الجمعة، 6 مارس، 2009

قراءة / د.مقداد رحيم


د.مقداد رحيم

السعادة في " ليالي القصف السعيدة "

الدكتور مقداد رحيم

شابٌّ في جلباب فيلسوف...فيلسوف زاهد قليلاً في الحياة، طمّاعٌ كثيراً في المعرفة والعطاء. هكذا تراءى لي وأنا ألتقيه لأوّل مرة في يومٍ من أيام صيف العاصمة الإسبانية مدريد في العام 2001... ذلك الشاب الأسمر النحيف محسن الرملي.
وقد صدقَ ترائيه لي كما صدقَ هو في فنّه القصصي، إذ بدا وهو يبسّط موضوعات قصصه ويبسّط أحداثها ومجرياتها، حتى يبدو أحياناً وكأنه يبسّط أبطاله أنفسهم، لأنهم، كما يبدو، قريبون منه وكأنهم جزء منه، بل هو واحد منهم، أتراهُ يؤسّس لهذه الفلسفة، أعني فلسفة التبسيط؟.
إن محسن الرملي عاشَ في ظروف ثرة بالعطاء لفنّانٍ أو كاتب مثله، وهو أمر سهَّل عليه التقاط مأساته من جوف هذه الظروف ليُضفي عليها لمساته وتلويناته الخاصة به كقاص، ويهبها لمعانها الخاص، ومن هنا جاء صدقُه الفنّي في التعبير عن موضوعاته، وابتعاده عن الافتعال، دون أن يبعده ذلك عن أنْ يُضيف من عندياته ما للفنّ القصصي من مستلزمات في الحبكة والحوار وإدارة الأحداث واستجلائها واستبطان الشخوص واستكمال شروط القصّ، ثم أسلوبه هو.
وموضوعات الرملي تتراوح بين بيئتين أساسيتين هما القرية والمدينة، وقد عاشهما جميعاً بعمق، بل عشقهما. ولولا ذاك العشق ما رأيناه يتعلَّق بكل أسباب قريته التي عاش فيها، وما رأيناهُ يتعمَّق في توصيف كل ما فيها، ولولاه ما بقي يدور حولها وما رأيناها تلاحقه من قصة إلى أخرى ومن مجموعة قصصية إلى أخرى.. إنها مدينة كركوك العراقية وقرية قربها أو تتبعها من الناحية الجغرافية. وليس في ذلك من بأسٍ ما دام في هذه المدينة كل هذا الثراء، وما دامت المدينة مدينته، وحسناً يفعل فهو أدرى بشعابها، ولكن أليست هي رغبة الرملي في أن يكون قاص كركوك الأول؟ أفليست هي رغبته في أن يؤسّس لاتجاه المدن في الفن القصصي، فيكون رائده وأستاذه؟، وأنا هنا لا أعني انتماءه إلى كركوك بوصفه قاصّاً، وإنما جَعْـلَه إيّاها وكْدَهُ وموضوعه الأول.
وإذا كان لابد من الإشارة إلى نموذج يؤكّد هذا الاتجاه لدى القاص فيكفي أن أُشير إلى قصته القصيرة "القصف ودار العدالة المائلة" على سبيل المثال لا الحصر، إذْ يجد القارئ صورة كركوك بكثير من شواهدها ورموزها ماثلة أمام عينيه: "دار العدالة" بمبناها القديم المائل، و"الصوب الكبير" و"القلعة القديمة" و"سوق القيصرية" و"المصلَّى" و"لهيب النار الأزلية" و"الجسر الرابع" و "جسر النصر" أو "جسر الولادة" و"مستشفى الولادة" و"الصوب الصغير" و"منطقة قوريا" و"جسر الشهداء" و"نهر الخاصّة" و"شارع الأوقاف" و"سينما العلمين" و"محل باتا للأحذية" و"سوق أحمد أغا"، أما بقية ملامح كركوك فيوزعها الرملي على جملةٍ مِن قصصه الأخرى، سواء أكان ذلك في القرية أم في المدينة.
وفيما عدا هاتين البيئتين تسيطر على هذا الشاب الفيلسوف ثيمة الحرب وقد عاشها في الصميم، ولذلك استطاع أن يُلمَّ بالقدرة على توصيفها ببساطةٍ هي أيضاً، ومن هنا تأسست لديه ملامح مجموعته القصصية الجديدة "ليالي القصف السعيدة" التي ضمت ستَّ قصص قصيرة فقط، وصدرتْ عن دار سنابل للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية هذا العام2003.
كيف يرى القاصُّ الحربَ؟، كيف يراها وقد هرب منها؟. لابدَّ من أنه رفضَ الحربَ وأهدافها ونتائجها مهما كانتْ رفضاً تاماً، أفليسَ في قصصه ما يُعزِّزُ ذلك؟ بلى، فأنتَ إذا قرأتَ قصته "القصف في غرفة أُمي"، أحسستَ بشكلٍ غير مباشرٍ بإشارات القاصّ إلى بؤس القرية التي يعيشُ فيها البطل مع أنها في بلدٍ غارق في الغنى مثل العراق، ولا أدلَّ على ذلك من عدم دخول البث التلفزيوني إلى القرية إلاّ "منذ أعوام حين أهدتْهُ الحكومة إلى الفلاّحين كي يواكبوا تعبئتها لسنوات الحرب مع إيران"، فأين كانتْ الحكومة من هذا الجهاز العظيم قبل الحرب، وقد غزا الإنترنيت آفاق العالم؟، ثم وصْف البطل لغرفة أمه وهي الجدّة الآن، وليس فيها من تقنيات ما يزيد على ما كانت عليه أيام زواجها، وللقارئ أن يتأمَّل، أفليس البناء خيراً من الحرب ـ الهدم؟.
أما في قصته "ليلة قصف ضاحكة"، فحسبهُ أنه يستهزئ بالحرب منذ العنوان، فأي ضحكٍ هذا الذي يُوحي به القصف...هذا الشيء الكارثيّ في تاريخ الحروب وفي حياة الشعوب، أما بطله فهو هاربٌ من الجيش زمن الحرب يتحدثُ عن نفسه بلغة الأنا وعن ابن عمه "سُلطان"، وكلاهما لم يذوقا خمراً أو جَعَةً من قبلُ، ولكنهما، ومع ذلك، يشربان حتى الثمالة، ولم يكن ذلك إلاّ تعبيراً عن رفضهما للحرب. وهما حين يجتمعان بمدير مدرسة الطين التي بناها أهل القرية التي "تعيش على بئر مالح يلف جوفه الطابوق وتسبحُ في قاعه ثعابين ملونة جميلة، لدغها عض خفيف كقرص أنامل الأم لخد طفلها، وإنْ لدغتْ لا تقتل، لا سُمَّ فيها ولا خير فيها أكثر من دقائق يلعب بها الصبية المتحلقون حول البئر"، كما يصف القاص، فإنما يلتقون برجلٍ يهتمُّ بأخبار الحرب ويهرب منها معهم حتّى الثمالة التي لم تنجُ منها حمير القرية جميعاً، إذ سعى هؤلاء الثلاثة إلى سقيهم الخمر ليرسموا من خلال ذلك مشهداً يجعلهم يبولون في سراويلهم من شدّة الضحك.
وإذا كان الضحك مرادفاً للسعادة، فإنه في قصص الرملي هذه ليس إلاّ تعبيراً عن شرّ البليّة الذي يُضحك من شدّة الأسى بدلاً من البكاء، وهذا هو الذي أراده القاصّ من العنوان الذي جعله غطاءً لهذه المجموعة. إنّ الإحساس بالأسى هنا هو إحساس مُضاعَف، بمعنى أنّ القاص يأسى لنتائج الحرب الفظيعة، ويأسى لأن هذه الحرب ما كان ينبغي أنْ تكون وهو بالتالي لم يؤمن بكينونتها، وهو بذلك ينضمّ إلى الأدباء الرافضين للحرب ليقفوا إزاء الأدباء الذين شكلوا صوتاً دعائياً لها في ظلّ الحاكم الجائر في العراق الذي صبغ الأدب العراقي على اختلاف فنونه بلون الدم، ووقع كثير من الأدباء تحت طائلته وسُلطانه.
ومن القرية ينتقل القاصّ إلى المدينة ليُدقق في ملمحٍ آخر من ملامح الحرب، حيث مبنى دار العدالة وإجراءات هذه الدار إزاء الشهداء والمفقودين في الحرب وعائلاتهم، وما تفعله أم سلمان بطلة القصّة من أجل ذلك، ولن يكون السياق، طبعاً، إيجابياً، فالخراب واسع الأنحاء متشعّب الاتجاهات. وقد اتخذَ القاص من ميل مبنى هذه الدار ثم تصدعها وسقوطها من خلال القصف معادلاً موضوعياً لذلك الخراب... لتصدع العدالة ذاتها وسقوطها.
ولم يكن رفض القاصّ للحرب مقتصراً على كونها حرباً يقف بلدُه العراق طرفاً فيها، بل لكونها حرباً وحسب، فقصته "حياة محكومة بالقصف المؤبّد" تدور أحداثها في أفغانستان خلال حرب أمريكا ضدّها، ويموت أبطالها جميعاً بسبب ذعر القوات الأمريكية من التماع ورق الحلوى الملوَّن خلال عُرس شعبي يُطلق فيه المحتفلون النار، وقصفها مكان العرس بكل ما فيه ومَن فيه. وفي قصته "أنا وأنت والناقة مسعودة في عاصفة الصحراء" يؤكّد القاص على أن الحرب لم ترحم حتّى الحيوانات الأليفة، إذْ يطالها قصف الأعداء ويؤدّي بها إلى الهلاك.... أيضاً.
ويستمرئ الرمليُّ القصَّ بأسلوب الأنا، على الرغم من تحذير النقاد، القدماء منهم خاصةً، من الإكثار من هذا الأسلوب، ولكنه لا يستبعد أسلوب الراوي العليم، وفي قصص مجموعته الأخيرة الستّ أربعٌ تنتمي إلى أسلوب الأنا، وقد سلمت قصتا "القصف ودار العدالة المائلة" و"حياة محكومة بالقصف المؤبد" من هذا الأسلوب، وما ذاك إلاّ لأنَّ القاص لم يستطع أنْ يجعل من نفسه بطلاً مُسهماً في الأحداث في هاتين القصتين، بسبب حرصه على أن يكون صادقاً، وقد أشرنا من قبلُ إلى قضية الصدق عنده.
كما أشرنا كذلك إلى قضية التبسيط في موضوعاته وما يتعلق بها من شخوص وأحداث، وقد بدا لنا في هذه المجموعة وكأنه يحاول أن يوسّع من رقعة التبسيط لتشمل تقنية السرد والحوار فيخلط بينهما خلطاً تضيع معه ملامح الحوار بوصفه شكلاً من أشكال القصة الحديثة، فتأخذ قصصه شكل المقالات. ماذا أراد أن يقول القاص محسن الرملي من خلال ذلك؟ هل أراد التجديد أم الرجوع إلى فنّ المقامة؟.
وقد وهبت الغربة وما فيها من الحريات المتاحة، وغياب الرقابة الرسمية المقيتة للرملي الكثير ليقوله دون حرجٍ ولا مبالاة في قَصّه، أو لنقلْ هو قد أحسن استغلال ذلك كما لم يُحسنه كثيرون غيره، ولذلك ولسواه حديثٌ آخر في متّسع من الكتابة آخر، فاسترسل يؤسس لما قلناه في حقّه.
إن محسن الرملي، كما يبدو لي، مازال يؤسّس، فلنرَ.
-------------------------------------------------
*نشرت في مجلة (أدب ونقد) السنة 21/العدد 224 أبريل-نيسان 2004م القاهرة.
وفي عدة مواقع ثقافية أخرى، منها (آبسو) و موقع الدكتور مقداد رحيم.

ليست هناك تعليقات: