنسبة لي، لا فرق بين الخيال والذاكرة، لأن ذكرياتنا غير موجودة، حدثت في زمن ما ولم تعد موجودة الآن، وعليه فقد أصبحت ضمن الخيال. ان الخيال صحة والأدب يقوي الخيال وبالتالي فهو يقوي الإنسان. 

الكتابة

كما أنقذتني القراءة من الكآبة، فالكتابة أيضاً كان لها دور في ذلك. الكتابة تطهير للنفس. كما ترون كتاباتي حزينة وكئيبة، بينما أنا في حياتي مرح وأمزح.. لماذا؟ لأنني أتخفف من أثقال أوجاعي على الورق وأزيح من ذاكرتي وضميري.. ولذا أعيش حياتي بشكل أنشط وأخف، فالكتابة هي التي تساعدني على أن أعيش حياتي.. فحتى المآسي، عندما تنظر إليها على الورق ستنظر إليها بشكل آخر. مثلما يحدث أنك عندما تتحدث في مشكلتك مع صديقك ترتاح، لأنك ستراها في حجمها الطبيعي وليس بالهول الذي في داخلك.. والكتابة هي بوح من هذا النوع، يعين على الرؤية الأفضل للمشكلة. عندما تكتب عما في داخلك سيساعدك ذلك على التخلص منه.
إذا كانت لديك فكرة، لا تكتبها مباشرة، ودعها في تفكيرك لفترة، فإذا نسيتها، سيعني ذلك أنها لا تستحق الكتابة، أما إذا بقت معك وتلح على تفكيرك بتواصل، عندذاك اكتبها... وأنا شخصياً لا أكتب إلا إذا كان ثمة شيء أريد أن أقوله. ومثال ذلك، كانت لدي فكرة ملحة جداً، هاجس وتساؤل: أين كان موضوع الحب عند النساء من جيلي، النساء اللاتي عشن القمع والحصار والحروب؟ كيف تعاملن معه بينما تأخذ الحرب الرجال – ابن الجيران ميت أو في جبهات القتال ـــ وموضوع الحب شي أساسي في حياة كل إنسان، وخاصة النساء. أقلقني الأمر لفترة طويلة، وكنت أود أن أعرف كيف تعاملن معه.. وهكذا كتبت رواية (ذئبة الحب والكتب)، بعد أن أمضيت سنتين أقرأ الأدب النسائي ودراسات عن الأدب النسائي، وسألت الكثير من النساء من حولي لأتمكن من معرفة شخصية المرأة أكثر قبل أن أكتب هذه الشخصية.
وكذلك الأمر مع رواية (حدائق الرئيس)، حيث كنت أتلقى أسئلة كثيرة من عرب وأجانب حول العراق، وهنالك تصورات مختلفة عن العراق وعن الدكتاتور.. وأردتُ أن أوضح ذلك وطبيعة ما حدث للعراقيين في الخمسين سنة الماضية.
الكتابة صحة، أكتب لنفسك أولاً، عليك أن تشعر بأنك بحاجة ماسة لأن تعبر عما في داخلك. أكتب بصدق وكرس وقتك وجهدك للكتابة. أغلب الكتاب فشلوا في البداية.. ولكن لا تيأس إذا كنت تشعر بأن الكتابة هي أمر ضروري جداً لنفسك أولاً.. حتى لو قرأ لك خمسة أشخاص فقط، فهذا شيء جيد، لأنك أفدت أو أثرت على خمسة أشخاص.. وما عليك إلا الاستمرار وأن تكريس جل وقتك وجهدك للكتابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت بتاريخ 22/4/2018م
هند سعيد ومحسن الرملي

أنثروبولوجيا الأدب، دراسة لقصة محسن الرملي


أنثروبولوجيا الأدب، 
دراسة لقصة (أنا الذي رأى... وثائق) للقاص محسن الرملي
مجلة القادسية للعلوم الانسانية ـــ مجلة علمية محكّمة ـــ جامعة القادسية
أ.م. د.ناهضة عبدالستار/ أ.م. د.علي جواد وتوت/سندس محمد عباس
النص الكامل للدراسة على هذا الرابط



Un ensayo sobre un cuento de Muhsin Al-Ramli, en la revista académica de
 Al-Qadisyah University

الاثنين، 2 أبريل 2018

حوار مع محسن الرملي / صحيفة: الرأي /علياء الموسوي


حوار/
روائي وشاعر ومترجم عراقي... الواقع والخيال بالنسبة له سيان
محسن الرملي: الصدق... هو شَرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة

ـــ السياسي المتسلط الدكتاتور يخاف الثقافة والمثقفين لأنه يريد شعباً جاهلاً

ـــ يجب على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في أعماله، وإنما يضمنها قدراً معيناً من المعرفة

ـــ الفتيت المبعثر، أتعبتني.. لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة 


حاورته: علياء الموسوي
للوهلة الأول بمجرد أن تجوب كتابات الشاعر والروائي والمترجم العراقي محسن الرملي وتبحر في أعماقها، تجد الكثير من الألم والحزن الوفير، متدفقة بغزارة تحاكي المأساة العراقية على لسان تقرح لكثرة نحيبه، وعيون جفت لمرارة ما رأت... في هذا الجو يأخذنا الرملي - بأسلوبه الأدبي - في رحلة مضنية مليئة بالحسرات والندبات بين سطوره ومفرداته، ليفصح عن ما شاهد عاصرها بوعي الكاتب وضمير الإنسان، ويقول: «اللغة معجزة البشرية كلها»، مؤكدا أنه يهتم أولاً بأن يتشبع جيداً بما يريد التعبير عنه، وأنه لا يميز حتى في حياته الشخصية بين الواقع والخيال. ويرى أنه كتب «الفتيت المبعثر» وهو مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارب من عذابات العراق، بدأها في الأردن وأنهاها في إسبانيا، كاشفا عن أن الأدب الإسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً. وقال: «شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الديكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية»... وباح الرملي، بأن القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي... ويفسر جزءاً من الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة. ومن ثم فإن الرملي كشف الكثير من الرؤى التي نتعرف عليها خلال هذا الحوار:
*يقال بأن اللغة أعجوبة، تقع في يد سطان مبدع، فمتى تصير اللغة خارج الكلمات وتصبح لغة الروح؟
ـــ بالفعل، إن اللغة معجزة البشرية كلها، لذا يستحيل على أحد بمفرده أن يقبض عليها، وما يفعله المبدع ليس سوى محاولة للتدرب على صيد شيء منها، شيء من هذا الشيء الذي يعشقه ويسحره، ولكنه كأي عاشق حقيقي، يموت وفي نفسه شيء من معشوقه، أما اللغة التي خارج الكلمات فهي أكبر من لغة الكلمات ذاتها، لذا تتعاون كل الفنون في محاولة قول ما يصعب قوله بالكلمات. وفيما يتعلق بالكتابة.. يبقى ما بين السطور وما خلفها وما هو خلف الكلمات جزء مهم وربما الأهم عما أرادت قوله الكلمات، وفيها تكمن الروح التي نشعر بها ولا نراها.
*يقال بأن المبدع المجبول ليس بحاجة إلى أن يتأثر بأحد وحتى وإن جال العالم جولا حتى يكتب، فكيف ذلك؟
ـــ ما من أحد لا يـأثر بأحد، فكما يقال "الأسد هو مجموعة الخراف التي هضمها"، إلا أننا لا نستطيع في أغلب الأحيان تحديد مواضع هذا التأثر، ولا المبدع نفسه بقادر على ذلك، ففي نهاية الأمر، كل شخص ينظر بعينيه الخاصتين هو إلى العالم نفسه، ولا أحد يرى العالم بعيني شخص آخر، إلا أن الآخر سيعينه على رؤية العالم بشكل أفضل، وكل مبدع يقوم في أعماله بتمرير رؤيته للعالم من خلال ذاته.. رؤيته هو للعالم.
*كيف توظف أدواتك السردية في نقل إحساسك الداخلي؟
ـــ باتباع القاعدة المعروفة، وهي أن المحتوى يفرض الشكل الذي يناسبه، لذا فأنا أهتم أولاً بأن أتشبع جيداً بما أريد التعبير عنه.. أتقمصه، بل وأعيشه بكل ما أستطيع من حس وشعور ثم أستحضر كل أدواتي لوصف... أعتقد بأن المتلقي سيشعر بما يشعر به الكاتب أثناء الكتابة إذا كان الكاتب صادقاً، وقد أبلغني الكثير من القراء عن مشاهد في أعمالي أبكتهم أو أضحكتهم أو لم يفهموها أو شعروا بالملل معها.. وهو بالضبط ما شعرت به أنا أيضاً أثناء كتابة تلك المشاهد، بكوا مع المشاهد التي بكيت عند كتابتي لها، وضحكوا مع المشاهد التي ضحكت عند كتابتي لها.. وهكذا.
*ما سبب إصرارك على مواجهة القارئ بقصص حقيقية واقعية، وإبعاده عن القصص الخيالية، مع أنك تملك المخيلة والأسلوب المناسب في توظيف قصة جديدة بأسلوب آخر؟
ـــ إصراري الرئيسي أو شرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة، هو الصدق.. أي أن أشعر صدقاً بالذي أعبر عنه، بغض النظر عن واقعيته من عدمها، فإنا ومنذ زمن طويل أكاد لا أميز حتى في حياتي الشخصية بين الواقع والخيال، فأشعر أحياناً بأنني أعيش في عالم أدبي أو روائي وأن العالم وأحداثه من حولي ما هو إلا أدب، فيما أشعر بالكثير من الروايات الخيالية والقصائد بأنها واقعية وأتعامل معها على هذا الأساس، ومثال ذلك أن شخصية دون كيخوته في رواية ثربانتس اعتبرها واقعية وحقيقية وموجودة أكثر حقيقة ووجوداً من أناس أتعامل معهم في الواقع.
*"الفتيت المبعثر" إحدى روايتك التي تتحدث عن تفرق شمل العائلة العراقية، لتداعيات سياسية، كيف عشت طقوس كتابتها بكل تفاصيل الوجع فيها والثقل الذي تحمله؟
ـــ كتبتها وأنا مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارباً من عذابات العراق، بدأتها في الأردن وأنهيتها في إسبانيا، فعلى الرغم من قصرها إلا أنها أكثر رواياتي التي أتعبتني في كتابتها، لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة جداً، وكنت قلقاً، خائفاً وحزيناً..أنتقل من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان عند كتابة كل مقطع.. كنت وكأنني أهرب من مشهد إحدى قريبات أمي وهي تجلس في مقبرة قريتي بين قبور أبنائها الأربعة الذين فقدتهم في الحرب العراقية الإيرانية، وكنت أراها في صباح كل خميس هناك.. تنتحب بمرارة قاتلة عليهم أحياناً، وأخرى تحدثهم عن أخبار صغارهم وتضحك كمجنونة.. كنت أشعر بعذابها وأتعذب.. أشعر بتفتت قلبها فيتفتت قلبي.
*كيف تجد الأدب الإسباني في تلون أشكال الكتابة الأدبية فيه، مقارنة بالأدب العربي؟
ـــ الأدب الأسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً، والتي استطاعت التعبير بشكل شامل وممتاز عن المجتمع الاسباني بشتى مراحله، ولعب دوراً مهماً في صياغة ثقافة وذهنية الناس، كما ساهم بتطوير وإثراء الأدب العالمي، أما الأدب العربي على الرغم من إرثه العظيم إلا أنه لايزال مقصراً أو أنه لم يحظى بالفرصة التي تليق به للقيام بهذه الأدوار على الوجه الأكمل، وأقصد منها التأثير في ثقافة الناس، التعبير بشكل شامل عن المراحل التي مرت بها الشعوب العربية والمساهمة الفاعلة في الآداب العالمية المعاصرة كما سبق وأن ساهمت فيه (ألف ليلة وليلة) و(حي بن يقظان) و(طوق الحمامة) و(رسالة الغفران).. غيرها في القرون السابقة.. عانى الأدب العربي الكثير من القمع والظلم منذ الاحتلال العثماني.. ولكنني أعتقد بأنه يشهد الآن استعادة لنفسه وحريته وهو في طور آخذ مكانته التي تليق به.
*يقول الشاعر التركي ناظم حكمت "الدولة تخاف من الشعر"، ما مدى صحة هذه العبارة بالنسبة إليك وهل تمثل واقعا معاش؟
ـــ الأدق، ليس الدولة بمفهوم الدولة الصحيح، وإنما هو أن السياسي المتسلط، الدكتاتور هو الذي يخاف الثقافة والمثقفين، لأنه يريد شعباً جاهلاً يتحكم به على هواه دون أن تنغص عليه تسلطه نصوص وفنون المبدعين، لذا نرى المستبدين عبر التاريخ يعملون على أمرين في تعاملهم مع المبدعين، إما تجييرهم لصالحه أو إخراسهم بالقتل أو السجن أو المنع أو النفي.. وبالنسبة لي، نعم شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الدكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية.
*كونك مترجم وشاعر وكاتب، عندما تكتب أين تجد نفسك، بين قوافي الشعر أم نغم الحرف الروائي أم في بحر الترجمة الوافر؟ ولماذا؟
ـــ لا أدري حقاً إن كنت (أجد) أم (أضيّع) نفسي، ولكن الذي أعرفه هو أنني أمضيت كل حياتي في القراءة والكتابة.. ولم أشعر بشيء أقرب إلى نفسي منهما، وأكثر شيء فعلته ولازلت وسأبقى هو القراءة.. أما على صعيد التصنيف الكتابي فأنا أعتبر نفسي كاتباً بشكل عام، بغض النظر عن الجنس الكتابي الذي أدونه، مع ذلك يمكنني القول بأنني أشعر مع الرواية بمساحة أكبر في التعبير، فيما أعتقد بأن الشعر هو روح الأدب، وأنا مستهلك كبير ومدمن على قراءة الشعر، بحيث لا يمر أي يوم دون أن أقرأ فيه ولو قصيدة واحدة، أما الترجمة فللأسف لا أجد الوقت الكافي للقيام بها كما أريد، لأن مشروعي الإبداعي الخاص يحظى بالأولوية، وإلا فإنني أتمنى ترجمة الكثير من الكتب التي أعجبتني بالإسبانية.
*كيف وجدت تلقي القارئ الغربي للأعمال العربية المترجمة بشكل عام، ولأعمالك بشكل خاص، وهل تحظى بالاهتمام المنشود؟
ـــ لازال القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي، لأن ما تمت ترجمته حتى الآن يعد قليلاً من الإرث الأدبي العربي الهائل عبر القرون، لذا لم يشكل الأدب العربي المترجم ظاهرة حتى الآن، ومع ذلك فثمة أمل بأنه قادم في، والقارئ الغربي يرغب بمعرفة المزيد منه وعنه، وبشكل عام فإن أغلب الأعمال المترجمة تحظى بالقبول والاحترام لأنها أصلاً منتقاة بعناية من قبل الناشر الغربي العارف بذائقة زبائنه، أما عن أعمالي فهي جزء قليل من هذا الجزء القليل الذي تمت ترجمته، وبالنسبة لي اعتبر أن ما حظيت به من تلقي ونقد واهتمام حتى الآن هو جيد ومُرضي.
*في تصورك، ما مدى مسؤولية الأديب اتجاه المضامين الفكرية التي تطرح في الساحة الثقافية اليوم؟
ـــ ما أراه هو قلة المضامين الفكرية.. بل شحتها اليوم، حيث يمر عالمنا بأزمة فكرية وفلسفية أصلاً، كما لم تعد الإيديولوجيات الحقيقية موجودة ولا فاعلة، لذا أفسر جزءاً من هذا الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة، ومن هنا أرى بأن على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في إعماله وإنما فليضمنها بقدر معين من المعرفة، شخصياً أرى في ذلك جزءاً من مسؤولية الأديب وإن كان الغالبية من زملائي لا يتفقون معي في ذلك.
*من وجهة نظرك، كيف تجد توالد ظاهرة "المثقف الأمي" بين أوساط المثقفين في الشرق والغرب؟ وهل تسود كفة على أخرى؟
ـــ هذا أمر عادي وطبيعي، وكان وسيظل موجوداً في كل المراحل والأزمنة وفي مختلف الثقافات، وبالطبع سيكون الزمن كفيلاً بغربلة ما هو أصلح أو أجمل أو أنفع للناس.
*بين نخيل البصرة وماء دجلة، وبقايا القصور الأندلسية والسمرة الخمرية الإسبانية، أين يجد الرملي نفسه الآن بعد انشطار الهويات وضياعها في الظروف الراهنة؟
ـــ هذا الذي تصفينه، هو ما كنت عليه فعلاً، قبل أكثر من عقد من السنين، وظهر في أعمالي التي كتبتها آنذاك، مثل كتابي القصصي (أوراق بعيدة عن دجلة)، أما الآن فلم تعد مسألة الانشطار أو تعدد الهويات موجعة لي كما كانت في السابق، لأنني تصالحت معها وتبنيتها وصارت مسألة تعدد الهويات هي هويتي التي أعتز بها وأدعو إليها وأدافع عنها وأربي ابنتي عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الرأي) الكويتية، بتاريخ 2/4/2019م العدد 14154

الأحد، 1 أبريل 2018

حوار مع محسن الرملي / صحيفة:الخليج/ سماح إبراهيم


محسن الرملي: الرواية لن تستمر 15 عاماً
سماح إبراهيم
ـــ القاهرة ـــ

يحل العراق بقضاياه، ثيمة أساسية في أعمال الكاتب العراقي المقيم في إسبانيا، الدكتور محسن الرملي، حيث يبقى الوطن ذا حضور قوي في أعماق الإنسان مهما ابتعد، وتبقى قضاياه هاجساً في الفكر والمخيلة، ولكن الكتابة الإبداعية عليها دوماً أن تجدد نفسها وموضوعاتها حتى لا تصل مرحلة التخمة ويُعرض عنها القارئ، كما يؤكد الرملي في حواره مع (الخليج).
*خرجت من العراق باحثاً عن الحرية، فهل وجدتها؟
ـــ وجدت الحرية بمفهومها المتعارف عليه، من حرية الرأي والاعتقاد والقول والحركة، وفي الوقت نفسه أدركت أن الحرية المطلقة أو الحرية الحُرّة تماماً لا وجود لها حتى الآن، لأننا نولد أصلاً وفي رؤوسنا قيود فرضت علينا مع الرضاعة، ومن ثم تلتها قيود القوانين التي سنّها الإنسان بنفسه ليقيد نفسه. مفهوم الحرية الحقة معضلة وقضية كبيرة من قضايا الإنسان التي ما زالت بحاجة إلى قرون أخرى كي تنضج أكثر.
*تقيم في إسبانيا منذ ربع قرن، فهل للأدب العربي حضور في الغرب؟
ـــ الموجود منه لا يمكن وصفه بالحضور، وإنما نماذج وعينات تعتبر قليلة جداً قياساً إلى الإنتاج الثري للأدب العربي قديمه وحديثه، وأكثر ما يتوافر منه هو ذلك الذي كُتب بلغات غربية أو حاز جوائز غربية، مثال أعمال أمين معلوف والطاهر بن جلون ورفيق شامي وياسمينة خضرة ونجيب محفوظ، أما المتَرجم فيعد قليلاً، وإن بدأ يتزايد تدريجياً مؤخراً، ولكن- بالقطّارة- ولم يشكل ظاهرة أو حضوراً مهماً حتى الآن.
*رغم تصدّر الرواية عن الشعر والقصة القصيرة، إلا أنك صرحت ذات مرة بأنها لن تستمر أكثر من 15 عاماً، فما السبب؟
ـــ ما قصدته هو عدم استمرارها بشكلها الحالي، حيث صارت مجرد حكايات تفتقر للعناية بالكثير من العناصر الفنية وتخلو من الإبداع والابتكار والرؤية، فهذه الوفرة بالإنتاج المتشابه ستؤدي إلى تشبع سوق التلقي بها، وعليه فلا بد من ظهور تجديد معين ومختلف عما صار عادياً وسهلاً، كما حدث في مراحل تطور الرواية التي نعرفها، فالذي لا يتجدد يموت، كما يقول المثل الإسباني.
*داخل كل مبدع يسكن ناقد، فإلى أي مدى تمارس النقد على إبداعك؟
ـــ رغم ما حققته بعض أعمالي من نجاح، إلا أنني أعتقد أنه بسيطاً. عندما كتبت الرواية الأولى لم أكن أفكر أن تنال رضا المتلقي فكتبتها على مزاجي، الآن عرفت وجوه القراء، في دول أخرى وكيف يتلقون وينتظرون هذا العمل، فأصبح هناك نوع من التقييد لي كشخص وكتعامل أخلاقي مع المتلقي فيسبب ذلك لي مشكلة، أصبحت كلمتي تؤخذ أكثر.
*ما بين الشعر والرواية والعمل الأكاديمي والترجمة، أي زاوية تجذبك صوبها أكثر؟
ـــ أنا كاتب وأداتي هي الكتابة، أصنع منها الشعر والمسرحية والرواية، والمضمون هو الذي يفرض الشكل، وحسب الانفعالات. ليس لديّ مشكلة في التصنيف أو الثنائية الثقافية، فأنا متصالح مع الثقافات المختلفة التي أعيش فيها، متصالح مع الأجيال ومع الأجناس الأدبية أيضاً.
*تُرجمت أعمالك إلى عدة لغات، فماذا أضافت لك؟
ـــ بالنسبة لأعمالي المترجمة، فقد ذكرتُ أنني استفدت من القارئ الأجنبي أكثر من العربي، عندما يحب قارئنا العربي ما نكتب لا يعبر بدقة وبشكل عملي عن التقنية والشكل، استفدت من الترجمة بحيث عرفت مواطن القوة في النص، ولا تنهض ثقافة عبر التاريخ دون تلاقحها مع ثقافات أخرى. الترجمة فعل ضروري، ويجب أن نوليها اهتماماً مضاعفاً.
*هل تعتقد أن العالم بحاجة إلى مشروع ثقافي كبير؟
ـــ ليس هناك من يعمل على الثقافة، والناس تبحث عن سبب انتشار الرِدات السلفية أو الداعشية وغيرهما، لأنهم اعتمدوا على المصادر القديمة. لم نقم بثورة تحديث حقيقية جديدة، بعد الاستقلال، عملنا فقط على مفهوم الوطنية، لكننا لم نستمر في تطوير مفاهيم الثقافة الوطنية والإنسانية، فكان هناك تقصير شديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الخليج) بتاريخ 1/4/2018م العدد 14196
http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/9cbf49c9-6c78-4ec5-95a3-d73efffdaaff

حدائق الرئيس.. هولوكوست عراقي/د.شاكر راضي


حدائق الرئيس.. هولوكوست عراقي

د.شاكر حسن راضي
رواية حدائق الرئيس للكاتب العراقي الدكتور محسن الرملي هي تأريخ وتوثيق لهولوكوست العراقيين الذي تجاوز برعبه ومآسيه وضحاياه هولوكوست اليهود في معسكرات النازية...
رواية نبشت المقابر وعرضت على الناس والعالم مأساة شعب لم ينصفه تاريخه وجغرافيته وحضارته وشعره وعشقه وأساطيره...
يا لها من حدائق وقصور تثير الرعب في النفوس! ويا لحزن عبدالله كافكا وطارق وإبراهيم وقسمه وأحمد وزينب وإسماعيل.. وكل تلك الأرواح التي شهقت في لحظتها الأخيرة وتمنت أن تكون بين أحبتها.. أو على الأقل أن تدفن في أرض تعرفها... مسخ كافكا لا شيء، ولا يمكن أن يقارن بعبدالله الذي عاش في رعب معسكرات الأسر وانتهى به العبث ليعرف أنه ابن غير شرعي لرجل عاد بعد كارثة 2003 متبؤا مكانة كبيرة، يسعى إليه أهل القرية عله يساعدهم في العثور على جثث قتلاهم الذين وصلتهم رؤوس أبنائهم في صناديق الموز... يالإبراهيم الذي وثق كل الجرائم، حفارا للقبور في حدائق الرئيس.... ورغم كل الحب الذي يحمله في قلبه المتعب، وحزنه الذي رافقه من لحظة فقدان صديقه النجفي.. إلى أن قطعوا رأسه تاركا قسمة التي عادت منكسرة أرملة مثل أغلبية بنات جيلها...
هولوكوست عراقي لا يتهم من ينكره بمعاداة السامية... حدائق الرئيس، رواية من طراز الساعة الخامسة والعشرون... فكم من يوهان عراقي في حدائق الرئيس!
https://www.facebook.com/shaker.radhi?lst=671126626%3A100001190757537%3A1522603107
محسن الرملي، أحمد سعداوي، شاكر راضي

الخميس، 29 مارس 2018

الثأر والعدالة في رواية محسن الرملي / فرح الراجح


الثأر والعدالة وما بينهما
قراءة في رواية (تمر الأصابع) للكاتب محسن الرملي
 
 فرح محمود الراجح
ـــ لندن 
الثأر والانتقام موضوعان استأثرا باهتمام الأدب العالمي منذ ازمنة قديمة. فمن منا لا يتذكر رواية (الكونت مونت كريستو) للكاتب الفرنسي الكساندر دوما ومسرحية (هاملت) للكاتب البريطاني وليام شكسبير و(الفتاة الراحلة) للكاتبة الأمريكية كيلان فلن، حيث الأبطال الباحثون عن الانتقام والثأر خارج نطاق العدالة. هناك دائمًا مشاعر تقود الشخصية التي تسعى إلى الانتقام، سواء كانت مدفوعة بالكراهية أو الغضب أو المرارة أو حتى الحب، وقد تستمد الانتقام من أي أو كل هذه الدوافع.
على غرار تلك الأعمال العالمية، تبحر رواية (تمر الأصابع) للأديب العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي في فضاءات النفس البشرية التائهة بين مفهومين متضادين في الحياة، وهما الانتقام والعدالة، وبين التقاليد والتجديد، والمهجر والوطن. ومن هنا تطرح الرواية جدليات متشابكة، يحاول الرملي تفكيك بعض خيوطها، بينما يترك مواطن أخرى بين العقدة والحل معوّلا على مخيلة وذكاء القارئ للمشاركة في حل شباكها المتداخلة.
تدور مجمل أحداث القصة حول ثلاث شخصيات، وهم (الجد مطلك والابن نوح والحفيد سليم)، الذين يرغبون بالانتقام والثأر لكرامتهم من احد عناصر النظام البعثي الحاكم، بعد أن قتل أفراداً من عائلتهم ظلما. تتوزع أحداث الرواية على مكانين (العراق واسبانيا) وزمانين (الماضي والحاضر) كما ويركز الكاتب على محورين رئيسين يحرك بهما آليات السرد وهما محور الزمن الحاضر (في المهجر، اسبانيا) حيث تعيش الشخصيات فى دولة يحكمها القانون والعدالة ومحور الذاكرة الاسترجاعية في الوطن (العراق) حيث القرية التي يغيب فيها القانون وتحكمها القبلية ونعرات الثأر. فما ان نجد انفسنا في الزمن الحاضر للقصة بمدينة مدريد عاصمة إسبانيا، حتى يأخذنا قطارالذاكرة ألى الماضي، وبالتحديد ألى أحدى القرى النائية في مدينة تكريت الواقعة شمال العراق. يقص علينا بطل الرواية والسارد لمجمل احداثها (سليم، الذي هاجر الى اسبانيا بحثاً عن الامان والحياة الهانئة) يقص حكايا المعاناة والظلم والموت الذي اطبق كابوسا على ابناء قريته من المهمشين ومن لا حول لهم ولا قوة. يخبرنا (سليم) بان تسلط وطغيان السلطة وقتل أفراد من عائلته على يد احد منتسبيها بعد اهانتهم والتنكيل بهم، هي من جملة الأسباب التي دفعته للهجرة وهي نفسها التي خلقت فكرة الإنتقام والثار في وجدان والده (نوح) ودفعته هو الآخر للهجرة الى مدريد بحثاً عن القاتل الذي ابتعثته الحكومة العراقية إلى هناك، املا في إنزال القصاص به ثأراً لأبناء جلدته ووفاءا لعهده الذي قطعه على نفسه أمام والده الحاج (مطلك).
يحمل (نوح) معه سلسلة مفاتيح كان قد صنعها لنفسه في العراق وعلق بها رصاصة مسدس كان قد افرغها من البارود، ترافقه في حله وترحاله. ترمز هذه السلسلة لتصميمه على الأنتقام من القاتل وهي بمثابة تذكار يحثه على التمسك بوعده وتجسيد للعصبية التي ورثها عن اباءه واجداده منذ طفولته التي يلمح لها مشهد يصوراحد اشهرالعاب الطفولة في القرية وهي لعبة الحرب، حيث يتقاتل الصبية فيها بينهم حاملين العصي والأسلحة المقلدة. من هنا يشير لنا الكاتب الرملي بأن الانتقام والثأرمشاعر قد تولد من حادثة معينة لكن التي يشير لها في روايته هي بالأساس مبادئ تعلمها الافراد واكتسبها منذ الطفولة وزرعها في دواخلهم محيطهم الأجتماعي والثقافي ومن هم أكبر منهم سنا. لكن هل من الممكن لمن عشعشت هذه النعرات القبلية في داخله ان يتجاوزها وينفتح على الأخر ويعيش حياة تسامح وصفاء ويلجأ للعدالة بعيداً عن القتل والدم وفكرة الإنتقام ومبدأ العين بالعين والسن بالسن؟ الجواب يكمن في جزء القصة الذي ينقلنا للمهجر.
إن هجرة (سليم ونوح) الى اسبانيا والإنفتاح على الثقافات وأساليب الحياة الأخرى التي يحكمها القانون سهلت بدورها الابتعاد عن إطار العائلة والتقاليد الضيقة وأسهمت بشكل كبير في فك قيود القبلية والعشائرية التي كبلت الروح الانسانية لديهما. فـ(سليم) الذي هاجر لإسبانيا قبل والده (نوح) يمثل صورة الانسان القابل للتطويع والتغيير والمنفتح على ثقافات الآخرين والمتمسك بنفس الوقت بحبه وانتمائه للوطن ولكن باعتدال بعيد عن التعصب والتطرف. نعلم من وجود (سليم) في المهجر، بان الحياة رغم صعوباتها فهي تُري للقادم من قرية صغيرة يحكمها العرف العشائري ويكاد يغيب فيها صوت القانون، تريه الوجه الآخر للعدالة وحقوق الإنسان والنظام. يتغير (سليم) ويتعرف في مدريد على (فاطمة) الفتاة الشرقية التي تذكره بحبيته العراقية ويقرر الارتباط بها وبناء منزل جديد وحياة مختلفة لطي صفحة الماضي الأليم، وهذا يؤكد أهمية المهجر في تغيير نفسية وشخصية الفرد بشكل إيجابي. في الوقت نفسه، يكشف لنا (سليم) بأن تغيرات كثيرة طرأت على شخصية والده (نوح) فهو بالكاد يتعرف عليه حينما التقاه صدفة في ملهىً ليلي في مدريد. كان (نوح) قد غير من تسريحة شعرة وملابسه بشكل يتماشى مع الإسلوب الأوربي العصري وصار صاحب ملهىً ليلي فيه رقص وخمور بعد ان كان رجلاً تقليدياً متمسكاً بالموروث القبلي والعشائري. يبدو لنا من هذا التغيير في شخصية (نوح)، أن المهجر قد ترك بصمته وغير شخصيته وطريقة تفكيره وباعد بينه وبين فكرة الثأر والدم. يتأكد هذا التغيير في آخر الرواية، عندما يقرر (نوح) الإنتقال إلى ألمانيا ويسلم ابنه (سليم) المفاتيح المعلقة بالسلسة، ولكن من دون الرصاصة التي طالما كانت ترافقه. وبالفعل، يقرر (نوح) في نهاية القصة الانتقال إلى ألمانيا مع صديقته الأجنبية ( روسا) التي التقى بها في مدريد، لكن الكاتب يفاجئنا بأن القاتل هو الآخر قد تم نقله للعمل في السفارة العراقية في ألمانيا حيث ينوي (نوح) الانتقال.
عند هذه النهاية المفتوحة، تكمن عبقرية كاتبها، الذي يمنح القارئ مساحة للتأمل والتفكر والتساؤل: هل سيستمر (نوح) في طريق الانتقام الذي يبدو كالقدر الأسود الذي لا ينفك عن ملاحقته، كلما حاول نسيانه والابتعاد عنه مكانيا وفكريا، لكنه يعود ليلاقيه وجهاً لوجه؟. هل تنهي صفحة الماضي التي نظن أنها طويت، وأن البطل قد تصالح مع ذاته وتعلم التمدن والنظام واحترام القانون وقيمة التسامح؟.
وكما هو حال الكثير من الروايات العربية، وخصوصا روايات المنفى وما بعد الحرب وسقوط الأنظمة، تركز رواية (تمر الأصابع) الضوء على مواضيع أخرى كالحب والسلطة والحرب والهوية والشتات وحجم المعاناة النفسية التي يتطلبها بناء حياة جديدة مع الإبقاء على ذاكرة مثقلة بالهموم وأحمال الوطن ونظام قمعي واحتلالات ودمار. شكلت كل تلك الأحداث ملامح وتاريخ الشخصيات ورسمت صورة الحاضر وتنبأت حتى بالمستقبل.
في الختام، ربما يتسائل القارئ عن الرابط بين كل هذه الأحداث المؤلمة والحزينة من قتل وثأر وشتات وبين عنوان الرواية (تمر الأصابع). يكمن الجواب بين ثنايا الصفحات وبين السطور، فبين الفينة والأخرى تُستحضر فاكهة التمر ذات الخصوصية التاريخية والثقافية عند سكان العراق الشهير بزراعتها والفخور بإنتاجها. يربط الرملي بين هذه الفاكهة الحلوة وبين عاطفة الشخصيات وتذكر العراق، فهي تعمل أيضا بمثابة رمز تذكير دائم بجذور تلك الشخصيات لوطنها الأم وحبها القديم.. وربما هي رمز الانتقام، لأن شكل التمر يذكرنا برصاصة المسدس التي حملها (نوح) معه في رحلة الانتقام، وحلاوتها هي كحلاوة التسامح والتصالح مع الذات والآخر. في وسط هذا الكم الهائل من الصور والذكريات والأحداث البعيدة والقريبة، أجد أن الرواية هي بحق كما وصفها الشاعر والكاتب الإسباني مانويل رينا في صحيفة الآي. بي. ثي. بأنها (رواية مشحونة بالعاطفة، بديعة باستحضاراتها وحنانها وتمتاز بقدرة كبيرة على رسم التناقضات ونقاط الاختلاف والتلاقي بين ثقافات الغرب والشرق.. إنها بحق هدية للفكر والحواس).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فرح محمود الراجح: باحثة وأكاديمية عراقية، تقيم في لندن.
*نشرت في موقع (الناقد العراقي) بتاريخ 27/3/2018م.