الاثنين، 25 أبريل، 2016

عن رواية: ذئبة الحُب والكتب / باسم سليمان

 (ذئبة الحُب والكتب)
الكتابة تصحّح الخطأ الوجودي للجّلاد
باسم سليمان
قد يكون سؤال ماذا نريد من الكتابة بشكل عام والرّواية بشكل خاص هو العمود الفقري المختفي تحت جلد ولحم وعظم رواية "ذئبة الحبّ والكُتب" للروائي العراقي محسن الرملي، فالجسد السّردي الرشيق للرواية استطاع تضمين السؤال من خلال الشخصيات بدءاً من محسن الرملي ورفاعي وهيام وآخرين كأشخاص واقعيين أو تخيليين لا فرق مروراً بالسيرة العبرروائية، التي شَخَصْها الروائي محسن الرملي عبر السّرد المعنون بالعتبة الهوياتية الخاصة جداً "أنا" والسّرد التخيّلي لشخصية "هيام" والمعنون بآخر جندري بصيغة "هي" هذا من جهة ومن جهة أخرى عبر الفضاء الزمكاني للرواية كالعراق، عراق الرّاوي وعراق هيام مع انعكاسه المهجري في اسبانيا والفضاء الكتابي من خلال روايات وكُتب "حسن مطلك الرملي أخ الروائي محسن سواء من خلاله أو خلال هيام بحيث نجد أنّ سرد محسن الرملي أو سرد هيام هو صدى لكتابة حسن مطلك الرملي وكأنّهما يحقّقان بذلك مقولة "جيرار جينيت" عن المناص الخارجي فإذا كان التناص كتابة على كتابة فأنّ المناص صوت الصّوت عن الكتابة وليس صداه.
لا ريب أنّ الخيال ومن بعده التخييل جاء كعجز عن حيازة الوجود وتبديله، فهو أضعف الإيمان لكنّه أقواه؛ هو أضعف من حيث أنّ المخيال يشبه أثر الفراشة، فلا يُحدث تغيراته إلا بعد زمن طويل وأقوى من حيث مقولة :"إنّ كلّ ذي عاهة جبار" قد تحتاج الجملة الأخيرة لبعض التفسير؛ فالسجن والقمع والاستبداد والقتل عاهة تصيب الوجود البشري وتعطبه وتعرقل سيرورته وصيروته والوقوف في وجهها يشبه آلية الكتابة في حفظها الصّوت من الفناء هكذا تصبح الكتابة ضد الموات، فالروائي محسن الرملي المجني عليه بجريرة أخيه المتورِّط بعملية انقلاب ضدّ نظام الحكم في العراق والمنفي بشكل ذاتي بعد أن كفنته أرض السّواد بديكتاتوريتها يهاجر إلى الأردن متلمّساً غربةً تجدّده وهجرةً تبعثه من مواته وهو بذلك مثله مثل هيام الفتاة العراقية التي عاصرت العراق من خلال حكاية جدّها "الذئب" وأمّها و أبيها ومسيرة تعلّمها وزواجها من "عبود" والهجرة نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق، فتجد عراقها في الكاتب "حسن مطلك الرملي" وفي فقر الحبّ الذي تعيشه مع زوجها وغربتها، تخترع علاقة مع حسن ليس المطلك بل إحدى تجلياته من حيث أنّها تتعامل مع نتاجه الكتابي تارة كتناص وتارة كمناص وتكون رسائلها إليه عبر بريدها الالكتروني واتصالاتها الخيالية هي المناص وصوت الصّوت لكتابات حسن مطلك الرملي فيتقاطع الخيالي مع الواقعي حيث أن شقيق الكاتب حسن مطلك الرملي الذي هو محسن الرملي ينشئ مدونة على النت معرفاً بنتاج أخيه الذي أعدمه النظام السّابق في العراق وهكذا نجد التعريف الذي يحكم السّرد الروائي من حيث أنّه تخييل وواقع بنفس السّوية أو انتصار رؤية الفرد الخاصة للوجود.
فالكتابة التي هي أحد فروع كلمة "دَوَنَ" والتي تعني بإحدى دلالاتها الشيء الأسفل والقاع، تشي عبر التأويل بفقدان الجنة وإعادة خلقها عبر إعادة مَخْيَلَتها كغاية إنسانية عليا. 

ذئبة الحبّ والكُتب:
في الرّاوية جانبان  للسّرد ينطلقان من خطأ طباعي حدث نتيجة كتابة "الإيميل" لمدونة حسن مطلك على النت التي أنشأها أخوه ليعرِّف به، فينفتح " إيميل " هيام ويقرأ محسن رسائلها إلى حبيبها الافتراضي "حسن" فيتعلّق بها ويطبع محتويات الرسائل، فتجدّد له الحلم وتدفعه نحو " أندلسه " متشابهاً بذلك مع صقر قريش عبد الرحمن الداخل ومن خلال الواقع تنفتح الآفاق للروائي محسن الرملي في اسبانيا من هذه النقطة تتضح آلية التخييل ذلك التعاضد بين الواقعي والتخيلي في تصنيع خام الوجود البشري وبنفس التأويل نجد كيف أنّ الخطيئة الأساسية وفق المدونة البشرية هي من اشترعت وجود الإنسان على هذه الأرض لكي يقوم بأعمارها.
يعرض الرملي في سرده المعنون ب "أنا" سيرة عبرروائية له معرجاً على سيرة أخيه "حسن" حيث من خلال الاقتباسات التي وجهت السّرد من كُتب " حسن مطلك " نجد دور الكتابة في شدّ عصب الحياة في الإنسان وبنفس الوقت تلعب حكايات هيام ذات الدور لها وله، ففي مكان ما تمثّلت سيرة جدها "الذئب" الذي ثار على أخوته عندما أرادوا قسمة إرث أبيهم قسمة ضِيزَى وكيف أصبح الجد كـ"روبن هود" يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء ومن خلال سيرورة حياتها تسلّط الضوء على واقع العراق الاجتماعي والثقافي والسياسي والأهم تكشف تهافت عالم الثقافة تحت سطوة الديكتاتورية والأكثر أنّ المثقفين عرضة للبيع والشراء والنكوص والخوف، فيتضح الوجه الشعاراتي للكتابة كما هو في السياسة والواقع أيضاً إذ أنّها سريعة التلوث ولا يقدر على حمل وزرها إلا كلّ شجاع يقف في وجه جلاده ليصحّح له الخطأ الإملائي النحوي حين يتلو عليه قرار إعدامه كما فعل حسن مطلك.
لقد أنقذت الكتابة كلّ من محسن كواقع وهيام كتخييل وبالمقابل نجد أنّ رفاعي الذي لا يعرف الكتابة رغم روحه المتوقِّدة وعشقه ورغبته بأن يكتب له محسن سيرة حياته كرواية ليقدمها لحبيبته ومع أنّه قد ثار على زوجة ابيه وأنقذ أخته من براثنها يسقط وينتهي نهاية سيئة ونجد من خلال الإشارات في قصته لو أنّه كان يملك القدرة على القراءة والكتابة لوجد في خطّ كتابة ما لحبيبته حبل النجاة الذي أراد من محسن الرملي أن ينجزه له.

الكتابة أكمل الأشياء كالدائرة:
تمرّ السنين على الروائي محسن الرملي في اسبانيا وينجز روايات وكتب كثيرة منها "حدائق الرئيس – تمر الأصابع – الفتيت المبعثر" وغيرها الكثير وهو يبحث عن هيام/ الكتابة  ويعود إلى الأردن ومن بعدها إلى العراق ليكتشف أنّ رسائل هيام وما كتبه قد خطّ في أحد الدفاتر التي اشتراه له رفاعي لكي يكتب له روايته التي سيهديها لحبيبته، لقد أنجز الرملي وعده لرفاعي لكن رفاعي الذي لا يعرف القراءة لم يستطع النجاة، فإن كانت الكتابة ساق الخيال فالقراءة السّاق الثانية التي يحتاز بهما الإنسان الواقع ويقاوم عجزه وينتصر عليه. 
ولناحية هيام تتضح لديها الرؤية وتغدو قادرة على اتخاذ قرارات مهمة في حياتها،  لقد أصبحت تشبه "بشعة" تلك الفتاة التي التقتها في العراق"وبشعة " هذه فتاة جميلة جداً تحمي قريتها بعدما خلت من الرجال الذين محتهم الحرب.

الآخر هي وليس هو :
يقدّم الروائي محسن الرملي من خلال حصّة هيام في السّرد صوت الأنثى بوضوح بعيداً عن تقنّع السّرد الذكوري، فهي تقدّم هواجسها النفسية والجسدية والفكرية محللة ومفككة وناقدة بشكل جذري المنظومة الذكورية المعرفية فاضحة تهافتها كتهافت الديكتاتورية السياسية وتخلّفها كالنظرة الدينية التي يبثّها الذكر محولاً الدين إلى هوامات لا تمت إليه بصلة مستأصلاً الأنثى من الوجود في حين هي من حملت كلمات الغفران له من الإله.
فآخر الذكر الأنثى كما آخر الصّوت الكتابة وآخر الفضاء الزمكاني هو التخييل، فنجد أنّ الكتب التي ذكرتها هيام سواء كُتب حسن مطلك وغيره قد ساهمت بشكل كبير في نضوجها واتضاح بوصلتها هذا من جهة ومن جهة أخرى أظهر حديثها مع حسن بشكل صوتي أنّ صوت الأنثى يصبح عورة عندما يُجبّ ويقمع ويصير معرفة عندما يطلق له العنان في التعبير والبوح والوضوح.
تتجلى الأنثى في سرد الرملي كسَكِيَنة وعند غيابها يختلّ عالمه فإن كانت الأنثى وفق المدونة الكلاسية هي سبب الخطيئة فإنها وفق المدونة الإنسانية الحقّ هي سبب جبّها والانبعاث منها نحو حياة حقيقية تليق بالإنسان.

المناص المعرفي :                 
 تشتمل الرّواية على ذكر الكثير من الكُتب والتمازج معها، فلم يكتف الكاتب ممثلاً عبر سيرته الروائية وشخصية هيام بالتناص بل ذهب إلى ما يسميه "جيرار جنيت" المناص الخارجي الذي يشمل كلّ الكتابات التي تعلّق على كتابة ما، فمن كُتبِ حسن مطلق "دابادا" وغيرها إلى هيرمان هسه وهيدغر مع آخرين شكّلوا الفضاء القرائي للرّواية حتى أنّ الكاتب ذهب لتضمين المقالة الروائية كما يفعل ميلان كونديرا خاصة في نقده المسرحي وذلك من خلال سلاسة نقدية لا تظهر أبداً تحويل السّرد الروائي إلى تدوينة معرفية تخلّ بعنصر التخييل.

من جديد ذئبة الحبّ والكتب:
كما أنّ الحبّ هو مبدأ الكون والباعث لنشوئه والقادر على تبديد ظلامه، فالكتابة بهذا الشّغف والحسّ العالي الذي أظهره الروائي محسن الرملي دلالة على مدى التعاشق بينه وبين الكتابة كأسلوب حياة، تنظيراً وتطبيقاً وعليه نقول: إنّ الرّواية هي مديح وعشق وعبادة بحق الكتابة والحبّ والحياة ومقاومة الظّلم.
رواية ذئبة الحبّ والكُتب للروائي العراقي المقيم في اسبانيا ترشحت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد لهذا العام، صادرة عن دار المدى لعام 2015م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (البحرين الثقافية) العدد 84 سنة 2016م.
**باسم سليمان: شاعر وناقد سوري، من أعماله: تماماً قبلة، لم أمسس، نوكيا، مخلب الفراشة.  

 

ليست هناك تعليقات: