الجمعة، 6 مارس، 2009

قراءة / عبدالرزاق الربيعي


ليالي (محسن الرملي) السعيدة:

تداعيات حياة محكومة بالقصف المؤبد

عبدالرزاق الربيعي



"ما من حركة.. أية حركة في هذا الكون، إلا شكل من أشكال القصف".
بهذه النتيجة يفتتح القاص والباحث العراقي محسن الرملي قصفه (اللغوي) في كتابه الجديد (ليالي القصف السعيدة) الذي صدر قبل أيام عن دار (سنابل) في القاهرة التي يشرف عليها الدكتور طلعت شاهين، وجرى توزيعه بالتزامن مع نشوب الحرب العدوانية الأميركية البريطانية ضد بلدنا العراق (حيث وصلت نسختي في مساء اليوم السابع من الحرب) لتكون بادرة جميلة من الدار لتعميق الحدث عن طريق البحث في تاريخ الشر الدولي على الأرض، لاسيما أن الكاتب الذي حازت روايته (الفتيت المبعثر) على جائزة اركنسا الأمريكية باعتبارها افضل عمل أدبي عربي مترجم إلى الإنكليزية عام 2002م، عايش حربين طاحنتين قبل خروجه من بغداد ليقيم في مدريد، وقد وضح دواعي إقدامه على وضع هذا الكتاب الذي جمع السرد بالتاريخ مع النص القرآني واللغوي والشعري والرسائل الشخصية والفنتازيا بقوله :" لقد هيمنت علي رؤية القصف تماما لكثرة ما قرأت وما سألت وما سمعت عنه ولكثرة ما فكرت به أخذت أفسر كل حركة على أنها من أشكال القصف " ويعطي محسن الرملي أمثلة على ذلك راسما لوحة شعرية يعكس من خلالها رهافته وحساسيته المفرطة التي اعتدنا على مداراتها ـ نحن أصدقاؤه ـ" سقوط النور على رأسي من مصباح السقف قصف، دخان سجائر الآخرين قصف، نبضات القلب، رنين الهاتف، هبوب الهواء، هسيس الحصى، هبوط الليل، هطول المطر، هلاك النجوم، هوس كرة القدم،.. هفهفة الثياب وهمس البنات قصف قصف قصف".. هذه الرهافة تذكرني ببيت لشاعر اسمه فرج مكسيم يقول فيه (وأنا من كثرة ما عانيت النار / يجرحني ضوء المصباح) فلكثرة ما حفر القصف في ذاكرة محسن الرملي من آبار تنز دما، و ذاكرة كل عراقي أياً كان حتى لو لم يدخل الجيش ! ـ فالقصف يطال المدنيين أيضا ـ مليئة بضجيج القصف الذي جاء إليهم من الأمريكان والإيرانيين والبريطانيين والعرب أيضا، وحتى الحكومة وإسرائيل ـ حدث مرة واحدة بقصفها المفاعل النووي العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية وكنت حينها في زيارة لمحمد سيف وناظم فالح وعدنان علوان في القسم الداخلي لمعهد الفنون الجميلة في الكاظمية ـ فالذي يعيش على أرض العراق حفنة من السنين، لا يبرأ من هكذا خدوشات وحفر وجروح وتأوهات، ويصبح من الطبيعي أن يذكره كل شيء صائت بفعل القصف، وهكذا صار كل صوت مرتفع يسمعه الكاتب يتحول إلى حالة فزع، لأنه يسحبه إلى ليالي القصف في العراق، ولكي يتخلص محسن مطلك من حالة الفزع هذه لكي لا يورثها لأولاده الذين سينشأون من نصف عراقي وآخر إسباني، تقصى مفردة القصف في القران الكريم، ولسان العرب لابن منظور,والمنجد في اللغة والإعلام وأساطير بلاد ما بين النهرين وموسوعة دار اسباسا الإسبانية وكتاب تاريخ القصف لسفن لندكفيست ـ وقد أمده بمعلومات تاريخية مهمة ـ ورواية شقيقه الشهيد حسن مطلك الشهيرة (دابادا ) ومذكرات كازانتزاكي وعدد من دواوين الشعراء الأسبان والعراقيين كعدنان الصائغ وفضل خلف جبر وسعد جاسم وعبد الهادي سعدون وصلاح حسن وعلي ناصر كنانه.. وأخيرا بعض مواقع الشبكة المعلومات العالمية.
يتألف الكتاب من كولاج سردي حمل اسم كتاب القصف وفيه يضع محسن مقدمة لانبثاق فكرة كتابه بعد عودته من مظاهرة اشترك فيها مع اكثر من عشرة آلاف شخص في مدريد وعودته إلى البيت ثم خروجه إلى المكتبة وعثوره على كتاب سفن لندكفيست (تاريخ القصف) وما ساقه من ذكريات تضج بها الذاكرة عن ليالي القصف فيعود إلى البيت ليشرع بجمع مادة الكتاب، يعقب هذه المقدمة بثلاثة عناوين لمقالات هي (طفولة الدنيا) وتحدث فيه عبر حوار مع شقيقته (كاظمية) عن نشوء الحضارات القديمة عبر تسلسل تاريخي، ويعتمد في (مراهقة الدنيا) على ما جاء في كتاب (تاريخ القصف) الصادر سنة 2001 "في الساعة الثامنة و51 دقيقة و17 ثانية من صباح يوم 6 أغسطس 1945 أسقطت الطائرة الأمريكية المسماة (فرح) أول قنبلة نووية في العالم على مدينة هيروشيما اليابانية فهمس طيارها حين رأى فوران الجحيم تحته:أوه..يا الهي ما هذا الذي فعلناه؟ لقد انسلخت جلود الوجوه وتدلت مثل مناديل مهلهلة حتى الصدور" ويرى أن أول قصف جوي بالطائرات كان سنة 1911 حين شن الإيطاليون هجوما جويا بالقنابل على منطقة الواحات القريبة من طرابلس الليبية، ويضيف لتاريخ القصف أحداثا لم يذكرها سفن لندكفيست في كتابه مثل قصف حمص وحماه ومعان والنجف وكربلاء وحلبجة وملجا العامرية في13 شباط 1991 سوق الفلوجة في 17 شباط من العام نفسه. وفي( شيخوخة الدنيا) يتساءل الكاتب: ماذا سيحدث غدا؟ هل سيظل الحال على ما هو عليه.. حيث يستمر تواصل قصف أهل الأرض بعضهم لبعض؟ ليختم الفصل بقصف لغوي تضمن تتبعا معجميا لمفردة القصف ونصوصا قرآنية وشعرية واشارات شخصية ومعلومات صحفية.
وإذا كان الكاتب قد فرش الفصل الأول ببساط نظري حول القصف فقد خصص الفصل الثاني لحالات إنسانية تقف بمواجهة القصف من خلال نصوص قصصية للكاتب يقوم فيها الواقع بتنشيط الخيال، ويقوم الخيال بتحريك الواقع، والقاسم المشترك الأعظم للقصص هو: القصف، ففي النص الأول (القصف في غرفة أمي) يصور محسن مطلك بلغته الساخرة، الواخزة، الطفولية، حالة العزلة التي تعيشها قرية تقع في شمال العراق بعد أن قصفت الاتصالات في بغداد عام 1991 وانقطاع التيار الكهربائي..
وفي (ليلة قصف ضاحكة) يواصل بث خطابه الساخر من خلال تتبع حياة مُدرس في قرية يستغل جهل الناس فيشرب الخمرة مدعيا بأنها دواء ولايتم كشفه إلا بعد القصف الذي جعل جنديين هاربين من الجيش يمضيان ليلة نواسيه في غرفة (الإدارة) المليئة بالزجاجات والكتب والتي انتهت بان جعلوا جحوش القرية تقاسمهم الشراب ليختم قصته بصرخات ضاحكة بشكل هستيري ملأت ليل القرية لتعلو على صوت القصف، ويرى في (القصف ودار العدالة) ويعني به المبنى المصبوغ بالأبيض لدار العدالة في مدينة كركوك المائل منذ تشييده، أقول يرى "بعد أن طالت الحرب لأعوام لم تعد الأبقار تذعر من القصف مقتلعة أوتادها ولا تنفر الحمير رافسة أصحابها، ولا تفر الكلاب بعيدا في الآفاق، ولا يبكي الأطفال لأنهم صاروا يطورون ألعابهم الحربية عبر المراقبة ويحلمون بالطيران ". وفي (القصف والمراحيض) يواصل نشيده الساخر عبر حكاية مهاجر عراقي يقيم في مدريد يبني علاقة فلسفية مع المراحيض رغم انه كان قبل دخوله الجيش يكره المكوث بها، لكن حادث قصف جرى له في جبهة القتال جعله يعيد النظر بعلاقته بالمراحيض، ففي إحدى ليالي القصف (السعيدة) كان يختبئ في موضع عند الخطوط الأمامية من جبهة الحرب، فأحس بضرورة الخروج من الموضع لقضاء حاجته فنصحه أصدقاؤه الجنود بعدم المخاطرة والخروج فأشاروا عليه بقضائها في الملجأ ثم رفعها بالمجرفة في الصباح فرفض اقتراحهم وخاطر بحياته وخرج، وقبل أن يقضي حاجته سقطت قذيفة على الموضع لتهدمه وتقضي على من فيه.
ويخصص قصته (حياة محكومة بالقصف المؤبد) ليوسع دائرة القصف فيلتقط حكاية أفغاني "ولد تحت القصف الإنكليزي وأحب فاطمة تحت القصف السوفيتي ومات معها في ليلة عرسهما تحت القصف الأمريكي".
ليختتم كتابه بحكاية الناقة مسعودة في عاصفة الصحراء التي سقطت قذيفة على ولدها(سعيد) لتنثر أشلاءه، فبقيت" جاثية أمام أوصال ولدها والدمع يجري من عينيها رافضة الطعام، وفي ليلة شديدة القصف لاحظ الراوي مسعودة " تزحف فوق مدفن سعيد لتغطيه ببطنها تصك أسنانها يشتد رغاؤها وتهدر بالشقشقة ".
إن الكتاب الذي زين غلافه الأول بلوحة ذات دلالة لملوية سامراء في مشهد مثير تشب فيه بمنارتها الحرائق للفنان خالد كاكي وحملت عنوان (حزن من رأى) ليقلب معادلة السرور إلى حزن، منطلقا من الهم العراقي، فيما أظهر الغلاف الأخير الكاتب وتبدو خلفه شجرة الجورنيكا التي قصفت خلال الحرب العالمية الثانية..
أقول:إن الكتاب تجربة ناضجة في صياغة نص رؤيوي مفتوح تتداخل فيه الأجناس الأدبية من سرد وشعر ونصوص دينية وأساطير وصولا إلى إنتاج أدب حداثوي يتوازى مع حالة وحشية اسمها: القصف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في جريدة (الزمان)/العدد 1473 بتاريخ 8/4/2003 لندن.
وضمن كتاب عبدالرزاق الربيعي (ما وراء النص.. قرءات في المشهد الإبداعي) الصادر عن مؤسسة شمس 2009 في القاهرة.
http://www.r-razaq.com/

ليست هناك تعليقات: