قراءة
الأُبوة بين الاعتراف والإنكار
في روايتيّ "أبناء وأحذية"
لمحسن الرملي و"يموتون غرباء" لمحمد عبدالولي
محمود الدبعي
خلال الأسبوع الماضي
بقيت في المنزل واعدت قراءة رواية يموتون غرباء للمرة الخامسه تقريبا منذو ان وقعت
بيدي ثم ايضا اكملت قراءة رواية أبناء وأحذية للعراقي محسن الرملي وهي راوية رائعة
وماتعة جدا لكن مالفت نظري مسألة الإعتراف بالابوة لبطل الرواية أمير في أبناء
واحذية وانكار الابوة لبطل الرواية عبده سعيد في رواية يموتون غرباء للأديب اليمني
محمد عبدالولي واخذت على عاتقي ان أكتب حول مسألة الأبوة في الروايتين وهي وجهة
نظر قد اكون اصبت فيها وقد يراها الاخرون غير ذلك...
تعد مسألة الأبوة في
الأدب أكثر من مجرد علاقة بيولوجية؛ فهي سؤال أخلاقي وثقافي وحضاري يكشف طبيعة
الإنسان ورؤيته لذاته وللآخر. وإذا كانت رواية "أبناء وأحذية" لمحسن
الرملي تقدم شخصية أمير بوصفها شخصية تحتفي بأبنائه المنتشرين في
اسبانياوكولومبيا، فإن رواية "يموتون غرباء" لمحمد عبدالولي تقدم النقيض
تمامًا من خلال شخصية عبده سعيد الذي يرفض الاعتراف بأبنائه من النساء الإثيوبيات،
رغم يقينه الداخلي بأنهم يحملون دمه وملامحه.
هذا التناقض لا يعكس
اختلافًا بين شخصيتين فحسب، بل يكشف اختلافًا في الرؤية إلى مفهوم الأبوة، وإلى
العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وبين الثقافة الشرقية والغربية، وبين الاعتراف
والإنكار.
في رواية "أبناء
وأحذية" يبدو أمير رجلًا لا يشعر بالحرج من تعدد علاقاته، بل يحولها إلى مصدر
فخر. فهو لا يخجل من إنجابه سبعةً وعشرين طفلًا من نساء في إسبانيا وكولومبيا، بل
يرى في ذلك امتدادًا لوجوده الإنساني. والأكثر دلالة أن بعض النساء يلجأن إليه
عمدًا للإنجاب عندما يعجز أزواجهن، فيصبح حضوره مرتبطًا بوظيفة الإنجاب، ويتعامل
مع الأمر باعتباره مساهمة في منح الحياة، لا فعلًا ينبغي إخفاؤه أو التنصل منه.
هنا تصبح الأبوة، رغم خروجها عن الإطار التقليدي للأسرة، اعترافًا صريحًا بالصلة
البيولوجية والإنسانية.
أما في "يموتون
غرباء" فإن عبده سعيد يعيش مأزقًا مختلفًا. فهو يقيم علاقات مع نساء في أديس
أبابا، لكنه عندما يظهر الأطفال الذين يشبهونه بصورة لا تقبل الشك، يرفض الاعتراف
بهم. إن إنكاره لا يصدر عن جهل، وإنما عن خوف من المجتمع، ومن صورة اليمني الذي
يريد الحفاظ عليها، ومن التقاليد التي لا تمنحه مساحة للاعتراف بأبناء ولدوا خارج
الإطار المقبول اجتماعيًا. ولذلك يعيش صراعًا داخليًا بين ما يعرفه في قرارة نفسه،
وما يستطيع قوله علنًا.
وهنا تكمن المفارقة
الفنية بين الروايتين؛ فأمير لا يرى في الاعتراف بالأبناء انتقاصًا من رجولته،
بينما يرى عبده سعيد أن الاعتراف سيهدد مكانته الاجتماعية. الأول يربط الأبوة
بالدم، والثاني يربطها باعتراف المجتمع. الأول يواجه العالم، والثاني يهرب منه.
ومن زاويةوقراءة نقدية،
يمكن القول إن محمد عبدالولي لم يكن معنيًا بإدانة عبده سعيد بقدر ما كان يكشف
مأساة المهاجر اليمني الذي يعيش بين ثقافتين. فعبده لا يستطيع الانتماء الكامل إلى
المجتمع الإثيوبي، ولا يستطيع التحرر من القيود التي حملها معه من اليمن. لذلك
يتحول إنكاره لأبنائه إلى رمز لإنكار جزء من ذاته، وكأن غربته لا تقتصر على
المكان، بل تمتد إلى علاقته بأبنائه وهويته.
في المقابل، يستخدم محسن
الرملي شخصية أمير لتفكيك المفاهيم التقليدية عن الأبوة، مقدمًا نموذجًا يثير
الجدل؛ فاعترافه بالأبناء لا يعني بالضرورة أنه يؤدي واجبات الأب كاملة، لكنه على
الأقل لا ينكر وجودهم. ومن هنا يطرح الرملي سؤالًا فلسفيًا: هل الأبوة تبدأ بالاعتراف
البيولوجي، أم أنها لا تكتمل إلا بتحمل المسؤولية الأخلاقية والتربوية؟
إن الروايتين، على الرغم
من اختلافهما، تلتقيان في أن الأطفال هم الضحية. ففي "يموتون غرباء"
يعاني الأبناء من غياب الاعتراف، وفي "أبناء وأحذية" يثير تعدد الأبناء
في بلدان مختلفة سؤالًا آخر عن معنى الحضور الأبوي الفعلي، وهل يكفي الاعتراف وحده
لصناعة أب حقيقي؟
في الأخير
تكشف المقارنة بين
الروايتين أن الأبوة ليست مجرد إنجاب، وإنما موقف أخلاقي من الإنسان الذي يحمل اسم
الأب. وإذا كان أمير يمثل نموذج الاعتراف الصريح، فإن عبده سعيد يمثل نموذج
الإنكار الذي تصنعه سلطة المجتمع والخوف من الوصمة. وبين الاعتراف والإنكار، يظل
السؤال الذي تطرحه الروايتان على القارئ: أيهما أكثر قسوة على الأبناء؛ أب يعترف
بهم ولا يعيش معهم، أم أب يعيش بينهم لكنه ينكرهم؟ هذا السؤال هو أحد أكثر الأسئلة
الإنسانية عمقًا في الأدب العربي الحديث، ويمنح الروايتين قيمة فكرية تتجاوز موضوع
العلاقات الجنسية إلى مساءلة معنى المسؤولية والهوية والانتماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الاستاذ محمود حسن الدبعي،
كاتب وناقد يمني.





























