الاثنين، 25 أبريل 2016

مائة قصيدة كولومبية.. تأسيس لهوية

مائة قصيدة كولومبية
مراحل التأسيس لهوية ثقافية وطنية مستقلة
                                                                                           بغداد/ أوراق
  تعد كولومبيا أول بلد اميركي لاتيني يؤسس ما يعرف باكاديمية اللغة في عام 1871  وصارت عبر هذه اللغة تتلقى مؤثرات وتحولات وتيارات الثقافات الخارجية الاخرى وتستفيد منها، فبرزت اسماء ادبية شكلت مؤسسة للأدب الكولومبي. نماذج  مختارة من الشعر المعاصر تضمنت كتاب (مائة قصيدة كولومبية) للباحث  والمترجم الدكتور محسن الرملي والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر..
مشيراً الى ان تجربة الثقافة الكولومبية قطعت مسيرة ادبية طويلة تعاقبت عليها اجيال كثيرة منذ مرحلة التأسيس وحتى الزمن الحالي. وان الثقافة الكولومبية مثل مجمل ثقافات شعوب قارة أميركا اللاتينية هي ارث سكانها الأصليين الانديخيناس الذين لم يتبق من آدابهم سوى بعض الملاحم والأساطير القليلة والتي من اشهرها ملحمة يوروباري المكتوبة بالآمازونية وتعني اسم بطل معروف في كولومبيا والبرازيل. ثم جاءت بعد ذلك الثقافة الاستعمارية الاسبانية التي راحت تؤسس اواسط القرن السادس عشر طابعها الديني الكاثوليكي الذي عمد الى تغيير العادات والمعتقدات واللغة حتى جاءت مرحلة الكفاح من اجل الاستقلال والتي استمرت على مدى القرن التاسع عشر باكمله تقريباً، وفيما يخص الشعر باعتباره الجنس الابرز في هذه الثقافة، تم اختيار مجموعة شعراء بعناية مع نبذة عن كل واحد منهم. قطعت تجربة الثقافة الكولومبية مسيرة ادبية طويلة تعاقبت عليها اجيال كثيرة منذ مرحلة التأسيس وحتى الزمن الحالي. وفيما يخص الشعر باعتباره الجنس الابرز في هذه الثقافة لمجموعة شعراء تم اختيارهم بعناية مع نبذة عن كل واحد منهم. مبيناً ان الثقافة الكولومبية مثل مجمل ثقافات شعوب قارة أميركا اللاتينية هي ارث سكانها الأصليين الانديخيناس الذين لم يتبق من آدابهم سوى بعض الملاحم والأساطير القليلة والتي من اشهرها ملحمة يوروباري المكتوبة بالآمازونية وتعني اسم بطل معروف في كولومبيا والبرازيل. ثم جاءت بعد ذلك الثقافة الاستعمارية الاسبانية التي راحت تؤسس اواسط القرن السادس عشر طابعها الديني الكاثوليكي الذي عمد الى تغيير العادات والمعتقدات واللغة حتى جاءت مرحلة الكفاح من اجل الاستقلال والتي استمرت على مدى القرن التاسع عشر باكمله تقريباً قبل ان تظهر في اواخره مرحلة كانت رومانسية بطبيعتها ومنها على سبيل المثال الشاعر خوسيه خواكين اورتيث.. ثم ظهرت بعد ذلك مرحلة سميت العاداتية اهتمت بما هو واقعي من عادات وشخصيات ومظاهر اجتماعية حرصت على الاشارة لما هو مشترك وسط هذا المزيج من خلال نصوص ناقدة لبعض السلوكيات الاجتماعية للسلطات الحاكمة المتعاقبة، ومن ابرز اسماء هذه المرحلة خورخه اساكيس وخوليو آربوليدا ورافائيل بومبو وسوليداد آكوستا وكانديلا اوبيسو وغيرهم. وتمخض عن هذا التحول من الرومانسية الى الواقعية ما صار يعرف بالحداثة من خلال نصوص سبق بعضها قصائد روبين داريو الذي يعد من اهم رواد الحداثة بالنسبة للشعر المكتوب بالاسبانية عموماً.
وهكذا ترسخت اسماء لشعراء كولومبيين ممن يعدون حداثيين بينهم خوسيه آسونثيون سيلبا وخوليو فلوريث وغيير موبالنثيا وبورفيريو باربا خاكوب. ومن وسط مرحلة المجددين هذه برزت جماعة (حجر وسماء) سنة 1939 يتزعمها ادواردو كارانثا، وجاءت هذه التسمية من عنوان لديوان الشاعر الاسباني خوان رامون خيمينيث الحاصل على جائزة نوبل عام 1965 حيث اثر هذا الشاعر عبر اسلوبه ورؤاه باجيال شعرية كاملة في مختلف البلدان الناطقة بالاسبانية. وفي عقد الثلاثينات بدأت تظهر سلسلة من شعراء عبرت قصائدهم عن امور اساسية وجوهرية في مسيرة الشعر الكولومبي المعاصر، وكانت من بين دعواتهم مسألة الاهتمام بالموضوعات الكونية للشعر والمشاعر والقيم الوطنية الى جانب العناية الفائقة باساليب الفن واللغة والاحتراف الأدبي تمسكاً بمفهوم انطونيو ماتشادو لما اسماه بالامان الشعري كتعبير اصدق عن هموم الناس بعد الشعور بالخيبة من كل السياسيين وايديولوجياتهم. ثم ظهرت مجموعة اخرى حاولت هضم تجارب الحركات السابقة لتكون اكثر طليعة منها، وعرفت باسم المجلة التي اسسوها والتفوا حولها (ميتو) أي الاسطورة، وابرز مؤسسيها الشعراء خورخة غايتان دوران وفرناندو تشاري وأولغا شمس الدين الحاج وهي من ابوين لبنانيين وقد اشتهرت لاحقاً باسم ميرا ديلمار. وفي عقد الخمسينات نشطت حركة (اللا شيئية) ذات الروح الاستعراضية والتي اسسها غونثالوا آرانغو ايام حكم الدكتاتور غوستابو روخاس بينلا، وهي حركة تنتمي الى تيار العدمية او الوجودية التي ظهرت عالميا في تلك الفترة، ومن ابرز شعرائها أميلكار اوسوريو وخايمه خاراميليو وماريو ريبيرو وغيرهم. وفي السبعينات ظهر جيل جديد من الشعراء أطلقت عليه تسمية (الجيل الساخط) لاستيائه من الاوضاع العامة في البلاد سياسيا واقتصادياً وثقافياً في ظل استشراء العنف وتجارة المخدرات التي لوثت كولومبيا. ثم تلا هؤلاء جيل اطلق على نفسه (بلا اسم) تعبيراً عن الافتقار الى رؤية جوهرية ثابتة تجمعهم وسط تصاعد سيادة الهوية الفردية، ولتمييز انفسهم عن عشرات المسميات على امتداد مراحل هذه المسيرة الطويلة. اما الآن فيشير الباحث إلى بروز ظاهرة الورش والمهرجانات الشعرية في انحاء كولومبيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي التابع لصحيفة (المدى)، العدد 3543 بتاريخ 10/1/2016م.


عن رواية: ذئبة الحُب والكتب / باسم سليمان

 (ذئبة الحُب والكتب)
الكتابة تصحّح الخطأ الوجودي للجّلاد
باسم سليمان
قد يكون سؤال ماذا نريد من الكتابة بشكل عام والرّواية بشكل خاص هو العمود الفقري المختفي تحت جلد ولحم وعظم رواية "ذئبة الحبّ والكُتب" للروائي العراقي محسن الرملي، فالجسد السّردي الرشيق للرواية استطاع تضمين السؤال من خلال الشخصيات بدءاً من محسن الرملي ورفاعي وهيام وآخرين كأشخاص واقعيين أو تخيليين لا فرق مروراً بالسيرة العبرروائية، التي شَخَصْها الروائي محسن الرملي عبر السّرد المعنون بالعتبة الهوياتية الخاصة جداً "أنا" والسّرد التخيّلي لشخصية "هيام" والمعنون بآخر جندري بصيغة "هي" هذا من جهة ومن جهة أخرى عبر الفضاء الزمكاني للرواية كالعراق، عراق الرّاوي وعراق هيام مع انعكاسه المهجري في اسبانيا والفضاء الكتابي من خلال روايات وكُتب "حسن مطلك الرملي أخ الروائي محسن سواء من خلاله أو خلال هيام بحيث نجد أنّ سرد محسن الرملي أو سرد هيام هو صدى لكتابة حسن مطلك الرملي وكأنّهما يحقّقان بذلك مقولة "جيرار جينيت" عن المناص الخارجي فإذا كان التناص كتابة على كتابة فأنّ المناص صوت الصّوت عن الكتابة وليس صداه.
لا ريب أنّ الخيال ومن بعده التخييل جاء كعجز عن حيازة الوجود وتبديله، فهو أضعف الإيمان لكنّه أقواه؛ هو أضعف من حيث أنّ المخيال يشبه أثر الفراشة، فلا يُحدث تغيراته إلا بعد زمن طويل وأقوى من حيث مقولة :"إنّ كلّ ذي عاهة جبار" قد تحتاج الجملة الأخيرة لبعض التفسير؛ فالسجن والقمع والاستبداد والقتل عاهة تصيب الوجود البشري وتعطبه وتعرقل سيرورته وصيروته والوقوف في وجهها يشبه آلية الكتابة في حفظها الصّوت من الفناء هكذا تصبح الكتابة ضد الموات، فالروائي محسن الرملي المجني عليه بجريرة أخيه المتورِّط بعملية انقلاب ضدّ نظام الحكم في العراق والمنفي بشكل ذاتي بعد أن كفنته أرض السّواد بديكتاتوريتها يهاجر إلى الأردن متلمّساً غربةً تجدّده وهجرةً تبعثه من مواته وهو بذلك مثله مثل هيام الفتاة العراقية التي عاصرت العراق من خلال حكاية جدّها "الذئب" وأمّها و أبيها ومسيرة تعلّمها وزواجها من "عبود" والهجرة نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق، فتجد عراقها في الكاتب "حسن مطلك الرملي" وفي فقر الحبّ الذي تعيشه مع زوجها وغربتها، تخترع علاقة مع حسن ليس المطلك بل إحدى تجلياته من حيث أنّها تتعامل مع نتاجه الكتابي تارة كتناص وتارة كمناص وتكون رسائلها إليه عبر بريدها الالكتروني واتصالاتها الخيالية هي المناص وصوت الصّوت لكتابات حسن مطلك الرملي فيتقاطع الخيالي مع الواقعي حيث أن شقيق الكاتب حسن مطلك الرملي الذي هو محسن الرملي ينشئ مدونة على النت معرفاً بنتاج أخيه الذي أعدمه النظام السّابق في العراق وهكذا نجد التعريف الذي يحكم السّرد الروائي من حيث أنّه تخييل وواقع بنفس السّوية أو انتصار رؤية الفرد الخاصة للوجود.
فالكتابة التي هي أحد فروع كلمة "دَوَنَ" والتي تعني بإحدى دلالاتها الشيء الأسفل والقاع، تشي عبر التأويل بفقدان الجنة وإعادة خلقها عبر إعادة مَخْيَلَتها كغاية إنسانية عليا. 

ذئبة الحبّ والكُتب:
في الرّاوية جانبان  للسّرد ينطلقان من خطأ طباعي حدث نتيجة كتابة "الإيميل" لمدونة حسن مطلك على النت التي أنشأها أخوه ليعرِّف به، فينفتح " إيميل " هيام ويقرأ محسن رسائلها إلى حبيبها الافتراضي "حسن" فيتعلّق بها ويطبع محتويات الرسائل، فتجدّد له الحلم وتدفعه نحو " أندلسه " متشابهاً بذلك مع صقر قريش عبد الرحمن الداخل ومن خلال الواقع تنفتح الآفاق للروائي محسن الرملي في اسبانيا من هذه النقطة تتضح آلية التخييل ذلك التعاضد بين الواقعي والتخيلي في تصنيع خام الوجود البشري وبنفس التأويل نجد كيف أنّ الخطيئة الأساسية وفق المدونة البشرية هي من اشترعت وجود الإنسان على هذه الأرض لكي يقوم بأعمارها.
يعرض الرملي في سرده المعنون ب "أنا" سيرة عبرروائية له معرجاً على سيرة أخيه "حسن" حيث من خلال الاقتباسات التي وجهت السّرد من كُتب " حسن مطلك " نجد دور الكتابة في شدّ عصب الحياة في الإنسان وبنفس الوقت تلعب حكايات هيام ذات الدور لها وله، ففي مكان ما تمثّلت سيرة جدها "الذئب" الذي ثار على أخوته عندما أرادوا قسمة إرث أبيهم قسمة ضِيزَى وكيف أصبح الجد كـ"روبن هود" يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء ومن خلال سيرورة حياتها تسلّط الضوء على واقع العراق الاجتماعي والثقافي والسياسي والأهم تكشف تهافت عالم الثقافة تحت سطوة الديكتاتورية والأكثر أنّ المثقفين عرضة للبيع والشراء والنكوص والخوف، فيتضح الوجه الشعاراتي للكتابة كما هو في السياسة والواقع أيضاً إذ أنّها سريعة التلوث ولا يقدر على حمل وزرها إلا كلّ شجاع يقف في وجه جلاده ليصحّح له الخطأ الإملائي النحوي حين يتلو عليه قرار إعدامه كما فعل حسن مطلك.
لقد أنقذت الكتابة كلّ من محسن كواقع وهيام كتخييل وبالمقابل نجد أنّ رفاعي الذي لا يعرف الكتابة رغم روحه المتوقِّدة وعشقه ورغبته بأن يكتب له محسن سيرة حياته كرواية ليقدمها لحبيبته ومع أنّه قد ثار على زوجة ابيه وأنقذ أخته من براثنها يسقط وينتهي نهاية سيئة ونجد من خلال الإشارات في قصته لو أنّه كان يملك القدرة على القراءة والكتابة لوجد في خطّ كتابة ما لحبيبته حبل النجاة الذي أراد من محسن الرملي أن ينجزه له.

الكتابة أكمل الأشياء كالدائرة:
تمرّ السنين على الروائي محسن الرملي في اسبانيا وينجز روايات وكتب كثيرة منها "حدائق الرئيس – تمر الأصابع – الفتيت المبعثر" وغيرها الكثير وهو يبحث عن هيام/ الكتابة  ويعود إلى الأردن ومن بعدها إلى العراق ليكتشف أنّ رسائل هيام وما كتبه قد خطّ في أحد الدفاتر التي اشتراه له رفاعي لكي يكتب له روايته التي سيهديها لحبيبته، لقد أنجز الرملي وعده لرفاعي لكن رفاعي الذي لا يعرف القراءة لم يستطع النجاة، فإن كانت الكتابة ساق الخيال فالقراءة السّاق الثانية التي يحتاز بهما الإنسان الواقع ويقاوم عجزه وينتصر عليه. 
ولناحية هيام تتضح لديها الرؤية وتغدو قادرة على اتخاذ قرارات مهمة في حياتها،  لقد أصبحت تشبه "بشعة" تلك الفتاة التي التقتها في العراق"وبشعة " هذه فتاة جميلة جداً تحمي قريتها بعدما خلت من الرجال الذين محتهم الحرب.

الآخر هي وليس هو :
يقدّم الروائي محسن الرملي من خلال حصّة هيام في السّرد صوت الأنثى بوضوح بعيداً عن تقنّع السّرد الذكوري، فهي تقدّم هواجسها النفسية والجسدية والفكرية محللة ومفككة وناقدة بشكل جذري المنظومة الذكورية المعرفية فاضحة تهافتها كتهافت الديكتاتورية السياسية وتخلّفها كالنظرة الدينية التي يبثّها الذكر محولاً الدين إلى هوامات لا تمت إليه بصلة مستأصلاً الأنثى من الوجود في حين هي من حملت كلمات الغفران له من الإله.
فآخر الذكر الأنثى كما آخر الصّوت الكتابة وآخر الفضاء الزمكاني هو التخييل، فنجد أنّ الكتب التي ذكرتها هيام سواء كُتب حسن مطلك وغيره قد ساهمت بشكل كبير في نضوجها واتضاح بوصلتها هذا من جهة ومن جهة أخرى أظهر حديثها مع حسن بشكل صوتي أنّ صوت الأنثى يصبح عورة عندما يُجبّ ويقمع ويصير معرفة عندما يطلق له العنان في التعبير والبوح والوضوح.
تتجلى الأنثى في سرد الرملي كسَكِيَنة وعند غيابها يختلّ عالمه فإن كانت الأنثى وفق المدونة الكلاسية هي سبب الخطيئة فإنها وفق المدونة الإنسانية الحقّ هي سبب جبّها والانبعاث منها نحو حياة حقيقية تليق بالإنسان.

المناص المعرفي :                 
 تشتمل الرّواية على ذكر الكثير من الكُتب والتمازج معها، فلم يكتف الكاتب ممثلاً عبر سيرته الروائية وشخصية هيام بالتناص بل ذهب إلى ما يسميه "جيرار جنيت" المناص الخارجي الذي يشمل كلّ الكتابات التي تعلّق على كتابة ما، فمن كُتبِ حسن مطلق "دابادا" وغيرها إلى هيرمان هسه وهيدغر مع آخرين شكّلوا الفضاء القرائي للرّواية حتى أنّ الكاتب ذهب لتضمين المقالة الروائية كما يفعل ميلان كونديرا خاصة في نقده المسرحي وذلك من خلال سلاسة نقدية لا تظهر أبداً تحويل السّرد الروائي إلى تدوينة معرفية تخلّ بعنصر التخييل.

من جديد ذئبة الحبّ والكتب:
كما أنّ الحبّ هو مبدأ الكون والباعث لنشوئه والقادر على تبديد ظلامه، فالكتابة بهذا الشّغف والحسّ العالي الذي أظهره الروائي محسن الرملي دلالة على مدى التعاشق بينه وبين الكتابة كأسلوب حياة، تنظيراً وتطبيقاً وعليه نقول: إنّ الرّواية هي مديح وعشق وعبادة بحق الكتابة والحبّ والحياة ومقاومة الظّلم.
رواية ذئبة الحبّ والكُتب للروائي العراقي المقيم في اسبانيا ترشحت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد لهذا العام، صادرة عن دار المدى لعام 2015م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (البحرين الثقافية) العدد 84 سنة 2016م.
**باسم سليمان: شاعر وناقد سوري، من أعماله: تماماً قبلة، لم أمسس، نوكيا، مخلب الفراشة.  

 

السبت، 23 أبريل 2016

عن: الأدب الإسباني في عصره الذهبي/ علي حسن الفواز

الأدب الإسباني في عصره الذهبي 

ترجمة وإعداد وتقديم/ د. محسن الرملي

                                                                      قراءة/ علي حسن الفواز
إذا كان البعض يعدّ الأدب الإسباني جزءا من (الأدب الإستعماري) فأن الكثير من التجليات الإنسانية والجمالية لم تُقرأ بعد في هذا الأدب، وأن إخضاعه  لتوصيف عمومي سيخلّ حتما بقدرة القارىء والناقد على حيازة الكشف، وإستهواء  المتعة، لاسيما وأن هذا الإدب بموروثه المسيحي والثقافي والسياسي والرومانسي وحتى الفروسي قدّم للعالم ملاحم وأسفارا كثيرة تحولت الى إرث كبير والى تاريخ من الصعب تجاوز مدوناته وأثره.. 
كتاب(الأدب الإسباني في عصره الذهبي)/ ترجمة وإعداد وتقديم د. محسن الرملي والصادر حديثا عن دار المدى/2015 يضعنا أمام الوجه الآخر للأدب الإسباني في سطوعه التأريخي والجمالي، إذ يوفر الكتاب مجالا واسعا للتعرف على سرائر هذا الأدب، وعلى المنهجية التأريخية التي إعتمدها الباحث في قراءة هذا الأدب والتي يحددها بـ(المرحلة الذهبية) في عصريها (عصر النهضة) و(العصر الباروكي) وهما فضاءان للتعريف بأسماء وتجارب وحركات في الشعر والنثر والمسرح لم نسمع بها سابقا، فضلا عن تعريفه بالعديد من مظاهر إزدهار الفنون والآداب وكتب الرحلات والكتابة التأريخية والحركات الفكرية في إسبانيا، وبعيدا عن الحساسية التأريخية التي وضعت الأدب الإسباني في خانة واحدة اسمها (الدون كيخوته) لميغيل دي ثربانتس..
شمولية الكتاب تنتظم في السعة والجهد الذي بذله المترجم بحثا وتدقيقا، وفي موسوعيته لتقديم رؤية واضحة لحمولات هذا الأدب في القرنين السادس والسابع عشر، والتي يرصد من خلالها أهم التحولات والصراعات السياسية والفكرية التي عاشتها المملكة، لكن مايميز هذا الكتاب أيضا هو رصده لكتابات تُعني بالكثير من الهموم الإنسانية والقيم والجمالية والفكرية بعيدا عن المهيمنات السياسية ومظاهرها القامعة..
إحتوى الكتاب على أربعة أبواب كما يسميها الباحث والتي مهد لها بتقديم تعريفي لطبيعة الكتاب وأهميته في رصد مظاهر الإزدهار في الأدب الإسباني، إذ أن التحولات الكبرى في إسبانيا (تدين بهويتها الثقافية لأدبائها في القرنين السادس والسابع عشر)ص5 شمل الباب الأول دراسة نقدية لتأريخ الأدب الإسباني عبر قراءة سيرية لعتبات وتحولات مهمة في هذا التأريخ، والتي كشفت عن الكثير من العلائق والصراعات مابين طبقة النبلاء في المجتمع السياسي الإسباني والملوك، فضلا عن إرتباطه بمظاهر القوة وطبيعة الهيمنات السياسية والإقتصادية في المجتمع الثقافي والسياسي، وكذلك مؤثرات ذلك على الحمولات الرمزية والدينية والتجارية للغزوات وتأثيرها السياسي والثقافي، والتي كانت مظهرا للإستعمار الإسباني، لكنها أيضا مظهرا لإنتشار الثقافة واللغة الإسبانيتين..
تأثيرات المناخات السياسية والصراعات الداخلية إنعكست على الأشكال الثقافية، والتي حاول الباحث أن يقدّم من خلالها معالم مهمة في التاريخ الثقافي، والتعريف بالكثير من الكتّاب والشعراء والتعرّف على أفكارهم وأعمالهم، والتي وضعتنا أمام أفق واسع وصفي وتعريفي للثقافات الإسبانية في مراحل مهمة،  لاسيما الشعر بمرجعياته الإنسانية والغنائية والأخلاقية، والذي تحفل به البلاطات في المدن والبلاطات الإسبانية، فضلا عن ماكان يقدمه الشعراء الجوالون (التوربادو) وغيرهم من شعراء الجماعات الأخرى كالمورسيكيين  وغيرهم. كما قدّم الباحث شهادات على طبيعة التحولات الحادثة في(النثر) الإسباني في مجالات (القصة، الكتابة التأريخية، كتب الرحلات، الرواية) ولعل مايجمع هذه الفنون النثرية هو الإهتمام الأسلوبي، والإنفتاح على تحولات جديدة في الكتابة، وإستعادة الرموز المهمة في الموروث الشعبي، والإبانة عن مواصفات أسهمت في وضع الأساس للتحولات الكبرى التي حدثت فيما بعد في الثقافة الإسبانية..
الباب الثاني من الكتاب يُعني بالقصة عبر مراحلها التأسيسية وتنوع إشتغالاتها وأشكالها ومضامينها، إذ جمع الباحث (خمسين قصة قصيرة لأربعة عشر كاتبا إسبانياً من العصر الذهبي) تناولت العديد من الموضوعات والأفكار التي يشتبك فيها التأريخ والخرافة والحكمة وقصص المهرجين والرومانس والخيال في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ومن أبرز الأسماء التي إختار لها الباحث بعض القصص والحكايات الخرافية والشعبية والحكم والأمثال- خوان دي تيمونيدا، خوان دي مال لارا، ميلتشور دي سانتا دي ونياس، لويس غراثيان دانتيسكو، لويس دي ثاباتا تشابيس، ميغا دي لونا، أوغسطين دي روخاس، سباستيان مي، أنطونيو لينيان إي بردوغو،  لوبه دي بيغا، خيروتيمو دي الكالا- وقصص هذا الباب المختارة تصبّ في إبراز هوية الأدب الإسباني بنزعاته التخيلية والإنسانية، وتمثله لروح المدن التي عاش فيها أغلب القصاصيين الذين إستلهموا فيها الكثير من الطرائف والحكايات العجائبية وذات السمة الوعظية الأخلاقية، والتي (في أغلبها ذات صلة وثيقة بالملاحم والسير الشعبية، وقد تم الحفاظ على هذه القصص والحكايات الشعبية بفضل التقاليد الشفاهية) ص258 الباب الثالث من الكتاب ضمّ المختارات الشعرية التي وجد فيها الباحث مرجعيته الموسوعية في الحفاظ على منهجية الكتاب، وإبراز التجارب والأسماء الشعرية التي تعّبر كتاباتها المتعددة عن الملامح التأسيسية للأدب الإسباني في عصره الذهبي، والذي أبرز الهيمنة المميزة للشعر الغناني وطبيعة تأثراته بالشعر الإيطالي، فضلا عن رصد تحولاته الفنية بدءا من المرحلة التي (إنطلق منها غارثيلا سو دي لابيغا لتبدأ النهضة الشعرية على يديه، وتواصل نموها متمخضة عن أروع تحف الشعر الإسباني، وتستمر مع ظهور الأسلوب المكتظ بالزخارف اللفظية والبلاغية، أي الباروكي لتنتهي من بعدها بإنتهائه)ص339 ومن أبرز الأسماء الشعرية  التي إختار الباحث قصائدهم- غارثيلا دي لابيغا، خوان بوسكان، كريستوبال دي كاستيو، هورتادو دي ميندوثا، سانتا تيريسا، هيرناندو دي آكوانيا، فرانثسكو دي تيراثاس، ميغيل دي ثربانتس، وغيرهم من شعراء قد تبدو أسماؤهم مجهولة للكثيرين، لكنها تعبّر في جوهرها عن الطبيعة الحيوية لحراك الشعراء الذي هيمنت مظاهره على ما سمي بـ(العصر الذهبي).
الفصل الرابع من الكتاب يضعنا أمام الفضاء المسرحي الذي تَمثّل أجواء هذا العصر بكل تجلياته، والذي أسبغ على كتابة المسرحيات مظاهر عبر من خلالها كتّاب المسرح عن وعيهم للتحولات في الأدب والفكر وفي العلاقات العامة، والتي تم توظيفها في صياغة أشكال متنوعة للمسرح الكوميدي ولمسرح المتعة ولمسرح الأقنعة، فضلا عن جرأة بعض المسرحيين في التعاطي مع موضوعات حساسة مثل ثربانتيس الذي (تناول ظاهرة التطهير العرقي وشعار"تنقية الدم" الذي رفعته محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود بعد سقوط غرناطة وإنتهاء الدولة الأندلسية) ص456 مثلت مسرحيات ثربانتيس- الذي لايعرف الكثيرون عن تأريخه سوى ماعلِق به من أثر كتابه الكبير دون كيخوته- وعيا تأريخيا ونقديا برصد مظاهر الواقع الإسباني وصراعاته، وطبيعة الأفكار التي كانت تحتاج الى رؤية عميقة (تسخر بشفافية مطعمة بمرارة وعدم رضا عن الواقع) ص455 وتضع هذه المسرحيات  في سياق أخلاقي ومعارض، فضلا عن صياغة شخصياتها على أساس ماتحوزه من عمق نفسي وأجتماعي..
هذا الكتاب الأنطولوجي أغنانا كثيرا بكثافة المعلومات عن عصر مهم وزاخر في التأريخ الثقافي الإسباني، ووفر لنا أيضا تصورات عن طبيعة التحولات التي شهدها هذا التأريخ، والذي ماكان له أن يكون لولا هذا الإرث العميق الحافل بشغف الروح الإنسانية والجرأة في معالجة الكثير من مظاهر الحياة والصراع الذي تعيشه، حتى لوكان ميدان هذا الصراع حياة الملوك والنبلاء وعوالمهم السرية..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي التابع لصحيفة (المدى)، العدد 3469 بتاريخ 4/10/2015م.

مئة قصيدة كولومبية / ملحق: أوراق

مئة قصيدة كولومبية
مختارات شعرية لتجربة ثقافية معاصرة
                                                                                         أوراق ـــ المدى
قطعت تجربة الثقافة الكولومبية مسيرة ادبية طويلة تعاقبت عليها اجيال كثيرة منذ مرحلة التأسيس وحتى الزمن الحالي. وفيما يخص الشعر باعتباره الجنس الابرز في هذه الثقافة، يضع بين ايدينا الباحث والمترجم الاكاديمي المتخصص باللغة والآداب الاسبانية الدكتور محسن الرملي كتابه المتضمن (مائة قصيدة كولومبية) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر.
نماذج مختارة من  الشعر المعاصر لمجموعة شعراء تم اختيارهم بعناية مع نبذة عن كل واحد منهم.  مبيناً ان الثقافة الكولومبية مثل مجمل ثقافات شعوب قارة أميركا اللاتينية  هي ارث سكانها الأصليين الانديخيناس الذين لم يتبق من آدابهم سوى بعض  الملاحم والأساطير القليلة والتي من اشهرها ملحمة يوروباري المكتوبة  بالآمازونية وتعني اسم بطل معروف في كولومبيا والبرازيل.
ثم جاءت بعد ذلك الثقافة الاستعمارية الاسبانية التي راحت تؤسس اواسط القرن السادس عشر طابعها الديني الكاثوليكي الذي عمد الى تغيير العادات والمعتقدات واللغة حتى جاءت مرحلة الكفاح من اجل الاستقلال والتي استمرت على مدى القرن التاسع عشر باكمله تقريباً، حيث بدأ التأسيس لهوية كولومبيا كبلد مستقل وان كانت قد تحولت بمجملها الى تبني ثقافة المستعمر واتخاذها كلغة رئيسة ورسمية للبلد، إذ ان كولومبيا هي أول بلد اميركي لاتيني يؤسس ما يعرف باكاديمية اللغة في عام 1871 وصارت عبر هذه اللغة تتلقى مؤثرات وتحولات وتيارات الثقافات الخارجية الاخرى وتستفيد منها، فبرزت اسماء ادبية مهمة تعد هي المؤسسة للأدب الكولومبي المعاصر، والتي كانت رومانسية بطبيعتها في اواخر القرن التاسع عشر ومنها على سبيل المثال الشاعر خوسيه خواكين اورتيث.. ثم ظهرت بعد ذلك مرحلة سميت العاداتية اهتمت بما هو واقعي من عادات وشخصيات ومظاهر اجتماعية حرصت على الاشارة لما هو مشترك وسط هذا المزيج من خلال نصوص ناقدة لبعض السلوكيات الاجتماعية للسلطات الحاكمة المتعاقبة، ومن ابرز اسماء هذه المرحلة خورخه اساكيس وخوليو آربوليدا ورافائيل بومبو وسوليداد آكوستا وكانديلا اوبيسو وغيرهم. وتمخض عن هذا التحول من الرومانسية الى الواقعية ما صار يعرف بالحداثة من خلال نصوص سبق بعضها قصائد روبين داريو الذي يعد من اهم رواد الحداثة بالنسبة للشعر المكتوب بالاسبانية عموماً. وهكذا ترسخت اسماء لشعراء كولومبيين ممن يعدون حداثيين بينهم خوسيه آسونثيون سيلبا وخوليو فلوريث وغيير موبالنثيا وبورفيريو باربا خاكوب. ومن وسط مرحلة المجددين هذه برزت جماعة (حجر وسماء) سنة 1939 يتزعمها ادواردو كارانثا، وجاءت هذه التسمية من عنوان لديوان الشاعر الاسباني خوان رامون خيمينيث الحاصل على جائزة نوبل عام 1965 حيث اثر هذا الشاعر عبر اسلوبه ورؤاه باجيال شعرية كاملة في مختلف البلدان الناطقة بالاسبانية. وفي عقد الثلاثينات بدأت تظهر سلسلة من شعراء عبرت قصائدهم عن امور اساسية وجوهرية في مسيرة الشعر الكولومبي المعاصر، وكانت من بين دعواتهم مسألة الاهتمام بالموضوعات الكونية للشعر والمشاعر والقيم الوطنية الى جانب العناية الفائقة باساليب الفن واللغة والاحتراف الأدبي تمسكاً بمفهوم انطونيو ماتشادو لما اسماه بالامان الشعري كتعبير اصدق عن هموم الناس بعد الشعور بالخيبة من كل السياسيين وايديولوجياتهم. ثم ظهرت مجموعة اخرى حاولت هضم تجارب الحركات السابقة لتكون اكثر طليعية منها، وعرفت باسم المجلة التي اسسوها والتفوا حولها (ميتو) أي الاسطورة، وابرز مؤسسيها الشعراء خورخة غايتان دوران وفرناندو تشاري وأولغا شمس الدين الحاج وهي من ابوين لبنانيين وقد اشتهرت لاحقاً باسم ميرا ديلمار. وفي عقد الخمسينات نشطت حركة (اللا شيئية) ذات الروح الاستعراضية والتي اسسها غونثالوا آرانغو ايام حكم الدكتاتور غوستابو روخاس بينلا، وهي حركة تنتمي الى تيار العدمية او الوجودية التي ظهرت عالميا في تلك الفترة، ومن ابرز شعرائها أميلكار اوسوريو وخايمه خاراميليو وماريو ريبيرو وغيرهم.
 وفي السبعينات ظهر جيل جديد من الشعراء أطلقت عليه تسمية (الجيل الساخط) لاستيائه من الاوضاع العامة في البلاد سياسيا واقتصادياً وثقافياً في ظل استشراء العنف وتجارة المخدرات التي لوثت كولومبيا. ثم تلا هؤلاء جيل اطلق على نفسه (بلا اسم) تعبيراً عن الافتقار الى رؤية جوهرية ثابتة تجمعهم وسط تصاعد سيادة الهوية الفردية، ولتمييز انفسهم عن عشرات المسميات على امتداد مراحل هذه المسيرة الطويلة. أما الآن فيشير الباحث الى بروز ظاهرة الورش والمهرجانات الشعرية في أنحاء كولومبيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي التابع لصحيفة (المدى)، العدد 3391 بتاريخ 21/6/2015م.

عن كتاب: الأدب الإسباني في عصره الذهبي/ زينب المشاط

دور الأدب في تخليد تأريخ البلاد تَجَسّد في
 "الأدب الإسباني في عصره الذهبي " 

                                                                                         زينب المشاط 
حين يكون الأدب والثقافة هويّة هذا البلد أو ذاك، سوف نعلم مُسبقاً بأنها سوف تُخلد في ذاكرة العالم لقرون طوال، فما زالت إسبانيا تُدين لثقافتها الأدبية في تعريف وترسيخ هويتها وخصوصاً في القرنين السادس والسابع عشر لحقبةٍ أُطلق  عليها اسم "العصر الذهبي" والتي تقع ما بين النصف الثاني من القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، حيث أظهرت تلك المرحلة أُدباء كِبار لم يسبق أن ظهر أحد  بمستواهم . كتاب "الأدب الإسباني في عصره الذهبي" الذي  ترجمه وأعدّه وقدمه الدكتور محسن الرملي والذي صدر عن دار المدى للثقافة والفنون لعام 2015  يستعرض تأريخ الأدب الاسباني وكيف انتقل من عصور النزاعات واستغلال النُبلاء للمماليك إلى عصور النهضة والثقافة والعلوم التي ازدهرت آنذاك إلى جانب ازدهار فنون الرسم والموسيقى حيث بزغت حركات فكرية وإنسانية.
إلا إن الأدب "شعراً ونثراً" كان في قمة كل ذلك فترك بعده أعمالاً رائدة وخلد قواعد تأسيسية كبيرة ، ونتيجةً لاتسام القرن الخامس عشر بصراعات داخلية وضعف ملوك الإقليم لذلك بات الملوك يخضعون لطبقة النبلاء من أجل إبقائهم في السلطة، وقد احتدت النزاعات الداخلية حتى تولي محمد الثامن للعرش وهو شاعر وراعٍ للأدب وتلاه توليد أزمة ثقافية وأدبية عميقة لن يتم تجاوزها لاحقاً رغم وجود بعض الشعراء والمثقفين أمثال قيس دي باثا  واليعقوبي إلا إن ذلك كان شيئاً يسيراً ، وفي هذه الأثناء واصل اليهود نشاطاتهم الثقافية على الرغم من تزايد الضغوط والمُلاحقات ومن أمثالهم " يعقوب دي أوكليس و موشي راخيل وآبراهام ثاكوت، إلا إن العلاقة الجيدة بين آراغون وقشتالة بعد اتفاقية كاسبي قد سهلت وصول النبلاء القشتاليين إلى البلاط الملكي الاراغوني في برشلونة ومن بعدها بلاط ألفونسو الخامس في نابولي وهنا تلاقى التأثير الثقافي القادم من شرق شبه الجزيرة الايبيرية بما هو جديد في إيطاليا.
 ومنذ وصول الملوك الكاثوليك وسقوط غرناطة واكتشاف القارة الأمريكية بدأت التراجعات لبعض أصناف الشعر والأدب وبرزت تحولات التوجه لكتب الفروسية والعاطفية والكتب الخيالية.
وفيما يخص أدب الشعر فقد كان من أبرز شعراء ذلك العصر بيرو لوبي ثدي آيلا والذي ينحدر من عائلة نبيلة وقد تعرف على ابرز الكتاب لفرنسيين في عصره من خلال بلاط الملكين كارلوس الخامس والسادس وقد اختط الشعر الغنائي طريقه في نفس آيلا . وقد عدّ الشعر من ابرز الفنون التي ارتقت وتألقت في العصر الذهبي وتميز هذا العصر بسيادة الشعر لغنائي إلا أنه لم يتوقف عن التنويع ومحاولات التجديد من داخله على صعيدي الشكل والمضمون أما عن أدب النثر فكان مُقتصراً على الأعمال التعليمية إلا إنه في بداية القرن الرابع عشر ظهر أول عمل نثري "كتاب الفارس ثيفار" وكان مكتوباً نثراً وعُدّ بحثاً عن مصداقية الاستعارة التاريخية وكان يعتبر من الأعمال النثرية الخيالية . أما فيما بخص فن القصة فيُعد كتاب "الكونت لوكانور" لدون خوان مانويل من الأعمال الرائدة والتأسيسية لفن القصة القصيرة في اسبانيا ذلك لأنه وجد بنية تقنية سردية جيدة عبر الحوار ما بين شخصيتين رئيسيتين وكانت نهايات كل قصة تدل على أن المؤلف لديه مفهوم واضح لوحدة النص واهتمام أسلوبي يفوق بكثير ما كان سائدا نثريا في عصره وما يجدر  الإشارة  إليه إن ازدهار القصة  يعود سببه إلى ترجمة النصوص إلى العربية.
أما فيما يخص المسرح فقد سُميَّ أولاً بالمسرح البدائي الذي شهد الانتقال من العصور القديمة إلى الوسيط وتبعه اختفاء المسرح الكلاسيكي الذي لم يكُن يعني بالضرورة أن تموت كل الأشكال الشعبية للفن وبهذا ظهرت الفنون الشعبية في المسرح وتلتها النصوص الدينية والعاطفية وغيرها وحتى ظهور عصر النهضة أو ما عُرف بالعصر الذهبي الذي كان نتيجةً لجعل إنسان هذا العصر من ذاته مركزاً لتفكيره وعالمه مع تغير علاقاته بالرب والطبيعة وبالآخر وهنا توجه الاهتمام إلى التربية والفكر والأدب والعناية بالشعر وتنسيق الفكرة الأدبية في خدمة الإعلام.
وهنا ازدادت الجوانب المهتمة بالقراءة والكتب فقد كانوا مولعين بهذا العصر بالقراءة حتى بلغ الجنس الأدبي ذروته في أواسط القرن السادس عشر واستمر حتى نهايته وقد نشر ما يقارب 267 كتاب بين الأعوام 1501 و1650م.
 لقد حاول هذا الكتاب استعراض الواقع السياسي والصراعات والنزاعات داخل الدولة الإسبانية وتبيان ما للأدب والثقافة من دور مهم في القضاء على حقبة المآسي الإسبانية والنهوض بالواقع الإسباني ، ويُعد هذا الكتاب شاملاً ومرجعياً في مادته ويحتوي أربعة أبواب يمكن اعتبارها مستقلة عن بعضها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي التابع لصحيفة (المدى)، العدد 3555 بتاريخ 24/1/2016م.

العشق والكتاب يغيّران حياة محسن الرملي

العشق والكتاب يغيّران حياة محسن الرملي
                                                                                      أوراق ـ المدى 
عراقيان، امرأة ورجل، يبحثان عن الحب في ظل الحروب والحصار والدكتاتورية والاحتلال  والمغتربات. إنها رواية حب تدعو للحب في أزمنة تهمش الحب، لذا يهديها  كاتبها الى كل الذين حرموا من حبهم بسبب الظروف، في كتاب"ذئبة الحب  والكتبمحسن الرملي والذي صدر عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون  بطبعته الأولى لعام 2015.
"ذئبة الحب والكتب"رواية مثقفة عن مُثقفيّن، تمنح المتعة والمعرفة لقارئ يجيد الانصات الى بوح الدواخل وانثيالاتها، انها بمثابة بحث عميق في الخفي والمكبوت، تتقصى العواطف والجمال والأمل الإنساني وسط الأوجاع والخراب.
مكتوبة هذه الرواية بلغة وأسلوب وتقنية مختلفة عما عهدنا عليه محسن الرملي في أعماله السابقة حيث يمتزج فيها بعض سيرته الذاتية بالخيال، متقمصا صوت المرأة ومتعمقاً أكثر في جوانح شخصياته بعد أن وصف ما مر به بلده من أحداث قاسية وتحولات عصبية في رواياته السابقة التي ترجمت إلى أكثر من لغة مثل"تمر الأصابع، وحدائق الرئيس، والفتيت المبعثر".
يذكر الرملي أنه سيتحدث عن قصة الحب التي ربطت أمه وأبوه على مدى سنوات. كانت هي ابنة عائلة بغدادية غينة وهو أبن عائلة فقيرة انتقلت من سامراء إلى بعقوبة، تشتغل خبازة كي تتمكن من إعالة أبنائها، لأن جده الأسطورة"بحسب وصفه"والملقب بالذئب كان دائم الغياب، وحتى غاب نهائياً في إحدى رحلاته إلى الهند.
يقول الكاتب"كان أبي يحدثني عن تفاصيل منسية في حياته وكيف أنه مضى ثلاثة أعوام أو أكثر مرتدياً الستره ذاتها التي يشتريها من محال الملابس المستعملة ويذهب ماشياً كل يوم في طريق طويل إلى المدرسة بحذاءٍ تهرأ من كثر الثقوب والترقيع ورغم ذلك كان دائم النجاحات، وكان من جيل ثورة الطلاب الستيني وقد تعرف إلى أمي في سنته الثانية من الدراسة الإعدادية، وحصل على بعثة إلى روما لإكمال دراسة العلوم السياسية وعاد بعدها ليتزوجها."
اعتمد محسن الرملي في روايته، على سيرته الذاتيه والتي ينهل منها كثيراً من الأحداث والوقائع التي تؤسس متن نصه الروائي القائم على عنصرين"المفاجأة والتشويق"، وتتمثل المفاجأة الأولى في الجملة الإستهلالية التي أقرّ فيها الراوي بأنه مؤلف الكتب التي تحمل اسمة باستثناء ذئبة الحب والكتب والذي وجده مصادفة حين كان في الأردن فقلب حياته رأساً على عقب، وجاء باحثاً عن المرأة التي كتبته، لعل ما يميزها عن سواها انها تبحث عن الحب الخالص الذي يلبي حاجة الروح ولا يستجيب لرغبات الجسد.
يقوم الهيكل الروائي على شخصيتين وهما، كاتبة النص الروائي وحسن، الاسم الذي اختارته الكاتبة للراوي الذي هو "محسن الرملي"الكائن السيري الذي طوع سيرته الذاتية الممتدة من قرية سديرة إلى عمان مروراً بإسبانيا وانتهاءً بطريق بغداد – عمان حين امتدت يده إلى حقيبته وسحب المغلف الذي سلمه له صديقه الصعيدي رفاعي وإذا به يفاجأ برواية "ذئبة الحب والكتب".
مما لا شك فيه أن بطلي الرواية مثقفان، فالبطل حسن هو قاص وروائي وكاتب مسرحي ولكنه كان يحلم بمدريد، أما هيام فهي سليلة جدها الذئب وهي"ذئبة الحب والكتب"بامتياز، والتي تتلهف لحبيب مثقف يحاورها في الأدب والفن والكتب الصادرة حديثاً، فهي رواية مثقفة تتفحص الموضوع والذات في آن واحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي التابع لصحيفة (المدى)، العدد 3624 بتاريخ 3/4/2016م.


الخميس، 21 أبريل 2016

البئر المُر / د.محسن الرملي

تراث
البِئر المُرّ
د.محسن الرملي
للعام الثالث على التوالي أشارك في مهرجان طليطلة الدولي للشِعر، باعتباري عضوا في هيئته الوطنية المنظمة، وصار من تقاليد هذا المهرجان إسكان المشاركين في بيوت عوائل تتطوع.. بل تتسابق لاستضافة الشعراء، ولا غرابة في هذا الكرم من أهل مدينة عريقة احتضنت شتى الثقافات على مر العصور ولازال كل زقاق فيها وكل بيت وحجر يفوح بعبق التاريخ وأرواح الأسلاف.
في المرات السابقة، كانت البيوت التي سكنتها عربية الأصل ولازالت آثار قاطنيها الأوائل موجودة، وكل منها يستحق تسطير حكاياته القديمة والحالية بالتفصيل، الفناء الشرقي بنافورته الصغيرة، الزخارف الإسلامية، الأواني الفخارية والنحاسية وأحواض الغسيل ومجاري تصريف المياه والآبار الداخلية، أما هذا العام فكان نصيبي أن أسكن في بيت يطل على ساحة صغيرة أخذت اسمها من البئر الذي يتوسطها منذ قرون، وأصبح مزاراً للعشاق والمُفارقين والحزانا والسياح طبعاً. اسمه (البئر المُر) وتقول حكايته التي يعرفها كل أهالي المدينة، ودُوّن ملخصها على قطعة معدنية في الجدار، أنه وفي تلك الأزمنة الغابرة التي كانت فيها الصراعات تتخذ من الأديان حجة لها، بحيث ظهرت (محاكم التفتيش) المرعبة على هذا الأساس ـ للأسف هذا يحدث هذا في بلداننا الآن، وكأننا نعيش في تلك العصور الغابرة التي تجاوزتها الأمم ـ. تقول الأسطورة أن شاباً مسيحياً وشابة يهودية قد هاما ببعضهما عشقاً، وكانا يلتقيان سِراً عند هذا البئر، إلا أن حبهما كان مستحيلا آنذاك، لأن أتباع كل دين كانوا يكفرون أتباع الدين الآخر،  فبعد أن عرف والدها بالأمر وعجز عن اقناع ابنته الوحيدة بالعدول عن هذا الحب، قرر أن يقتل الشاب، فزعم أنه سيغيب في سفر، تاركاً إياهما يتناجيان عند البئر كل ليلة، وفي ليلة دامسة، تسلل من وسط شجيرات الحديقة وطعن الشاب في قلبه حتى أرداه قتيلاً. بعدها، ظلت ابنته العاشقة تأتي كل ليلة للبكاء هناك، ولكثرة ما سكبت من دموع مريرة تحول ماء البئر العذب، بالتدريج، إلى ماء مُر، لهذا صار يسمى (البئر المُر).. والبعض يقول بأن العاشقة أنهت حياتها ملقية بنفسها في البئر.
في أوخر الليلة الأخيرة للمهرجان، بعد أن ختمناه بالموسيقى والرقص والقصائد بمختلف اللغات في باحة (متحف الجيش) التي فُتِحت لنا لنزرعها بالشِعر بدل الأسلحة، وكانت قيادة ومقرات الجيش الإسباني هناك قد دعمت مهرجاننا هذا العام ـ ترى أي جيش عربي قد دعم أو حتى اكترث بحدث ثقافي؟ـ. وقبل أن أدلف إلى البيت، جلستُ على حافة هذا البئر الذي تمت العناية به كاملاً، من بكرة حبل الدلو إلى أعماقه. دخنتُ وفكرتُ طويلاً بكل الآبار التي عرفتها ولم أعرفها. تُرى كم من فتاة عربية سكبت دمعها المُر بقلب كسير دون أن يلتفت إليها أحد؟ كم من بئر مُر أُلقيت فيه صبيّة من فلذة أكبادنا بحجة غسل العار؟ كم من بئر مُر ألقيت فيه جثة بريء بعد تكفيره مجاناً؟ كم من بئر عربي تاريخي يضج بالمواريث تم اهماله ونسيانه؟ متى نتعلم المحافظة على ما ورثناه ماديا وشفاهيا من حلو ومُر ونريه لأجيالنا المتعاقبة كي تتعظ؟
في الصباح، مع حقيبتي بانتظار التاكسي الذي تواعدت معه عند (البئر المُر) ليقلني إلى محطة القطار العائد إلى مدريد، اقترب معلم وجَمع من تلاميذه الذكور والإناث، فأحاطوا بالبئر وراح يشرح لهم حكايته. غادرتُ وأنا أسمعه يقول لهم: أن الأديان الصحيحة هي دعوة للحب لا للكراهية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (تراث) الإماراتية، العدد 192 اكتوبر 2016م.