الأحد، 10 مايو، 2009

دراسة / من أجل الثقافة العراقية


من أجل الثقافة العراقية وتفعيل دورها

(دروس مستفادة من تجارب المثقفين الأسبان)

د. محسن الرملي
لقد صار من البديهي الإقرار بتأثر الثقافات ببعضها بعضا، والاعتراف بالمأخوذ والمستعار وبما تمت الاستفادة منه وتوظيفه في إحداها نقلاً عن غيرها.. فضلا عن قيام ثقافات كاملة على أنساق ثقافات أخرى وتجاربها ومعطياتها. فلم يعد من الممكن القول بوجود ثقافة نقية خالصة أو منفصلة عن مؤثرات الثقافات المحيطة، ذلك أن الثقافة بحد ذاتها تنمو وتنتعش بالتلاقح والانفتاح، فيما تؤول إلى التفسخ تلك التي تصر على انغلاقها.
والثقافة الإسبانية لا تلتقي وتتشابه مع الثقافة العربية عبر تاريخها القديم فحسب، وإنما نجد الكثير من التشابهات والمشتركات بينهما في تاريخها المعاصر أيضاً، فكلما اطلعنا على المزيد من تفاصيلها في القرن المنصرم نشعر بالتطابق مع ما عرفناه وما عانيناه في بلداننا العربية وخاصة العراق. واللافت للنظر أن الثقافة العربية في محاولاتها التنويرية الحديثة كانت تأخذ من الثقافتين الفرنسية والإنكليزية دون الالتفات إلى الثقافة الإسبانية التي لم نأخذ عنها إلا مسألة التجييل، باعتبارها هي الرائدة في بلورة مفهوم الأجيال الثقافية، الذي سرعان ما راحت بقية الثقافات تستقيه عنها، ومنها ثقافتنا العربية. علماً أن هذا الأمر أيضاً قد عرفناه عن طريق ثقافات وسيطة ولم نأخذه مباشرة من الإسبانية لذا فإن تطبيقنا وفهمنا له قد جاء مختلفاً عن مفهومه الأصلي.
إن التجربة الإسبانية من بين التجارب المهمة التي يمكن لثقافتنا العربية الحاضرة أن تستفيد منها الكثير، ومن ذلك على الصعيد السياسي حيث الكيفية في الانتقال السلمي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، وإيجاد الصيغة الدستورية التي هيأت القاعدة القانونية لمسألة التعايش والعيش المشترك بين أقاليم وقوميات مختلفة. وهذا أمر أشار له أكثر من مثقف وسياسي. ولكنه مازال بحاجة إلى المزيد من أخذه على محمل الجدية..
هذه مجرد إشارة فليس هدفنا هنا الخوض في ميدان التجربة السياسية، وإنما سنسعى في محاولتنا لقراءة جوانب بعينها، نظن بأنها قد تنفعنا، من التجربة الثقافية الإسبانية، علماً بأننا لا نعني بتطرقنا للثقافي مفهومه العام، لأن الثقافة بمعناها الشامل تقع على عاتق الجميع ويشارك في صنعها كل أصحاب الاختصاصات الأخرى.. لكننا نتحدث هنا عن المبدعين والأدباء منهم تحديداً.. لذا سنحصر الأمر وسنعنى بالميدان الأدبي الإبداعي من تجارب المثقفين الأسبان ثم ما يمكن أن يضيئه لنا ذلك فيما هو لصالح الثقافة العراقية الراهنة خصوصاً، على الرغم من وجود الكثير مما يمكن مده إلى مساحة التطبيق على الثقافة العربية عموماً.

جـيـل الـ 98 :
لقد كان للمثقفين الأسبان الدور الطليعي والجوهري في تحريك أهم تحولات الثقافة الإسبانية والمشاركة الفعالة في صياغة هويتها وخاصة في المراحل التاريخية الحاسمة..
نبدأ بتجربة جيل الـ 98 التي برزت بعد انهيار ما يمكننا توصيفه بالإمبراطورية الإسبانية وذلك بعد خسارتها لآخر مستعمراتها (كوبا وبويرتو ريكو) إثر الحرب الأمريكية الإسبانية سنة 1898م وما تمخض عنها من تأثيرات على الشعب الإسباني في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث اتضحت هشاشة الخطاب السياسي وتفسخه، فاهتزت الصورة المفخمة التي صاغها النفخ الرسمي للإسباني عن نفسه وعن بلده، فأصبح عارياً فجأة وتائهاً بلا إجابة عن كل ما يتعلق بأسئلته حول هويته التي تمثله حقيقة.. وتعيد له ثقته بذاته.
وهنا كان المثقفون الصورة النموذج للأسبان وعصبهم الحقيقي الذي يتحسس كل هواجسهم. وبدأ الأمر بـ آنخيل غانيبيت (1865 – 1898) الذي راح يقوم بتحليل نفسي واجتماعي للشخصية الإسبانية، ومن بين الكثير الذي أشره فيها نذكر؛ جوانب من مخلفات وتأثيرات الثقافة والشخصية العربية. وكان لمقالاته دور التحريك حيث تأججت الردود والمناقشات وصار المثقفون يشخصون العلة ويقتربون منها حتى تبلور الأمر في أسئلة أساسية شكلت بدورها المنطلق للعمل اللاحق، مثل: ما هي إسبانيا؟ ماذا تعني؟ ومن هو الإسباني؟ ما هي هويته الحقيقية؟ كيف يمكن وصفه وتشخيصه ورسم صورته وتحديد خصائصه؟.. الأمر الذي قاد إلى الانتباه إلى وجود إسبانيتين وليس إسبانيا واحدة، وهما: إسبانيا الرسمية وإسبانيا الواقعية. وهذا ما أعتقد بأنه الكشف البديهي الأول والخطوة الأولى التي يتم تشخيصها واتخاذها في أية محاولة للبدء بمرحلة جديدة، وها نحن الآن على الصعيد العراقي ندرك ذلك، أي وجود عراقين: عراق رسمي وعراق واقعي.
وفي الحالة العراقية يمكننا الانطلاق من طروحات علي الوردي في دراساته عن المجتمع والشخصية العراقية، كذلك حنا بطاطو وسليم مطر.. وغيرهم، كالقراءة ـ المتعلقة بالأدب ـ التي قام بها سلام عبود في محاولته لتشخيص وجه العنف في الأدب العراقي.. يتم الأمر عبر محاورة ونقد وإعادة قراءة ما طرحوه والعمل على تطويره.. أو تجاوزه وعدم الوقوف عند تكراره كما في مسألة الفصل بين البدو والحضر ومحاولة رمي كل الثقل على التقاليد البدوية والريفية، وهنا فإن نقد سليم مطر للوردي(1) بهذا الشأن يمثل صفة إيجابية ضمن طموح مواصلة نقد الذات ونقد النقد وهكذا.
هذا أمر أساسي وجوهري من أجل تصحيح التصور عن الذات، يمكن تطبيقه على الأمم مثلما يمكن تطبيقه على الصعيد الفردي الشخصي. أي أنه وبعد كل هزة عنيفة وحدثاً كبيراً يمثل تحولاً حاسماً إلى مرحلة جديدة.. يتم الرجوع إلى البدايات وإلى إعادة الأسئلة الكبرى، الأسئلة الأولى والتي هي على صعيد الفرد: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟.. وغيرها من الأسئلة التي تتعلق بإعادة التعرف على الذات من أجل الانطلاق وفق التصورات أو الإجابات المقترحة إلى ما هو لاحق في التكوين.
ومما يؤكد صحة هذا الأمر هو أنه قد تم اللجوء إليه دائماً واتخاذه كنقطة بداية في أكثر من تجربة إبداعية أو تجربة أمة. مثال ذلك أوربا بشكل عام بعد حروبها، ومثال ذلك أيضاً اليابان والتي أجد من النافع هنا ما قاله أحد أبنائها وهو المستعرب نوبوأكي نوتوهارا: " واجه اليابانيون تجربة صعبة ومريرة. فلقد سيطر العسكريون على الإمبراطورية والسلطة والشعب. وقادوا البلاد إلى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة وانتهى الأمر بتدمير اليابان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا حدث في تاريخنا القريب ودفع الشعب الياباني ثمناً باهضاً. ولكننا وعينا خطأنا وقررنا أن نصححه(..) المهم أننا وعينا خطأنا أولاً، ثم عملنا على تصحيح الخطأ وهذا كله احتاج إلى سنوات طويلة وتضحيات كبيرة. كان علينا أن نعي قيمة النقد الذاتي قبل كل شيء، ودون النقد الذاتي بقوة لا نستطيع أن نجد الطريق لتصحيح الأخطاء"(2).
إنها مراجعة للذات بشكل صريح وواقعي جاد وناقد تحليلي دون اللجوء إلى جلدها.. وفي مراحل مثل هذه يكون دور المثقف حاسماً وجوهرياً في صياغة مرحلة العمل اللاحقة بشكلها الصحيح أو بتشويهها.. يعتمد الأمر دائماً على الصدق والموضوعية ويحتاج إلى الحرية والشجاعة وعمل مثابر وتضحية. وللأسف فإن السلطة السياسية في العالم العربي كانت تقمع دائماً أية محاولة من هذا النوع يقوم بها المثقف كما حدث بعد نكسة 67 وتكرر بعد حروب الخليج الثلاثة.
بعد تشخيص المثقف الإسباني لوجود إسبانيتين: رسمية وواقعية.. كان من الطبيعي أن يميل إلى العمل ضمن إطار إسبانيا الواقعية وإزاحة كل ما في الرسمي من ديموغوجية وتزييف لصورة الإسباني عن نفسه، ونقد وكشف ما لا ينطبق معها ويمثلها. فصار جل المثقفين يركزون جهودهم على هذا الأمر دراسة وإبداعاً، وتكريس ما يعيد للأسباني ثقته بنفسه وتوضيح تصوره عنها.
كل المثقفين راحوا يطرحون ويتبنون موضوع إسبانيا، ليس في الميدان الاقتصادي والاجتماعي المؤسساتي وإنما في ميدان القيم، الأفكار والمعتقدات. أو كما يصف (شاو Shaw )(3): بحثوا عن إجابات ثقافية وفلسفية لمشاكل بعينها وبمفاهيم عملية يمكن اتخاذها لإعادة تكوين الدولة الأسبانية.
وهنا عندما نستعرض بعض أقوال هؤلاء المثقفين عن مرحلتهم وطبيعة تصورهم لجيلهم، ثمة أمر سنجده يتطابق إلى حد كبير في الكثير من وجوهه والحال العراقي في هذه المرحلة.
بيو باروخا(4) يؤشر بعض السمات الأخلاقية التي كانت سائدة لتلك المرحلة فنجد من بينها: الهم الفردي المتمثل باستنزاف طاقة الفرد من خلال انشغاله بتأمين حاجياته الأساسية والنأي بنفسه عن العام ضمن حرصه على سلامته، والقلق الأخلاقي المتجسد بتناقضات القيم وتبدلاتها، والقلق تجاه مسألة العدالة الاجتماعية، والإعراض عن السياسة، ومفهوم الملكية، و اللجوء إلى الصوفية أو الخرافة.. والنظريات الإيجابية كانت في مرحلة انهياراتها وبروز أفكار أخرى مضادة للعقائدية. ويوجز: إن عهدنا هذا قد كان عهداً ضبابياً في توفيقياته.
لذا كان أونامونو(5) يؤكد بأن: المهم الآن هو تعديل ذهنية شعبنا. إن ما يحتاجه الشعب الأسباني هو استعادة الثقة بنفسه.. امتلاك نموذج رؤية خاصة به عن الحياة وقيمتها.
كانوا يتحركون عبر إشاعة الحس العام بالتوجه الكبير نحو كل ما هو ثقافي. ويتم بذل الجهد من أجل الاقتراب قدر الإمكان من الواقع وفي تفكيك لغة الخطاب السابق بهدف صبغ الواقع الجديد بلغة التغيير المختلفة هذه.
وبالطبع فإن حركة الاحتجاج هذه بدأت تقلق الأجيال السابقة. فقد صارت تشكل أشبه ما يكون بـ كوسموبوليتي أدبي ضد أولئك الذين يتخندقون ضمن الراسخ من الهيكلية التي كانت سائدة، وفي الإقليمية والأقليات الضيقة داخل البلد ذاته.
آثورين(6) يصف روحية جيله (الـ98) بالقول: إنها روح احتجاجية ومتمردة تعمل على هز وتهديم القيم التقليدية البالية والتوق إلى إسبانيا جديدة.
وباروخا يرى بأن جيله: أكثر وعياً من سابقه وأكثر نزاهة، أراد أن يعرف ما هي إسبانيا، ما هي أوربا، ويطمح إلى معالجة البلد.. إنه جيل مُنقذوا الوطن.
فيما يعتبر لارا(7) أن المأثرة الجوهرية لهذا الجيل تكمن في وضعه، ضمن نسيج المحاكمة، القيم التقليدية التي كانت مستقرة حتى ذلك الحين، ورفضه للقبول بشكل عشوائي وبلا براهين مقنعة أي نوع من أنواع العقائدية المطلقة. وأعماله راحت تبني معطيات جديدة من الطراز الأول مثرية بذلك الإرث الثقافي الأسباني.
وانطلاقاً من ذلك يضع، تحت منطق إعادة النظر وبشكل لا هوادة فيه، كل القيم البالية، والأيديولوجيات المهيمنة ومخلفات فكر النظام القديم.. إنها الضرورة الملحة لإعادة التفكير بإسبانيا.
لأنهم قد أخذوا على عاتقهم في جانب كبير مسؤولية تمثيل الضمير.. فكانوا هم المعبر الصادق والحقيقي عن ضمير غالبية الأسبان. وينتهي إلى القول: إنهم مجموعة من الشباب جعلوا من أولويات همهم مسألة وطنهم وعصرهم بشكل شامل.

على الصعيد الأدبي:
إن كل أعضاء هذا الجيل هم أدباء، أولاً وأخيراً، لذا؛ لم يمنعهم انشغالهم بعموم قضايا إسبانيا من التركيز على التجديد الأدبي والإبداعي. فبعد تحديد المشاكل والأزمة الروحية، يصف ساليناس(8) طبيعة عملهم الأدبي بأنه ظهور طريقة أخرى في الكتابة.. أدب آخر. يتجسد عبر شحذ لرهافة الحساسية.. وهذه هي المهمة الجديدة كما يصفها آثورين. ثم التعلم على التفكير الدقيق والجاد، أو الإشارة إلى اهمية موضوعية التفكير وصرامته كما يدافع عنها أورتيغا إي غاسيت.. الكتابة بمزيد من الفنية واللطف والجمال والتسامح كما هو شعار بايه إنكلان. فكل واحد منهم كان يعمل وفق طاقته وأسلوبه الخاص.
الجميع كان مهتماً أيضاً بربط حال إسبانيا بمحيطها وبظروف المرحلة التاريخية والحرص على ربطها أكثر بأوربا والحداثة والمعاصرة على كل الأصعدة..، وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن ترسيم جيل ثقافي معين تحت مظلة واحدة لا يعني أبداً استلاب المبدع الفرد خصوصيته. أي أن الجيل أمر لا يشبه الأيديولوجيا التي تصبغ أعضائها بلون واحد.. وهذه مسألة بحد ذاتها تحتاج إلى بحث مستقل.
كل من هؤلاء كان يمارس فرديته وخصوصيته الإبداعية وأسلوب حياته المختلف إضافة إلى حمله لتصوره الخاص عن إسبانيا، الأمر الذي أدى بالمثاليين منهم إلى تصادم رؤيتهم بحكم اختلافها عن الواقع وبالتالي إطلاق نقده تجاه هذا الواقع الذي لا يتطابق مع رؤيته.. ولكن في كل الأحوال وفي كل مواضيعهم كانت إسبانيا هي الحاضرة الرئيسية. إسبانيا التي يريدونها مختلفة عما هي عليه في الواقع وبالتالي فهم قد حاولوا تحقيقها والوصول إلى ذلك عبر ثلاثة طرق رئيسية(9) هي:
1ـ المنظر أو المشهد، أو صورة إسبانيا بكيانها الكلي والتخلي عن المحاولات الإقليمية السابقة كي يتم التركيز على (كاستيا) باعتبارها هي روح إسبانيا.. إنه مشهد يتعالى على واقع الحال الفيزيائي كي يشكل له بمثابة طليعة حيث يتم الذهاب إلى الجوهر والروحية الكامنة في إسبانيا وتمثيلها ككيان متكامل. وفي هذا الشأن أظن بأن الحالة العراقية ومن أجل ما يتم توصيفه (بوحدة العراق) يمكنها أن تتخذ من روحية (ميسوبوتاميا ـ بلاد ما بين النهرين) منطلقاً لها. ذلك أن تتم معالجة تعدد الهويات المحلية عبر تناولها انطلاقاً من روحية واحدة تجمعها.. وهكذا يتحول التعدد العرقي والديني والثقافي والتنوع التاريخي معيناً على تشكيل أرضية أوسع وأكثر ثراءً من خلال تكاملها.
لقد انتبه جيل الـ 98 إلى أهمية إضاءة: المنظر (المشهد العام) والروح، الواقع والحساسية بحيث تم التوصل إلى مزجها بشكل حميمي. فكانت الرؤية الغنائية للمشهد مع مزجها بالخصوصية الفردية. كما تم انتهاج التحليل وطرق الدراسة الحديثة بشكل ثقافي مرن وقابل للإيصال إلى أكبر مساحة من التلقي. ومن بين أبناء هذا الجيل برز دور أنطونيو ماتشادو ـ وخاصة في عمله (حقول كاستيا) 1912 ـ في إجلاء إسبانيا المشهد، المشهد الإسباني الإنساني والجغرافي، أي إعادة تحبيب الإسباني لبلده كأرض وطبيعة ومراسم شعبية ومشهد مادي جغرافي واقعي عام إلى جانب طبيعة تشخيص مشاعر الفرد الإسباني في علاقته مع الأرض والوطن والآخر والموت ومع الحب. كما برع بيو باروخا عبر تحليله وقراءته الباردة والموضوعية الإبداعية في عكس صورة المشهد الأسباني العام (كاستيا).
2ـ التاريخ: فهو الآخر بحاجة إلى إعادة قراءة.. وليس التاريخ بمفهومة المفخم بالفخر والبطولات لمراحل ازدهار معينة والأحداث التاريخية الكبيرة التي تمت المبالغة فيها إلى حد تصويرها وكأنها مشهد احتفالي.. وإنما التاريخ البسيط والصغير والكامن في التفاصيل والمُهمَل من قبل المفخمين.. أو كما يسميه أونامونو (ما بين التاريخ) أي بتعبير يشبه المقصود من القول (ما بين السطور) حيث هناك يكمن الجوهر الحقيقي للشعب الإسباني.
يجدر التذكير، هنا كنماذج أولية، ـ في الحال العراقي ـ بجهود علي الوردي وهادي العلوي ورشيد الخيون.. وغيرهم.
3ـ الأدب: استعادة إرث المؤلفين الكلاسيكيين الكبار من العصر الوسيط والذين تم نسيانهم.. وفي أعمال هؤلاء يتم البحث عن تفاصيل كل ما هو ذو معنى والذي يتيح العثور على فحوى ومضامين إنسانية حقيقية بشكل عام، وإسبانية أصيلة بشكل خاص.
وهكذا تم الرجوع إلى الإرث الأدبي الكلاسيكي وإعادة قراءته وإبراز ما يمثل الأسبان فيه فتجلى أيضاً احترامهم الخاص الذي كانوا يشعرون به تجاه أدبائهم الأوائل أمثال: فراي لويس، كيبيدو، وفوق كل هؤلاء ثربانتس، حيث قاموا بإعادة، وتجديد القراءات والتأويلات للكيخوته. ومن ذلك إعادة شخصية الكيخوته إلى الأضواء بقوة ثم طبيعة مفهوم الدين وعلاقته بالسياسة والحياة والأدب.. أمر كان لأونامونو دور كبير فيه على الرغم من كونه محسوباً على التيار اليساري.
لقد كانت فيهم حماسة عالية وغيرة تجاه آدابهم الأسبانية القديمة، فأعادوا إضاءة أعمال كثيرة ومنها بشكل خاص ـ بعد الكيخوته ـ: ملحمة السيد، بيرثيو، دي هيتا ومانريكه.. وغيرهم.
في الحال العراقي يمكن اتباع هذا المنهج في تتبع الأدب العراقي منذ جلجامش مروراً بألف ليلة وليلة والمتنبي والجاحظ وأبو نؤاس وغيرهم الكثير.. تركيزاً في البحث عن عنصرين رئيسيين هما: ما هو إنساني حقيقي، وما هو عراقي أصيل.
وعلى صعيد رؤية جيل الـ 98 الإسباني للغة نجد كنموذج؛ ما قام به آثورين من الاشتغال على عنصر اللغة كعامل مهم في تكوين الهوية ومن بين ما فعله مثلاً: أنه راح يقرب العامي الشعبي بالكلاسيكي أو العكس. كانوا يرتشفون اللغة من حديث الناس اليومي ومن المنابع الكلاسيكية معاً.. مع حرصهم الدائم على متابعة وتطبيق الأساليب الجمالية الجديدة والمعاصرة.
إن القيام بهذه المراجعة والتحليل والدراسة في: المشهد والتاريخ والأدب، جعل أفراد هذا الجيل يبلورون مبدأهم الجديد المتمثل بالبحث عن الروح والحياة في إسبانيا، وهذا البحث هو الذي مثل نقطة انطلاقهم في مسيرتهم نحو إيجاد الحلول التي قادت في النهاية إلى تلمس ملامح الهوية الثقافية الإسبانية الخاصة وبلورتها، وبالتالي إنقاذ إسبانيا وتأمين صحة وسلامة انتقالها إلى المرحلة الجديدة.

جـيـل الـ 27 :
كان المثقفون الأسبان عادة ما يتمثلون في أجيال أو جماعات للقيام بدورهم الفاعل كمثقفين في كل مرحلة.
وهكذا تكرر الأمر دائماً مع الأجيال اللاحقة كما في جماعة الـ 14 التي كان فيلسوفها غاسيت وأصدر مجلة (إسبانيا) التي انشغلت بالأمر نفسه وبإعادة طرح الأسئلة الأولى عن هوية إسبانيا الحقيقية بين: الرسمية والواقعية. وظهرت إلى جانب أعماله دراسات قيمة مهمة أخرى في إعادة قراءة التاريخ الثقافي الإسباني وكتابته، ومن ذلك جهد المؤرخ الكبير أمريكو كاسترو التي كان ينشرها في منفاه المكسيكي.
فقبل الحرب الأهلية وفي اثنائها وبعدها كان من الطبيعي توزع المثقفين على مختلف أطراف الصراع، البعض مع الجمهورية الآخر مع الملكية أو مع الدكتاتورية والآخر في المنفى. ومن هؤلاء عرف العالم كله جيل الـ 27 الذي كان من بينه من عاش في المنفى كألبرتي أو مات في السجن كميغيل إرنانديث أو قتلته الدكتاتورية كلوركا.. صورة تشبه إلى حد كبير ما حدث مع المثقفين العراقيين.
وسوف نؤشر بعض حالات تصرف هؤلاء كنماذج كان لها دورها في تكوين الثقافة الإسبانية لاحقاً. ونشير قبل ذلك إلى أن هذا الجيل بدوره قد عاد إلى البداية في تحديد الهوية الإسبانية ليكتشف مرة أخرى صورتين لإسبانيا: الرسمية والواقعية. وبدأ بمراجعة قراءاته وتحليلاته للشخصية الإسبانية مستفيداً بالطبع من الإرث الذي خلفه له جيل الـ 98. بل أن إعلان انطلاقة جيل الـ 27 قد جاءت اثر اجتماع أعضاءه في ندوة تكريمية لأساتذتهم من الأجيال السابقة وبشكل خاص جيل الـ 98.
لقد أحدثت الحرب العالمية الأولى هزة عنيفة في أوربا وبالطبع سيقابل ذلك رد فعل من قبل المثقفين الذين تبلورت رؤاهم في أكثر من تيار كان من أبرزها الطليعية التي دعت إلى رفض السابق والقطيعة معه والعمل على البحث نحو تصورات وتشكيلات جديدة تماماً. وهكذا انطلقت واتسعت القطيعة على الصعيد الإبداعي مع كل ما هو تقليدي.
ضمن مخلفات ومؤثرات هذه الأجواء كان ظهور جيل الـ 27 الأسباني والذي يسمى أيضا بـ (جيل الجمهورية، جيل الدكتاتورية.. وغيرها)(10)
هؤلاء الشعراء لم يرفضوا شيئاً أو أحداً وإنما كانوا يقبلون ويحترمون الآخر المختلف وكذلك الأمر في تعاملهم مع أساتذة الأجيال التي سبقتهم وكبار الشعراء من كل العصور.. بل ومن ثقافات أخرى. ولكن إلى جانب ذلك فقد كانوا ينحون في توجههم متقدمين إلى مواقف حالية معاصرة لهم. تحرر تام في الاستعارات والمجازات، الأسلوبية الشعرية المرتبطة بالواقع، النغمة الشبابية المتفائلة.. كل ذلك كان من بين سمات أعمالهم.
ومع هؤلاء فإن الشعر الأسباني في عقد الثلاثينات قد وصل إلى أعلى درجات نضجه. وهم في بداياتهم كانوا مستجيبين للتيارات الأخرى في أوربا ومتأثرين بالهوى الأوربي ولكنهم سرعان ما راحوا يضمنونها بقيم أصيلة من التقاليد الإسبانية.
تجدر الإشارة إلى أن إحدى الأنطلوجيات الأولى عن جيل الـ 27 والصادرة بعد مقتل لوركا وفي عهد الدكتاتور فرانكو، قد ضمن فيها المثقفون الأسبان لوركا أيضاً باعتباره جزءاً من هذه المجموعة، وجزء من المنجز الثقافي الإسباني ولا يمكن نكرانه حتى لو كانت السلطة ضده. وهذا للأسف ما لم يحدث مع الثقافة العراقية خلال عهد الدكتاتورية حيث رأينا الإلغاء والتغييب التام بل وحتى إغفال ذكر أسم أي مثقف عراقي عارض السلطة، سجنته أو قتلته أو غادر إلى المنفى.

المنفى ومـا بعده:
يتفق كل المثقفين الأسبان على أن أية محاولة للتعامل مع المنجز الثقافي الإسباني المعاصر ستكون ناقصة إذا لم يتم أخذه معاً بشطريه: الذي كان في الداخل وما أنتج منه في المنفى.
ففي المنفى تحققت منجزات كثيرة (وكما سنلاحظ بأنها تكاد تتطابق مع ما أنجزته الثقافة العراقية في المنفى).. منها:
ـ تأسست دور نشر ومؤسسات ومنتديات في مختلف الاختصاصات ومنها الثقافية الأدبية بشكل خاص وفي أنحاء مختلفة من العالم.
ـ عقد أكثر من ندوة أو مؤتمر خاص بالثقافة والشأن الإسباني.
ـ صدور مجلات رصينة، جادة تتمتع بحرية الطرح والتناول، بحيث لا يمكن إهمالها أبداً لأنها تشكل مرجعاً مهماً وأساسياً في دراسة وأرشفة ملامح تلك المرحلة.
ـ صدور عدد كبير من الكتب الإبداعية والموسوعية والدراسات.. وغيرها. ومنها ما تمت كتابته بلغات أخرى غير الإسبانية.
ـ حصول عدد من المثقفين الأسبان على جوائز غير إسبانية.
ـ الكثير من إصدارات ودور النشر الأجنبية قد خصصت مساحات واسعة للثقافة الإسبانية وذلك بفضل أهمية المثقفين الذين تواجدوا على ساحاتها بل وشاركوا فيها بفاعلية.. تأثراً وتأثيراً.
وبالطبع فغالبية الإنتاج في المنفى كان يحمل صبغة عصره وحاله الخاص، كالحنين والأمل وما خلفته الحرب في الناس والذاكرة. فمن بين خصائص أدب المنفى يمكن تشخيص التالي:
ـ الحنين إلى العالم الذي تمت مغادرته والمتروك في الخلف، أي الذاكرة. وهيمنة الحلم مرة تلو الأخرى بالوطن البعيد.
ـ الحرب كموضوع متكرر وحاضر في أغلب الأعمال.
ـ الألم والأوجاع المريرة المخفية تحت غطاء من السخرية والتهكم.
ـ محاولة التوغل إلى أبعد ما في عمق روحية الشعب الإسباني.
ـ تنوع التجريب الفني تأثراً بمعطيات الثقافات الأخرى.
وكانت الأعوام الأولى من ظاهرة المنفى تتسم بنوع من القطيعة بين مثقفي الداخل والخارج وفقدان الثقة بين الطرفين. ولكن هذا الأمر لم يدم طويلاً فسرعان ما راح المثقفون بطرفيهم يتفهمون ظروف بعضهم البعض ويفتحون نوافذاً للتواصل بل والعمل المشترك أحياناً.
بعد أعوام طويلة من المنفى فإن الغالبية من المثقفين الأسبان قد عادوا إلى وطنهم لكن الكثير منهم كانت عودته مؤقتة فرجعوا إلى بلدان منافيهم السابقة.
مع كل ذلك يتفق الغالبية على أن القطيعة التي خلفتها الحرب الأهلية بين المثقفين قد تم تجاوزها بعد ذلك بسرعة.. وانتقل الحديث إلى مسائل جديدة كطرح البعض على أن إسبانيا مع ما بعد الحرب ـ إسبانيا الداخل ـ لا تستطيع أن تقدم للعالم الثقافي شيئاً ذا قيمة مهمة.. لأن إطارها السياسي، في حينه، قد كان يحول دون ذلك. ولكن بشكل عام فإن الحوار الذي تم بين الداخل والخارج قد وصل إلى يقين بأنه لن يعود لينقطع مرة أخرى أبداً.
بعد كل ذلك تم توظيف الخبرات المكتسبة من الثقافات الأخرى وخاصة العلمية والعملية منها فيما يتعلق على صعيدي: الجامعات وفي الصحافة باعتبارهما عنصرين أساسيين لتلافي تكرار ما حدث وذلك عبر التأسيس من خلالهما للغة ورؤية جديدة، ثقافة جديدة مختلفة عن تلك التي تسببت بالكارثة.
تجدر الإشارة إلى أن المثقفين الأسبان وبعد انتهاء الدكتاتورية والتحول إلى الديمقراطية وعودة غالبية المنفيين، لم ينشغلوا بتصفية الحسابات فيما بينهم واتخذوا من المصارحة والموضوعية والتسامح أرضية مشتركة للبناء والعمل الثقافي القادم، بما يغني منجزهم. وكمثال على ذلك نذكر بأن الروائي كاميليو خوسيه ثيلا قد كان يعمل رقيباً على المطبوعات في سلطة فرانكو وساهم في منع العديد من نشر أعمال أقرانه، فلم يتم العمل على إلغائه ومنعه من المشاركة من قبل هؤلاء الأقران بعد زوال الدكتاتورية، وإنما واصل عمله الإبداعي بينهم حتى تمكن من أن يضيف في نهاية الأمر جائزة نوبل أخرى للأدب الإسباني. وهنا أرى ضرورة معاينة هذا الدرس والأخذ به من قبل المثقفين العراقيين في مرحلتهم الجديدة.. حيث إنه من الضروري الابتعاد تماماً عن أو رفض أية محاولة لإلغاء الآخر، وبالمقابل الاعتراف به وبوجوده كنتاج عراقي مهما يكن نوعه، وإنما يتم تشخيصه ونقده وقراءة كل عمل وموقف ضمن إطار مرحلته.. حيث المصارحة الهادئة والجادة في كل الأصعدة بهدف التصحيح وإعادة التوظيف لا بهدف الإضرار والإبعاد أو الإلغاء.
هذا وتجدر الملاحظة هنا أن مثقفين الداخل الأسبان الذين لم يخرجوا إلى المنفى وكانوا جزءاً من المؤسسة الرسمية الدكتاتورية، بعد تغير الحال، لجأوا في نتاجاتهم إلى التركيز على الطابع اللغوي، والخوض في الشعبي البحت، وصبغة السخرية والتهكم، ونموذجاً لذلك هي أعمال ثيلا نفسه.
بعد ذلك تواصلت الأجيال الثقافية الإسبانية على هذا المنوال مثل: الـ 1935 ، الـ 1945، الـ 1955.. إلخ. وهي التي نتجت بعد التحول الديمقراطي وشكلت التتابع للمنجز الثقافي الإسباني حتى اليوم.. وهذه الأجيال سنؤجل الحديث عنها لمرحلة لاحقة.
نـقـاط مُـتـمِـمَـة :
إضافة وتأكيداً وإكمالاً وإلحاقاً بما سبق وأن تطرقنا إليه آنفاً حول ما يمكن الاستفادة منه من تجارب المثقفين الأسبان، وما يمكن أن يخدم في تفعيل دور الثقافة العراقية، أود تأشير النقاط المتممة التالية كمقترحات أخرى لعمل ثقافتنا في مرحلتها الحالية:
ـ العمل على إشاعة روح التسامح والديمقراطية بين المثقفين أنفسهم وبين الناس. ونبذ أي شكل من أشكال التعصب بما في ذلك التعصب الوطني.
ـ تبني القوانين المتعارف عليها دولياً في الدفاع والحفاظ على حقوق المؤلف.
ـ إلغاء مؤسسات الرقابة الحكومية على الإنتاج الثقافي التي تتحكم في نشره من عدمه.
ـ دعم استمرار نشاط المشاريع الثقافية التي تأسست في الخارج حفاظاً على تاريخها واستجلاباً لروحيتها التي انطلقت من مناخ آخر وتجربة ثقافية أخرى.. سواء أرادت هذه المشاريع أن تواصل عملها من مكان انطلاقها نفسه أو أرادت الانتقال للعمل داخل الوطن.
ـ إعادة النشر، داخل العراق، لكل ما تم نشره في المنفى ودراسته.
ـ تشجيع التخلي عن المؤسساتية الحكومية والحزبية التي تحاول قولبة النشاط الثقافي ضمن شروطها، وفي حالة تكوينها يجب عدم فرض ضوابط وشروط خارجة عن طبيعة العمل الإبداعي ذاته، أي استبعاد العنصر الإيديولوجي والرسمي.
ـ تشجيع مشاريع الاستثمار والإنتاج الثقافي الخاصة، وتحفيز سبل التنافس المشروع فيما بينها، وجعل الشارع المتلقي مقياساً للنجاح بالنسبة لها وبالنسبة للمبدع أيضاً كي يقترب من الشارع ولا يعتمد في مواصلة إنتاجه على دعم الدولة من خلال تلقي الرواتب كما كان الأمر في العهد البائد.
ـ استحداث جوائز ذات طابع وطني، لا خلاف عليه، يتم من خلالها تكريم المستحقين وتشجيعهم.
ـ مطالبة الحكومة بتبني دعم ترجمة الأعمال المتميزة التي تمثل الثقافة العراقية وتعرف بها في اللغات الأخرى.
ـ الحرص أولاً على مواصلة نقد الواقع ومراجعة الشخصية العراقية، تخليصاً لها من الأوهام والديموغوجية، وإعانتها على تفهم واستعادة هويتها وفق اتباع صيغة النقد والتحليل الموضوعي، وإبراز العناصر والخصائص الشعبية والتاريخية الأصيلة والرموز الثقافية. وإعادة الثقة بالنفس وتحبيب روحية المنظر الطبيعي والشعبي والجغرافي التقليدي العراقي العام (وحدة العراق) الذي يمثل سمة ثابتة وجوهرية في تكوين الهوية العراقية.
ـ عدم تردد المثقفين بالانضمام والعمل ضمن أجيال وجماعات وتجمعات لها أهدافها العامة دون أن يؤثر ذلك على خصوصية كل فرد في طبيعة رؤيته وأسلوبه الإبداعي الخاص في تناوله الفني والموضوعي.
ـ بذل المبدعين جهوداً إضافية كبيرة في المساهمة بكتابة المقالات المختلفة، بما فيها تلك التي لا تخص الأدب، أي التي تعين على التحليل والرؤية والتوعية الديمقراطية. واستمرار الالتزام بدو المثقف كناقد ومراقب دائم لكل ما يحدث.
ـ العمل على إشاعة ظاهرة القراءة عند الشعب وتعزيز امتلاك المنظور الثقافي والحضاري لكل مظاهر الحياة. ومحاولة إيجاد مفردات ولغة مختلفة عن تعابير الخطاب البائد كي توحي اللغة الجدية بمناخ وروحية مرحلة جديدة. والحرص على الحضور المكثف للمثقف والثقافي في وسائل الإعلام.
ـ العمل على ترسيخ مبدأ وسلوكية الاحترام: احترام الآخر المختلف، احترام النظام الإداري، احترام الحرية الفردية، واحترام دولة القانون وتعزيز الانتماء إليها وتنمية الحس بالمسؤولية الوطنية في عملية إعادة البناء.
ـ الانتباه والحذر من سقوط الثقافي تحت سلطة السياسي مرة أخرى، وإنما يجب أن يتم العمل لتعزيز ما هو معاكس تقريباً؛ أي ينير الثقافي طريق السياسي في وصف الواقع وتقريبه إليه، ومن ثم المراقبة والنقد الدائم من قبل الثقافي للسياسي، كي لا تكون رؤية المثقف خاضعة لرؤية الأيديولوجيا أو الحكومة.
ـ التكاتف من أجل الدفاع عن حرية التعبير وصيانتها والحرص على عدم تعرض أي مثقف لأي تهديد مهما يكن طرحه. والعمل على ضمان حرية الرأي والوقوف مع حق صاحبه وإن كنا نخالفه الرأي.. كي لا نقع تحت طائلة أية سلطة سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية أم أخلاقية بعينها.
ـ بث روحية القيم التي تثمن وتقدر الحياة عبر تفكيك ومحاربة الخطابات السابقة التي كانت تعلي من شأن الموت على حساب الحياة، كتلك الذهنية التي تنتج تلك الهتافات الهيستيرية المليئة بمفردات الثأر والدم والموت والسيوف، مثل: الموت للخونة، وطن تشيده الجماجم والدم، بالروح بالدم نفديك يا عراق، اليوصل حدنا نقص يده، نموت وليحيا الوطن، إن المشانق للعقيدة سلم.. إلخ.
ـ على المثقف أن يتخذ المواقف التي تجعله إلى جانب الشعب ويعمل على تعزيز ثقة الشعب بنفسه، وفي مواقف معينة أن يتخذ دور الوسيط الحيادي الموضوعي والواعي بين الشارع والسلطة السياسية المحلية وتبعاتها المرتبطة بظروف ومصالح السياسة الدولية.
ـ أن لا يتردد المثقفون بالانضمام إلى المنظمات والجمعيات ذات الأهداف الإنسانية وحقوق الإنسان ولجان التوعية الديمقراطية، كما يجتهد منهم، الذين لديهم مؤهلات أكاديمية وحرفية أخرى، في الحث على تحسين أساليب العمل والمناهج في المجالات التي يعملون ضمنها وخاصة أولئك الفاعلين في الأوساط الأكاديمية والجامعية والقانونية والصحافة.
ـ الانفتاح على الثقافات الأخرى ومتابعة ومواكبة ما يستجد في العالم والتفاعل معه، وأن يكون للمثقفين العائدين من المنفى أو الباقين فيه دور مهم وجاد في التعريف ونقل تجارب وخبرات منتقاة من ثقافات البلدان التي عرفوها.
ـ أن لا يتم رفض كل ما تم إنتاجه في عهد الدكتاتورية بصورة اعتباطية انفعالية وإنما يتم النظر إليه باعتباره نتاج عراقي سواء شئنا أم أبينا ويجب التعامل معه بنظرة موضوعية ودراسته آخذين بنظر الاعتبار طبيعة ومناخ الظروف التي أنتج فيها، ومن ذلك سنجد مثلاً أن الكثير من الأعمال الأدبية التي كتبت خلال أعوام الحروب لا تخلوا من تسجيلات توثيقية وتقريرية وشهادات واقعية بعد أن نضع جانباً ما أقحم عليها من مفردات وحس تعبوي متعمد.
ـ الإكثار من الاحتفاء وتخليد ذكرى وتكريم وإضاءة أعمال ومواقف الرموز الثقافية والإبداعية البارزة التي يتوحد حول حبها والاعتزاز بها كل العراقيين، أمثال: السياب وجواد سليم ونازك الملائكة.. وغيرهم.
ـ التفكير المستمر في كل ما من شأنه تعزيز دور الثقافي وتصويب مساره.
-------------------------------------------------------------
مصادر ومراجع:
(1) ـ سليم مطر، علي الوردي وبداوة المجتمع العراقي، مجلة (عيون) العدد 10، سنة 2000، دار الجمل، ألمانيا.
(2) ـ نوبوأكي نوتوهارا، البحث عن الأشياء المفقودة، المصدر السابق نفسه.
(3) ـ Donald Shaw, La generacion del 98. Madrid, Eds. Catedra, 1977
(4) ـ V. Tuson, F. Lazaro, Literatura del siglo XX, Ed, Anaya, Madrid 1990.
(5) ـ المصدر السابق نفسه.
(6) ـ Azorin, La generacion del 98, Ed. De Angel Cruz Rueda, Salamanca 1961.
(7) ـ V. Tuson, F. Lazaro, Literatura del siglo XX, Ed, Anaya, Madrid 1990
(8) ـ P. Salinas, Ensayos completos, Ed. Taurus, Madrid. Pedro Salinas, Literatura espanola. Siglo XX, Ed. Alianza, Madrid, (Libro de bolsillo num. 239.
(9) ـ C. Vines Millet, La cultura en la Espa;a contemporanea, Ed. Edi-6, Madrid 1986.
(10) ـ المصدر السابق نفسه.
--------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الأديب) العراقية/العدد 134 بتاريخ 27 سبتمبر 2006م.
وفي منابر أخرى منها (عراق الكلمة).
http://www.iraqalkalema.com/article.php?id=3066

هناك تعليق واحد:

Ortegalogia يقول...

مقال ممتاز مع أن الإحالة الى التجربة الإسبانية فيها كثير من المحاذير
تحياتي
من تطاون العامرة