الأربعاء، 1 أبريل 2026

حوار مع محسن الرملي عن آخر قصصه/ جدلية

 

كتب : جدلية

كتاب: آخر القرويين

حوار مع مؤلفه محسن الرملي 

حاورته: جدلية

 (محسن الرملي كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجم. ولد في شمال العراق عام 1967 ويقيم في إسبانيا منذ 1995. حصل على الدكتوراه بامتياز في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد، مع درجة الشرف. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة كاتباً ومحرراً ثقافياً منذ 1985 وهو عضو جمعية الكُتاب والمترجمين المحترفين الإسبان، يعمل حالياً أستاذاً في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.)

 

جدلية (ج): كيف ولِدت فكرة النص/النصوص؟ ما هي منابعه وروافده؟ ومراحل تطوّره؟

محسن الرملي (م. ر.): ولِدت الفكرة وتبلورت مع زياراتي الأخيرة إلى قريتي في العراق، حيث كنت أجد في كل زيارة أن الأحوال كلها تتغير: سلوك الناس، العادات والتقاليد، البيوت، الطبيعة، اللغة، الملبس، المأكل، الغناء، الذائقة، الأجيال الجديدة.. وجدتهم مستَلَبين من قِبل التكنولوجيا والشاشات، ذاكرتهم لتراثهم تضعف، خصوصيتهم تذوب، ولم أجد إلا قليلين منهم، من جيلي وأكبر سناً، ممن أستطيع مشاركتهم الاهتمام بالذكريات وتلك البراءة والبساطة والنقاء، فكنت أُنقذ بعض الصور والحكايات والرؤى عبر تدوينها.

(ج): ما هي الثيمة الرئيسية؟ ما هو العالم الذي يأخذنا إليه النص؟

(م. ر.): الثيمة يمكن تلخيصها بما قاله أحد القراء/ النقاد: إنها مرثية للقرى. ولهذا كان عنوانها (آخر القرويين)، فأنا أرى أن القرى، في العالم كله، تندثر بأخلاقياتها وشكلها الذي عرفناه، حيث تتلاشى الحدود والفروقات بينها وبين أي مدينة أو مكان آخر في العالم، تبدو لي ممسوخة؛ فلا هي قُرى ولا هي مُدن، وكل ذلك بسبب دخول التكنولوجيا ووسائل التواصل إلى بيوت وعيون وأذهان الجميع، فالكل يشاهد ويتابع ويتفاعل مع المبثوثات نفسها في كل العالم وفي الوقت نفسه. تتراجع علاقة الإنسان بالطبيعة وبالأصول والقيم الخاصة، بل وعلاقة الناس ببعضها وحتى مع عوائلها وذواتها. ثمة شعور لدي معين بالحسرة والأسف، يرافقه حس بالمسؤولية والأمانة لتدوين شهادة عن عالم أو زمن عرفته جيداً، بحلوه ومرّه، وأراه الآن يذوي.

(ج): كتابُك الأخير عبارة عن (مجموعة قصصيّة)، هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريد أن تقوله، وما هي طبيعة هذا التأثير؟

(م. ر.): نعم بالتأكيد، فالمحتوى هو الذي يفرض الشكل الذي يناسبه، وتعمدت أن يكون وفق البناء الكلاسيكي التقليدي لنصوص القصة القصيرة، وما أردت قوله من هذا العمل: ذكريات متفرقة، مظاهر مختلفة، ذكريات متباينة، صور متعددة، أجيال مختلفة، لحظات والتقاطات منوعة وأفكار وتنبيهات عديدة، كان الأفضل طرحها في نصوص متعددة ومختلفة مع الإبقاء على رابط إطاري واحد من حيث الموضوع والرؤية، ألا وهو موضوع القرية بين اليوم والأمس وتوقعات المستقبل لها بالتلاشي المؤسف.

(ج): ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك أثناء الكتابة؟

(م. ر.): أبرز التحديات كانت تكمن في أنني كنت أريد قول الكثير في نصوص قصيرة، لذا فإن أغلبها كان بالإمكان تحويله إلى روايات، كما تنبه إلى ذلك بعض القراء فوصفوها بأنها روايات مكبوسة أو مكثفة، ومن التحديات حرصي على أن تكون لغتي وأسلوبي بسيطين يشبهان مناخات المواضيع التي أتناولها قدر الإمكان، ألا وهي مناخات الريف، بحيث أن القاريء يشعر بأنه يعيش تلك الأجواء شكلاً ومضموناً، ومن التحديات الأخرى، هي أنني كنت أحاول تقليل الطروحات والأفكار بشكل مباشر، فقد كان لدي الكثير مما أريد قوله بهذا الخصوص، ومع ذلك ظهرت للعيان الكثير من تلك الأفكار مباشرة، وأبقيت عليها، رغم علمي أن ذلك قد يضر باشتراطات وجماليات العمل الفني.

(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟

(م. ر.): إنه مكمل لمجمل أعمالي الأخرى، روايات وقصص وغيرها، فالريف والقرى لها الحصة الأكبر في ميادين أعمالي، لأنني ابن الريف وأحبه وأعتز بقرويتي، أشعر معها بأنني أقرب إلى إنسانية الإنسان، حيث تكون التفاصيل المادية أقل والعلاقات أقرب وأدفأ وحياة الإنسان أبسط من تعقيدات زماننا التي تتسارع وتتكاثر بشكل مخيف، بحيث أننا صرنا نصبح خدماً لما نتصور أنه يخدمنا. وفي هذه النصوص، أسد ثغرات فاتتني في أعمالي الأخرى، وأجمع حكايات وصور لم تجد لها مكاناً في بقية الأعمال. إنني أحب هذا الكتاب وأعتز به.

(ج): هل هناك نصوص كانت ذات تأثير خاص، أو قرأتها أثناء إنجاز النص؟

(م. ر.): نعم، فقد عمدت أثناء كتابة هذا العمل إلى الأكثار والتركيز في قراءاتي على القصص القصيرة، من مختلف الثقافات في العالم، وبالطبع كانت الحصة الأكبر لقصص أمريكا اللاتينية المكتوبة بالإسبانية، بحكم قربي منها وقربها مني لغة وأسلوباً وذائقة، وبالطبع قصص تشيخوف التي أعيد قراءتها دائماً وكذلك قصص التركي يشار كمال الخاصة بأجواء الريف والطفولة.

(ج): هل تُفكّر بقارئ محدّد أثناء الكتابة، صفه لنا؟

(م. ر.): نعم، في بدايات كتابتي، كنت أفكر بأخي حسن مطلك باعتباره قارئي الأول والمعلم، ورغم غيابه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فما زال طيفه كقارئ لنصوصي حاضراً، وإن دخلت صور أخرى لقراء آخرين، منهم أصدقاء أعرفهم شخصياً، وآخرين عرفتهم من المراسلة ويتابعون كل ما أكتبه، قراء من مختلف الثقافات واللغات، بعد ترجمة أعمالي. أما عن هذا العمل تحديداً، فبشكل ما، فكرت بقراء من قريتي والقرى المجاورة، بحيث كنت أشعر أحياناً بأنني أخاطبهم مباشرة، وأقول لهم هذا بعض من ذاكرتنا ومشاعرنا وشخصيتنا، هذه مرآة لنا، فإن ابتعدتم عنها، فها هي الآن محفوظة لمن شاء الاقتراب منها متى شاء، أو لمن أراد أن يسربها إلى أبنائه وأحفاده.

(ج): ما هو مشروعك القادم؟

(م. ر.): رواية أعمل عليها منذ أعوام طويلة، وأجد صعوبة في إكمالها، وهي تدور في فلك هذه المجموعة القصصية أيضاً، أي الإرث القروي، ولكن من ناحية أخرى، ألا وهي استلهام الحكايات الشعبية (الخراريف) الخرافات التي سمعتها في طفولتي من أهلي، أحاول أن أحفظها وأقدمها بشكل فني معاصر وجميل ومُحبّب قدر الإمكان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

*مقطتطف من المجموعة:

 

هناك، في الجهة المقابلة لقريتنا الطينيّة، على الضفة الأخرى للنهر، في أعلى قمة الجبل، حيث يُقيم النسيان، يُقيم قبر جدنا الأول، الذي أسَّسَ قريتنا، وبجواره ثلاثة قبور فارغة، وبقايا صومعة قديمة، حطام من الصخر والطين المفخور، شجرة عجوز، هي الشاهدة الوحيدة لذلك القبر الوحيد، الذي أدارت الدنيا الحديثة له ظهرها، وتاهت عنه، هَجَرَته للعناكب والعقارب والأفاعي والعصافير السعيدة.

وللوصول إليه، لا بد من عبور النهر، من عند عطفته الأقل عمقاً، والصعود في درب نيسمي على سفح الجبل. ما من أحد من قريتنا لم يزره في صباه أو شبابه.. كأننا نحج إليه أو نتبرك به أو نشكو إليه همومنا، أو نستمد منه روحية المقاومة والصمود في مواجهة ضغوط عصرنا. نتبادل الحكايات عن شِدة زهده، عصاميته، كبريائه وعناده الذي شكّل رؤيتنا للحياة.

يُقال بأنه كان رجلاً صالحاً، اِعتزل الناس، هناك في القمة، في أواخِر أيامه، وفي أول أيام دخول الراديو إلى القرية وانتشاره في كل بيت. اِعتَبرَه اِختراقاً خارجيّاً لعُزلتنا ولخصوصيتنا. "إنهم يُسمِّمون أيامنا بأخبارهم". حَفَر قبره بنفسه، في الصخر، بين القبور الفارغة، وهو يواصل موته وحيداً سعيداً منذ أعوام طويلة. مُسالِم، كما كان في حياته، مقيماً في الأعالي، في النقاء والصفاء وأقرب إلى السماء. وصار البعض يسميه: "آخِر القرويين".

يُقال بأن هذه الأرجاء كانت حافلة بالفرسان والعشاق والزاهدين والمتعبدين والمتأملين والهاربين والفنانين الفطريين والمجانين، أما الآن، فتُسمى فلَوات خالية، خاوية، مهجورة، فارغة، موحِشة.. منسية. يمكنك التجوال فيها وحيداً، إلا من رِفقة أصداء أصوات الطيور، وخرير الماء الذي يتردد على جانبي الوادي، وهو ينسكب من ثقوب الينابيع في الجروف والسفوح، متجهاً صوب بِساط من نسيج الرمل والحصى والأدغال.

كانت بعثة آثار أجنبية هي التي أفرغَت القبور المجاورة له، حَمَلت ما كان فيها من بقايا عِظام وجِرار وذَهب إلى المتاحِف، أو إلى أماكن دفن راقية، مُصمَّمة للسياحة، يُقال بأنها عِظام شخصيات من ذوات الدم الأزرق، دم عوائل مَلَكية أو امبراطورية، أو لشخصيات مهمة في التاريخ، اكتسبَت أهميتها من خِدمتها في بَلاط ما، أما الذي بقي، جَدنا، فدمه أحمر، عادي، مثل دماء كل الضحايا العاديين، ولم يكن خادماً لأحد، لذا؛ لا أحد يكترث له أو يريد معرفة أي شيء عنه، لا قيمة له عند الدولة أو الآثاريين أو المؤرخين أو أي أحد سوانا. عاش زاهداً ومات زاهداً. جاء من الطين والماء والهواء.. وعاد إلى الطين والماء والهواء، أما أولئك الكبار فقد طاروا إلى متاحف الأجانب، إلى المنافي، لأهميتهم، فيما بقي هو في تُربته، لعدم أهميته، في وطنه الذي يستهين حتى بالمتاحف.

يعصف الشتاء به، يمشطه برياحه وأمطاره، وأحياناً؛ يجمده تحت ثلوج القمة. الصيف يشوي كل شيء حوله وفيه، لولا رحمة نسمات هواء عذبة في الفجر والليل، أما الربيع فخُضرة فوقه وحوله وورود غريبة، مدهشة الجمال، وبعضها سامّة، والخريف.. لا شيء.. لا شيء، يتوحَّد كل ما حوله باللون الأصفر، الصخور والنباتات والتراب والغيمات العابرة، وتُعرّي الريح القبر من الأعشاب الجافة، تنفض الغبار عنه، تُنظِّف حصاه، فيبدو عارياً في العراء، تتناوب عليه العتمة والنور... إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أصرّ فيه أبي على أن يمضي أواخر أيام حياته هناك، طلبَ منا أن نُعيد له ترميم الصومعة المهَدّمة، لكي يُكرر سيرة جدنا الأول، وأوصانا أن ندفنه، عند موته، في أحد تلك القبور الفارغة، لا في مقبرتنا الكبيرة على أطراف قريتنا الصغيرة. وأصرّت أمي على مرافقته للعيش هناك، قائلة بأنها لا تستطيع فراقه، منذ أن تزوجا وهما في السادسة عشرة من عمريهما، وكان علينا أن نتناوب على عبور النهر يومياً. نتسلق الجبل لنحمل إليهما الطعام والماء والدواء والحَطَب للمدفأة، وكنتُ أبات الليل معهما أحياناً. وأستمتع ببزوغ الفجر هناك، أتأمل من أعلى القمة: الغيوم القريبة من رأسي، كأنني نسر مُحلِّق، وأطيل النظر حولي، وتحتي؛ النهر والقرية والأشجار والصخور والطيور وتدرجات النور.

بَدا والِداي سعيدين فعلاً، إلا أنهما لم يستمرا طويلاً، فسرعان ما مرِض أبي ومات، فدفناه، وفق وصيته، في أحد القبور الفارغة، الذي اختاره بنفسه. وصار البعض يسميه: "آخِر القرويين". حاولنا إعادة أمي إلى البيت، لكنها رفضت، وأشارت إلى القبر الآخر جوار قبر أبي، قائلة، ادفنوني هنا عندما أموت، وماتت بعد شهرين، وصار البعض يشير إلى قبرها ويقول: "آخِر القرويات".

كان قرار أبي رد فعل واحتجاج على دخول التلفزيون إلى القرية وانتشاره في كل بيت. اعتبره اِختراقاً خارجيّاً لعُزلتنا ولخصوصيتنا. كان يسميه "صُندوق الشُرور، ومُفَرِّق الجَماعات والعائلات" بعد أن رأى العوائل تجتمع أمام الشاشات وتُهمِل اجتماعها مع بعضها. حاول إقناع الناس بِتجنبه، ولكنه فشِل، لأن الحكومة فرضته علينا، باسم (هدية الرئيس)، ليبث في أغلب الأوقات خطابات الرئيس وأخباره وصُوره، وكان أبي يقول لنا: "إنهم يغسلون أدمغتكم عِبر هذا الصندوق اللعين، ويحشونها بالترهات. إنهم لا يتحاورون معكم وإنما يُلَقنونكم". وقد كَتَب محسن الرملي، ابن قريتنا، الذي هَجَرها وما يزل يَحِنّ إليها، قصته (التلفزيون الأعور) عن تلك المرحلة؛ بداية دخول التلفاز إلى قريتنا وما أحدَثه من صراعات وتَحوّلات فيها. وأتذكر أنه جادَل أبي بالقول: "الناس صَعَدَت إلى القَمر يا عمي، وأنتَ ما زلتَ تعترض على مجرد تلفزيون بِدائي!"، فرد عليه: "وما دخلنا بالناس! نحن أبناء الأرض، منها وإليها، فليذهَبوا هم إلى القَمَر أو المريخ أو الجحيم، ويتركوننا هنا في أرضنا بسلام".

مرّت أعوام طويلة على وفاة والديّ، وها أنا بعمرهما حين ماتا. كنت أزور قبريهما وقبر الجد الأكبر بين الحين والآخر، وأصطَحِب بعض أبنائي إلى هناك، ولكنني قد شِختُ الآن، ولم يعُد بمستطاعي عبور النهر وتسلق الجبل إلى قمته، وليس من بين أبنائي من يأخذني إلى هناك. تهدّمَت الصومعة مرة أخرى، ذبلت الشجرة الشاهدة على قبر الجد، وأصبح الجبل أجرَد والنهر أشَح والقرية أكبر، لكن بيوتها من حديد وإسمنت وليست من الطين، واخترَقَت الهواتف النقالة عزلتنا وخصوصيتنا، أجهزة جديدة بحجم الكف، وتضم المذياع والتلفاز، اللذين هرب منهما جدنا وأبي، وتضم بلاوي أُخرى أدهى وأخطَر، وإذا كان التلفاز قد فرقنا على شكل جماعات، فهذا الهاتف قد فرقنا أفراداً، بل وراح يُفرق بين المرء ونفسه، إنه يأخذُ أولادي مني، حتى وهم جالسون أمامي، فيما بقيتُ أنا الوحيد بلا هاتف. وحيد، غريب، وسط عائلتي وقريتي والعالم.. لدي رُهاب، رُعب، فوبيا منه، لا أُطيق التحدث فيه، فالحديث، بالنسبة لي، يُفتَرَض أن يكون مباشراً بلا وسائط بين الإنسان وأخيه، وبين العبد ورَبه، وبين الكائنات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نُشر في منصة (جدلية) بتاريخ 1/4/2026م

https://www.jadaliyya.com/Details/47291/%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%91%D9%8A%D9%86 

*غلاف النسخة العربية:

عنوان الكتاب: آخر القرويين

التصنيف: قصص قصيرة

المؤلف: محسن الرملي

الناشر: دار المدى، 2025 العراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

*غلاف النسخة الكردية

ترجمة: رنجدر جبار

الناشر: رهند، 2026 السليمانية، العراق

الجمعة، 27 مارس 2026

فحوصات ثقافية: قراءة الشباب والشياب/ محسن الرملي

 

فحوصات ثقافية

أكثر مَن يقرأ هم الشَباب والشِيّاب 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

أكثر الآراء شيوعاً بشأن القراءة هي: إن الشباب، في هذا الزمن، لا يقرأون الكُتب، ويُبدِّدون أوقاتهم بمتابعة مُنتجات (نظام التفاهة) والديجيتال، وطالما كنتُ أردُّ دحضاً لهذه الأقوال استناداً إلى تجربتي الشخصية، لأن أكثر من ألتقيهم وأُوقع لهم كتبي، في مختلف المناسبات ومعارض الكتب شرقاً وغرباً، هم من الشباب، وجل الرسائل التي أتلقاها هي منهم، وأنا نفسي، في شبابي، كنت أقرأ أضعاف ما أقرأه الآن، حتى بعد أن أصبحَت القراءة والكتابة هي هويتي ومصدر رزقي وأهم ما في حياتي، فيما ابنتي الشابة تقرأ أكثر مني، دون غرض أن تُصبح كاتبة، أو أن تجد عملاً في سوق الكتب، وإنما تقرأ للمتعة وحسب.

وأخيراً؛ ها هي إحصائية حديثة تسُرني، لأنها تدعم رأيي، أصدرها الاتحاد الإسباني لنقابات الناشرين، بالتعاون مع وزارة الثقافة وبرعاية مركز حقوق النسخ ورابطة المؤلفين والناشرين وجمعية الكتاب والمترجمين المحترفين، التي أنا عضو فيها، حيث تشير نتائج مقياس القراءة وشراء الكتب في إسبانيا إلى أن الشباب، مواليد العصر الرقمي، هم الأكثر إقبالًا على قراءة الكتب للمتعة، ويليهم كبار السن فوق 65 عامًا، وهذه إضافة جعلتني أنتبه إليها باهتمام أيضاً.

تؤكد هذه الإحصائيات على تسجيل رقم قراءة قياسي بلغ 66.2% في عام 2025، بزيادة 0.7% مقارنةً بعام 2024، ويصل هذا الرقم إلى 69.8٪ عند إضافة من يقرأون لأغراض الدراسة والعمل. ويرتفع إلى 71.2٪. إذا أُضيف إليها قُراء القصص المصوّرة، وهكذا فالمساهمة الأكبر في زيادة القراءة، هي من قِبل الشباب والشياب، حيث يقرأ سبعة ونصف من كل عشرة تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عامًا، وبهذا يُفنِّد الشباب مجدداً الاعتقاد السائد بأنهم لا يقرأون.

أما عن ارتفاع عدد القراء ممن تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، بنسبة 13 نقطة مئوية. ستة من كل عشرة، فيُعزى إلى كونهم من أجيالٍ التحقت بالمدارس بفضل قانون التعليم لعام 1970، الذي تم تحديثه وتكييفه مع متطلبات العصر وتوجيهات اليونسكو وأرسى التعليم المجاني والإلزامي الشامل. وفي رأيي أن توفر الوقت للمتقاعدين، والمال لشراء الكتب له دوره أيضاً. جاري يقول إن حلمه بعد التقاعد هو أن يقرأ الكتب التي لم يستطع قراءتها سابقاً.

وعلى الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، فلا يزال 33.8% من الإسبان؛ لا يقرأون أبداً، أو نادراً في أوقات فراغهم، وتتراوح الأسباب المذكورة بين: ضيق الوقت (42%)، لا سيما بين النساء اللواتي أعمارهن بين 25 و65 عامًا، وتفضيل قضاء الوقت في أشكال ترفيهيّة أخرى (32.6%)، أو ببساطة عدم الاهتمام بالقراءة (20%).

وعن القراءة بالأجهزة الرقمية، فتمثل ثلث القراء، أما الكتاب الصوتي فشهد نمواً بنسبة 7.9% وخاصة بين الشباب، واللافت أيضاً، هو أن المكتبات ما تزال هي الخيار المفضل لشراء الكتب، رغم انخفاض ذلك بنسبة 8% بسبب تزايد الذين يشترونها عبر الإنترنيت. كما تشهد المكتبات العامة تعافيًا مستمرًا في الإقبال بعد الجائحة. وبالمجمل؛ حقق سوق الكتب انتعاشا، إذ بلغت المبيعات 1.250 مليار يورو، ببيع 76 مليون نسخة مطبوعة، أي بنمو 4% مقارنة بعام 2024.

وتضم هذه الإحصائيات تفاصيل أخرى مهمة، لا يتسع المجال هنا لذكرها، لكنني أرى نتائجها مقاربة لما ستكون عليها إحصائيات في بلدان أخرى، بما فيها بلداننا العربية، التي آمل أن تعمل على إجراء إحصائيات من هذا النوع، ستخدمنا جميعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 90، ابريل 2026م الشارقة

https://sibf.com/ar/Kitabcover

بعض رسوم محسن الرملي

 

بعض رسوم محسن الرملي 

2026




















الأحد، 8 مارس 2026

حوار مع محسن الرملي / جريدة المترجم العراقي

 

حوار

محسن الرملي:

الرواية هي حارسة الذاكرة والمتكفلة بحفظها، إنها أثرى متحف معنوي للإنسان 

أجرى الحوار: عصام ثاير منصور

يشكل الأديب والمترجم العراقي محسن الرملي واحداً من الأصوات الثقافية التي جمعت بين الإبداع الأدبي والعمل الأكاديمي والترجمة، في تجربة تمتد بين العراق وإسبانيا، وبين اللغتين العربية والإسبانية، فمنذ ولادته عام 1967 في قرية سديرة التابعة لقضاء الشرقاط شمال العراق، وصولاً إلى استقراره في إسبانيا منذ عام 1955، ظل الرملي منشغلاً بتقديم صورة إنسانية وثقافية عن بلده عبر الكتابة والبحث والترجمة.

حصل الرملي على درجة الدكتوراه من جامعة مدريد أوتونوما عن أطروحته التي تناولت تأثيرات الثقافة الإسلامية في رواية دون كيخوته، وهو موضوع يعكس اهتمامه المبكر بالتفاعل بين الثقافات، وقد كتب بالعربية والإسبانية، وتُرجمت أعماله إلى عدد كبير من اللغات العالمية، كما شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الأدبية في بلدان عربية وأوروبية وأمريكية.

أصدر أكثر من ثلاثين عملاً أدبياً توزعت بين الرواية والشعر والقصة والترجمة، ووصلت عدة روايات له إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، من بينها (تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) و(بنت دجلة، كما نالت بعض ترجمات أعماله جوائز دولية مرموقة، وإلى جانب نشاطه الأدبي، يعمل أستاذا في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.

في هذا الحوار، نقترب من تجربة محسن الرملي الإبداعية والترجمية، ونتعرف على رؤيته للأدب بوصفه مساحة للحوار بين الثقافات، وعلى حضور الذاكرة العراقية في أعماله التي تعبر اللغات والحدود.

1.       بدأت الترجمة منذ زمن طويل، هل كانت الترجمة خيارًا معرفيًا أم ضرورة وجودية؟

*نعم، بدأتُ الترجمة منذ أن كنت في المرحلة الثانية من دراسة اللغة الإسبانية في جامعة بغداد، وكانت حلماً بالنسبة لي، فعدا قصص الأطفال، كانت أول رواية قرأتها للبالغين هي (في سبيل التاج) من تعريب المنفلوطي، فحلمتُ أن أستطيع القيام بما قام به، بل وحاولت تقليدها، ولاحقاً بعد أن قرأتُ رواية (مئة عام من العزلة) وأدهشتني، حلمتُ بقراءتها بلغتها الأصلية، وهذا كان الدافع الرئيسي لدراستي للغة الإسبانية، وهو الأمر الذي غير حياتي كلها، ثم صارت الترجمة خياراً معرفياً، وبالتدريج، بعد ارتباطها عندي بالكتابة وطلب الرزق والشعور بالمسؤولية، اندرجت ضمن الضرورة الوجودية. وبالنسبة لي، أرى بأن: الترجمة مثل زكاة، واجبة على كل من يُجيد لغة، أن يُقدم فيها ولو عملاً واحداً في اختصاصه.

2.       هل تشعر أحيانًا أن اللغة الإسبانية تمنحك مسافة نفسية لا توفرها العربية؟

*أجل، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الحرية في القول، فلا وجود للرقابة الرسمية ولا الشعبية ولا ممنوعات أو محرمات، وهذا بحكم طبيعة الوسط والمناخ الثقافي عموماً، أكثر من تعلقه باللغة ذاتها، فمن حيث اللغة؛ العربية هي أكثر ثراءً وجمالاً وقُرباً إلى نفسي.

3.       ترجمت كبار الأدباء من الإسبانية إلى العربية والعكس، هل تشعر أن المترجم العربي ما زال مظلومًا ثقافيًا؟

*لا، المترجم العربي ليس مظلوماً، وهو الآن، أفضل حالاً وتقديراً معنوياً ومادياً، من غالبية المترجمين في ثقافات كثيرة، بما فيها غربية، وقد سبق لي وأن تحدثت عن هذا الأمر في ندوة ضمن فعاليات معرض الكتاب في مدريد. معنوياً نحن نضع اسم المترجم على الغلاف، وأحياناً بخط يساوي خط اسم المؤلف، وصارت لدينا أسماء بعض المترجمين أكثر شهرة وثقة من أسماء كُتاب، بل أن الكثير من القراء يقتنون الكتب بناءً على أسماء المترجمين، ومن هذه الأسماء مثلاً: صالح علماني، جبرا إبراهيم جبرا، سامي الدروبي، جورج طرابيشي وغيرهم. كما يجد المترجم العربي ناشراً لأعماله بسهولة، فيما يعاني في ثقافات أخرى، ومنها الإسبانية، من قلة وتردد الناشرين لترجماته، ومادياً، فالمترجم عندنا يستحصل حقه مباشرة، وغالباً ما تكون المكافأة أكثر من مكافأة الكُتاب المؤلفين، الذين قد لا يحصلوا على شيء أصلاً، هذا عدا الجوائز التي صارت عديدة عندنا فتزيد من التقدير المعنوي والمكفأة المادية.

4.       حصلت على جوائز مهمة في القصة والترجمة، هل تعني لك الجوائز اعترافًا أم عبئًا؟

*هي اعتراف أولاً، والجوائز بكل أشكالها، حتى وإن كانت رمزية، هي إيجابية ونافعة وداعمة للمؤلف والمترجم والناشر والقارئ، لأنها تسلط المزيد من الضوء على العمل وعامله، وتشد من أزرهم لمواصلة الجد والاجتهاد والعطاء والإبداع والمسؤولية في عملهم. ثم تصبح مسؤولية أكبر، أكثر مما هي عبئاً، لأن حاملها وعمله يصبح تحت الضوء، فيزداد قلقه من الإخفاق أو تقديم أعمال أقل جودة من تلك التي نال عليها جائزة.

5.       في مسرحك حضور واضح للرمز والأسطورة، هل المسرح عندك مساحة حرية أكبر من الرواية؟

*لا يضاهي الرواية أي فن من حيث توفير مساحات الحرية، شكلاً ومضموناً، فهي قادرة على استيعاب كل فكرة ورمز وقول، فيما للمسرح شروطه من حيث الشكل والأدوات والمساحة، لذا فاللجوء إلى الرمز والأسطورة فيه هو من أجل التكثيف، ولأن المسرح يتعامل بشكل مباشر مع الجمهور، وبالتالي مع السلطات والرأي العام، فهو يعمد إلى الترميز أحياناً أو استلهام وتوظيف أسطورة معينة لكي يتحاشى الاصطدام بالرقابة، الحالية، وبردود الفعل التي قد تضر بصاحبه.

6.       هل ترى أن الرواية العربية اليوم تكتب الذاكرة أم تعيد تدوير الصدمة؟

*إنها تقوم بالأمرين معاً، فمبدئياً كل الروايات تكتب عن الماضي وخبرة وحصيلة الذاكرة، حتى وإن بدت انها تتحدث عن الحاضر والمستقبل، الرواية هي حارسة الذاكرة والمتكفلة بحفظها، إنها أثرى متحف معنوي للإنسان. وهي في الوقت نفسه تعيد وصف الأحداث وخاصة الصادمة منها، أو تدوير الصدمات، على حد وصفك، وهكذا فهي تُعين المتلقي على تأمل، وإعادة تأمل، ما حدث وفهمه واستيعابة بشكل أفضل، مما يشكل تراكماً معرفياً بالذات الفردية والجماعية.

7.       كيف تنظر إلى واقع الترجمة في العالم العربي اليوم؟

*واقع الترجمة في العالم العربي اليوم هو أفضل من أي وقت مضى، من حيث انتاجه الكمي والنوعي، ويتمتع بنشاط وحيوية غير مسبوقين، ولدينا جمعيات وروابط وجوائز ومؤسسات خاصة بالترجمة مثل دار المأمون في العراق والمركز القومي للترجمة في مصر وغيرها، ولدينا مترجمين أصبحوا نجوماً في الوسط الثقافي، لكن المأخذ على هذا الواقع الترجمي، هو أن جل ثقله وثراء إنتاجه هو في ميدان الآداب، فيما ينحسر ويشح حد الندرة، في الميادين الأخرى وخاصة العلمية بشتى فروعها.

8.       بعد هذه المسيرة الطويلة، ما النص الذي تتمنى لو تعيد ترجمته اليوم بعين وخبرة مختلفتين؟

*رواية (الدون كيخوته) لثربانتس، فعلى الرغم من ترجمتها إلى العربية أربع مرات، إلا أنني أتمنى لو أمتلك الوقت لإعادة ترجمتها، وذلك لأنني أعرفها جيداً، بحكم تخصصي فيها أكاديمياً، وكانت أطروحتي للدكتوراه عنها، وتعلمتُ، ومازلت أتعلم منها الكثير، ككاتب روائي، وهكذا فهي تعيش معي لأكثر من عشرين سنة، وقدمتُ عنها الكثير من المحاضرات في العديد من المناسبات والبلدان.

9.       ما الخطوات العملية التي ترونها ضرورية للنهوض بالترجمة في العراق؟

*التنظيم والتدعيم والتعميم والتكريم، وكل هذه الخطوات الأربعة مترابطة، يكمل بعضها بعضاً، فمن حيث التنظيم؛ نحن لدينا أكثر من جهة متخصصة بالترجمة كدار المأمون وجمعية المترجمين العراقيين وأقسام الترجمة في الجامعات والناشرين وغيرها، فأرى أن يتم العمل على التنسيق بين كل هذه الجهات، كأن يتم تشكيل لجنة عمل مشتركة بينها، تعقد اجتماعات ومؤتمراً سنوياً، وتقوم بتنظيم وتقييم عملها وواقع الترجمة والمترجمين بما يخدم تحسين ومضاعفة الانتاج ومعالجة الاخفاقات. ومن حيث التدعيم، تسعى هذه الجهات، بشكل مشترك، إلى البحث عن المزيد من مصادر الدعم المادي والمعنوي، من الحكومات والشركات والأثرياء والمعنيين في الداخل والخارج، والتعميم هو المزيد من الإعلام والتسويق والتعريف بمنجزات الترجمة والمترجمين وعقد اللقاءات المباشرة مع المتلقين في الجامعات والمدارس ومعارض الكتب وإقامة الورشات وغيرها، والتكريم باستحداث جوائز خاصة بالترجمة والمترجمين العراقيين، وإقامة ندوات وأماسي احتفاء بالمترجمين الرواد والمتميزين الأحياء وبالترجمات المتميزة والمهمة.

10.  كيف تنظرون إلى دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجال الترجمة؟ وهل يشكّل تهديدًا فعليًا لمهنة المترجم؟

*الذكاء الاصطناعي، حاله كحال أي أداة جديدة اكتشفها وصنعها الإنسان عبر تطور مسيرته المعرفية، يعني يتوقف الأمر على كيفية استخدامها، حيث يمكن استخدام أية أداة بأسلوب جيد أو سيء أو لأغراض إيجابية أو سلبية.. وهكذا. وبالنسبة للذكاء الاصطناعي والترجمة، فهو خدمها بشكل ممتاز، من حيث أنه جعلنا نكاد نستغني عن مجلدات القواميس تقريباً، نحن الذين أتعبنا عيوننا وأصابعنا في التنقيب بين القواميس والمعاجم، كما يمكن استشارته ببعض الصياغات، وهو مهما بلغ من الجودة إلا أنه لا يستطيع أن يحل محل الجهد والذكاء والحس الإنساني، فعلى المترجم الحقيقي أن يُراجع مخرجات البرمجيات، فهي ليست كلها صحيحة دقيقة، بل وتبدو صياغاته أحياناً مُضحكة. المترجم هو الذي يمنح من روحه الروح للنص، أما الذكاء الاصطناعي فهو بلا روح أصلاً.  

11.  وصفتكم صحيفة الغارديان بأنكم من "نجوم الأدب العربي المعاصر"، كما وصفتكم صحيفة الموندو الإسبانية بأنكم "أحد أبرز مترجمي كلاسيكيات الأدب الإسباني إلى العربية". كيف تشعرون تجاه هذه التقديرات الدولية؟ وهل تؤثر في أعمالكم الحالية أو المستقبلية؟

*إن تقييمات كهذه تمنحني شعورين متناقضين، فمن جهة؛ أشعر بالرضا عن نفسي وما قدمته، ومن جهة أخرى أشعر بعدم الرضا والتقصير لأنني لم أقدم أكثر مما قدمته، وهذه بالطبع تؤثر على ما أعمله وسأعمله، لأنها تضعني أمام مسؤولية تقديم الأفضل، وبالتالي صرف المزيد من الجهد والوقت على ما أعمله، وفي المقابل فإن معرفة أن هناك من ينتظر مني دائماً عملاً جديداً، يشكل عليّ ضغطاً يجعلني أقلق من الاستجابة، خشية الوقوع في الاستسهال والتسرع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة (المترجم العراقي) العدد الثاني، شباط 2026م. دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1279126850981019&set=pcb.1279127924314245&locale=es_ES 

https://www.facebook.com/photo?fbid=1277567351136969&set=a.270861055140942&locale=es_ES

السبت، 7 مارس 2026

فحوصات ثقافية: ملامح قرننا/ محسن الرملي

 فحوصات ثقافية

مَلامح الرُبع الثاني من قَرننا 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

مع انطلاقة هذا العام، نكون قد بدأنا الربع الثاني من قرننا الحادي والعشرين، وإنه لمن الصحي والصحيح أن تُطلِق النُخب الثقافية والفنية والفكرية والأكاديمية أسئلتها وتصوراتها حول ما سوف تكون عليه هذه الحقبة، باعتبار النُخب هي الطليعة التنويرية المؤثرة في المجتمعات والمنشغلة بالتحليل والتشخيص والإبداع وطرح الرؤى للتحاور حولها. وإنه لإجراء عملي ومناسب، في عصرنا المتسارع هذا، أن نبدأ بحساب الحِقَب بأرباع القرن وليس بالقرون كاملة. تُرى كيف سيكون هذا الربع، وما هي أبرز ملامحه والقضايا التي ستشغله والتحولات التي ستجري فيه، أسئلة قام بطرحها الصديق وينستون مانريكه لمجلته (دبليوماغازين)، على مجموعة من الكتاب والفنانين والمفكرين الإسبان والناطقين بالإسبانية من بلدان أمريكا اللاتينية، استناداً إلى قراءة للماضي والحاضر لتتوقع المستقبل. وهنا وجدتُ ضرورة نقل خلاصاتها في عبارات وكلمات معدودة إلى ساحتنا الثقافية العربية، وأرى أن نقوم باستطلاعات ونقاشات تشبهها، لنتعرف على تصورات نخبنا، حول ما سيكون عليه ربع قرننا نحن العرب، وما يمكننا أن نقوم به حيال ذلك، تساؤلات حول الحال العام، أو حول ميدان ثقافي معين، كُلٌ في اختصاصه...

هذه إجابات اثنا عشر كاتباً ومبدعاً من إسبانيا وأمريكا اللاتينية، بشكل مكثف: ازدياد الفقر وعدم المساواة والظلم. الهجرة نتيجة عوامل متعددة. صعود الشعبوية بكل أشكالها. التضليل الإعلامي والأخبار الكاذبة، حيث لا نتفق حتى على الحقائق. تجريد التعليم تدريجيًا من العلوم الإنسانية. تغيرات في عادات وفهم الأجيال الجديدة للحياة؛ الشخصية، العاطفية، الجنسية، الأسرية، الاجتماعية والمهنية. ازدياد الفساد في جميع المجالات. صعود ما يُسمى بالنخبة التكنولوجية. تزايد هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي كقنوات معلومات غير موثوقة، بهدف تشويه الحقيقة وتأجيج الاستقطاب. عصر الخوارزميات والهجرة إلى عالم الفضاء الإلكتروني. تغيّرات المناخ التي تؤثر على كوكب الأرض ورفاهية الإنسان وعلاقته بالطبيعة. تهديدات تواجه الديمقراطية. صعود اليمين المتطرف، المُحرِّض على التعصب وكراهية الأجانب. تراجع وانتكاسات في الحقوق والحريات. ظهور أشكال جديدة من الاستعمار الإمبريالي الذي كان يُعتقَد أنه من الماضي. الأديان وجدل التعايش الثقافي والديني. حروبٌ اقتصادية ودينية وبيئية وعلى الأراضي. نظامٌ جيوسياسي جديد، وصراعٌ لتقسيم العالم إلى ثلاث كتل: الغرب (الولايات المتحدة/أوروبا)، والصين، وروسيا. تصاعد العنصرية والتمييز. الذكاء الاصطناعي وتحدياته. شيوع الإنكار على صعيد الفرد والجماعات. النضال من أجل المساواة وحقوق الأقليات. مجتمعٌ يتجه نحو السلبية ويقل فيه النشاط. غياب الحماية للمواطنين في ظل تفكك الدول، ونقل قطاعي الصحة والتعليم إلى الشركات الخاصة.

وإذا كان (الرمادي) هو لون عصرنا، وفقاً للمفكر الألماني بيتر سلوترديك: "بغض النظر عن رضانا أو عدمه، يُمثل اللون الرمادي لمعاصرينا لونًا لعالمنا الذي بلا لون، لون الحرية المُغترِبة". فما هي الكلمة أو المفهوم الذي يُعرّف أو يُحدد أو يصف الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، وما يواجهه من مواقف وتحديات ومشاكل وشكوك متنوعة؟ حاول أنت أيضاً صديقي القارئ، ولا سيما فيما يتعلق بعالمنا العربي، بلورة تصورك في عبارة، أو حتى بكلمة، مثل: القلق، الأمل، الاضطراب، التآكل، الهذيان، الفوضى، الانفتاح، التضليل، الحقيقة، العنف، السلام، التقدم، وغيرها... ما الكلمة التي تصف رؤيتك؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 89، مارس 2026م

https://drive.google.com/file/d/1Bx6y_ybFrsQvmq8QGR2p8-WSRfvTB-Z5/view?fbclid=IwY2xjawQZhpZleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFEYzVHM1RSM2xWTnR6YzBic3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHh3UKvH_IxihPi6hvj54VpaD8Cm6ayr_Pd2mKv4Cf23qtRt2Jm-Yoc0pu7hG_aem_kvK17OWt9fPHg8vYLl1CTg