السبت، 7 فبراير، 2009

قراءة / محمد الحمراني


انهيار أرستقراطية الخطاب القصصي

قراءة في (أوراق بعيدة عن دجلة) لمحسن الرملي

بقلم: محمد الحمراني

منذ سنوات طويلة ابتعدت القصة العراقية عن تناول ما هو ساخن أثناء لحظة الكتابة الأولى، فتأطرت بعوالم هلامية تحاول طرح موجهات للقارئ ترشده للنظر إلى الماضي البعيد باعتباره الساحة البعيدة والموفّرة لحرية التناول، والتي لا يتحسس القارئ ـ في أكثر الأحيان ـ مشكلاتها ولا تحرقه نارها، لن بطل القصة في الأغلب لا يعيش الأجواء التي يعيشها الكاتب. هذا الهروب جعلنا الآن نشكك بالقدرات الفكرية لبعض كتابنا الذين تحاول كتاباتهم أن تفهمنا بأنهم لا يعلمون بما يحيطهم من كوارث اجتماعية، وليس ثمة مساس حقيقي ومؤثر بالمتغيرات الوحشية. إن من أهم مشاكل القصة العراقية، أنها لم تصل إلى أسلوبية مميزة، وإنما تقوقعت في ميكانيكية التجريب التي منعتها من الدخول إلى المناطق المحظورة، ووضعت جدراناً سميكة قبالة الكوارث المحيطة، وبقيت تترقب الأحداث بأرستقراطية غير متفهمة لبشاعة الهواء المحيطة. على العكس من ذلك مسارات مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) لمحسن الرملي. إنها تتناول ما هو ساخن أثناء لحظة الكتابة الأولى باعتبارها فعليّاً هي الشرارة المحفِزة للكتابة، والتي تصدم القارئ بالمعضلة التاريخية وهي تتشكل حوله.. هذه المعضلة ينظر إليها الكاتب نظرات ثاقبة من أجل كشف أسرارها البعيدة.
إن مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) توهم القارئ من خلال الموجّه الأول ـ العنوان ـ بأنه سيقرأ نصوصاً لا علاقة لها بالمنشأ الأصلي للكاتب، ربما هي مذكرات عن النساء الشقراوات، كما فعل حسب الشيخ جعفر في (رماد الدرويش) أو هي أوراق عبثية لا علاقة لها بالهموم ومنشأها، ولكن المحلية الصاخبة في المتن تذكرنا بالأحاديث الغريبة والرحلات المجنونة التي وصلتنا قديماً من السندباد:" أهرع إلى قرطبة، ألثم جذوع النخل فيها، لكنها ليست هي لأنها لم تكن مالحة، ولم يكن هواؤها مثقلاً بالرطوبة، والشرفات الأندلسية ليست شناشيل بصرياثا، وابن رشد غير الفراهيدي، ونهر الوادي الكبير غير شط العرب.. فكيف سيبحر السندباد؟"ص34. الدخول إلى أعماق النصوص هو اكتشاف أول للحظات الموت الحقيقية التي كانت تنبض حول محسن الرملي وأصدقائه، وهم يتركون أسلحتهم للحشرات، ويرتدون ثياباً مدنية ملونة يطوفون بها مدناً عراقية وأخرى بعيدة، فتتضح لنا الشوارع بأسمائها، المقاهي، السينمات، الجسور، المدن الصغيرة.. إن هذا النص (إحديدابات) مثل جميع نصوص المجموعة، يحاول أن يضعنا أمام مناخ روائي نكتشف من خلاله تحول المشهد المقطعي، إلى مشهد مفتوح تتمحور حوله فكرة واحدة وأسلوبية لا تتخلى عن العفوية المقصودة، وهذا ما حصل في اشتغالات إيتالو كالفينو وخاصة في (ماركو فالدو) و(السيد بالومار) حيث يتشكل الضمني مع الرؤية العامة في المعالجة، وهذا ما حرص الرملي على استخدامه بقصدية من خلال (الورقة التي تعني كل الأوراق)، والموجودة في مقدمة الكتاب:" ربما صورتها.. ربما هي، لكنها تمرق من بين أصابعه بنعومة السمك. إلا أنه سيظل أعمق منها وأسرع زوالاً.. إنه يغرق وكان لا يريد، لكنه الآن يريد، وهذه بعض محاولاته قبل الانعدام".ص9.
إن الكاتب يتكلم هنا عن الكتابة التي لها نعومة السمك وهي تسبح في أعماق المجموعة بحساسية عالية تؤجج الحس الجمالي لتتولد مميزات الجذب من خلال استخدام مصادر الذاكرة القريبة وهي تضعنا أمام تصريحات لشخوص ومقاطع من رسائل وأسماء وأغان قديمة، تدخل في عمق العملية الإبداعية لتكشف حتى السري المخزون في الذاكرة كما في قصة (عرس الواوي) وهو يستذكر صوت أمه:" تزوج لأرقص في عرسك وأرى أولادك قبل أن أموت"ص35. أو كما في مكان آخر وهو يرشدنا إلى مصادر الاشكالات:" مازلت أحمل في الرأس ما رأيت وأستعيد بعض الوجوه والأسماء والأقوال وأحاول أحياناً رسمها كما أتذكرها أو كما عرفتها أو كما كانت"ص46. هذا ما يجعلنا نتأكد من أن (أوراق بعيدة عن دجلة) هي في الحقيقة أوراق قريبة من دجلة، هذه الأوراق.. أي النصوص التي تنهار فيها أرستقراطية اللغة، وخطاب الروي، لتتضامن مع ما أنجزته المشاريع القصصية التسعينية وتتوغل في التراجيديا الإنسانية القائمة، فتخرج الكلمات مثل أعشاب إلهية تنقل المشهد مرتفعاً عما كان عليه، فاضحة الصراع العنيف الذي تتوارثه الأجيال.. ربما يذكرنا بالصراع الأزلي في الميثولوجيا العراقية:" تحت رصاص تتبادله الأسطح والأزقة ونوافذ قلعة هولير يرقص السياح في سان سباستيان، ويشتد الرصاص في أربيل"ص25.
إن محسن الرملي لم يكن تجريبياً بالمعنى العبثي والاستعراضي للتجريب، ولكن تجديده قد انطلق من انبثاق ذاته ولحظة استحداثها في الكون، وهي قوة مناقضة للخرائب التي تشكلت في اللحظة نفسها، وهذا ما يجعل كتابته تشتغل بقوة على تفعيل القابلية النفسية، وإرباكها لتؤجج الكائن الفطري في أعماقنا، المتحسس لقوة التكوين ويتلذذ بشعورها. وكأنه يستمع بدقة لما قاله أرسطو:" عبّر عن نفسك مثل الإنسان العامي، ولكن فكر كالحكيم". ولكنه في الوقت ذاته يسير عكس النظام الأرسطوي وتقسيماته الحكائية ليحسسنا بضرورة الثورة على النظم التقليدية، من أجل خلق تكنيك مغاير لا تكتشف من خلاله أجزاء الأحداث، ولكن تنفعل في لحظة التصعيد العاطفي والمقارنة ما بين الموطن الأصلي للكاتب وأماكن اغترابه وترحلاته، وهو يحسسنا دائماً بأنه (الكاتب) لا ينتمي إليها، ولا تسعى مغناطيسية الذاكرة إلى سحبها نحو المناطق العميقة في العقل الباطن:" كل يوم أذهب إلى لوحة الجرنيكا ونجلس أمامها أنا وبيكاسو، ونبكي إلى أن يشير بابلو إلى المصباح والثور والوردة في يد القتيل، فأذكر دجلة وقلعة آشور، وتهدأ نفسي فأنطلق في الشوارع وصوب النافورات"ص19. إنه الحنين إلى جذور الطفولة، وذكريات الأوجاع المشتركة، هذه الأوجاع التي تُصاغ بفنيّة عالية تقترب جملها من مناخات التوتر الشعري:" لا مكان لي بين الراقصين ولا فسحة لطيران العصافير بين الرصاص"ص25. أو من خلال خلق تشبيهات جديدة توسع من إشارية وأفق الخطاب:" عيناها حادتان ذكيتان ومخيفتان مثل عينيّ جندي خفر"ص39. أو كما في مكان آخر:" أكاد ألمس قلبها كقطن طبي".ص40.
إن محسن الرملي في هذا الكتاب يضعنا أمام نصوص سردية قريبة من الريبورتاج الصحفي والتوثيق التاريخي. إن ما يجعلني أنحاز إلى هذه النصوص هي قوة الوعي الكاشفة والتي تعرفنا بالنهج العنيف الذي يرسمه الرملي محسن من خلال اعتماده كتابة القوة، فهو غير متصالح مع النفايات التي تحيط بذاكرته القريبة.. ولكنه يولّد قوة تصريحية تحيل الرؤية العامة باتجاه الفلسفة النيتشوية:" كي تجني من الوجود أسمى ما فيه عش في خطر"/نيتشة.. هذا ما يتجسد بوضوح في النص الأول من الكتاب:" ما كان عليك أن تموت قبل أن تفعل ذلك، وإلا فقد كان عليك أن تموت معه، لماذا ألنتَ رقبتك ومددتها على امتدادها فاندلق الرأس بين الكتفين إلى ما بين الركبتين إلى بين الأقدام فأنجيتها بالطأطأة"ص14. إن الفلسفة النيتشوية تؤكد:" مت في الوقت المنسب". هذا ما يبحث عنه الإنسان عندما تجتمع حوله قوة تحاول إضعاف ذاته وتضع الصخور قبالة الفم، وهذا ما أدركه الرملي وهو يستعيد ذاكرة قريبة عايشت فجائع لا يمكن التستر على مصادرها، ولهذا فهي تفضح الدمى والأصابع التي تقف خلف المسرح الصغير كي لا يتوهم الأطفال، ويستمر صمتهم ويتكاثف الخوف مما يجري أمام اندهاش عيونهم البارقة.
إن الصراخ المفزع في (أوراق بعيدة عن دجلة) يذكرنا بما قاله المكسيكي كارلوس فوينتس:" إننا نكتب من أجل أن لا نموت، إننا مثل شهرزاد؛ نبتدع كل يوم حكاية جديدة حتى نتخلص من الموت لليلة أخرى".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت في صحيفة (العرب) 29/3/2000 لندن. وفي موقع (القصة العربية) بتاريخ: 19 نوفمبر 2001م.

ليست هناك تعليقات: