الجمعة، 6 مارس، 2009

نص / شيخوخة الدنيا

محسن الرملي

تاريخ القصف
(المجلد الثالث)

شيخوخة الدنيا

"شابت أركاني.. وما ضيمي إلا الساكِت"
كاظمية مطلك


أختي الصغيرة تحب أكل البيض المسلوق، فكنت أحرك لها بيضة اليوم في صحن الماء فوق المدفأة، لذا كانت تفكر بالبيضة وليس بالدنيا حين استفاقت وسألت: ألم تنضج الدنيا؟.
قلت: لا.. فلو أنها نضجت لكفت عن التقاصف.
ما كان ينبغي لنا أن نحشو رأسها النظيف بمقابر ذاكرة الأرض، لأن ارتكاب حمل ذاكرة ثقيلة يعجل بالشيخوخة. أنا أقرأ لها تاريخ الحروب الذي دلني عليه أبي، وهو المدمن على سماع أشرطة خطب الشيخ عبدالحميد كشك كان يقربها إليه ويحفظها أشعاره. فكرتُ أن أجلب لها كتباً أخرى عن حكايات السندباد، الأميرات النائمات، حوريات البحر، القراصنة العشاق.. ولكن تلك أيضاً تعج بالمبارزات، فلأجلب لها إذاً كتباً نافعة تعلمها الطبخ.. لكن الطبخ سيقودها إلى لحم الحيوانات المذبوحة.. سأفكر إذاً بكتب أخرى كتاريخ الحياكة أو تنسيق المزهريات.. شيء آخر يبعدها عن أسئلتها الواسعة لنا.. عن أسئلتنا لبعضنا ولأنفسنا:
.. ماذا سيحدث غداً؟ هل سيظل الحال على ما هو عليه.. حيث يستمر تواصل قصف أهل الأرض بعضهم لبعض، يتحالف بعضهم ضد بعض، ويسكت آخرون على ظلم بعض لبعض؟. لم نكتف بالطائرات كحاملات للقذائف وإنما أجبرناها على الانتحار أيضاً نطحاً لرؤوس ناطحات السحاب.. هل سيواصلون تطوير أسلحة القصف لتصبح أكثر دقة وأشمل تدميراً، فبعد الفأس والسكين والخنجر والسيف والهراوة والرمح والقوس والنشاب والمسدس والبندقية والمدفع والدبابة والراجمة.. قنابل أخرى ثقيلة وأخرى مشعة وأخرى نابالم حارقة وأخرى مزدوجة وأخرى عنقودية، فراغية، ذكية، نووية، هيدروجينية، كيميائية، جرثومية وأخرى.. لمن؟ لماذا؟ على ماذا؟.. هل سيتمكن رجل مجنون من شراء إحداها من سوق الأحد ليقذف بها جاره؟. هل سيصبح القصف أكثر (إنسانية) وأكثر خبثاً؟.. حيث القنابل المسيلة للدموع والأخرى المسيلة للضحك والأخرى المعبأة بالغائط وبرائحة عفونة لا تطاق فتُخرج أشد المقاتلين الأفغان من جحورهم الغائرة في الجبال. والقنبلة المنوّمة التي ستجعل جنود جيش الأعداء يشخرون لساعات نتمكن فيها من القبض عليهم والتصرف بعدها بمصيرهم على هوانا.. دون قتل.. والقنبلة الألكترونية التي تعطل كل شيء.. بما في ذلك ساعة الحائط وساعة اليد التي جاءتك هدية في عيد ميلادك.. حروب نظيفة بلا جثث على الشاشة أثناء متابعتنا لها ونحن نتناول طعامنا.. هكذا بحيث تتحول الحروب إلى ألعاب سحرية غير مفهومة مثلما ابتدأت.. ماذا إذاً؟.. هل سيستمر القصف أم يتوقف؟. هل ستأتيك المتفجرات عبر أسلاك الهاتف والكهرباء وفايروسات الإنترنيت؟.
ربما قالت أختي: كفانا جَلداً لأمنا الأرض وتثقيباً لها بالصواريخ.. أشهد بأن القصف فعل جبان.. أما إذا كان حاجة، فكم من حاجة قضيناها بتركها!.. هل سيستمر السكوت على ارتكابات القصف أم ستتم مواجهته بقصف من الاحتجاجات الإنسانية؟.
ما كان لي أن أجيبها بما أعتقده فعلاً: لا يا أختي لن يتوقف القصف أبداً مادام ثمة أكثر من آدمي واحد على الأرض، فحين كانا أخوين فقط قتل أحدهما الآخر.. وسوف يستمر ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. سيقصف الإنسان غيره دائماً مادامت لديه هناك رغبات.. الإنسان يريد دائماً وكلما ازداد عدد الأشياء التي يريدها كلما ازدادت شراسته وقلَّت سعادته، المشكلة هي دائماً في أنه يريد ويريد ويريد المزيد..
قالت: هذا ما يقوله أبي أيضاً وعلمني أبيات شعر جديدة، هل أقرأها لك؟.
قلت: لا.. كلي بيضتك، ها هي قد نضجت.
فقالت: دعها تبرد. ثم وقفت مستقيمة كأنها في ساحة المدرسة وراحت تردد ما لا أظن بأنها تفهمه:
صغيرٌ يطلب الكبرا وشيخٌ ود لو صغرا
وخالٍ يشتهي عملاً وذو عمل به ضجرا
ورب المال في تعب وفي تعب من افتقرا
فهل حاروا مع الأقدار أم هم حيروا القدرا
ماذا فعلت بنا أيها الحاج ملا مطلك؟ تحشو رؤوسنا بتاريخ الحروب وقصائد الأديان وتحملنا اشكاليات بني آدم الوجودية، ولا تكف عن ترديد عبارتك الدائمة على مسامعنا كأغنية:"كل مصائب الدنيا من تحت رأس الإنكليز".. حتى كانت هي آخر ما لفظت مع أنفاسك الأخيرة.
قلت لها: لا يعجبني هذا النوع من الشعر، اسمعي ما يقوله رجل طيب من بلاد بعيدة اسمه رسول حمزاتوف:
إن الحمير نفسها
لو حاولت قراءة الكتب
لما استطاع أحد أن يقول عنها
بهكذا بساطة: حميراً.
ليكن الخبز رخيصاً على الأرض
ولتكن الحياة الإنسانية أغلى.
فكلي بيضتك أيتها الغالية. وسأجلب لك كتباً أخرى مختلفة عن كل التي في بيتنا.
قالت: قشرها لي إذاً.. إنها ساخنة.
سمعنا طرقات على الباب، وصوت الطارق يقول: أنا عزيز افتح الباب، هذه رسالة لك من أوربا. قلت لها: افتحي له. فركضت ورفعها عزيز إلى صدره، قبلها، وكالعادة قال لها مداعباً: هاي.. كيفك يا مجنونة؟. وأجابته: أنت المجنون. عزيز جارنا الذي يستمد حياته من النظريات والأحلام واقتراح المشاريع الكبيرة التي ينساها في اليوم التالي. كان شيوعاً والآن يقول علينا أن نستفيد من أخطاء الماضي، أن نبدأ من حيث انتهينا، لقد أهملنا الإنسان الفرد.. لقد كان ذلك خطأً. تقلب عزيز بين الإسلاميين والقوميين والهيبيين والديمقراطيين والخضر و..
كففت عن تقشير البيضة ورحت أقشر الرسالة التي جاءت من صديقي المنفي في أوربا، فوجدتها معبأة بالخوف لأنه صار يرى كل ما في هذه الدنيا مخيفاً لذا يقول: لقد تجاوزت الأربعين، أنهيت رسالة الدكتوراه، وماذا بعد؟ فأنا لا أجد عملاً.. بحكم البطالة وكبر سني.. أمضيت حياتي أعد نفسي للحياة؛ دراسة وأوراق رسمية وتعلم لغات وقراءة كتب.. ها هي حياتي تتسرب من بين أصابعي بعد أن أكملت استعدادي لها.. أنا خائف من الغد.. أنا خائف من الخوف.. أنا خائف على ابني أيضاً لقد بلغ الرابعة من عمره الآن، وعلى الرغم من أنه ولد هنا فإن أصحابه في المدرسة يقولون له: أنت أجنبي.. عُد إلى بلدك. يُفضل مثلهم ألعاب الحرب الألكترونية وأفلام العنف.. كلما نظرت إليه ينقبض قلبي وأنا أسأل نفسي: ماذا عن مستقبله؟. فأشعر بأن شيخ المعرة كان على حق في أنه لم يجنِ على أحد. إلى أين يتجه هذا العالم؟. أمضيت حياتي خائفاً من كل شيء؛ من أبي وأمي والمعلم والمدير والفشل والشرطي والحرامي والحكومة والجوع والحروب والموت.. هربت من بلدي كي أبتعد عن الخوف، لكني أخاف هنا من أنانية الآخرين، من عنصريتهم، من أفلام الرعب والمخدرات وطغيان السوق وأزمة الوقت وصخب المراقص ونظرات العابرين.. فلماذا أنجبته؟.. لا تنجب يا صديقي أبداً.
ليست مشكلتي في أن أنجب أو لا.. أنا الآن خائف على أختي وهي تقول: البيضة مازالت ساخنة فافتحها للهواء. لكن جارنا عزيز يقول أن عالم غير هذا ممكن. عزيز يحب الاشتراك في المظاهرات، الاحتجاج ضد أي شيء.. فالمهم عنده هو عدم السكوت. لأن السكوت عجز، كما يقول. إنه مهووس بما يسميه النضال. حدثني قبل أيام عن ضرورة الانضمام إلى حركات وجمعيات إنسانية تعرف عليها مؤخراً. لم يكن خائفاً مثلنا بل مفعماً بالحماسة والثقة والأمل. أم أن هذا مجرد ستارة من وهم؟. قال: أريد قهوة. ثم راح يقصفنا بحديثه: السلاح انتهى فقد تم استخدامه على مدى قرون طويلة ولم يوصل إلى نتيجة..لقد فشل في أن يحل مشاكلنا. إذن يجب البحث عن أسلوب آخر ألا وهو الحوار وتبادل الاحترام. وعلينا الفصل بين التاريخ الذي لم يكن في خدمة الإنسان، أي العنيف. والتاريخ الآخر الذي خدمت عناصره الإنسانية. ففي كل ثقافة ثمة ما هو إنساني على مدى تاريخها، قد جاء على مراحل، ولكن الإنسانية كانت عمياء. بالمناسبة سأتزوج بعد شهر بامرأة عمياء على الرغم من اعتراض أمي. أريد القهوة بلا سُكر. عندما لا يعترض الذكاء ولا يتظاهر تضعف الدعوات إلى الإنسانية وتتراجع. علينا أن نبتعد عمن هم ضد الإنسانية، أي نترك بيننا وبينهم مسافة، ولكننا يجب ألا نفكر باستخدام السلاح أبداً في مواجهتهم.. أي نفصل بين من هم إنسانيين وغير إنسانيين.. لا تتواجه مع قوة كبيرة وإنما عليك بالصبر حتى تضعف وبعدها نقيم علاقة معها مبتدئين بالحوار. الشرطة مثلاً أو أمريكا هي الآن القوة ولكنها ستضعف مثل قوى أخرى كثيرة في التاريخ. الطبيعة؟.. هي بيت الإنسان ويجب أن يكون هناك انسجام مع الطبيعة أي لا يأخذ الإنسان منها أكثر من حاجته وهذا ليس لأجل الطبيعة ذاتها وإنما لأجل الإنسان نفسه، لأنها بيته، أي يجب أن تعاملها كما تعامل بيتك.. ويبقى الإنسان أهم من الطبيعة. نحترم اعتقاد الآخر بعمق ونميز بين ما يتوافق والدعوة الإنسانية في اعتقاده ونشخص ما يتعارض معها. عندما نتحدث عن المجتمع نتحدث عن المظاهر التي تدعم الإنساني فيه. فمثلاً إننا نحترم من يعتقد بالله ونعتبر قوله هو اعتقاده، علينا احترام ذلك، وكذلك نحترم الذي لا يعترف بالله لأن كل شخص هو مسؤول عن اعتقاده.. إذاً فالذي يهمنا في ذلك هي العناصر الإنسانية.
صنعت لعزيز قهوته، وضعتها أمامه على الطاولة وهو يدخن ويتحدث بشراهة كعادته: الفرق هو أن الإنسان ينفعل على العكس من الأشياء الجامدة. والعالم عالمين: الطبيعة والعالم الإنساني. من العالم الطبيعي تخرج الحيوانات والنباتات والأحجار والأشياء، والإنساني يمتلك عناصر إنسانية مثل: اللغة، الانفعال، القيم الأخلاقية وطبيعة استخدامه للأشياء.. فهو يُصلح ويعالج العالم ونفسه. أهم العناصر هو الاحترام.. كيفية التعامل مع الآخر.. عليّ أن أنظر إلى نفسي كيف أريد أن يعاملني الآخرون فأعاملهم.
يبدو أن عزيز لا ينتظر مني أية مداخلة، وهو يسحب علبة سجائره من يد أختي دون أن يتوقف عن الكلام: هاتي العلبة. علينا أن نستخدم السؤال دائماً: ماذا تريد؟ وعند الجواب نسأل لماذا؟ ثم لماذا؟ ثم لماذا؟ حتى نلاحظ بأننا نصل إلى أفق أوسع.. إنه توسيع الصدر الإنساني.. الاستمرار بالسؤال عن الجواب حتى نصل في نهاية الأمر كنتيجة حتمية إلى أشياء إنسانية. وهذا الذي سيظهر خلف كل ذلك نسميه (الشعور الديني) يسمى كذلك لأنه شعور أولاً وديني لأنه يتعلق بالعمل الإنساني.. ميكانيكية العمق الإنساني.
عزيز لم يذق قهوته، يتكلم وحده، يناقض دعوته ولا يتركني أسأله.. أصاب رأسي بالصداع، ولكن جل ما يوحي لي به دائماً هو أنه؛ مازالت هناك إمكانية لاستمداد القوة والحياة من الأحلام الطوباوية.. كأنه سكران، لكنه متقد بالحياة:
لا تقل لي ما يَقله الله.. دع الله يقول ما يريد في القلب الإنساني. لا أحد يتكلم باسم أحد، ولا يقل أنا أمثل المجموعة الفلانية.. الفكرية.. وإنما هي إنسانية شاملة لا نريد لها أن تتحول إلى أحزاب وتجمعات.. لأن ذلك في النهاية يعتم على الحركة ويعيدها إلى الخطأ ذاته.. نريد بقاء عالمية وإنسانية الفكرة كما هي.. يجب الفهم بأن الأشياء في أصلها هي ليست ملكاً لأحد.. يجب تغيير وجهة النظر إلى الملكية الخاصة، فمثلاً إذا كنت تحتاج إلى بيت واحد للعيش، فلماذا تمتلك أكثر من بيت؟ تحتاج إلى كأس ماء واحد فلماذا تحجز عشرة؟ إلى سرير واحد فلماذا تحتكر سبعة؟.
كان كمن يهذي، كمن يردد أقوال أصوات يسمعها في أذنيه وحده، كمن يحفظ مقاطع من خطابات طويلة، كمن يتدرب على الخطابة برأسي، كمن يريد الهروب من أشياء يخفيها، كمن يحاول ملء الصمت بأي صوت، كمن.. لم يمسس قهوته وظل يدخن، يسأل ويجيب:
الفلكلور؟.. كل إنسان يميل للتحزب أو الانفعال بشيء ما، اعتقاد أو تراث، ولكن الذي يهمنا من كل ذلك ـ ونحن نحترمه ـ هو نقطة علاقته بالإنسان والإنسانية. ودائماً علينا استخدام الحوار والمحادثة والسؤال المنطقي (كان عزيز يتحدث وحده ولا ينتظر مني محاورة أو يسألني عن رأيي).. يجب أنسنة الأشياء والفن والنتاج الآدمي، يجب النظر إليها بإعادتها وتقييمها حسب أهميتها للإنسان، لما يخدم الشعور والعناصر الإنسانية، العودة إلى إعادة النتاج وقياسه وفق خدمته للإنسان.. نقول إن الإنسان الآن يرى الأشياء معكوسة والتوجه الإنساني الذي ندعو إليه ونناضل من أجله هو أشبه بنظارات يضعها ليرى الأشياء كما هي. أوقد عزيز سيجارة أخرى دون أن ينتبه إلى السابقة بين إصبعيه.

الغالبية من الناس هم إنسانييون، لأنهم جميعاً في الأصل كذلك، ولكن يجب إعادة التذكير الدائم بالعناصر الإنسانية. والإنسان الفرد نفسه عليه، دائماً، أن يهدأ ويراجع ذاته، يترك تفاصيل الحياة اليومية قليلاً كي يقوم بمراجعة الذات، ودائماً وفق استحضار المشاعر الإنسانية الجيدة والتفكير فيها والتخطيط لفعلها حتى يتعود عليها. يخدم الأمر كذلك في تقوية وتطوير هذه العناصر الاجتماعية الأسبوعية مع أناس يحاولون تقوية المشاعر الإنسانية في أنفسهم حتى نصل إلى الشخصية الإنسانية.. على الإنسان أن يقرر ما يريده ووفق المشاعر الإنسانية ومتى؟.
ظل عزيز يمطرنا بانثيالاته، بمنطقه المفكك الصادق، باشتعالاته. يشعل سيجارة من عقب أخرى ولا يتوقف عن الحديث، زارعاً كلمة إنسان أو إنسانية بين كل العبارت. إنه يبدد ما كنا عليه من حذر في الكلام ويحول الأمر إلى احتفالية صاخبة بالكلمات:
علينا العناية بما تعتقده الناس بعمق. دائماً ثمة حوار حتى مع الإنسان الفرد حول ما هو عام وشامل إنساني. ومحاولة التأثير عليه حول أهمية علاقته برأي الآخر وبعدها..ماذا؟.. الاقتصاد؟ العلاقات الاقتصادية تقسم إلى قسمين: صاحب المال والعامل. نقول إنهم شركاء.. يعني الغني يعتني بماله لمستقبله والعامل يعمل من أجل مستقبله، هم شركاء ولكن الذي يحدث واقعاً أن صاحب المال يأمر ويحاول استغلال حياة الآخر. على الناس أن تعمل لتؤمن حاجياتها ولكن عن طريق العمل، لا عن طريق استغلال عمل الآخرين..
وما أن سمعت أختي بكلمة عمل حتى رددت مما حفظها إياه أبي نقلاً عن أشرطة كشك:
يا مَن بدنياه اشتغل وغَـرّه طـول الأمل
الموت يأتي بغـتةً والقبر صندوق العمل
قال عزيز: ماذا تقول هذه المجنونة؟. قالت هي: أنت المجنون. وقلت أنا: هذا ما جناه عليها أبي ولم تجنِ على أحد. اشرب قهوتك، لكنه لم يفعل وكان متقداً باسترساله:
طبعاً، فالذي لا يفهم من نظرة فلن يفهم شروحات طويلة. إننا لا نقول بتخزين المال وإنما بتأمين الحاجات. فما أفقر الشخص الذي لا يملك سوى المال. الغني ليس غنياً لأنه عمل ذلك. صاحب المال لم يصبح غنياً إلا بعمل الآخرين، إذاً صاحب المال الحقيقي بشكل عام هو الإنسان وليس هذا الشخص المحتكِر؛ باختصار الذي يجلب الغنى هو الإنسان وليس المال. يجب المراهنة على الإنسان دائماً وعلى مطاولته وخلوده.. يجب ألا نسكت لأن السكوت عجز.. البير كامو يقول: لنفرض أن عدداً من الأفراد قد عقدوا العزم على أن يضعوا إزاء القوة: القدوة الصالحة، وإزاء السلطة: الحث والنصح. وإزاء الإهانة: المنطق المسالم، وإزاء الخديعة: النبل والشرف.. أناس كهؤلاء يكونون حينئذ ممهدي المستقبل.. أنا، مثلاً، سأتزوج بعد شهر من امرأة عمياء.. لمَ لا؟.. أليست هي إنسان مثل بقية الناس؟.. أليس..
قلت له: يا عزيز اشرب قهوتك لقد صارت باردة.
وقلت لها: يا أختي كلي بيضتك لقد صارت باردة.

----------------------------------------------
*أحد النصوص التي تضمنها كتاب (ليالي القصف السعيدة).

ليست هناك تعليقات: