الجمعة، 1 مايو 2009

حوار / أجراه: د. كاظم شمهود


بمناسبة الاحتفاء العالمي بالذكرى 400 لصدور الدون كيخوته

لقاء مع الكاتب العراقي الدكتور محسن الرملي

الثقافة الإسلامية لها بصمات مهمة
في هذا العمل الإنساني الخالد

حاوره: الدكتور كاظم شمهود
ـ مدريد ـ

الدكتور محسن الرملي من الأسماء البارزة في الساحة الثقافية العراقية والعربية، وهو كاتب أصدر أكثر من 17 كتاب تنوعت بين الإبداعية؛ رواية وقصة ومسرح وشعر وبين الترجمة والدراسات، وقد تُرجمت بعض نصوصه إلى أكثر من لغة منها روايته (الفَتيت المُبعثَر) التي حازت ترجمتها الإنكليزية على جائزة أركنسا الأمريكية سنة 2002، وهو أيضاً أكاديمي يعمل حالياً كأستاذ في جامعة سان لويس في مدريد، كما أنه شريك في تأسيس وتحرير مجلة (ألـواح) الفكرية الثقافية التي تصدر في العاصمة الإسبانية منذ سنة 1997. وبما أن الرملي هو العربي الوحيد، حتى الآن، المختص بالدراسات الثربانتيسية (أي كل ما يتعلق بثربانتس وأعماله، وهو اختصاص معروف في الغرب) حيث أن أطروحته للدكتوراه التي نالها من جامعة مدريد أوتونوما كانت متمحورة حول (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته) ونال عليها التقدير العالي مع درجة الشرف، قد أهلته ليكون بين المختصين بالدراسات الثربانتيسية وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإسبانية والعالمية وقدم العديد من المحاضرات والمقالات في هذا الميدان، وبما أن إسبانيا والعالم الثقافي يحتفل هذا العام بالذكرى الأربعمائة على صدور هذا العمل الخالد (الدون كيخوته) لذا نجدها فرصة مناسبة للتحدث معه بهذا الموضوع، فالتقيناه في مدريد التي يقيم فيها منذ أكثر من عشر سنوات.. وكان لنا معه هذا الحوار:
*في البداية هل لحضرتك أن تحدثنا قليلاً عن شيء من هذه الأهمية العالمية لرواية الدون كيخوته؟.
ـ تستمد رواية الدون كيخوته أهميتها من أهمية الثقافة، وتحديداً الأدب، في المسيرة البشرية ودورها في بلورة القيم والذهنية الجمالية والإنسانية، وهي إحدى قمم الإنتاج الإبداعي للعقل البشري التي تعتز بها ثقافات الشعوب، فمثلما تُعتبر (ألف ليلة وليلة) كقمة في الأدب العربي، و(الكوميديا الإلهية) كقمة في الأدب الإيطالي، و(شكسبير) كقمة في الأدب الإنكليزي، لذا تسمى اللغة الإنكليزية لغة شكسبير، والإيطالية لغة دانتي والألمانية لغة غوته.. وهكذا فإن الدون كيخوته هي قمة الأدب المكتوب باللغة الإسبانية لذا تسمى الإسبانية بلغة ثربانتس. والكيخوته، باتفاق الجميع، هي أفضل رواية كتبت حتى الآن وهي أم الروايات المعاصرة في العالم لما أحدثته من تحول جذري في طبيعة السرد الأدبي بمختلف عناصره، إضافة إلى ما تحتوي عليه من قيم جمالية وإنسانية عالية، وتناولها لقضايا جوهرية تهم كل إنسان كالحرية والعدالة والحب والموت والدِين وغيرها، ورؤية فريدة وعميقة لطبيعة النفس البشرية وقدرتها الهائلة على وصف وتوظيف التركيب المعقد للمزيج بين الواقع والخيال، وهي أكثر الكتب ترجمة إلى مختلف لغات العالم بعد (الإنجيل) كما أن هناك ما يقارب النصف مليون دراسة حولها، ومن عوامل خلود هذا العمل هو قابليته على احتمال مختلف التأويلات والقراءات بحيث أن كل قارئ يستطيع أن يفهمه بطريقته الخاصة وأن يجد فيه ما يبتغيه، سواء أكان باحثاً عن المتعة أو عن المعرفة. ومن هنا أيضاً يمكن القول بأن مظاهر أهمية هذا العمل كثيرة جداً ويصعب حصرها.
*أطروحة حضرتك هي حول (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الدون كيخوته)، فما هي أبرز أوجه هذه التأثيرات، وهل يمكننا الحديث عن بصمات مهمة؟.
ـ نعم، الثقافة الإسلامية لها بصمات مهمة في هذا العمل الإنساني الخالد، وربما لا أبالغ إذا ما قلت بأنها أكثر من تأثيرات أية ثقافة أخرى، باستثناء الإسبانية طبعاً التي هي ثقافة المؤلف الأصلية، وثربانتس كان على احتكاك دائم بالثقافة الإسلامية طوال حياته سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد كان أسيراً في الجزائر لما يقرب الخمسة أعوام مما أحدث في حياته ورؤيته تحولاً جذرياً وكتب كل أعماله بعد سنوات الأسر هذه باستثناء قصائد قليلة وضعيفة كتبها في وقت مبكر من حياته، ولا نكاد نجد أي عمل من أعماله خالياً من بصمة ما للثقافة الإسلامية سواء أكانت على شكل ثيمة رئيسية كمسرحياته التي تدل عليها عناوينها (معاملات الجزائر) و(حمّامات الجزائر) وروايته القصيرة (السلطانة الكبيرة)، أو على شكل مناخ أدبي وأماكن أو شخصيات أو تعبيرات أو حتى كلمات وإشارات. وفي الكيخوته أحصيتُ في دراستي أكثر من (35) شخصية إسلامية أو ذات ثقافة إسلامية، ومنها بالتأكيد شخصية سيدي حامد الراوي الرئيسي للرواية، وأكثر من عشرين مثل شعبي و(220) كلمة من أصل عربي، إضافة إلى تأثيرات تاريخية ودينية وأدبية، منها ما يتعلق بتمثل الكيخوته لشروط الفروسية العربية أكثر من تمثله لشروط الفروسية الغربية. كما قمت بتحليل وتأويل مغاير لما هو سائد حول رؤية ثربانتس للإسلام والمسلمين وللنبي محمد (ص) الذي ترد الإشارة إليه ست مرات في الكيخوته.
*ومقابل ذلك، هل كان للكيخوته تأثيرات على الثقافة والأدب العربي لاحقاً؟.
ـ بالتأكيد فلرواية الكيخوته ومنذ ظهورها تأثيرات في كل آداب الشعوب الأخرى وخاصة في الرواية، وما من كاتب عالمي كبير إلا واعترف بأنه قد قرأ الكيخوته لأكثر من مرة وتأثر به، أما عن أثره في الأدب العربي فهو موجود لكنه أقل مما هو عليه في آداب أمم أخرى، ربما يعود الأمر لتأخرنا في ترجمة الكيخوته حيث كان ذلك في منتصف القرن العشرين تقريباً كترجمة الأهواني الناقصة ومن ثم جاءت الترجمة الكاملة للدكتور عبدالرحمن بدوي التي استطاعت أن تقدمها للقارئ العربي بشكل أوسع، وبالطبع تلتها ترجمات أخرى كالتي قام بها د.سليمان العطار ود.رفعت عطفة، فيما تُرجمت رواية الكيخوته إلى لغات أخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية والبرتغالية وغيرها منذ القرن السابع عشر. مع ذلك نجد أن حضور الكيخوته قد صار يتزايد في الأدب العربي المعاصر تدريجياً سواء في الشعر أو النثر أو الدراسات، بل وحتى في الفن التشكيلي.
*وهل هناك ترجمات إلى العربية لأعمال أخرى لثربانتس غير روايته الدون كيخوته؟.
ـ نعم، ولكنها للأسف قليلة ومحدودة بسبب حصر التركيز الأكبر على الكيخوته، بينما في الحقيقة أن أعمال أخرى لثربانتس تعتبر مهمة لتكوين صورة أوسع عن هذا العبقري وعن عصره وفنه وأدبه، كذلك أن معرفتها تعين على معرفة أفضل وأعمق لرواية الكيخوته ذاتها. فلثربانتس مجموعة روايات أخرى منها (غالاتيا) و(رحلة بارناسو) و(الروايات المثالية)، كذلك مجموعة مسرحيات طويلة. أنا قمت بترجمة المسرحيات القصيرة (Entremeses) الكاملة لثربانتس ونشرت في الأردن سنة 2001، وبضع قصائد له. كذلك ترجم علي جابر رواية ثربانتس القصيرة (جاذبية الدم) سنة1978 في دمشق وهو الذي ترجم أيضاً دراسة أونامونو المعروفة (حياة دون كيخوته).
*وكيف تلقت الثقافات الأخرى، غير الإسبانية، الدون كيخوته؟.
ـ رواية الدون كيخوته صارت من المعالم الثقافية التي هي ملك للإنسانية جمعاء، مثلها مثل النتاجات الإبداعية الكبرى الأخرى للعقل الإنساني، وذلك لأنها تمس قضايا الإنسان الأساسية، كما سبق وأن أشرنا، والجدير بالذكر أن النقاد الألمان والإنكليز هم الذين بادروا بتقديم تحليلاتهم المغايرة التي سلطت الأضواء على هذا العمل وعلى جوانبه الأدبية والفنية الريادية فأخرجوه من مجرد كونه رواية عن رجل كبير السن يحول نفسه إلى فارس مجنون يحارب طواحين الهواء، ومن مجرد كتاب يقرأه الناس للتسلية.. وأمر كهذا حدث مع (ألف ليلة وليلة) أيضاً حيث أننا نحن العرب أدركنا لاحقاً وبفضل الدراسات الأجنبية في ثقافات أخرى أنها عمل أكبر من مجرد كونه مجموعة حكايات، وإنما ينطوي على عناصر فنية وأدبية وتقنيات سرد مدهشة إضافة إلى ما يحتوي عليه من مضامين تتعلق بالرؤية للحياة والإنسان. ومثلما تم استثمار (ألف ليلة وليلة) من قبل الثقافات الأخرى في الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها، كذلك حدث الأمر نفسه مع الدون كيخوته.
*يتم الحديث عن دور ما للكيخوته في السياحة المعاصرة، فما هو هذا الدور؟.
ـ كما تعلم بأن الاقتصاد الإسباني قائم في جزء كبير منه على السياحة بحيث يدخلها سنوياً ما يقارب الخمسين مليون سائح، ومن أجل إدامة هذه الحركة السياحية، انتبهت إسبانيا مؤخراً بأن عليها ألا تكتفي بتقديم الشمس وسواحل البحار والآثار للسياح لأن بلدان كثيرة صارت تنافسها في هذا الميدان، لذا راحت تعمل بشكل أكبر على ما يسمى بالسياحة الثقافية فصارت تكثر وتوسع من متاحفها مثلاً، وبما أن الكيخوته عمل معروف في كل العالم، ويعد علامة بارزة لتمثيل الهوية الإسبانية، فقد سعت إلى استثماره أيضاً حيث تم تحديد وتأهيل خط سير رحلته ومغامراته، وتحديداً في إقليم دي لامانتشا القريب من مدريد، الذي يغري الكثير من الناس في التعرف عليه، وتم فتح متاحف صغيرة في القرى التي مر بها، كذلك جعِل مسقط رأس ثربانتس (الكالا دي إيناريس التي اسمها الأصلي بالعربية قلعة النهر) مركزاً ثقافياً يستثمر كل ما هو متعلق بثربانتس ومنها البيت الذي ولد فيه، والمعهد الدولي الخاص به. وبهذه المناسبة أتمنى لو أن بلداننا العربية تقوم باتباع التجربة ذاتها، فلدينا في ثقافتنا العربية والإسلامية الكثير من الرموز والمعالم والأعمال الثقافية الكبرى التي يمكن استثمارها وتأهيلها ثقافياً وسياحياً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في مجلة (السياحة الإسلامية) 2005 لندن.وفي صحيفة (القدس العربي) العدد 4929 بتاريخ 1/4/2005م.
http://itm-itw.com/news_A.php?country=63&id=1211

كاظم شمهود وغالب العبادي ومحسن الرملي

ليست هناك تعليقات: