الاثنين، 4 مايو، 2009

قراءة / محمود آلهيوات



إشكالية الوجود .. الذاتي والعام


محمود فاضل آلهيوات

إن ديوان (كلنا أرامل الأجوبة) للكاتب والشاعر العراقي محسن الرملي يعد مدونة ثرية إذا ما تمت قراءته من حيث ما فيه من ملامسات وتأشيرات دقيقة وعميقة لمعاناة الإنسان الفرد وصراعه وسط وجود شائك وصاخب. منطلقاً من بؤرة تتيح هذا الثراء، ألا وهي الإنسان العراقي الذي تشعبت وثقلت همومه وتزاحمت مصائره. وقد استطاع الشاعر أن يجسد جل إشكاليات هذا الألم في بوتقة مميزة من الالتحام اللغوي والمفهوم المبسط والتكثيف مستنداً على تجربة تكاد تكون ملحمية غاصة بالأحداث التي كانت رافداً مهماً في عملية الصياغة.
( عُمُر لزِج/ حياة راسبة/ ما عاد للحق حصون/ والإهانات تورمَت./ عسير علينا النباح/ لأن السقوف استقالت/ والدود مَلّ الانتظار.).
مجموعة من الاحتجاجات الوجودية التي تعبر عن واقعية معاناة الإنسان بشكل عام، والإنسان العراقي بشكل خاص كونه ينوء تحت وطأة هذه القضايا جميعها وتطفح ذروتها على وجه وعمق حياته، يحملها وتحمله بلا توطئة أو استراحة.. فيبدأ محسن الرملي ديوانه بتلك التأوهات الشاكية التي تعذب مكونات روحه. الصراخ بقضايا عديدة هي في الأصل مظاهر لقضية واحدة، ألا وهي إشكالية الحياة (الوجود). وعند الاتخاذ الإجرائي العام للحياة على أنها مفردة أو كمظهر واحد سيبرز على الفور نقيضها الوحيد أيضاً ألا وهو الموت. والذي لا يكون سابقاً للحدث العام للوجود.. فيجب أن تكون هناك حياة أولاً، لذا لا مناص من تحمل كل أعبائها بآلامها وأفراحها، بأحلامها وضغوطاتها، برغباتها وقسوتها وخطواتها التي تبدو مقدَّرة أكثر من كونها مُختارة.. ذلك الانتظار الصعب من أجل بلوغ الخطوة الأخيرة (الموت) والتي قد تكون هي فرصة الخلاص المريح.
(أنا الإنسان../ كتفتُ نفسي بالورق/ وحاصرتها بالحدود/ لا أمل لي بالتحوّل../ عما صنعَت يداي/ أُسمّي قيودي الجديدة ثورة/ أُسمّي تحطيمها ثورة/ فهل موتي خلاص؟).
إذاً فالهم الإنساني العام في جوهره وفي محصلته هو واحد بغض النظر عن الاختلافات في الثقافات والمفاهيم والصراعات، ولكن يتم اتخاذ التجربة الشخصية منطلقاً للتعبير عنها. حتى بلوغ النهايات. وللإنسان دوافعه الدائمة غير المشبعة التي تحثه على المواصلة بغية الوصول.. ذلك الوصول الذي لا ينتهي.. إنها فكرة الخلق وماهية الوجود، في فلسفة الركض والجري إلى أمد غير منته، يرافقه ذلك العوز المناعي ـ في الفكر ـ في خلق حالة دائمة من الإحباط واليأس وحتى الغثيان أحياناً في سبيل فكرة. رغم تشظيات الأمل، والثقوب الصغيرة التي يشع منها بصيص التفاؤل إلا أنه تفاؤلاً مخنوقاً بغصة بالغة في التعقيد. هنا لا نتبرأ من الواقع كشيء ملموس، إلا أن مسافات البحث، توقظ فينا على الدوام أشياء لا تنتهي ولن تنتهي.. وما هي إلا ركام علاقة وطيدة وصراع مستمر مع الوجود يخلق بقايا إرث قصير الأمد.. وما هي إلا قفزة من مأساة إلى أخرى، لولب يتنفس في خلق حالة من الارتهان في الثبوت، على غصن قابل للكسر في أية لحظة، لحظة الفقدان، لحظة الرحيل، والوداعات المؤجلة في حقائب السفر.
(.. وودعت العراق/ هجرت المخافر والمقابر/ عبرت أسوار البنادق/ والصيدليات الخاوية/ ودمع البنات خلفي ). ما هي إلا ظن العبور إلى الأمان فيما لا نملك من هذا الظن بالمحصلة إلا نزق آخر، فتستيقظ فينا إرهاصات الماضي. تتناثر الأشلاء مع الدمع في غمرة فرصة عتيقة. ومزوّرة في دفاتر الوقت، عندما نتشدق الخلاص. حتى ولو في أقصى مسافات الأرض. لم تلجم الآلام بل هي خسارة أخرى على الجسد الذائب في قيض (الحزن) والذي يصفه الرملي على أنه: ( شجرة شوكية تكبر في القلب/ تكبر، تكبر، تكبر/ حتى تسقط ثمرتها الوحيدة/ جثة متعفنة/ .. هي أنت).
فيبدو الحزن كأنه أمر متوارث في تركيبتنا وكينونة دائمة النمو في رحم أيامنا. متناسلا مع أجناسنا المختلفة، يكتبه قدر ما وننسخه على ألواحنا المهشمة. فلا نستطيع الخروج من دائرة عاطفتنا. ومثوانا الأول. صراع أزلي متقد هو في الأصل ما تعلمناه حتى في العشق الأول.
(كلانا أجمل من بعضنا حين لا نُرى/ غير أنكِ أجمل/ غير أني أحبك/ فلا تُكريني بالأين نذهب...).
هي لحظة الوقوف العاطفي. في اقتراب يتوق إلى الالتصاق، ارتجال في خلق حالة من الانفعال هي الأخرى لا تخلو من قسوة على الذات. وإشهار هياج اللغة، في سيل عارم من قدسية التلاقي الرحب. توطئة رائعة في التواضع المغرم. تنازل عن سيادة من أجل حقيقة ما. واعتراف ضمني بما يحويه الحس العاطفي من جدية وتألم، حينما يعترف.. (كاتم النبض قلب لا يحب/ فاطلق نبضك ولو على ظلال امرأة .. امنحه لتجريح سيوف العشق،/ سينتصر القلب عليها/ وستنجلي حروب التآكل/ عن راية حب/.. وهمية).
إنها لمعادلة صعبة هذه التي تجمع بين الدعوة إلى الحب واعتباره نبضاً يمثل الحياة ويمنحها معنى ما، وبين مسألة الاعتراف العقلي بكونه قد يكون في النهاية مجرد وهم. ولكن الدعوة قائمة إلى هذه العاطفة حتى وإن كانت حالة وهم، فهي بمثابة حجة ودافع حين تعجزنا الأشياء كلها. ويغلبنا اليأس. إنه وهم جميل نثيره فيحثنا على معاودة المحاولة في التمكن من أشياءنا حتى لو كانت وهمية. يبدع النص الكون من مفردات قليلة في التعبير عن أمر غاية في التعقيد والاتساع. خلق رؤية أو نظرة عميقة تجاه ما هو كوني وتأشير غاية ما لمعنى وجوده، إذاً فهي ليست هزيمة نكراء أو نهائية وذلك لما تنطوي عليه من حث معنوي للعناد وبصراحة تشير إلى ما في الحالة من (أوهام) و(حقائق) كي تخلق بذرة تحريك وإن كان لا يتضمن حلاً قطعياً.
على الرغم من محاولات الإفلات والنسيان إلا أن عبء الآخرين وقسوتهم ضاغطة ومهينة يعمد الرملي إلى التعبير عنها بمفردة حادة صارخة غاضبة يؤكدها بتنويعها (بصقة؛ بزقة، بزاق، بصاق/ هناك، هنا../ حيثما وليت وجهك/ لا أرض لك../ لا عش/ لا وسادة/ ضعيف فقير/ لا هاتف لك/ وكل الصراخ عليك../ عليك الصراخ/ عليك الـ../ بصقة، بزقة، بزاق، بصاق) بصق في الداخل، في الخارج، بصق المسافات، الوقت، العواصم، المواطنة والمنفى. كل البشر، لأنك ـ في لحظة ـ شريد، غريب على وسائد الآخرين، مرفوض في ومن نفسك ومتعب على أرصفة البحث. فيصبح الحنين إلى نقاء غائب والتوق إلى الحب مساحة وثيرة ومعينة، فتعزف أو تحاول الإقناع بالعزوف عن رفض الآخرين لك إلا (هي) من أجل القلب وإن تناقضت. منديل المسيح الأبيض. لأنها (هي) القروية البادئة في ترطيب وفي تعذيب استكانة الروح لأنها (أثمن من ضوء زنزانة/ وأعذب من تمر الصائم). تجاوز التشبيه العادي إلى تشبيه أكثر من منطلق، وأكبر من مؤثر. فللضوء لذة بصرية ونفسية غير عادية. بل أكبر من دوافع الإنسان الأخرى في نقطة الفراغ الحاوي على أفكارك الخاصة وعذابك البعيد عن الآخرين. وللتمر لذة جسدية وروحية بديعة في كنف مؤمن صائم لحظة إفطار وتقرب إلى ما هو روحاني ويتسامى بالذات. تشكل وتمازج يتخطى العادية في اختيار تشبيه معجزة الحب الأكبر..
ثم يجسد الشاعر من جديد ماضيه بما فيه من حنين وألم. في مسميات مختلفة إلا أنها تثبت انه لم يخرج عن إطار ما يحمله نفسه الشعري. والثقافي من إجهاش بكاء مستمر وصامت على ارث. بما فيه من جمال ودموية. (نادى كسير الروح: يا وطني،/ أهلي ومكتبتي/ من يعصمني من حزن يتناسل في البعد؟/ من يحنو في البرد على منفيّ..؟). هي المنافي التي تأخذنا إلى حدود البعد. بعد عن أنفسنا، بعد عن إنساننا، بعد عن جذورنا والذاكرة.. إلا أنها، في الحقيقة، ما هي إلا مزيد من التشبث والالتصاق والاعتراف باستحالة التخلص من مكوناتنا الماضية، الأولى والأصل. هوادة عجيبة تسقط كل اعتبارات الخلود وغيرها من متطلبات ووجوديات ورغبات النفس.. هناك علة في الكلمات وإحساس بالضيق في تقسيم الأشياء.. يثير القلق الدائم. وهناك أيضا حاجة دائمة إلى وصول ما. والذي يبقى متواضعاً بالمقارنة مع قصر العمر، إرهاصات الفعل الأتي من ممارسات القدر، ومن توجهات الإنسان… ولتأكيد الالتصاق بالموروث الأول، وأيضا تغلغل في دواخل وجوديات المرء عزف الرملي على وتر الشجن، الذي يبقى متأصلاً لا تشوبه شائبة حداثوي أو رفعة في موقع لتقليل وزن الانفعال والتلاحم مع ضرورة الحدث الأهم… فيخلق فرصة للفرح المغروز مع الوتر الموشوم بغصة دائمة، بعادة السؤال الدائمي، الملح، ومن خلال مفردة شعبية غنائية (على الميمر.. على الميمر.. على الميمر./ أنت حبيبي وحزني يكبر./ سماء عتيقة وأرض سارقة/ فأين المفر..؟). لا هروب من وقع أسى الماضي، رحاه تتناثر على الورق، مجللاً أزقة البعيدين بتأكيد وراثة الحنين والدمع.. ثم سؤال مضني مع ترادفات أسئلتنا التاريخية، لأن سياق الوجود مع مجموعة أسئلة مترادفة لم تجد جوابها، وعلة أبدية لا نملك إزائها أي بد.. لأنه هذا الوجود الفسيح، الضيق المملوء بـ (كيف؟ لماذا؟ ما هذا؟ من؟ أين؟ هل؟... الخ..) ما هي إلا تجرد معرفي مقنع بفوضوية استباقنا من أجل غلبة الزمن والوقت. وحتى الأحلام المضنية، دوامة عميقة من البحث عن أجوبة لكل هذه المعتقدات، أبحرت في الفكر. في الطفولة. في الكهولة. اسهابات مليئة بالنكد محشوة دائما بـصرخة ( أحّـاااآه) ، (أوآآه) و(يـاااه). (حزن. حزن. حزن.. أحّاه اااه./ لا ترفعوا كفا ًللصفع/ فكلنا أرامل الأجوبة). في البعد أو القرب. الجرح واحد. باق لا يندمل بسهولة. بل يزداد تعسفاً وغوراً في شكليات القضية. عندما يصل إلى أكثر دقة لشوقه الممتد منذ نقطة البداية. حتى آخر نقطة وصل إليها من خطه الطويل في زمانه المتعثر.. ( أشواقي حيض دائم،/ مطبقة دنياي،/ مسامير./ أواااه.. خذني يا رخ إلى بغداد..). تزداد ضيقاً تلك الدنيا الواسعة التي لم تحتمل هدير الشوق المستمر فيكشف، وفي غمرة هذا الخلط الهائل، وهذا التموج الهادر بين مشاعر شخصية، ذاتية عالية في الإحباط. وبين وخزة أنين ملحة… عن هدير مضامين وجده الأولى.. هو طلب العودة والرجوع إلى الوطن، إلى بغداده… لأنها ليلاه في زمن البلاء البعيد. ثم يخلق هناك مجانسة في مناداة الشوق إلى بغداد. والى تلك الأم (الهابيلة) المطعونة، القتيلة، القابعة في لجة السواد، والحزن.. لا يفصل اشتياقه بين بغداد البعيدة عنه في المسافة، القريبة منه وجوداً روحياً. وبين أمه الغائبة والمفصولة عنه قهراً ( يا هابيلة يا أمي/ فراق الغالين جعل القلب غربالاً/ بدأنا واحداً ثم باعدوا بيننا/ السلطة والحياة/ آه.. كم أبعدانا/ فهل يجمعنا الموت...؟).
قيمة الجمع قداسة حتى في اشد الأوقات أسى، للاحتضان إذاً ذروة راقية. والجمع لم يأت مفصولاً عن تداعيات الإنس. نحن نجتمع في لحظة البحث عن ولادة، نجامع تلك الفرصة في قفزة متيسرة محاطة بالتأمل وهي التي تقودنا إلى نهاية الجمع الذي نألفه عند التل في آخر خطوة "إذاً.. لا افتراق أبداً" لكن، لبغداد وأمه سلطة في مملكة الرملي لا تزيحها محاولات الزمن المتقلبة، فيكرر محاولاته ويحث النفس على الثورة التي يسمها أيضاً باليأس وعدم الجدوى. ( ثائر أنت بلا رائحة/ تشهر سيف الكلمات فراراً من إجابة). متلمساً (خزانة الدمع المدرار…) ومتذكراً أن (الطعن لك طعن فيك/ والمساعدات ديون/ موجوع أنت منذ انوجادك). صلصة الطَرق على الروح وفي الرأس، في ألمه.. موجعة. الطَرق، الضرب، الوجع ينقض على السلام والنوم. فتدوم أنت مع تحت الطَرقات متوجعاً حتى نهايتك القادمة في مقبرة التل. التاريخ وواقعك وخيالك. لواعج في كنف أزيز هذا المدى سواء أكنت أنت في (الذات) أو الآخر. رفسات شرود تأخذ مداها في عيون الناس المبتلين، فهل لمجد ما أفقاً غير التشرد والخواء..؟؟ بحيث لوح بالتأكيد في كل كلماته. وساق التبريرات.. إن كل شيء في الإنسان هو قاتله: المخلوق، الفراغ، القراءة، الحب، الولادة، المراهقة، المنفى، الحنين.. وأيضاً هذا الوطن وبلا نهاية… (تراب ولدت فيه وولد فيك/ كبرت فيه وكبر فيك/ تحميه ويحميك/ لكنه في المنفى يصبح طاعونك…). ثم يختم شوك القضايا بتابوت النهاية، الذي ينتهي معه تلمسات تعترف دون أن ينتهي السؤال (تابوت/ مَخفيّ حتى يُخفي/لا ماء، لا نشوى، لا سجائر/ لا امرأة، لا شُباك إلى حديقة/…/ بعده (لا) لكل ما قبله/ فهل كنا قبله (نعم)؟؟). تساؤل غريب لواقع مقلق وعن نهاية الحدث بأكمله في قفص خشبي، وقيد من التراب الأزلي بعد وقفة مع (متعة) مفروضة، تتهاوى في ختامها كل ثرثراتنا. فيقرر (امتطي جزعي كي لا أناكدكم/…/ لا رصيف للعدم/ وكل الحياة أرصفة/سأصوغ للمضمضة أسطراً/ وأغطس في اللغز جنيناً له/ كي لا أحمل اسماً عند ولادتي القادمة).
إن نصوص ديوان الرملي (كلنا أرامل الأجوبة) تتسم بالعمق، الكثافة والغنى وهي من الأهمية بحيث تستحق القراءة لأكثر من مرة.. وبقراءات مختلفة لأن لها القدرة على أن تمنح نفسها دائماً بشكل مختلف.
..............................................................................................................
*(كلنا أرامل الأجوبة) شعر محسن الرملي، صدرت الطبعة الأولى منه باللغتين العربية والإسبانية عن دار ألواح سنة 2003 في إسبانيا. وصدرت الطبعة الثانية من نسخته الإسبانية وترجمته الإنكليزية سنة 2006م في كولومبيا.

------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (العرب) بتاريخ 22/3/2007 لندن.