كتب : جدلية
كتاب: آخر
القرويين
حوار مع مؤلفه محسن
الرملي
حاورته: جدلية
(محسن الرملي كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجم. ولد في شمال العراق عام
1967 ويقيم في إسبانيا منذ 1995. حصل على الدكتوراه بامتياز في الفلسفة والآداب من
جامعة مدريد، مع درجة الشرف. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة
كاتباً ومحرراً ثقافياً منذ 1985 وهو عضو جمعية الكُتاب والمترجمين المحترفين
الإسبان، يعمل حالياً أستاذاً في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.)
جدلية
(ج):
كيف ولِدت فكرة النص/النصوص؟ ما هي منابعه
وروافده؟ ومراحل تطوّره؟
محسن
الرملي (م. ر.): ولِدت الفكرة وتبلورت
مع زياراتي الأخيرة إلى قريتي في العراق، حيث كنت أجد في كل زيارة أن الأحوال كلها
تتغير: سلوك الناس، العادات والتقاليد، البيوت، الطبيعة، اللغة، الملبس، المأكل، الغناء،
الذائقة، الأجيال الجديدة.. وجدتهم مستَلَبين من قِبل التكنولوجيا والشاشات،
ذاكرتهم لتراثهم تضعف، خصوصيتهم تذوب، ولم أجد إلا قليلين منهم، من جيلي وأكبر
سناً، ممن أستطيع مشاركتهم الاهتمام بالذكريات وتلك البراءة والبساطة والنقاء،
فكنت أُنقذ بعض الصور والحكايات والرؤى عبر تدوينها.
(ج):
ما هي الثيمة الرئيسية؟ ما هو العالم الذي
يأخذنا إليه النص؟
(م.
ر.): الثيمة يمكن
تلخيصها بما قاله أحد القراء/ النقاد: إنها مرثية للقرى. ولهذا كان عنوانها (آخر
القرويين)، فأنا أرى أن القرى، في العالم كله، تندثر بأخلاقياتها وشكلها الذي
عرفناه، حيث تتلاشى الحدود والفروقات بينها وبين أي مدينة أو مكان آخر في العالم،
تبدو لي ممسوخة؛ فلا هي قُرى ولا هي مُدن، وكل ذلك بسبب دخول التكنولوجيا ووسائل
التواصل إلى بيوت وعيون وأذهان الجميع، فالكل يشاهد ويتابع ويتفاعل مع المبثوثات
نفسها في كل العالم وفي الوقت نفسه. تتراجع علاقة الإنسان بالطبيعة وبالأصول
والقيم الخاصة، بل وعلاقة الناس ببعضها وحتى مع عوائلها وذواتها. ثمة شعور لدي
معين بالحسرة والأسف، يرافقه حس بالمسؤولية والأمانة لتدوين شهادة عن عالم أو زمن
عرفته جيداً، بحلوه ومرّه، وأراه الآن يذوي.
(ج):
كتابُك الأخير عبارة عن (مجموعة قصصيّة)،
هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريد أن تقوله، وما هي طبيعة هذا
التأثير؟
(م. ر.): نعم بالتأكيد،
فالمحتوى هو الذي يفرض الشكل الذي يناسبه، وتعمدت أن يكون وفق البناء الكلاسيكي
التقليدي لنصوص القصة القصيرة، وما أردت قوله من هذا العمل: ذكريات متفرقة، مظاهر
مختلفة، ذكريات متباينة، صور متعددة، أجيال مختلفة، لحظات والتقاطات منوعة وأفكار
وتنبيهات عديدة، كان الأفضل طرحها في نصوص متعددة ومختلفة مع الإبقاء على رابط
إطاري واحد من حيث الموضوع والرؤية، ألا وهو موضوع القرية بين اليوم والأمس
وتوقعات المستقبل لها بالتلاشي المؤسف.
(ج):
ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك
أثناء الكتابة؟
(م. ر.): أبرز التحديات
كانت تكمن في أنني كنت أريد قول الكثير في نصوص قصيرة، لذا فإن أغلبها كان
بالإمكان تحويله إلى روايات، كما تنبه إلى ذلك بعض القراء فوصفوها بأنها روايات
مكبوسة أو مكثفة، ومن التحديات حرصي على أن تكون لغتي وأسلوبي بسيطين يشبهان
مناخات المواضيع التي أتناولها قدر الإمكان، ألا وهي مناخات الريف، بحيث أن
القاريء يشعر بأنه يعيش تلك الأجواء شكلاً ومضموناً، ومن التحديات الأخرى، هي أنني
كنت أحاول تقليل الطروحات والأفكار بشكل مباشر، فقد كان لدي الكثير مما أريد قوله
بهذا الخصوص، ومع ذلك ظهرت للعيان الكثير من تلك الأفكار مباشرة، وأبقيت عليها،
رغم علمي أن ذلك قد يضر باشتراطات وجماليات العمل الفني.
(ج):
ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك
الإبداعية؟
(م. ر.): إنه مكمل لمجمل
أعمالي الأخرى، روايات وقصص وغيرها، فالريف والقرى لها الحصة الأكبر في ميادين
أعمالي، لأنني ابن الريف وأحبه وأعتز بقرويتي، أشعر معها بأنني أقرب إلى إنسانية
الإنسان، حيث تكون التفاصيل المادية أقل والعلاقات أقرب وأدفأ وحياة الإنسان أبسط
من تعقيدات زماننا التي تتسارع وتتكاثر بشكل مخيف، بحيث أننا صرنا نصبح خدماً لما
نتصور أنه يخدمنا. وفي هذه النصوص، أسد ثغرات فاتتني في أعمالي الأخرى، وأجمع
حكايات وصور لم تجد لها مكاناً في بقية الأعمال. إنني أحب هذا الكتاب وأعتز به.
(ج):
هل هناك نصوص كانت ذات تأثير خاص، أو
قرأتها أثناء إنجاز النص؟
(م.
ر.): نعم، فقد عمدت
أثناء كتابة هذا العمل إلى الأكثار والتركيز في قراءاتي على القصص القصيرة، من
مختلف الثقافات في العالم، وبالطبع كانت الحصة الأكبر لقصص أمريكا اللاتينية
المكتوبة بالإسبانية، بحكم قربي منها وقربها مني لغة وأسلوباً وذائقة، وبالطبع قصص
تشيخوف التي أعيد قراءتها دائماً وكذلك قصص التركي يشار كمال الخاصة بأجواء الريف
والطفولة.
(ج):
هل تُفكّر بقارئ محدّد أثناء الكتابة، صفه
لنا؟
(م.
ر.): نعم، في بدايات
كتابتي، كنت أفكر بأخي حسن مطلك باعتباره قارئي الأول والمعلم، ورغم غيابه منذ أكثر
من ثلاثين عاماً، فما زال طيفه كقارئ لنصوصي حاضراً، وإن دخلت صور أخرى لقراء
آخرين، منهم أصدقاء أعرفهم شخصياً، وآخرين عرفتهم من المراسلة ويتابعون كل ما
أكتبه، قراء من مختلف الثقافات واللغات، بعد ترجمة أعمالي. أما عن هذا العمل
تحديداً، فبشكل ما، فكرت بقراء من قريتي والقرى المجاورة، بحيث كنت أشعر أحياناً
بأنني أخاطبهم مباشرة، وأقول لهم هذا بعض من ذاكرتنا ومشاعرنا وشخصيتنا، هذه مرآة
لنا، فإن ابتعدتم عنها، فها هي الآن محفوظة لمن شاء الاقتراب منها متى شاء، أو لمن
أراد أن يسربها إلى أبنائه وأحفاده.
(ج):
ما هو مشروعك القادم؟
(م. ر.): رواية أعمل عليها
منذ أعوام طويلة، وأجد صعوبة في إكمالها، وهي تدور في فلك هذه المجموعة القصصية
أيضاً، أي الإرث القروي، ولكن من ناحية أخرى، ألا وهي استلهام الحكايات الشعبية
(الخراريف) الخرافات التي سمعتها في طفولتي من أهلي، أحاول أن أحفظها وأقدمها بشكل
فني معاصر وجميل ومُحبّب قدر الإمكان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مقطتطف من المجموعة:
هناك، في الجهة المقابلة
لقريتنا الطينيّة، على الضفة الأخرى للنهر، في أعلى قمة الجبل، حيث يُقيم النسيان،
يُقيم قبر جدنا الأول، الذي أسَّسَ قريتنا، وبجواره ثلاثة قبور فارغة، وبقايا
صومعة قديمة، حطام من الصخر والطين المفخور،
شجرة عجوز، هي الشاهدة الوحيدة لذلك القبر الوحيد، الذي أدارت الدنيا الحديثة له
ظهرها، وتاهت عنه، هَجَرَته للعناكب والعقارب والأفاعي والعصافير السعيدة.
وللوصول إليه، لا بد من
عبور النهر، من عند عطفته الأقل عمقاً، والصعود في درب نيسمي على سفح الجبل. ما من
أحد من قريتنا لم يزره في صباه أو شبابه.. كأننا نحج إليه أو نتبرك به أو نشكو
إليه همومنا، أو نستمد منه روحية المقاومة والصمود في مواجهة ضغوط عصرنا. نتبادل
الحكايات عن شِدة زهده، عصاميته، كبريائه وعناده الذي شكّل رؤيتنا للحياة.
يُقال بأنه كان رجلاً
صالحاً، اِعتزل الناس، هناك في القمة، في أواخِر أيامه، وفي أول أيام دخول الراديو
إلى القرية وانتشاره في كل بيت. اِعتَبرَه اِختراقاً خارجيّاً لعُزلتنا
ولخصوصيتنا. "إنهم يُسمِّمون أيامنا بأخبارهم". حَفَر قبره بنفسه، في
الصخر، بين القبور الفارغة، وهو يواصل موته وحيداً سعيداً منذ أعوام طويلة.
مُسالِم، كما كان في حياته، مقيماً في الأعالي، في النقاء والصفاء وأقرب إلى
السماء. وصار البعض يسميه: "آخِر القرويين".
يُقال بأن هذه الأرجاء
كانت حافلة بالفرسان والعشاق والزاهدين والمتعبدين والمتأملين والهاربين والفنانين
الفطريين والمجانين، أما الآن، فتُسمى فلَوات خالية، خاوية، مهجورة، فارغة،
موحِشة.. منسية. يمكنك التجوال فيها وحيداً، إلا من رِفقة أصداء أصوات الطيور، وخرير
الماء الذي يتردد على جانبي الوادي، وهو ينسكب من ثقوب الينابيع في الجروف
والسفوح، متجهاً صوب بِساط من نسيج الرمل والحصى والأدغال.
كانت بعثة آثار أجنبية
هي التي أفرغَت القبور المجاورة له، حَمَلت ما كان فيها من بقايا عِظام وجِرار
وذَهب إلى المتاحِف، أو إلى أماكن دفن راقية، مُصمَّمة للسياحة، يُقال بأنها عِظام
شخصيات من ذوات الدم الأزرق، دم عوائل مَلَكية أو امبراطورية، أو لشخصيات مهمة في
التاريخ، اكتسبَت أهميتها من خِدمتها في بَلاط ما، أما الذي بقي، جَدنا، فدمه
أحمر، عادي، مثل دماء كل الضحايا العاديين، ولم يكن خادماً لأحد، لذا؛ لا أحد
يكترث له أو يريد معرفة أي شيء عنه، لا قيمة له عند الدولة أو الآثاريين أو
المؤرخين أو أي أحد سوانا. عاش زاهداً ومات زاهداً. جاء من الطين والماء والهواء..
وعاد إلى الطين والماء والهواء، أما أولئك الكبار فقد طاروا إلى متاحف الأجانب،
إلى المنافي، لأهميتهم، فيما بقي هو في تُربته، لعدم أهميته، في وطنه الذي يستهين
حتى بالمتاحف.
يعصف الشتاء به، يمشطه
برياحه وأمطاره، وأحياناً؛ يجمده تحت ثلوج القمة. الصيف يشوي كل شيء حوله وفيه،
لولا رحمة نسمات هواء عذبة في الفجر والليل، أما الربيع فخُضرة فوقه وحوله وورود
غريبة، مدهشة الجمال، وبعضها سامّة، والخريف.. لا شيء.. لا شيء، يتوحَّد كل ما حوله
باللون الأصفر، الصخور والنباتات والتراب والغيمات العابرة، وتُعرّي الريح القبر
من الأعشاب الجافة، تنفض الغبار عنه، تُنظِّف حصاه، فيبدو عارياً في العراء،
تتناوب عليه العتمة والنور... إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أصرّ فيه أبي على أن يمضي
أواخر أيام حياته هناك، طلبَ منا أن نُعيد له ترميم الصومعة المهَدّمة، لكي يُكرر
سيرة جدنا الأول، وأوصانا أن ندفنه، عند موته، في أحد تلك القبور الفارغة، لا في
مقبرتنا الكبيرة على أطراف قريتنا الصغيرة. وأصرّت أمي على مرافقته للعيش هناك،
قائلة بأنها لا تستطيع فراقه، منذ أن تزوجا وهما في السادسة عشرة من عمريهما، وكان
علينا أن نتناوب على عبور النهر يومياً. نتسلق الجبل لنحمل إليهما الطعام والماء
والدواء والحَطَب للمدفأة، وكنتُ أبات الليل معهما أحياناً. وأستمتع ببزوغ الفجر
هناك، أتأمل من أعلى القمة: الغيوم القريبة من رأسي، كأنني نسر مُحلِّق، وأطيل
النظر حولي، وتحتي؛ النهر والقرية والأشجار والصخور والطيور وتدرجات النور.
بَدا والِداي سعيدين
فعلاً، إلا أنهما لم يستمرا طويلاً، فسرعان ما مرِض أبي ومات، فدفناه، وفق وصيته،
في أحد القبور الفارغة، الذي اختاره بنفسه. وصار البعض يسميه: "آخِر
القرويين". حاولنا إعادة أمي إلى البيت، لكنها رفضت، وأشارت إلى القبر الآخر
جوار قبر أبي، قائلة، ادفنوني هنا عندما أموت، وماتت بعد شهرين، وصار البعض يشير
إلى قبرها ويقول: "آخِر القرويات".
كان قرار أبي رد فعل
واحتجاج على دخول التلفزيون إلى القرية وانتشاره في كل بيت. اعتبره اِختراقاً
خارجيّاً لعُزلتنا ولخصوصيتنا. كان يسميه "صُندوق الشُرور، ومُفَرِّق
الجَماعات والعائلات" بعد أن رأى العوائل تجتمع أمام الشاشات وتُهمِل
اجتماعها مع بعضها. حاول إقناع الناس بِتجنبه، ولكنه فشِل، لأن الحكومة فرضته
علينا، باسم (هدية الرئيس)، ليبث في أغلب الأوقات خطابات الرئيس وأخباره وصُوره،
وكان أبي يقول لنا: "إنهم يغسلون أدمغتكم عِبر هذا الصندوق اللعين، ويحشونها
بالترهات. إنهم لا يتحاورون معكم وإنما يُلَقنونكم". وقد كَتَب محسن الرملي، ابن
قريتنا، الذي هَجَرها وما يزل يَحِنّ إليها، قصته (التلفزيون الأعور) عن تلك
المرحلة؛ بداية دخول التلفاز إلى قريتنا وما أحدَثه من صراعات وتَحوّلات فيها.
وأتذكر أنه جادَل أبي بالقول: "الناس صَعَدَت إلى القَمر يا عمي، وأنتَ ما
زلتَ تعترض على مجرد تلفزيون بِدائي!"، فرد عليه: "وما دخلنا بالناس!
نحن أبناء الأرض، منها وإليها، فليذهَبوا هم إلى القَمَر أو المريخ أو الجحيم،
ويتركوننا هنا في أرضنا بسلام".
مرّت أعوام طويلة على
وفاة والديّ، وها أنا بعمرهما حين ماتا. كنت أزور قبريهما وقبر الجد الأكبر بين
الحين والآخر، وأصطَحِب بعض أبنائي إلى هناك، ولكنني قد شِختُ الآن، ولم يعُد
بمستطاعي عبور النهر وتسلق الجبل إلى قمته، وليس من بين أبنائي من يأخذني إلى
هناك. تهدّمَت الصومعة مرة أخرى، ذبلت الشجرة الشاهدة على قبر الجد، وأصبح الجبل
أجرَد والنهر أشَح والقرية أكبر، لكن بيوتها من حديد وإسمنت وليست من الطين،
واخترَقَت الهواتف النقالة عزلتنا وخصوصيتنا، أجهزة جديدة بحجم الكف، وتضم المذياع
والتلفاز، اللذين هرب منهما جدنا وأبي، وتضم بلاوي أُخرى أدهى وأخطَر، وإذا كان
التلفاز قد فرقنا على شكل جماعات، فهذا الهاتف قد فرقنا أفراداً، بل وراح يُفرق
بين المرء ونفسه، إنه يأخذُ أولادي مني، حتى وهم جالسون أمامي، فيما بقيتُ أنا
الوحيد بلا هاتف. وحيد، غريب، وسط عائلتي وقريتي والعالم.. لدي رُهاب، رُعب، فوبيا
منه، لا أُطيق التحدث فيه، فالحديث، بالنسبة لي، يُفتَرَض أن يكون مباشراً بلا
وسائط بين الإنسان وأخيه، وبين العبد ورَبه، وبين الكائنات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نُشر في منصة (جدلية) بتاريخ 1/4/2026م
*غلاف النسخة العربية:
عنوان
الكتاب: آخر القرويين
التصنيف:
قصص قصيرة
المؤلف:
محسن الرملي
الناشر:
دار المدى، 2025 العراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*غلاف النسخة الكردية
ترجمة:
رنجدر جبار
الناشر:
رهند، 2026 السليمانية، العراق




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق