الأربعاء، 28 سبتمبر 2022

لوحة: رسالة حسن مطلك إلى محسن الرملي/ للفنان سيف مطر

 

هذه اللوحة الرائعة المليئة بالمعاني والدلالات، هي من أعمال

الفنان العراقي المبدع سيف مطر

 

الذي وضع لها عنوان: حسن مطلك: رسالتي الأخير إلى أخي محسن الرملي

*زيت على قماش 120x50سم

تم انجازها في سبتمبر 2022م الموصل

https://www.facebook.com/photo?fbid=5394539860665114&set=a.125717167547436 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا ما كتبه عنها، كقراءة لها، الأستاذ خالد مهيدي:

لستُ ناقداً تشكيلياً، ولكن كل ما يتعلق بـ حسن مطلك يثير فيّ شهوة التأمل والأسئلة، ذلك أن حسناً لا يمكن أن يكون عادياً أبداً، ليس لأنه ابن بيئتي، إنما لأنه تجربة مغايرة للنسق المألوف. فبعض عباراته تجعلني أرتجف دهشةً، لشدة إيغالها عميقاً فيما يمكن أن يصل إليه الحسّ والوعي الإنسانيان. تأمل معي مثلا عباراته (أحسّ بألم المسمار: المطرقة من طرف وصعوبة الاختراق من الطرف الآخر).
ولا شك أنّ ريشة المبدع سيف مطر تعبت، وهي تحاول أن تلمّ أشياء كثيرة وتضغطها في لوحة واحدة. أعرف التكثيف في النصوص، وهو أمر شاق، فكيف الحال مع الرسم؟! يا له من عمل شاق..!! عمل يبرهن على ما قاساه الرسام، فهو بحاجة لمعرفة عالم حسن مطلك من الداخل، ليجسده على ملامحه! هل تدرك معنى هذا وصعوبته؟! ويحتاج لمعرفة دهاليز (دابادا) الغامضة...

لاحظ معي وجه حسن وهو مكتظ بانفعالات مكبوتة، وبقعة الضوء على الجانب الأيسر من الوجه، وهي كل ما نعرفه عن حسن، فضلاً عن كونها الجزء الذي يتكئ عليه حسن ليعيش مع الواقع، ولكنها في النهاية لم تصمد، أمام حصار صفائح الخشب التي تحاصر حسناً من زوايا عدة، إنها وعيه الذي حاصره إلى أن قتله. فالواعي لا يمكن إلا أن يكون ثائرا، وفرص الثائرين قليلة في النجاة، لأنه (دا/ئماً با/ب المذبح دا/فئ)، دابادا الصرخة التي تشبه صرخة (ادفادرد مونك). دابادا النزيف الدائم لعيون كل من عرف من يكون حسن مطلك. فهل ترى نزيفها في عيني أخيه محسن الرملي؟ أنظر وسترى.

المسمار الذي كان يُحمّى على النار ويوضع في الماء ويحدث صوتاً (كششش) ليضحك على صوته السُّذج، ها هو يحمل (90) تاريخ وفاة من أراد انتشالهم.

في جعبتي الكثير لأقوله عن هذه اللوحة، ولكنه حقاً أمر متعب... فأي ريشة تلك التي اختزلت الكثير في لوحة واحدة؟!! لا أملك إلا أن أحيي سيفاً وأبارك له هذا الإبداع.

https://www.instagram.com/p/Ci8lxYmjXTx/?hl=es

محسن الرملي في صالون ضاد الثقافي

 لقاء: الرواية عند محسن الرملي

الحلقة 134 من حلقات صالون ضاد الثقافي / السعودية

ضيف الحلقة الدكتور محسن الرملي

حاوره الأستاذ وليد العميل

بتاريخ 21 سبتمبر 2022

رابط الحلقة على يوتيوب




محسن الرملي في نادي وسم الثقافي

 

أقام نادي وسم الثقافي، عبر تويتر

أمسية مباشرة مفتوحة مع محسن الرملي

 

بتاريخ 11 سبتمبر 2022

أدار الجلسة: تركي آل حارث/ السعودية

وقد نشر النادي قائمة من العناوين التي اقتبسها من حديث الرملي، هذه طائفة منها:

*كان يشغلني موضوع الحرية منذ الصِغر..

*تكون في البداية لا منتمي.. ترفض الواقع الاجتماعي والعائلي، ويحدث تمرد يقودك للتخلص منه ومحاولة اكتشاف الذات، ولكن بعد ذلك، تُدرك بأن هناك قيم جميلة أنت ظَلمتها بابتعادك، وأنك لم تُعطها فرصة لتفهما.

*ما حدث مع شخصية زكية (أم عبدالله كافكا) في رواية (حدائق الرئيس)، وقتلها بتأويلات غير مُحرّفة وغير حقيقة للدين، إضافة إلى قوة المتنفذين اجتماعياً..

*للأسف؛ إن أغلب أحداث أعمالي كانت قد حدثت في الواقع فعلاً.

*بانفتاحي واندماجي مع الشِعر، وباطلاعي على تجارب من مختلف أنحاء العالم، أصبح المقياس الشعري عندي مختلف وآخر.. وبشكل عام: أنا مع الحداثة.

*لو بقي حسن مطلك حيّاً لما كنتُ هكذا كما أنا عليه اليوم... تخيل أن يتركك أبوك أو معلمك وأنت في بداية الطريق، ولا يتركك فحسب، وإنما يترك إرث اشتغاله عليك. أتحدث الآن وصورته وكتبه أمامي.

*الرواية عندي ليست للتسلية. الروايات مآسي. التسلية تكمن في تكوين العمل الفني، لكن الرواية في الأصل عمل معرفي. الرواية كتاب، وأنا واصدقائي الإسبان هنا، حين نصدر رواية، نقول: أصدرتُ كتاباً.

*تحولي إلى الرواية، كان أيضاً بسبب حسن مطلك، فقد كنت أتبعه في كل تحولاته كنت أتحول معه من الرسم إلى المسرح إلى الشعر إلى القصة ثم إلى الرواية.. وغيرها، هذا عدا أن الشخص مع مرور العمر وكثرة التجارب والقراءات والمعارف يحتاج إلى مساحة أكبر للتعبير، وهذا ما توفره الرواية.

*من الطبيعي أن تكون أعمالنا العراقية حزينة ومأساوية... دعوا العراق يستقر وسأكتب لكم رواية مختلفة، بعيدة عن الآلام والمآسي، لكن الاستقرار قد يحتاج إلى خمسين عاماً تقريباً.

*نعم كانت كتابة رواية (حدائق الرئيس) وغيرها من أعمالي مشحونة بعاطفية، بينما (بنت دجلة) كانت محترفة، ولم تكن العاطفة ظاهرة فيها بشكل جلي، ربما لأن هناك محرر أجنبي، وهذا من طبيعته وطبيعة عمله، لذلك لا أميل إلى الاحترافية بشكل كبير. أنا مع العاطفة على ألا نجعلها تهيمن على كل شيء.

*مازلنا نفتقد إلى دور المحرر الأدبي في ميدان النشر العربي.

*من سلبيات الاحتراف هي تأثير السوق عليك، فتضطر لتخفيض سقف التجريب والمغامرات واللعب في اللغة.

*رواية (بنت دجلة) كانت التجربة الاحترافية الأولى بالنسبة لي، وهذه التجربة كشفت لي الهشاشة التي نعمل بها وكذلك قيود الاحترافية. هناك الكثير من التفاصيل في العقد المكوّن من ثلاثين صفحة، منها غرامة ربع مليون دولار إن لم أسلم الرواية في الوقت المحدد.

*عدا أن سبب كتابة (بنت دجلة) هو طلب الناشر الأجنبي، إلا أن كل شيء يستحق الكتابة.

*رسالة ختامية: يجب أن ننتصر للإنسان ولكل ما هو إنساني دائماً.

https://twitter.com/wasmalthaqafy/status/1569070190541029378

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

دردشة مع محسن الرملي / سقراط جاسم

 دردشة مع محسن الرملي

حاوره: سقراط جاسم / العراق

 

رابط الدردشة الصوتية في يوتيوب

https://www.youtube.com/watch?v=diOI-TKL5GI


السبت، 10 سبتمبر 2022

قراءة في رواية تمر الأصابع / علي كاظم داود

صراع الهوية في رواية تَمْر الأصابع 

علي كاظم داود

تبدأ رواية (تمر الأصابع) عندما يُعتقل مجموعة من الرجال، من عائلة واحدة، بسبب خلاف مع الحكومة، فيُسجنون ويُعذبون، ثم يتعرضون لعقاب من نوع مختلف. عندما تعيدهم إلى قريتهم قوة عسكرية، يقول الفتى سليم: «ترجل الشرطة والعساكر بأسلحتهم وانتشروا في الساحة، فيما راح أربعة منهم ينزلوننا حملًا من الأذرع والسيقان، وقبل أن يرموا بأحدنا على الأرض اقتربوا به إلى الضابط النقيب ليسحب من الجيب البطاقة الجديدة التي أصدروها له، مبدلين ألقابنا جميعًا من (المطلق) إلى (القشمر). وكلمة (القشمر) في العامية العراقية توحي بالاستخفاف والاستهانة والإهانة، وتسم من تُطلق عليه بالغفلة والغباء. وفي قواميس اللغة الفصحى التي قلبتها لاحقًا، تعني: القصير، الغليظ المجتمع بعضه على بعض. ثُم أُلقيتُ على الأرض فآلمني ظهري. قالت أمي أول صحوتي: كنا نستلمكم جثثًا مع الهوية، والرعب يخرسنا. قلت: وجدي؟ قالت: بخير، لم يضربوه كثيرًا، لكنهم حلقوا لحيته وشاربه ورأسه مثل الجميع»، صحيح أن كلام سليم هو استعراض لحدث دال على ممارسات الهيمنة بحقه وحق رجال عائلته، غير أنه في غضون سرده للحدث يبين كيف تغيرت هويات الأفراد المُهيمَن عليهم، بقرار من السلطة؛ عقابًا لهم. مشيرًا إلى المعنى الوضيع للتسمية الجديدة التي أطلقتها السلطة على العائلة، على سبيل التنكيل بهم، ناسبًا التفسير إلى نفسه، لأن الأمر يمسه شخصيًا، فهو لقبه الجديد الذي يجب عليه أن يعرف معناه جيدًا. كما ينقل أيضًا تحليل الموقف من وجهة نظر الأم، في إشارتها إلى الرعب الذي كان يتلبس الجميع في ذلك الوقت المرير.

يهاجر سليم إلى إسبانيا، فتتغير حياته كليًا، ويلتقي بأناس كثر، تتباين هوياتهم وطباعهم، ومنهم الفتاة الكوبية جارته في البناية التي يسكن فيها، الفتاة التي صارت صديقته لاحقًا، يقول: «نقف قليلًا كلما تقابلنا على السلم. نتشارك معًا بالشكوى من الدكتاتوريات الحاكمة في بلدينا...»، فالشخصية توجز وجهة نظرها في كل المشاكل التي يعاني منها العراقيون، بوصف السلطة بأنها دكتاتورية، أي إنها سلطة هيمنة جائرة، ومنها تنبع المعاناة وإليها تنتهي. على الرغم من ذلك يبدي سليم اعتزازًا بهويته العراقية: «ماذا أقول لهذه؟! وهل ستفهم إذا قلت لها إن أول قانون في الدنيا قد شرعه حمورابي العراقي في مسلته؟»، ويقارن بين مشكلات العراقي ومشكلات الآخرين، بحسب ما يصادفه في حواراته معهم، كتلك العجوز التي تسكن معه في البناية نفسها، فيحدث نفسه عنها: «كيف أُفهمها موت إخوتي وأبناء عمومتي وجدي وحبيبتي عالية وإخصاء أبي والحروب، وهي تحدثني باكية عن كلب؟!»، فالعراقي كائن محمَّل بأعباء الوطن الثقيلة، أينما حلَّ وارتحل، وهي جزء أصيل في تكوين خطاباته، ولا يمكنه إلقاءها وراء ظهره متى شاء.

يبقى عِرق الانتماء للعراق نابضًا في جسد سليم، رغم مرور السنين، يدعوه إلى جمع التذكارات منه، يقول: «أقص أية صورة عن العراق أجدها في الصحف. أعلقها على الجدران، لذا ازدحمت بها، على مدى عشرة أعوام، جدران غرفة النوم والصالة والممر والمطبخ. المؤسف أن الصحف لا تنشر إلا صورًا مأساوية عن العراق، كالأبنية المتهدمة والدبابات المحترقة وذباب الأسواق الشعبية، وصورًا لصور الدكتاتور في الشوارع والساحات وواجهات العمارات. أعلقها في كل مكان باستثناء البقعة التي أصلي فيها خلف باب الصالة». فالتغيير في هويته قد يحدث بطريقة عكسية، أي أن يحافظ على جذوره وارتباطاته بالوطن الأصل، ولا يتحول إلى هوية جديدة، كل ما حوله يُلح عليه ويدعوه إلى حملها والتخلي عن هويته الأولى. كما أنه يشير إلى تمسكه بمكون آخر من مكونات هويته، أي الدين، ومحافظته على الصلاة، في ذلك البلد الغربي. غير أنه يبدي أسفه لما يحدث في العراق، من جراء ممارسات الهيمنة، التي ينسبها إلى الدكتاتور، وهذه الصفة بالذات لها حمولات ثقافية وسياسية واضحة.

يُصرِّح سليم بتمسكه الشديد بانتمائه الأول، رغم كل شيء، داخل شقته، فيقول: «كنت مكتفيًا بعالمي هذا، حيث أُمارس هويتي الأولى، حنيني، شوقي إلى أحضان أمي وإخوتي، إلى زيارة قبر عالية، إلى السباحة في نهر دجلة...»، لكنه لا ينكر بهجته بالمكتسبات التي وفرها له العيش في إسبانيا، بلده ومسكنه الثاني، فيقول: «صار يعجبني العيش هنا وسط هذه الحرية وهذا السلام، لذا فأنا منهم، من هنا، حين أكون خارج شقتي، أهتم بما يهتمون به: مباريات كرة القدم، مصارعات الثيران، أخبار الفنانين، سهرات نهايات الأسابيع... لكنني من أهلي، من هناك، حين أعود إلى شقتي وحيدًا»، إذ يكون سليم مضطرًا أو منساقًا مع ضرورات الواقع لمجاراة الحياة حوله، وأن لا يكون شاذًا أو غريبًا عنها كليًا، فالاندماج والتكيف من ضرورات توفير معيشة هادئة وبلا منغصات كثيرة للإنسان. هو إذن من هنا ومن هناك معًا، تزدوج في داخله الهوية وتتصالح، لكي تستمر الحياة، فهنا الحرية والسلام وتحقيق الذات، وهناك الأصل والجذور.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=5305459272879198&set=a.204171533008023 

الخميس، 8 سبتمبر 2022

صورة الأب في رواية "تمْر الأصابع" لمحسن الرملي/د. جواد السراوي

 

صورة الأب ودلالاتها في رواية "تمْر الأصابع" لمحسن الرملي 

د. جواد السراوي

تقديم
تحفل روايات عديدة بتصوير الأب من حيث هو موضوعة سردية. ولعل هذا ما تجليه نصوص مغربية عديدة منها على سبيل التمثيل رواية الخبز الحافي لمحمد شكري ونصوص روائية أخرى. غير أنه من الملفت للانتباه أن نجد رواية تحتفي به من فاتحتها حتى نهايتها، إلى درجة القول إن شخصية الأب هي من تحرك خيوط السرد وتتحكم فيها. ضمن هذا السياق، سنحاول مقاربة رواية تمر الأصابع للروائي العراقي محسن الرملي، من خلال التركيز على صورة الأب الذي تجمعه صلات متشابكة ومعقدة مع وسطه الأسري من جهة، وبمحيطه الاجتماعي وببعض الأنساق من جهة أخرى.
تمر الأصابع هي الرواية الثانية لمحسن الرملي، وقد استطاعت أن تخلق تلقيها الخاص في النسق العربي والغربي على حد سواء. إذ تحفل هذه الرواية بموضوعات جديرة بالانتباه من مثل العلاقة بين الشرق والغرب، الحب، الهجرة، الحرية، الديكتاتورية، ولعل هذا ــــ في اعتقادنا ــــ ما جعلها محط اهتمام منذ صدورها باللغة الإسبانية في مدريد (2008) قبل أن تترجم إلى اللغة العربية (2009). ليتم ترشيح طبعتها العربية فيما بعد ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2010.


تمر الأصابع في سطور

تبدأ أحداث رواية تمر الأصابع لمحسن الرملي باصطحاب إستبرق إلى المدينة لتلقي العلاج بعد مرض ألم بها، وفي الطريق يتجرأ عليها شاب ويلمس مؤخرتها وهو ما حمل آل مطلق على جمع رجال القرية والهجوم على “تكريت” حيث نوح (مبنى المحافظة) الذي تم القبض عليه جراء محاولة غرزه الرصاصة في مؤخرة الشاب ثأرا لإستبرق. وبعد الاشتباكات بين الطرفين، تحكم الشرطة سيطرتها على القرية فتبدل ألقابهم، من "المطلق" إلى "القشمر" هذه التسمية الأخيرة التي توحي في العامية بالاستخفاف والاستهانة والإهانة بخلاف تسمية المطلق. يستغيث الجد مطلق بأصدقائه من القرى المجاورة، وبعد معرفة الحكومة بذلك تطلق صراح نوح بعد تعذيبه وهو ما تسبب في عدم إنجابه مذاك. يسافر نوح إلى إسبانيا(مدريد) يعقب ذلك سفر سليم الذي يصادف أباه هناك، وفي خضم ذلك يكتشف الأصدقاء الكثر والجدد لأبيه (من الألمان والإسبان والإنجليز). يود استفساره في وفاة (أو قتل) مطلق جده لكن دون جدوى. يلازم سليم غرفته آملا أن ينفرد بأبيه، يسترجع قصة حبه بعالية التي عانت من المرض قبل أن تقضي نحبها غرقا في النهر. يزداد ارتياد سليم للمرقص حيث يعمل الأب محاطا بأصدقائه من جنسيات شتى. ينخرط في الحديث مع فاطمة، المرأة المغربية التي تحكي له تفاصيل اشتغالها مع أبيه. بعد ذلك يستحضر سليم أيامه في القرية مقارنا إياها مع ما يعج في المرقص، حيث تجتمع كل المتناقضات ليسترسل في قصة فرض الحكومة تجنيد الشباب العراقيين واستبدال تسمية قرية القشامر باسم قرية الفارس. وستشكل هذه الحادثة الحدث المفصلي الذي أثر على الجد مطلق. عاود رجال هذا الأخير بمن فيهم نوح الهجوم على الجبهة، جيء بسيارات حكومية، توقفت وسط القرية حاملة لسبعة عشر تابوتا فيها جثت شباب القرية الذين قتلوا في الهجوم الأخير على الجبهة، وكان من ضمنهم صراط حبيب إستبرق وأخ السارد. بعد ذلك، لم يأذن الجد مطلق لرجال القرية بدفن الجثث إلا بعد الثأر لها، وهو ما جعلها تتعفن وتنبعث منها رائحة كريهة. في الصباح، وبعد نقاش صاخب بين الأب(مطلق) والابن (نوح) يموت الأب (أو قتل) ويقرر نوح السفر إلى إسبانيا للأخذ بالثأر وغرز الرصاصة المتبقية في مؤخرة الشاب/الديبلوماسي الذي تجرأ على لمس مؤخرة إستبرق. ينشب حوار أشبه ما يكون بالشجار بين الأب نوح والسارد (سليم) ليفلح هذا الأخير في إقناع أبيه بضرورة التخلي عن هذا الثأر الساذج الذي استلزم السفر وربط علاقات جديدة. في الأخير، يكتشف نوح بمساعدة من صديقه الكردي أن الشاب الذي تجرأ على إستبرق قد تم تعيينه ملحقا في السفارة العراقية في إسبانيا، يعدل عن ثأره ويسافر رفقة حبيبته روسا إلى ألمانيا التي كان متيما بها تاركا مرقصه لابنه الذي تزوج هو الآخر بفاطمة.


صورة شخصية الأب في رواية تمر الأصابع لمحسن الرملي

لا تخفى الإمكانات الفريدة التي يثيرها التصوير الروائي في فهم العالم وتعقيداته وتشابكاته. فالرواية بما هي جنس تصويري بامتياز لا تقل أهمية عن باقي الفنون الأخرى. فإذا كانت وسيلتها التوصيلية والإبلاغية هي اللغة، بما تمنحه من طاقات تعبيرية فإن فنون أخرى تعمد إلى الصور كمعطى إيحائي، نتحدث مثلا عن الفنون التجسيدية التي تعتمد على الحركة والإيماءات كأسلوب توصيلي من مثل الرقص والمسرح. ومن ثمة، فلكل فن أساليبه التعبيرية مع اشتراك في خاصية التصوير.
تحتفي رواية تمر الأصابع للروائي محسن الرملي بثلاث شخصيات جوهرية تتحكم في مسار السرد وهي على التوالي: الابن(سليم) والأب(نوح) والجد(مطلق). هذه الشخصيات الثلاث تنتظم في علاقات متشابكة ومعقدة فيما بينها، بحيث يعسر فهم أحدها بمعزل عن الآخر، إنها تتشابك فيما بينها في الوقت الذي تؤسس فيها لاستقلاليتها. كان فيليب هامون يرى أن قيمة الشخصية تكمن في العلاقات التي تنسجها مع باقي الشخصيات الأخرى، أي "من خلال علاقة شخصية بباقي شخصيات الملفوظ الأخرى". وعليه، فإن الشخصيات الثلاث تحكمها علائق جوهرية هي الخيط الناظم الذي يعين على فهم التصور العام للرواية، وهي على التوالي: علاقة السارد(سليم) بأبيه(نوح)/ علاقة نوح بأبيه (مطلق) ثم علاقة السارد بنفسه.

 

أ ــ علاقة السارد(سليم) بأبيه (نوح)

ويمكن أن نميز فيها بين:

قبل سفر الأب إلى إسبانيا/ بعد السفر إلى إسبانيا

تتكشف علاقة السارد بأبيه في النص عبر مجموعة من الصور الجزئية التي تنتظم فيما بينها لتشكل فيما بعد صورة كلية قوامها الازدواجية التي طبعتهما معا، فغدا كل واحد منهما “آخر” بالنسبة للآخر. تغيرت نظرتهما إلى القرية المهجورة وإلى عالم الآخر (إسبانيا) الذي سيصبح في مستقبل السرد فضاء للحرية والانعتاق من سطوة التقاليد وكل أشكال السلطة، سواء الداخلية (سلطة الأب/سلطة الأسرة) أو الخارجية (سلطة القرية بعاداتها وتقاليدها). كان الأب نوح يختزن في داخله ذلك الآخر الذي لم يرد أن يكشف عنه في نسق “محافظ”، يعج بأشكال الطاعة والولاء، حيث يجسد الأب مطلق المركز الذي تنتظم حوله العائلة مما يجعل من العلاقة الأولية بينه وبين الابن نوح والحفيد سليم علاقة هرمية. وسيتضح فيما بعد أن هذه العلاقة ستخضع لانعطافات جديدة بفعل عوامل خارجية مساعدة منها السفر نحو "الآخر" وتمثل قيمه ونمط عيشه. يقول السارد واصفا العلاقة القبلية التي كانت تجمعه بأبيه نوح: "في أثناء صعود الحمار للجبل يضعني أبي أمامه كي لا يميل جسده الضخم على جسدي الصغير، وعند النزول يردفني خلفه كي أستند على ظهره. وكانت لحظات تطويق ذراعي لجسده واحتضانه هي أحب اللحظات إلى نفسي… حيث الإحساس بقربي لأبي واتحادي به. كنت أشعر بحنان لذيذ وثقة ودفء لأنها أشد حالات التصاقي به، أشعر بحب كبير له وبحبه لي."(ص95). هذه العلاقة التي قوامها التقدير والاحترام بين الابن سليم والأب نوح ستعرف تغيرا لافتا وملفتا في مستقبل الرواية، بل إن ذلك سيؤثر على علاقة السارد بنفسه، كما ستساهم في تغيير نظرته للأمور وللنسق الذي يقطن فيه. وعليه، ستتخذ علاقة الابن سليم بالأب نوح مسارا آخر، لا سيما بعد سفرهما معا إلى إسبانيا؛ الواحد هربا من فداحة الواقع العراقي المهووس بالتقاليد وهي فرصة أيضا للحاق بالأب الذي ارتاد الديار الإسبانية من أجل الثأر، والآخر للثأر وتنفيذ القسم وهو غرز الرصاصة في مؤخرة الديبلوماسي الإسباني الذي صفع مؤخرة إستبرق (ابنة نوح). في خضم هذه المتغيرات سيطفو نوح الجديد، نوح المنبهر بالنسق الإسباني، نوح الولوع بترف الحياة والبذخ وقيم الحرية والديموقراطية، نوح المهووس بالثقافة الألمانية الحافظ لديوان غوته "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". ولعل هذا ما يتكشف بشكل ملفت عبر تضاريس الرواية، يقول السارد واصفا أباه الجديد:
لكن أبي أحضر كل شيء بحضوره المفاجئ. وعبر ترديده الدائم لعبارة ما كنت لأتخيله ينطق بمثلها، وهو المهذب المتدين: "هذا العالم جايف." (ص 21) "أنا مشغول جدا يا سليم… ولا يقول ابني ـ كما ترى، ولكنني أعدك غدا.. غدا بالتأكيد ـ ولا يقول إن شاء الله ــ (ص 22)
إنه هو أبي دون شك… أتذكر كل علاقتي به جيدا.. أعرف شخصيته السابقة التي تركتها في العراق، في قريتنا قبل عشر سنوات… إنه أبي وإن كان يبدو الآن شخصا مختلفا تماما.” (ص26) "أمضيت الوقت بالتفكير بأبي وبالتذكر محاولا ترتيب ما حدث كي أفهم أبي الجديد الذي هنا" (ص 35)
أبي الجديد الذي طلع في حياتي هنا، هكذا فجأة كرأس ينبثق من الماء بعد غطس طويل.” (ص 77)
"لم يقل لهم إنني ابنه وإنما سليم فقط." (ص 79)

"أفكر بأن أبي في داخله اثنان، هناك كان يخفي الذي يمارسه هنا، وهنا يخفي الذي كان يمارسه هناك… دون أن يتخلى عن أحدهما نهائيا، وأحيانا يطعم أحدهما بالآخر."(ص 90)
يكشف السارد سليم عن حجم الهوة التي صارت بينه وبين أبيه نوح، ويسترسل في ذكر الانعطافات الجديدة التي مست حياته، سيما بعد مكوثه الطويل في إسبانيا. إن الاستشهادات المنتقاة تومئ بالتبدل النوعي الذي طرأ على شخصية الأب نوح، وهو ما أثر على علاقته بابنه سليم الذي انبهر بهذا” الأب الجديد”. وعبر أطوار السرد يظل السارد في سعي حثيث نحو فهم هذه الازدواجية التي طرأت على شخصية أبيه. لذلك ما فتئت الرواية ترسل في السمة التركيبية بين الأب والاين، وهي خليط من التقليد والحداثة، فيها شيء من الماضي وشيء من الحاضر، وهو ـــ في تقديرنا ــــ حال المجتمع العربي المعاصر الذي لا زال يرزح تحت وطأة الحنين إلى الماضي والتوق إلى عوالم الحداثة، فلا يملك إلا أن يزاوج بينهما. وبالتالي، فلا غرو أنه "لا توجد مؤسسة أو أسرة تقليدية خالصة، وفي الوقت ذاته، لا توجد مؤسسة أو أسرة حداثية خالصة أيضا.” ذلك كان حال الشخصيات الثلاث في الرواية، إنها تعود إلى ماضيها الغابر، لكنها تقيم مسافة بينها وبينه.


ب ــ علاقة نوح بأبيه (مطلق)

يكشف السارد منذ فاتحة السرد وحتى نهايته عن العلاقة الوطيدة التي تجمع بين أبيه نوح والجد مطلق، وهي علاقة يتم تصويرها بالاستناد إلى أساسيين متلازمين معقدين هما: الطاعة والولاء من جهة، والتمرد والتحرر من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فإنه يمكن النظر إليها بالمقياس السابق، أي قبل السفر وبعده.

يقول السارد:

1ــ "لم يرفض نوح طلبا أو أمرا لوالده أبداً أبدا". (ص18).

2ــ "أبي لم ينظر في عيني جدي أو حتى حدق في وجهه على الإطلاق، دائما ينظر إلى الأرض مستمعا إلى كلامه بانتباه، تجاوز عمره الأربعين عاما وه ويقول إنه يستحي من النظر إلى وجه أبيه". (ص19).
3ــ" لم يحرص نوح على إفهامنا طبيعة انتسابنا له، فقد كان موكلا أمر تربيتنا إلى جدي مثلما ظل موكلا شخصيته الخاصة إليه وطاعته حتى موته (أو قتله)." (ص27).


4ــ " وتطوع أبي ليشرح ذلك دون أن ينظر في عيني جدي." (ص60).

5ــ "إستبرق كانت أقل طلبا للماء وأبي لم يكن مقتنعا بما رآه من علاج لكنه كان يتظاهر بالرضى طاعة لجدي." (ص61).

6ــ "ولشدة طاعة أبي لجدي.. فكنت على يقين أنه سيترك العمل الذي يحبه لو أن جدي قد طلب منه ذلك." (ص93).

ويضيف السارد على لسان نوح:

7ــ "أبي بالنسبة لي أنت إله أو ممثل الرب في الأرض… أبي إنني أختنق لقيودك وأضيق ذرعا بأوامرك ونواهيك… أبي إني أحبك بشكل يفوق محبتي لنفسي أحيانا، لكنني في أحيان أخرى أتمنى عدم وجودك.. أبي أحدثك في الظلام لأني لا أستطيع رؤيتك." (ص100).

8ــ "لقد كان أبي بالنسبة لي يا سليم كل شيء كل شيء.. إنه القيمة والسلطة المطلقة في الحياة الدنيا والآخرة." (ص121).

9ــ "وأعترف لك الآن وحدك، ولأول مرة في حياتي… بأنني كنت غالبا ما أرى الرب مجسدا فيه." (ص121).
10ــ "فأبي الذي شغلني حتى عن إرضاء نفسي هو ذاته الذي شغلني عن إرضاء غيري." (ص123).

11ــ "وهل تصدق بأنني لم أجرؤ أيضا على النظر إلى شاهدة الرأس وإنما كنت أمسحها بكفي وأقبل الكف". (ص123).

لا يمكن النظر إلى العلاقة المعقدة التي تربط الابن نوح بالأب مطلق إلا في بعدها التكاملي، فالإنسان ككائن متناقض تعتمل في دواخله مجموعة من القيم التي تتباعد فيما بينها لتجلي في الأخير طبيعته الزئبقية. تكرنا الأمثلة المنتقاة بطبيعة العلاقة التي تجمع بين الأب والابن في بعض الأنساق العربية، علاقة قوامها الهيبة والاحترام والرهبة في آن واحد، وهو ما نجده متفشيا أيضا في عدد كبير من الأسر المغربية لا سيما في الأوساط القروية، فرمزية الأب فيها تتجاوز الوظيفة البيولوجية المتمثلة في التربية والإعالة، لتغدو سلطة رمزية فوقية. ومن هنا تتبدى هرمية العلاقة، وتصير له "الوصاية" على كل من تحت ولايته من أفراد أسرته. الأب مطلق في الرواية، باعتباره شخصية محورية، ينطبق عليه ما أشرنا إليه. وهو ــــ في اعتقادنا ــــ شخصية "واصلة" باصطلاح فيليب هامون، أي شخصية أرادها الروائي أن تكون صلة وصل بين القارئ والنص قصد تمثلها في الواقع العياني. والحال أن مطلق لا يبرز من موقع الأب المتسلط الذي يفرض خضوعه وطاعته، بل إنه يبرز كشخصية مثقفة وقارئة، شخصية تمتلك من مؤهلا ت التواصل ما يجعلها تعقد صلات مع إثنيات متعددة. وعليه، فإننا لا نقرأ في الأمثلة السالفة نوحا واحدا، بل ذلك النوح الجديد المتجدد؛ فيه من رواسب النسق الذي تربى فيه (إحدى قرى العراق) وفيه من عالم الآخر وما يعج به من قيم الديموقراطية والحرية والانفتاح، إنه شكل من أشكال الانفلات من سلطة الأب الرمزية، لذلك بعد وفاة الأب(أو قتله) التي تذكرنا في اصطلاح التحليل النفسي بمقولة "قتل الأب" ـــ وهو بطبيعة الحال قتل رمزي يفيد التخلص من سلطة الأب ـــ وسفر الابن نوح إلى الديار الإسبانية، يكتشف القارئ أمارات التغير المفصلي الذي طرأ على هذه الشخصية، إذ خرجت من انطوائيتها وأصبحت تنعم بحرية الرأي وحرية الاختيار. واللافت للانتباه أن هذا التغير لم يخرج عن التصور العام الذي شيدته الرواية، أي هذه الازدواجية التي طبعت الشخصيات الثلاث. هل هي ازدواجية تحيل على الروائي نفسه؟ أم أنها ازدواجية تخص شخوص كونه الروائي؟


ج ــ علاقة السارد بنفسه

كان من عاديات الأمور أن تحدث شقوق في البناء الداخلي للسارد، وهو ما سيؤثر على علاقته بنفسه وبمحيطه الخارجي، لا سيما بعد وفاة الجد مطلق، علاوة على التأثر بـ "الأب الجديد" نوح الذي خلق مسافة بينه وبين ماضيه. علاقته أيضا بجده مطلق مبنية في كافة أطوار السرد على الاحترام والهيبة والرهبة والخوف في ذات الوقت. يقول: "لا أدري ماذا أفعل، وقلبي يدق بشكل لم أعهده من قبل إلا في حالات الخوف من جدي." (ص49). وفي مستقبل السرد، خاصة بعد رحيل السارد سليم إلى إسبانيا بعدما ضاق درعا من المكوث في القرية، أو بالأحرى بعدما خنقته رائحة الجثث المتعفنة، نقرأ ساردا جديدا هو ذلك المعجب بإسبانيا المنبهر بقيمها، يفسر ذلك التوق الشديد لتمثل قيم هذا الآخر والرغبة الجامحة في التموضع ضمن هذا النسق، يقول: "صار يعجبني العيش هنا وسط هذه الحرية وهذا السلام لذا فأنا منهم، من هنا حيث أكون خارج شقتي". (ص35).


صورة الأب المثقف في الرواية

لا تجعلنا رواية محسن الرملي نتعامل مع كائنات ورقية جامدة تؤدي أدوارها السردية استنادا إلى لعبة السرد التي يديرها الروائي، بل تضعنا أمام شخصيات مثقفة تعبر عن وجهة نظرها ومنظورها للأمور، استنادا إلى مقولة دمقرطة الحكي. قد تفصح أحيانا عن مواقف على قدر كبير من التناقض، يحضر المقدس في مقابل المدنس، الجدية في مقابل التفاهة، فضلا عن حوارية اللغات وتعدد الثقافات داخل جسد الرواية. هل حضور شخصية المثقف العارف بنسقه وثقافته فضلا عن نسق الآخر وثقافته هو إشارة إلى الكاتب نفسه أم إلى العراق التي كانت في وقت ما مدينة العلم والثقافة في النسق العربي؟ لن نرسل في الإجابة عن هذا السؤال المؤرق على أهميته، لكننا سننصت للرواية من زاوية تصويرها للاين (سليم) والأب(نوح) والجد(مطلق) باعتبارها شخصيات تتمتع بذخيرة معرفية، إنها ذوات قارئة لتراثها وتراث آخرها (الإسباني والألماني).

يقول السارد:

"وهل قرأت لوركا وألبرتي بالإسبانية؟" (ص23).

"وربما كنت مدفوعا إلى الشعر بسبب أبي أيضا، الذي يحفظ (الديوان الشرقي الغربي) لغوته بالألمانية." (ص30)

"كان أبي يكرر: "الألمان شعب عظيم، تخيل أن كريستوف هو رئيسي في العمل لكنه صديقي أيضا." (ص31).

"تعلم أبي الألمانية والإنجليزية من الأجانب في شركات النفط، وكان يحفظ أيضا مقاطع من هاملت وشكسبير، وبالطبع يحفظ القرآن كاملا." (ص31).

"لكن جدي الذي فاجأني بأنه يعرف اللغة الكردية اعترض: لا… لا داعي لإعداد الطعام يا شيخ." (ص54).
"هل تحفظ كل أشعار عنترة يا جدي؟ قال: أحفظ الكثير له ولغيره، لكن لا أدري إن كانت القصائد أحفظها له هي كل أشعاره." (ص66).

تعد "شخصية الأب المثقف نمطا من أنماط الشخصيات المثقفة التي حفلت بها الرواية العربية المعاصرة." فالشخصيات الثلاث وعبر مسار السرد تكشف عن ذخيرتها وخلفياتها المعرفية التي تتأرجح بين المعرفة بالنسق ومعرفة أخرى تنهل من الآخر وتتفاعل معه في ذات الوقت. يلمح السرد غير ما مرة إلى أشكال هذا التفاعل؛ خصوصا ذلك التفاعل بين اللغات والثقافات المختلفة. كان الجد مطلق ينسج علاقات تجارية وثقافية مع إثنيات متعددة من مثل الأكراد، شأنه شأن ابنه نوح الذي توطدت علاقته مع الإسبان والألمان خاصة بعد مكوثه هناك لمدة من الزمن.


خاتمة:
يتجلى حضور الأب في رواية تمر الأصابع من خلال ثلة من الصور الروائية الجزئية التي اجتمعت فيما بينها لتشكيل صورة كلية أرست ما يمكن أن نسميه بـ "بلاغة التناقض" فالرواية تغرق في أشكال الازدواجية التي طبعت شخصياتها. الأب في الرواية يجمع بين الهيبة والسلطة والرهبة في ذات الوقت كما أنه يبرز من موقع العارف بثقافته وثقافة غيره، لذلك تحتفي الرواية، علاوة على الأب من حيث هو موضوعة جمالية، بالتعدد اللغوي والثقافي.

إحالات

*محسن الرملي، تمر الأصابع، دار المدى للإعلام والثقافة والفنون، ط 4، بيروت، 2015.

*فيليب هامون، سيميولوجية الشخصية الروائية، ترجمة، سعيد بنكراد، تقديم، عبد الفتاح كيليطو، دار الكلام، 1990.

*عدنان علي الشريم، الأب في الرواية العربية المعاصرة، عالم الكتب الحديث، ط1، الأردن، 2008.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في (مجلة مسارب الالكترونية) بتاريخ 19 سبتمبر 2017م

*ونشرت في صحيفة (القدس العربي)، العدد 8980 بتاريخ 19/10/2017 لندن.

http://massareb.com/?p=10856