الأربعاء، 4 مارس، 2009

القصة الإسبانية في العصر الذهبي/ محسن الرملي




مختارات من
القصة الإسبانية في العصر الذهبي

ترجمة وتقديم
محسن الرملي

صدر عن دار الدون كيخوته 2003 دمشق

تـقــديــم

من بين الوظائف الكثيرة لأدب شعب ما، هي مساهمته الفاعلة في صياغة هوية ذلك الشعب عبر العمل على تسجيل خصائصه الثقافية ومحاولته للقيام بدور طليعي في تطورها، وكذلك عبر تمثيله لها كواجهة وأفق تعريفي أمام ثقافات الشعوب الأخرى.. لذا فليس من المستغرب أن يتم إطلاق تسمية (العصر الذهبي) على مرحلة زمنية لمجرد أن الحركة الأدبية قد ازدهرت فيها وصارت أبرز معالمها.. هذا ما حدث في إسبانيا التي مازالت تدين بهويتها الثقافية لأدبائها في القرنين السادس والسابع عشر.. حيث تطلق تسمية (العصر الذهبي) أو (القرن الذهبي) تحديداً على النصف الثاني من القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، ويُبرر المختصون هذه التسمية بفضل بروز أدباء كبار ـ في تلك المرحلة ـ لم يسبق وأن ظهر كتاب بمستواهم من قبل. ويمضي الدارسون في تصنيفاتهم لتقسيم القرن الذهبي إلى عصرين هما: (عصر النهضة) و(العصر الباروكي) حيث إلى جانب ازدهار الفنون الأخرى كالرسم والموسيقى وبزوغ حركات فكرية وإنسانية، كان الأدب (شعراً ونثراً) هو في القمة من كل ذلك بحيث ترك أعمالاً رائدة وتأسيسية خالدة لكل ما تلاها من التيارات الأدبية على الصعيدين الإسباني والعالمي، ومازالت هذه الأعمال حاضرة في الواجهات الأولى للمكتبات منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، حيث لا تخلوا منها رفوف مكتبة أي قارئ للأدب.. وربما تكفي الإشارة للدلالة على ذلك ذِكرنا لعمل واحد، جاء كنتاج لأدب تلك المرحلة، ألا وهو (الدون كيخوته) لميغيل دي ثربانتس.
وإذا كانت قراءتنا لقصائد شعب ما تمنحنا الفرصة للإطلاع على نوعية الذائقة الجمالية واللغوية لذلك الشعب، وتحسسنا لطبيعة مشاعره وهواجسه وأحلامه وصيغ تعبيره عن ردود أفعاله وتصويره لرؤيته لذاته ولأرضه وللآخر، فإن النثر هو الوجه الآخر لهذه العملة الأدبية ـ أو المشهد الثقافي ـ حيث تقدم لنا الأعمال المسرحية والقصصية صورة واسعة عن الأفكار وطبيعة العلاقات الإنسانية وتصف تفاصيل الهموم اليومية والمناخ العام والأحداث التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، تصف لنا طبيعة القيم والسلوكيات والأفراح والأحزان ونوعية الملبس والمأكل وطريقة التحاور.. وبالنهاية ترسم أمامنا بانوراما شاملة تعيننا على فهم تركيبة وتاريخ الذهنية الثقافية لهذا الشعب وبالتالي فهمنا لهويته الحاضرة. هذا وبقدر ما يعيننا الأدب على معرفة الآخر فهو يعيننا على معرفتنا بأنفسنا أيضاً.. ذلك أن محور رسالة الأدب بشكل عام ـ أيًّ كان منتجه ـ هو الإنسان.. هي الإنسانية.
وهكذا فإن اطلاعنا على أدب الآخر يعرفنا أيضاً على ما في ثقافته من ثقافتنا وما في ثقافتنا من ثقافته وبالتالي استشراف آفاق ما سوف نأخذه وما سوف نعطيه وطبيعة مشاركتنا القادمة ضمن عملية التبادل والتلاقح بين الثقافات.
وهنا.. فليس لمجرد أنه من قبيل حُكم العادة أن نشير إلى دور الحضارة العربية الإسلامية وريادة الثقافة والأدب العربي وعظم دوره في التأسيس والمشاركة في بناء الحضارات والآداب الأخرى، والإسبانية منها بشكل خاص، فهذه حقائق يقر بها الأسبان أنفسهم ويشخصها الدارسون للأدب الإسباني، وبهذا الشأن يمكن مراجعة ما كتبوه: خوان غويتيسولو، خوان بيرنيت، فرانثيسكو مونيوث، ميغيل آسين بلاثيوس، أمريكو كاسترو، أميليو غارثيا غوميث،، آلبارو غالميس، لوثه لوبيث بارالت، كريستوبال كويباس، خوليو سامسو وغيرهم.
وهذه التأثيرات هي ما سوف نلاحظه بأنفسنا على صعيد القصة عند قراءتنا لهذه المختارات التي بين أيدينا من بدايات القصة الإسبانية، حيث نجد فيها ما اعتدنا عليه في كلاسيكيات أدبنا العربي من الحكايات والطرائف والمواقف والأحداث التاريخية والخيال الشعبي والأهداف الوعظية والأخلاقية وقصد المتعة، والتأسيس على معطيات أو شخصيات حقيقية، وطبيعة السرد من حيث التكثيف والحوار وحضور أنا الكاتب والخلاصات التعليمية.. وما إلى ذلك..
وهنا نعرض بإيجاز صورة لمسيرة القصة الإسبانية لندرك من خلال ذلك بأنها قد بنيت أساساً على قصص وصلت إليهم بفضل ترجمتها من العربية وبشكل خاص أعمال مثل (كليلة ودمنة) و(سندبار) ومن بعدهما جاءت أعمال أخرى مثل (طوق الحمامة) و(ألف ليلة وليلة) وغيرها.
إن المعنى اللغوي لكلمة حكاية أو قصة في اللغة الإسبانية cuento مشتق من الكلمة اللاتينية الأصل Computus يحكي cuenta والتي يعرفها قاموس الأكاديمية الملكية الإسبانية بثلاثة معانٍ يهمنا منها هنا التعريف الثاني وهو: إنها علاقة كلمات محكية أو مكتوبة تصف حدثاً زائفاً أو مختلقاً تماماً. والتعريف الثالث هو: إنها حكي موجز عن حدث خيالي بشكل بسيط، مصاغة بأهداف أخلاقية أو تربوية وإبداعية. تنتسب أصلاً إلى الجنس الملحمي الحماسي، وغالبيتها تلك التي كُتبت نثراً وإن وجدت أيضاً حكايات مروية شعراً.
إن جل القصص الأولى تنتمي إلى التقاليد الشفهية وهي بذلك تكون من أصل شعبي، وأقدم هذه الحكايات قد جاء من الهند والشرق مروراً على جسر الثقافة العربية، وإن وجدت بعض النماذج المهمة في ثقافات أخرى. وإن طبيعة هذه الحكايات قدمت على شكل مجموعات وسلاسل مترابطة وراحت تشكل جزءاً من ثقافات كل البلدان التي مرت بها وحملت شيئاً من ثقافتها.
تتميز الحكاية الشعبية بأنها ذات تقنية بسيطة، حيث أنها تقدم سلسلة من المضامين والأحداث المترابطة أحياناً، وأحياناً أخرى تكون على شكل شبيه بالطرفة أو النكتة وهي عادة ذات نهايات وأهداف وعظية وأخلاقية. وهذه الحكايات التقليدية في أغلبها ذات صلة وثيقة بالملاحم والسير الشعبية. وقد تم الحفاظ على هذه القصص والحكايات الشعبية بفضل التقاليد الشفهية، حيث تم، فيما بعد، جمعها وتسجيلها في مجموعات وسلاسل قصصية من قبل كتاب لهم ثقافتهم. مما ساعد ذلك على تأسيس قاعدة لظهور قصص أخرى مبتدعة وذات طابع أدبي.
وهكذا فإن القصة الأدبية الإسبانية قد ظهرت في أحضان القصة الشعبية التقليدية، فبشكل عام يستعمل المؤلف الأدبي الحكاية الشعبية كقاعدة يشيد وفقها أو اعتماداً عليها عمله الأدبي الخاص. وكمثال بارز على ذلك هو كتاب حكايات (الكونده لوكانور) لدون خوان مانويل ـ أول مجموعة قصصية إسبانية ـ حيث أن كل قصصه تقريباً مستوحاة من حكايات أخرى ذات أصل شعبي شرقي مثل (كليلة ودمنة) وأخرى شعبية أوربية.
في أحيان أخرى يستعمل المؤلف الأدبي موضوع أو ثيمة الحكاية الشعبية كي يخلق وفقها حكايته الخاصة والجديدة. ومثال ذلك القصة التي نضمنها في هذه المجموعة (التاريخ الحقيقي للملك دون رودريغو مكتوباً من قبل العالِم المُعلِم أبو القاسم طريف بن طارق من أبناء أمة العرب) والتي تنتمي في أصلها إلى الفلكلور الشعبي في شبه الجزيرة الإيبيرية وتم استيحائها، لأكثر من مرة، من قبل الكثير من الكتاب الذين أعادوا صياغتها بأساليبهم ورؤاهم الخاصة.
هذا ولا يجب أن ننسى بأن الإبداع الأصلي أو اختلاق القصة الجديدة المبتكرة الخاصة بالكاتب المؤلف قد بدأ بشكل خاص انطلاقاً من القرن التاسع عشر وهي قصص ذات بنى وتقنيات شبيهة بتقنيات القصة الشعبية ومع ذلك قد تم اختراع قصص مبتكرة تماماً وجديدة كلياً.
في شبه جزيرة إيبيريا وخلال العصور الوسطى نجد أربعة مجموعات قصصية مهمة جداً وهي: (كليلة ودمنة)، (سندبار)، (بارلام وخوسوفات) و(ديسثيبلينا كليريكاليس). وهذه الأخيرة هي مجموعة تتكون من 34 قصة من أصول شرقية وقد كتبت باللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر من قبل الإسباني المتنصر بيدرو الفونسو. وهي ذات طابع وعظي وموجهة إلى الأمراء والحكام بشكل خاص مسدية لهم النصح في كيفية إدارة الحكم والتعامل مع الشعب.
فيما أن العملين الآخرين (كليلة ودمنه) و(سندبار) هما مجموعتان قصصيتان مترجمتان عن اللغة العربية وهي من الكتب التي تضم بين دفتيها حكايات شرقية عربية وأخرى من أصل هندي أو فارسي. لقد تمت ترجمة (كليلة ودمنة)، لأول مرة، بأمر من الفونسو العاشر في أواسط القرن الثالث عشر، وفي تلك الفترة أيضاً تمت ترجمة (سندبار) بأمر من دون فادريكه ابن فرناندو الثالث، ومثلما هو حال الأعمال السابقة فإن (سندبار) تحمل الوصايا في الحكم إلى الأمراء، هذا ولم تكتف الترجمة بالنقل وإنما قامت أحياناً باختلاق حكايات إضافية شبيهة ومكملة وأبطالها أمراء عرب.
أما العمل الرابع (بارلام وخوسافات) فهي مجموعة قصص هندية وصلت إلى القشتالية عن طريق ترجمة إغريقية.
هذه الأعمال الأربعة قد حظيت بأهمية كبيرة خلال العصور الوسطى وهي التي كانت القاعدة الأصلية والأولى التي تم عليها تأسيس كل ما جاء بعد ذلك من الأدب القصصي.
في إسبانيا كانت أول مجموعة قصصية مهمة هي (الكونده لوكانور) ومثل غالبية كتاب العصر الوسيط فقد كان مؤلفها دون خوان مانويل يهتم بالجانب التعليمي الوعظي في قصصه أكثر من تركيزه على أصالتها الابتكارية الإبداعية، ذلك أن غالبية قصص هذه المجموعة يمكن الاستدلال بسهولة على أصولها سواء أكانت في مجاميع القصص العربية والشرقية المترجمة أو في الحكايات الشعبية السائدة آنذاك. ولكن الجديد فيها قد كان في عملية التدوين ذاتها، وفي تجربته الخاصة لتقنية (قصة القصص) أو ما يمكننا أن نسميه بـ(القصة الإطار) وهو أمر شبيه بمجموعة (السندبار) مثلاً. حيث ابتكر دون خوان مانويل شخصيتين وهما: الكونده لوكانور ومربيه الحكيم باترونيو اللذان يمنحان المجموعة وحدتها القصصية والموضوعية المبررة لتجميع عدة قصص مختلفة الأصول والمناخات. جمعها المؤلف الإسباني وضمها مع بعضها ضمن حبكة أو تقنية مقبولة، حيث يختلق الكونده مشكلة لمعلمه باترونيو الذي يسوق بدوره حكاية ما، تتضمن الحل العقلاني والحكيم لهذه المشكلة، وهذا أمر يتيح لدون خوان مانويل أن يُحمّل ويستخرج من هذه الحكايات الرسالة التعليمية ذات الطابع الأخلاقي والوعظي العام وحكمة يتم استخلاصها في نهاية كل حكاية يقوم المؤلف بصياغتها في بضعة أبيات شعرية.
في أواسط القرن الخامس عشر ظهر كتاب (الكرباج أو زجر النساء) ومؤلفه هو الفونسو مارتينيث دي توليدو رئيس كهنة تاليبيرا. ظهر هذا الكتاب القصصي وسط مناخ مفعم بمعاداته وبغضه للنساء كان يسود عموم العصر الوسيط، وإن كان البعض يرى في هذه القصص غير ذلك ويفسرها على أنها تمثل نوعاً من جنون الحب أو الحب المجنون الذي كان يحدث آنذاك. إن جدة المواضيع أو أصالة هذه القصص لم تكن راديكالية وخالصة تماماً، فهي قد جاءت ضمن تيار حكائي شعبي كان شائعاً في أوربا آنذاك وله الكثير من حكاياته وقصصه المتداولة. ولكن الجديد في هذه القصص هي التحديث في الأسلوب الذي ساعد على التأسيس والتمهيد لظهور تيار قصصي جديد سيكون هو بدوره المؤسس للقصة الحديثة فيما بعد.. أي مهد لظهور أعمال مثل (لاثاريو دي تورمس) و(ثلستينا).. وبشكل آخر ومدهش ظهور (الكيخوته).
لقد تطورت وعاشت القصة الأدبية الإسبانية خلال القرنين السادس والسابع عشر ازدهارها الحقيقي مثل عموم الأجناس الأدبية والفنون الإسبانية الأخرى آنذاك. وكما هو واضح من خلال هذه المجموعة من المختارات التي نقدمها هنا بأن القصة قد راحت تشق لنفسها أكثر من اتجاه وأسلوب، مثال ذلك القصص القصيرة جداً أو ما نطلق عليه اليوم بالأقصوصة التي كتبها خوان تيمونيدا وهي التي تبدو شبيهة بالطرائف أو النكتة. ونجد أيضاً القصص القصيرة العادية وكذلك ما يمكن أن نسميه بالقصص الطويلة أو الروايات القصيرة كالتي كتبتها ماريا دي ثاياس.
إن القصة الوعظية قد استُخدمت أيضاً، في هذا العصر، للغرض نفسه، أي كي تعلم الحكمة والأخلاق للأمراء الجدد وأبناء الطبقات الأرستقراطية الناشئة، متبعة بذلك ما يمكن تسميته بـ (تحلية الدواء) والتي تم تعلمها من كتاب (الكونده لوكانور) لدون خوان مانويل. وهكذا ظهرت أعمال مثل (إرشادات ودليل للغرباء الذين يأتون إلى البلاط) لمؤلفه أنطونيو لينيان إي بردوغو.
في مناسبات أخرى تكون القصص مضمومة في مجاميع متنوعة وغنية في أصنافها وأساليبها ومحتوياتها، حيث نجد بينها أحداثاً واقعية لطيفة أو حكايات ذات طابع حماسي ملحمي.. بل وحتى حكايات قصيرة مبتكرة ستكون فيما بعد بدورها قاعدة لانطلاق أعمال مستقبلية خالدة تستلهمها وتطورها، ومن ذلك (حكايات) لويس دي ثاباتا التي لها أهميتها الكبيرة بحيث نجد صداها الأدبي في (الكيخوته).
وختاماً.. وعبر هذه المختارات القصصية نعتقد بأننا نقدم لأول مرة إلى القارئ العربي هذا الكم والتنوع من القصة الإسبانية في العصر الوسيط، والتي كانت هي المناخ الذي ولد فيه عمل (الكيخوته) ليكون رائداً لتأسيس الرواية في العالم لاحقاً. واعتمدنا على ما أعده منها كل من فيليكس ناباس و إدواردو سوريانو، مستفيدين، في الوقت نفسه، من بعض ما دوناه من شروحات وتعريفات في المقدمة والهوامش، ومضيفين ما ارتأينا ضرورة في إضافته. وقد حاولنا عبر هذه الترجمة ألا نبتعد عن النصوص الأصلية قدر الإمكان على الرغم من قِدم لغتها وما يترتب عليه ذلك من صعوبات، حتى بالنسبة للقارئ الإسباني الحالي، الذي يحتاج بدوره إلى طبعات مليئة بالشروحات، أو طبعات أخرى تقوم بعملية شبيهة بالترجمة من اللغة الإسبانية القديمة إلى اللغة الحاضرة. وهذا النوع الأخير من التقديم هو الأقرب إلى ما اتبعناه من حيث أننا سعينا لأن تكون اللغة التي عربنا بها النصوص أقرب إلى اللغة العربية السائدة في أسلوب الحاضر منها إلى لغة كلاسيكيات الأدب العربي. وإذ يتفق كل المترجمون على استحالة الترجمة الدقيقة من حيث طبيعة اللغة إلا أنهم لا يختلفون في إمكانية نقل كامل النص من حيث الثيمة والمناخ وتسلسل السياق التعبيري.. نقول إذاً إننا هنا قد بذلنا كل ما في وسعنا ونأمل أن يكون في هذه الجهد ما يخدم ثقافتنا العربية.

محسن الرملي
مدريد 2002
*نشرت في المحلق الثقافي لصحيفة (الجزيرة)/(المجلة الثقافية) بتاريخ 22/3/2004 العدد 51 السنة الثانية/ السعودية

ليست هناك تعليقات: