السبت، 23 أبريل، 2016

عن كتاب: الأدب الإسباني في عصره الذهبي/ زينب المشاط

دور الأدب في تخليد تأريخ البلاد تَجَسّد في
 "الأدب الإسباني في عصره الذهبي " 

                                                                                         زينب المشاط 
حين يكون الأدب والثقافة هويّة هذا البلد أو ذاك، سوف نعلم مُسبقاً بأنها سوف تُخلد في ذاكرة العالم لقرون طوال، فما زالت إسبانيا تُدين لثقافتها الأدبية في تعريف وترسيخ هويتها وخصوصاً في القرنين السادس والسابع عشر لحقبةٍ أُطلق  عليها اسم "العصر الذهبي" والتي تقع ما بين النصف الثاني من القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، حيث أظهرت تلك المرحلة أُدباء كِبار لم يسبق أن ظهر أحد  بمستواهم . كتاب "الأدب الإسباني في عصره الذهبي" الذي  ترجمه وأعدّه وقدمه الدكتور محسن الرملي والذي صدر عن دار المدى للثقافة والفنون لعام 2015  يستعرض تأريخ الأدب الاسباني وكيف انتقل من عصور النزاعات واستغلال النُبلاء للمماليك إلى عصور النهضة والثقافة والعلوم التي ازدهرت آنذاك إلى جانب ازدهار فنون الرسم والموسيقى حيث بزغت حركات فكرية وإنسانية.
إلا إن الأدب "شعراً ونثراً" كان في قمة كل ذلك فترك بعده أعمالاً رائدة وخلد قواعد تأسيسية كبيرة ، ونتيجةً لاتسام القرن الخامس عشر بصراعات داخلية وضعف ملوك الإقليم لذلك بات الملوك يخضعون لطبقة النبلاء من أجل إبقائهم في السلطة، وقد احتدت النزاعات الداخلية حتى تولي محمد الثامن للعرش وهو شاعر وراعٍ للأدب وتلاه توليد أزمة ثقافية وأدبية عميقة لن يتم تجاوزها لاحقاً رغم وجود بعض الشعراء والمثقفين أمثال قيس دي باثا  واليعقوبي إلا إن ذلك كان شيئاً يسيراً ، وفي هذه الأثناء واصل اليهود نشاطاتهم الثقافية على الرغم من تزايد الضغوط والمُلاحقات ومن أمثالهم " يعقوب دي أوكليس و موشي راخيل وآبراهام ثاكوت، إلا إن العلاقة الجيدة بين آراغون وقشتالة بعد اتفاقية كاسبي قد سهلت وصول النبلاء القشتاليين إلى البلاط الملكي الاراغوني في برشلونة ومن بعدها بلاط ألفونسو الخامس في نابولي وهنا تلاقى التأثير الثقافي القادم من شرق شبه الجزيرة الايبيرية بما هو جديد في إيطاليا.
 ومنذ وصول الملوك الكاثوليك وسقوط غرناطة واكتشاف القارة الأمريكية بدأت التراجعات لبعض أصناف الشعر والأدب وبرزت تحولات التوجه لكتب الفروسية والعاطفية والكتب الخيالية.
وفيما يخص أدب الشعر فقد كان من أبرز شعراء ذلك العصر بيرو لوبي ثدي آيلا والذي ينحدر من عائلة نبيلة وقد تعرف على ابرز الكتاب لفرنسيين في عصره من خلال بلاط الملكين كارلوس الخامس والسادس وقد اختط الشعر الغنائي طريقه في نفس آيلا . وقد عدّ الشعر من ابرز الفنون التي ارتقت وتألقت في العصر الذهبي وتميز هذا العصر بسيادة الشعر لغنائي إلا أنه لم يتوقف عن التنويع ومحاولات التجديد من داخله على صعيدي الشكل والمضمون أما عن أدب النثر فكان مُقتصراً على الأعمال التعليمية إلا إنه في بداية القرن الرابع عشر ظهر أول عمل نثري "كتاب الفارس ثيفار" وكان مكتوباً نثراً وعُدّ بحثاً عن مصداقية الاستعارة التاريخية وكان يعتبر من الأعمال النثرية الخيالية . أما فيما بخص فن القصة فيُعد كتاب "الكونت لوكانور" لدون خوان مانويل من الأعمال الرائدة والتأسيسية لفن القصة القصيرة في اسبانيا ذلك لأنه وجد بنية تقنية سردية جيدة عبر الحوار ما بين شخصيتين رئيسيتين وكانت نهايات كل قصة تدل على أن المؤلف لديه مفهوم واضح لوحدة النص واهتمام أسلوبي يفوق بكثير ما كان سائدا نثريا في عصره وما يجدر  الإشارة  إليه إن ازدهار القصة  يعود سببه إلى ترجمة النصوص إلى العربية.
أما فيما يخص المسرح فقد سُميَّ أولاً بالمسرح البدائي الذي شهد الانتقال من العصور القديمة إلى الوسيط وتبعه اختفاء المسرح الكلاسيكي الذي لم يكُن يعني بالضرورة أن تموت كل الأشكال الشعبية للفن وبهذا ظهرت الفنون الشعبية في المسرح وتلتها النصوص الدينية والعاطفية وغيرها وحتى ظهور عصر النهضة أو ما عُرف بالعصر الذهبي الذي كان نتيجةً لجعل إنسان هذا العصر من ذاته مركزاً لتفكيره وعالمه مع تغير علاقاته بالرب والطبيعة وبالآخر وهنا توجه الاهتمام إلى التربية والفكر والأدب والعناية بالشعر وتنسيق الفكرة الأدبية في خدمة الإعلام.
وهنا ازدادت الجوانب المهتمة بالقراءة والكتب فقد كانوا مولعين بهذا العصر بالقراءة حتى بلغ الجنس الأدبي ذروته في أواسط القرن السادس عشر واستمر حتى نهايته وقد نشر ما يقارب 267 كتاب بين الأعوام 1501 و1650م.
 لقد حاول هذا الكتاب استعراض الواقع السياسي والصراعات والنزاعات داخل الدولة الإسبانية وتبيان ما للأدب والثقافة من دور مهم في القضاء على حقبة المآسي الإسبانية والنهوض بالواقع الإسباني ، ويُعد هذا الكتاب شاملاً ومرجعياً في مادته ويحتوي أربعة أبواب يمكن اعتبارها مستقلة عن بعضها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي التابع لصحيفة (المدى)، العدد 3555 بتاريخ 24/1/2016م.

ليست هناك تعليقات: