الجمعة، 6 مارس، 2009

قصة / محسن الرملي

محسن الرملي
 
ليلة قصف ضاحكة
حين اشتد القصف على بغداد قررنا أن نسكر، نحن الهاربان من الجيش الداخل إلى الكويت. لم نذق خمراً أو بيرة من قبل. الهارب تعدمه الحكومة، لكن الحكومة لن تنشغل بقريتنا لأنها صغيرة ومنسية في البريّة، ولهذا تسمى (الفأرة)؛ بضع بيوت تعيش على بئر مالح يلف جوفه الطابوق وتسبح في قاعه ثعابين ملونة جميلة، لدغها عض خفيف كقَرص أنامل الأم لخد طفلها، وإن لدغت لا تقتل، لا سُم فيها ولا خير فيها أكثر من دقائق يلعب بها الصبية المتحلقون حول البئر ترقب عيونهم الدلو الطالع على صرير بكرة الخشب التي حز منتصفها حبل الصوف. لم ير أحد الخمر في قريتنا سوانا أنا وسلطان ابن عمي لأننا في الجيش والأستاذ موسى لأنه درس في المدينة وأصبح المعلم الوحيد ـ هنا ـ لمدرسة الطين التي بناها أهل القرية: غرفتان صغيرتان، واحدة لموسى (الإدارة) وأخرى صف يجمع فيه طلاب المراحل الست وهم ستة طلاب فقط؛ في كل مرحلة طالب، يفترشون بساطين حاكتهما جدتي ورسمت عليهما عصافير ونجوماً وكلاباً. الأستاذ موسى يملأ غرفته بالزجاجات والكتب ولا يلتزم بتعليم الطلبة كتب وزارة التربية وإنما يحفظهم ألفية ابن مالك وأشعار (أبو نؤاس) ولهذا فإن الناس هنا يعرفون أبا نؤاس أكثر مما يعرفون رئيس الجمهورية، وإن سألوا عن الزجاجات التي يجلبها في صناديق كلما ذهب إلى المدينة على دراجته ـ آخر كل شهر لاستلام راتبه ـ قال لهم:" إنه دواء.. رأسي يؤلمني دائماً". وحدنا أنا وسلطان ابن عمي عرفنا أنه خمر لأننا عشنا مع جنود من كل العالم العراقي ولم نكشف ذلك لأهل القرية الذين اكتفوا بمعرفتهم لاسم الخمر ـ ومقته ـ من خلال خطب إمام الجامع الذي يحذرهم منه في كل جمعة وهو نفسه لا يعرفه. الفوانيس مطفأة والناس نيام والكلاب تدور حول البيوت غير نابحة لأنها لا تنبح إلا على الغرباء والذئاب أو بقرة أو حمار انفلت من حبله. قصدنا بيت الأستاذ موسى، وحين اقتربنا من دكة نومه المحاطة بزرب من قصب ككل دكات أهل القرية، سمعنا صوت المذياع يبث أخبار القصف وصوت الأستاذ موسى شاتماً:" أولاد الخنازير، أبناء العاهرات..".
سحب سلطان ذراعي وهمس لي بالتراجع لكنني مانعت وقدته معي حتى دنونا من الدكة وناديت:" أستاذ موسى، أستاذ موسى". فسكت صوت المذياع، نزل الأستاذ وهو يحكم ربط سرواله ويقرب وجهه من وجهينا كي يتبينها على ضوء القمر فشممنا رائحة المعتق في أنفاسه. صمتنا ونحن لا نعرف ماذا نقول له حتى سمعت سلطان يغص بجملة شاكية وهو يوشك على البكاء:" إنهم يدمرون بغداد يا أستاذ".
أطرق موسى برأسه لبرهة ثم استدار إلى دكة نومه وصعد. سمعنا امرأته تسأله:" إلى أين؟". وهو يجيبها:" إلى المدرسة". ثم نزل وفي إحدى يديه المذياع الصغير وقميص وفي الأخرى زجاجة وقال:" هيا بنا". فسرنا معاً في دروب القرية الصامتة إلا من هسهسة الحصى تحت أقدامنا.
قال وهو يدفع إليّ الزجاجة كي يرتدي قميصه:" المسكينتان؛ زوجتي والزجاجة، كنت أشتد عليهما كلما اشتد القصف". وصلنا المدرسة المجاورة للبئر في أطراف القرية وفتح الأستاذ قفل باب غرفته (الإدارة) بمفتاح مربوط على رسغه بسلسلة صغيرة، دفع الخشب وسحب من خلفه صخرة بحجم الحذاء وضعها أمامه كي يبقى مفتوحاً ثم أشعل عود ثقاب وتقدم إلى الحائط المقابل فأوقد فانوساً معلقاً عليه بمسمار طويل أصبح لونه أسود هو والبقعة المحيطة بالفانوس بفعل الدخان، منضدة خشبية، كرسيان، رفوف كتب، صور لوجوه لا نعرفها تبدو عليها ملامح الجدية والتفكير، خريطة قديمة للعالم، لوحات وفي الزاوية تراكمت صناديق زجاجات الخمر، أكثرها فارغ وبعضها لم يفتح. صار الأستاذ وراء المنضدة وسحب صندوقاً فارغاً أعطاني إياه فجلست عليه وجلس قبالتي سلطان على كرسي والأستاذ على كرسيه الآخر.
وضعت الزجاجة التي في يدي على المنضدة وتناول هو زجاجة جديدة أوقفها إلى جانبها ثم أخرج من العتمة ثلاثة كؤوس وجرة ماء وصحناً وقِدراً ثقيلاً ومنفضة وضعها كلها تباعاً. شرعنا، أنا وسلطان بترتيبها، لكنه أعاد ترتيبها بشكل آخر كي يتسع سطح المنضدة للمذياع وعلبة السجائر وكتاب.
فتح القِدر فإذا به ملئ بحبوب الباقلاء المسلوقة. غَرفَ منها بكفه حتى ملأ الصحن وأنزل القِدر ثم مسح أصابعه بمنشفة معلقة على زاوية مسند كرسيه، سكب في الكؤوس من الزجاجة خمراً ومن الجرة ماء ووزعها علينا ثم أعقبها بسجائر أشعلها لنا، وأخرجنا نحن علب سجائرنا لنضعها على الطاولة أيضاً فيما ضغط هو على زر المذياع وراح يقلب خيطه بين المحطات التي كانت كلها تتحدث عن تفاصيل قصف التحالف لبغداد.
كان الأستاذ موسى يملأ كأسه ويفرغها في فمه دفعة واحدة، يزداد في ذلك كلما ازدادت أنباء القصف، أما نحن فنرتشف من كؤوسنا ببطء، نتشمم ونستطعم ونكرز حبوب الباقلاء، نحدق بالأستاذ بصمت.. شعره منفوش، قميصه مفتوح، ملامحه محطمة ومتوقدة في آن.. لم يكن على هيئته التي يعرفها الناس ويوقرونها، وجهه أكثر شبهاً بوجوه الصور المعلقة على الجدران لكنه بلا لحية ولا نظارات ولا إصبع على صدغه أو كف على ذقنه كما في بعضها.( ما أسعد العيش لو أن الفتى حجرٌ/ تجلو الحوادث عنه وهو ملموم). بدت تغضنات وجهه ـ رغم حدتها ـ واضحة تشير إلى عمر تجاوز الأربعين.
شعرنا؛ سلطان وأنا بدوار بعد انتهائنا من كأسين وصحن باقلاء وسجائر لا ندري عددها، بينما يزداد هو انفعالاً فيضرب حافة المنضدة بكفه أو يصفع فخذه كلما اشتد القصف في المذياع وأصابعه تطارد المحطات.. وبعد فترة لا نعرف طولها، كسر هو الصمت حين راح يحدثنا عن بغداد في عهد أبي نؤاس وأسماء أشخاص آخرين سمعنا ببعضها ولا نعلم عنها شيئاً، أما هو فيتحدث عنها وكأنه يعرف كل هؤلاء الناس بأسرار وتفاصيل حياتهم وأفكارهم.. تكلم عن أبي نؤاس كثيراً، نوادره.. ضحكنا، أشعاره في الخمر والولدان، ثم انتقل للحديث عن ذكرياته أيام دراسته في بغداد ولقائه بالسياب وحسين مردان وعن مقهى حسن عجمي والمقهى البغدادي في شارع أبي نؤاس على شاطئ دجلة حيث حضر سهرة غنى فيها يوسف عمر. ووجدت نفسي أعيد عليهم قصة حبي لفضيلة البغدادية أيام تأجيرنا لغرفة متداعية في (حي الفضل)، عندما كنا أنا وسلطان نتدرب في معسكر الرشيد، فكرر سلطان عبارته التي يقولها لي كلما تحدثت عن فضيلة ـ ربما هذه المرة بقصد تخفيف قلقي عليها ـ:" أمها أجمل منها".. فصحت به:" أسكت أبو العجائز". ضحكنا وملأ الأستاذ موسى صحن الباقلاء مرة أخرى وهو يعقب:" إن للعجائز جمالياتهن الخاصة".
وأبصرنا فأرة تقترب من القشور المتناثرة على الأرض، تتشممها، فحاول سلطان طردها:" هش.. هش". فلم تهرب،"لماذا لا تهرب؟" أجابه الأستاذ:" وإلى أين تهرب، هذا وطنها، هي فأرة واسم هذه القرية الفأرة".. لا أتذكر ربما ضحكنا عندها وعاودنا الصمت لنتابع أخبار القصف، وقد أصبحنا نشرب كؤوسنا دفعة واحدة مثله، وأصبح سمعنا أقل وضوحاً ونطقنا أكثر صعوبة. سأل سلطان عن معنى كلمة (تحالف) التي تتردد كثيراً في الأخبار، وراح الأستاذ يفسر له ويتحدث عن تحالفات الحروب العالمية والخروف الأسود والخروف الأبيض والرجل المريض، وقال سلطان:" لم أفهم".
صمت الأستاذ قليلاً ثم نهض ووقف تحت الفانوس، أنزل سرواله، أخرج عضوه، حركه بيده حتى تمدد وانعكس ظله على الجدار المقابل للفانوس بحجم مدفع وقال:" تعالوا هنا وافعلوا ما فعلت". فنهضنا وخلعنا سراويلنا وحركنا أعضاءنا، فقال:" اقتربوا" فاقتربنا حتى تقاربت أعضاؤنا فجمعها في قبضته وقال لسلطان:" أتُرى لو أدخلنا هذه الأشياء مجتمعة في أستك.. في خمستك، ألا تشققها؟". قال سلطان:" بلا". فقال الأستاذ:" هذا هو التحالف.. ارفعوا سراويلكم". وما أن أكملنا ربط سراويلنا حتى سمعنا وقع خطوات تدنو من الباب، فسكتنا ورحنا نتطلع إلى بعضنا وإلى الباب بتوجس وانتظار إلى أن أطل علينا رأس جحش صغير، ناصباً أذنيه، فعلق الأستاذ:" ربما يريد أن يشترك في التحالف أيضاً" فضحكنا وأضفت:" أو يريد أن يسكر". قال موسى:" هاه.. صحيح لا بد أنه عطشان". وقفنا قليلاً ننظر إلى الجحش والجحش ينظر إلينا حتى أشار لنا الأستاذ أن نحمل صندوقاً مليئاً بالزجاجات المليئة ففعلنا وتبعناه إلى البئر، وهو يحمل المذياع بعد أن وضع مؤشره على محطة تبث أغنيات أجنبية راقصة. رفعنا الدلو، فككنا عنه الحبل ثم رحنا نفتح الزجاجات ونسكبها فيه بمرح حتى أوشك على الامتلاء، فقربناه إلى الجحش الذي أنزل بوزه فيه، تشممه ولم يشرب، رفع هامته وظل واقفاً في مكانه ينظر إلينا. نهضنا إليه وأمسكناه بقوة حتى غطسنا منخريه في الخمر فكَرع وانتفض واهتاج ثم سكن، فيما جلسنا نحن على حافة جابية الماء حيث رائحة صوف الأغنام والأرض المغطاة بالبعرور؟ كان القمر يمرق بين الغويمات، يسطع ويختفي وبغداد بعيدة عنا لكنها أقرب الصور في رؤوسنا.
الجحش واقف في مكانه بعد أن أدار رأسه عنا وراح يحدق في المدرسة التي تبعد عنه عشرة أمتار تقريباً، وفجأة انطلق راكضاً صوبها بكل قوته حتى نطح الجدار برأسه وارتد ساقطاً على مؤخرته فانفجرنا بالضحك عليه وصفقنا له. نهض بهدوء وعاد ليقف في مكانه السابق، وقفته السابقة؛ محدقاً في المدرسة للحظات رفع الأستاذ خلالها صوت الأغنيات الأجنبية. انطلق الجحش مرة أخرى بسرعة: طُربك.. طُربك.. طُربك.. طراااااخ؛ نطحَ الجدار بقوة وارتد ساقطاً على الأرض فصفقنا له ونحن نضحك ملء أفواهنا حتى سقطنا على الأرض ممسكين ببطوننا ونتدحرج على الحصى والتراب والبعرور. نهض الجحش مرة أخرى وعاد إلى مكان وقوفه فنهضنا نرقص مع إيقاع الأغاني، نترنح والجحش يعاود انقضاضاته على الجدار مرة بعد مرة. جدار (الإدارة) انفطر ونحن بلنا في سراويلنا من شدة الضحك، نسقط وننهض. الجحش يحدق، يركض، ينطح، يسقط، ينهض ويعاود.. هكذا حتى همد في مكانه لا يستطيع الحراك، فحملنا المذياع والدلو نطوف به على حمير القرية واحداً واحداً، نسقيه عنوة ثم نفك حبله ونطلقه، حتى أطلقناها كلها سكرانة، تركض: طُربك.. طُربك..طُربك.. تنطح الجدران: طراااخ، والكلاب تنبح خلفها: طُربك.. عو.. عو عو طُربك، حتى استيقظت القرية كلها عند الفجر وهي تطارد حميرها وكلابها وتضحك: طُربك عو هاه هاه هاه.. طُربك طُربك.. عو عوووو.. خا خا خا.. طُربك عوو وخا خا.. طراااااااخ خ خ.
---------------------------------------
*من كتاب (ليالي القصف السعيدة).

ليست هناك تعليقات: