الخميس، 21 أبريل، 2016

البئر المُر / د.محسن الرملي

تراث
البِئر المُرّ
د.محسن الرملي
للعام الثالث على التوالي أشارك في مهرجان طليطلة الدولي للشِعر، باعتباري عضوا في هيئته الوطنية المنظمة، وصار من تقاليد هذا المهرجان إسكان المشاركين في بيوت عوائل تتطوع.. بل تتسابق لاستضافة الشعراء، ولا غرابة في هذا الكرم من أهل مدينة عريقة احتضنت شتى الثقافات على مر العصور ولازال كل زقاق فيها وكل بيت وحجر يفوح بعبق التاريخ وأرواح الأسلاف.
في المرات السابقة، كانت البيوت التي سكنتها عربية الأصل ولازالت آثار قاطنيها الأوائل موجودة، وكل منها يستحق تسطير حكاياته القديمة والحالية بالتفصيل، الفناء الشرقي بنافورته الصغيرة، الزخارف الإسلامية، الأواني الفخارية والنحاسية وأحواض الغسيل ومجاري تصريف المياه والآبار الداخلية، أما هذا العام فكان نصيبي أن أسكن في بيت يطل على ساحة صغيرة أخذت اسمها من البئر الذي يتوسطها منذ قرون، وأصبح مزاراً للعشاق والمُفارقين والحزانا والسياح طبعاً. اسمه (البئر المُر) وتقول حكايته التي يعرفها كل أهالي المدينة، ودُوّن ملخصها على قطعة معدنية في الجدار، أنه وفي تلك الأزمنة الغابرة التي كانت فيها الصراعات تتخذ من الأديان حجة لها، بحيث ظهرت (محاكم التفتيش) المرعبة على هذا الأساس ـ للأسف هذا يحدث هذا في بلداننا الآن، وكأننا نعيش في تلك العصور الغابرة التي تجاوزتها الأمم ـ. تقول الأسطورة أن شاباً مسيحياً وشابة يهودية قد هاما ببعضهما عشقاً، وكانا يلتقيان سِراً عند هذا البئر، إلا أن حبهما كان مستحيلا آنذاك، لأن أتباع كل دين كانوا يكفرون أتباع الدين الآخر،  فبعد أن عرف والدها بالأمر وعجز عن اقناع ابنته الوحيدة بالعدول عن هذا الحب، قرر أن يقتل الشاب، فزعم أنه سيغيب في سفر، تاركاً إياهما يتناجيان عند البئر كل ليلة، وفي ليلة دامسة، تسلل من وسط شجيرات الحديقة وطعن الشاب في قلبه حتى أرداه قتيلاً. بعدها، ظلت ابنته العاشقة تأتي كل ليلة للبكاء هناك، ولكثرة ما سكبت من دموع مريرة تحول ماء البئر العذب، بالتدريج، إلى ماء مُر، لهذا صار يسمى (البئر المُر).. والبعض يقول بأن العاشقة أنهت حياتها ملقية بنفسها في البئر.
في أوخر الليلة الأخيرة للمهرجان، بعد أن ختمناه بالموسيقى والرقص والقصائد بمختلف اللغات في باحة (متحف الجيش) التي فُتِحت لنا لنزرعها بالشِعر بدل الأسلحة، وكانت قيادة ومقرات الجيش الإسباني هناك قد دعمت مهرجاننا هذا العام ـ ترى أي جيش عربي قد دعم أو حتى اكترث بحدث ثقافي؟ـ. وقبل أن أدلف إلى البيت، جلستُ على حافة هذا البئر الذي تمت العناية به كاملاً، من بكرة حبل الدلو إلى أعماقه. دخنتُ وفكرتُ طويلاً بكل الآبار التي عرفتها ولم أعرفها. تُرى كم من فتاة عربية سكبت دمعها المُر بقلب كسير دون أن يلتفت إليها أحد؟ كم من بئر مُر أُلقيت فيه صبيّة من فلذة أكبادنا بحجة غسل العار؟ كم من بئر مُر ألقيت فيه جثة بريء بعد تكفيره مجاناً؟ كم من بئر عربي تاريخي يضج بالمواريث تم اهماله ونسيانه؟ متى نتعلم المحافظة على ما ورثناه ماديا وشفاهيا من حلو ومُر ونريه لأجيالنا المتعاقبة كي تتعظ؟
في الصباح، مع حقيبتي بانتظار التاكسي الذي تواعدت معه عند (البئر المُر) ليقلني إلى محطة القطار العائد إلى مدريد، اقترب معلم وجَمع من تلاميذه الذكور والإناث، فأحاطوا بالبئر وراح يشرح لهم حكايته. غادرتُ وأنا أسمعه يقول لهم: أن الأديان الصحيحة هي دعوة للحب لا للكراهية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (تراث) الإماراتية، العدد 192 اكتوبر 2016م.

هناك تعليق واحد:

firas easa يقول...

روعات دكتور محسن الرملي لن تتوقف , وفقكم الله ورعاكم.