الجمعة، 10 أبريل 2026

حوار مع محسن الرملي /الجزيرة الثقافية

 

حوار



الروائي والمترجم العراقي المقيم في إسبانيا..

الدكتور محسن الرملي لـ«الجزيرة الثقافية":

الألم هو أحد أهم المواضيع الرئيسية التي تشغلني وتؤلمني

وأعتبره من الألغاز الكبرى في هذه الحياة!

 

حاوره: علي بن سعد القحطاني/الثقافية

يقدّم الروائي والمترجم العراقي المقيم في إسبانيا الدكتور محسن الرملي ملامح تجربته الإبداعية بين العربية والإسبانية، متناولًا تحوّلات مشروعه السردي ورؤيته للكتابة بوصفها أداة لفهم الإنسان لا مجرد ممارسة لغوية، وذلك في حوارٍ مع “الثقافية”، حيث يؤكد أن العودة إلى الأصول الكلاسيكية تمثل وعيًا بجذور السرد أكثر من كونها تراجعًا عن التجريب، مع تمييزه بين الترجمة كفعل إبداعي موازٍ والتأليف بوصفه فعل خلق وبناء.

ويمضي الرملي في قراءة ثيمات المنفى والذاكرة والعنف بوصفها امتدادًا لتجربته الإنسانية، مشيرًا إلى تداخل السياسة مع اليومي، وقدرة الرواية على تجاوز حدود الخطاب المباشر، كما يطرح رؤية نقدية لحضور الرواية العربية في الفضاء العالمي، مؤكدًا أن التحدي لا يرتبط بوفرة الإنتاج بقدر ما يتعلق بآليات الوصول والتلقي، وأن جوهر الكتابة يظل منحازًا للإنسان أينما كان.



الكتابة باللغتين

* بين الكتابة بالعربية والترجمة إلى الإسبانية، كيف تعيد تشكيل هويتك اللغوية؟ وهل تشعر أنك تكتب باللغتين أم بعقلين مختلفين يلتقيان في النص؟

في البداية، كنت أعاني من الازدواجية في الهوية حتى على الصعيد النفسي، أما الآن فأنا واحد بعقل واحد ولكن بأدوات متعددة، فقد توصلت إلى قناعة أن اللغة أداة وليست هدفاً، وللتبسيط: كوني بلغتين يشبه كوني بيدين، اللغة العربية هي يدي اليمنى والإسبانية هي اليسرى، ويدي اليمنى هي الرئيسية والأولى والأجود والأحَب والأدق في فعل الأشياء من يدي اليسرى.

نصوص إسبانية كبرى

اشتغلت على دراسة ونقل نصوص إسبانية كبرى من العصر الذهبي، ومنها دون كيخوته، كيف أثّرت هذه التجربة في رؤيتك للسرد العربي؟

- لقد أثرت فيّ كثيراً وأفادتني، فعلى الصعيد الشخصي ككاتب، جعلتني أتراجع أو أخفف من أسلوبي السابق الحافل بالتجريب والتجريد والترميز والغموض واللعب اللغوي، وأعود إلى الأعمدة الأساسية الكلاسيكية في بناء النصوص، لأن هذه الأصول قد اختبرها الزمن وجعل هذه الأعمال خالدة على مدى قرون، ومن حيث رؤيتي للسرد العربي، وخاصة الكلاسيكي، زاد فهمي وتقديري له، بعد أن كنت أُعرِض عنه في شبابي، إن إرثنا الأدبي العربي عظيم ويتفوق على إرث العديد من الثقافات الأخرى، ولكننا ربما لم نعرف كيف نستوعبه وندرسه ونستثمره ونقدمه لأنفسنا ولغيرنا، لقد كان له تأثيراً في آداب أُمم أخرى ومنها الإسبانية، حيث نجد التأثيرات العربية في صُلب الأعمال الكبرى المؤسِّسة للأدب الإسباني، وقد بحثتُ ذلك أكاديمياً في العمل الأدبي الإسباني الأكبر (دون كيخوته) واكتشفتُ المزيد.

الترجمة والتأليف

* هل ترى أن الترجمة يمكن أن تكون فعلَ كتابةٍ موازٍيا لا يقل إبداعًا عن التأليف؟

- نعم، هي فعل كتابة موازٍ وتنطوي على عملية إبداعية، ولكنها أقل إبداعاً من التأليف، لأن التأليف عملية خلق وبناء من الصفر، ابتداءً من الفكرة والرؤية وبناء الشخصيات وتقنيات السرد وغيرها من العناصر التي يقوم المؤلف بحبكها ويعطيها من عصارة معرفته وتجاربه وروحه وصولاً إلى النتيجة النهائية، بينما المترجم يأتي إلى مادة جاهزة وموجودة وما عليه إلا القيام بنقلها من حاضنتها الثقافية واللغوية إلى حاضنة أخرى بشكل يحافظ عليها قدر الإمكان، وهكذا فالترجمة عملية نقل، وهناك من يجيد هذا النقل بإبداع، وآخر ينقله مشوَّهاً.

ثيمة المنفى

في أعمالك الروائية، تحضر ثيمة المنفى بوصفها قدرًا وجوديًا لا مجرد تجربة جغرافية؛ هل تكتب عن المنفى بوصفه فقدًا أم بوصفه مساحة لإعادة اختراع الذات؟

- وهي كذلك فعلاً «قدراً وجودياً» ليس في أعمالي فقط، وإنما في رؤيتي وحياتي وتجربتي الشخصية، ولهذا فالمكان بالنسبة لي أقل العناصر أهمية على صعيد النص وعلى صعيد الحياة، فكل ما أشترطه أو أطلبه من أي مكان، هو أن يوفر لي الأمان والحرية، الجغرافيا عنصر خارجي بالنسبة لجوهر الإنسان، هي أداة أخرى، مهمة، ولكن يمكن تبديلها، فهناك من يشعر بالغربة والاغتراب والمنفى حتى داخل بلده وعائ لته الأولى، لهذا فإن ما مُتعارف عليه بشأن المنفى الجغرافي، هو فعلاً فرصة ومساحة جديدة للتعرّف على الذات أكثر، أو حتى إعادة اختراعها.

الذاكرة الفردية

* كيف تفهم العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية في نصوصك؟ وهل تتعمد الاشتغال على “ذاكرة مكسورة” أم أنك توثّق ما تعجز الذاكرة الرسمية عن قوله؟

- العلاقات بين أنواع هذه الذاكرات متشابكة ولا يمكن الركون إلى واحدة منها فقط بمعزل عن الأخريات، فالذاكرة الفردية لا قيمة لها إن لم تكن عيّنة حيوية من الذاكرة الجمعية، ولكنها ضرورية جداً لمراقبة وتصحيح الذاكرتين الجمعية والسياسية، لأنهما من النوع القصير والذي يمكن ويتم تحريفه دائماً، وأنا من خلال نصوصي، أحاول تدوين أكثر من ذاكرة فردية، ذاكرتي وذاكرة الشخصيات، بغية تصوير ما تتناساه وتتجاوزه الذاكرة الجمعية وما تهمله أو تحرّفه الذاكرة الرسمية. وبقول موجز: أنا ممن يؤمنون بأن الكاتِب شاهِد على عصره.

الكتابة اليومية

* تتقاطع في نصوصك السياسة مع اليومي والإنساني، هل ترى أن الرواية قادرة على قول ما تعجز عنه المقالة السياسية، أم أنك تفصل بين الوظيفتين؟

- بلا أدنى شك؛ إن الرواية قادرة على قول ما تعجز عنه المقالة السياسية، والسياسة موجودة في كل النصوص في كل زمان ومكان، حتى وإن كانت مجرد قصة أو قصيدة رومانسية، لأن السياسة متغلغلة في كل شيء، بشكل مباشر أو غير مباشر، وتؤثر على حياة وتفكير الناس يومياً، والأدب هو مرآة الإنسان داخلياً وخارجياً، وعليه؛ فحتى لو أردتُ التفريق، سأعجز عن ذلك، لأن حياتي نفسها هي نتيجة لانعكاسات سياسية، شئت أم أبيت.

أنا شخصياً لا تعجبني السياسة ولا أُحبها ولا أتعاطاها، ولكننا في الأدب نكتب، أصلاً، عما لا يعجبنا وعما يزعجنا أكثر مما نكتب عما نحبه ونرضاه، الإبداع الحقيقي هو تعبير عن عدم الرضا عن أحوال عالمنا.

الرواية العربية

في ظل تصاعد الرواية العربية عالميًا، كيف تقيم حضور النص العربي في الفضاء الإسباني تحديدًا؟ وهل هناك سوء فهم متبادل بين الثقافتين؟

- حضور قليل، وقليل جداً، قياساً إلى ما حققته الرواية العربية وأنجزته من أعمال مهمة ورائعة كثيرة، لذا؛ فإن سوء الفهم موجود، وهو موجود بين كل الثقافات والأفراد، وسيبقى، إلا أننا من حيث المقارنة؛ فنحن نفهمهم أكثر مما يفهموننا، لأننا نتابع ونترجم ونقرأ ونعرف نتاجهم الروائية أكثر بكثير جداً مما يفعلون ويعرفون هم عن نتاجنا.

الأحداث المأساوية والموت

* كثير من نصوصك تتعامل مع العنف بوصفه خلفية صامتة، لا حدثًا مباشرًا؛ هل هذا خيار جمالي أم موقف أخلاقي من تمثيل الألم؟

- إنه موقف أخلاقي أولاً، أتعامل معه بشكل جمالي لتبيانه وتحمُّله، ومن أجل المواساة، وقد نبهني نُقاد وقراء إلى أنني أصف الأحداث المأساوية والموت بشكل خاص، وحتى جميل، وهناك من كَتَب عما أسماه جماليات الألم والموت في أعمالي، وهناك كتاب كامل للدكتور محمود السامرائي عن موضوع الألم في رواياتي، فالألم هو أحد أهم المواضيع الرئيسية، التي تشغلني وتؤلمني، في حياتي وفي أعمالي، وأعتبره من الألغاز الكبرى في هذه الحياة، وبما أن الألم، بكل أشكاله، هو نتيجة لعنف ما، فحتى الكلمات العنيفة تسبب آلاماً نفسية، تقود إلى عنف أشد وآلام جسدية، لذا أنا ضد كل أنواع العنف، وتجد صوره وتبعاته وأسئلته والتحذير منه مبثوثة في كل ما أكتب وأقول، وأحد أهم دوافع تكريس حياتي للثقافة والفنون، هو نية المساهمة في أنسنة الإنسان أكثر، لأن الآدمي، للأسف، ما زال ينطوي في داخله وسلوكه على جانب بدائي عنيف ووحشيّ، يكفي أن ننظر حولنا أو نتابع الأخبار لندرك ذلك، دم الإنسان يُسفَك كل يوم على يد أخيه الإنسان، ونحتاج إلى قرون أخرى من الفنون والتثقيف لكي نصل بالإنسان إلى حساسية ورهافة وتعاطف أكثر مع الآخر.

الكاتب المترجم

* كيف تنظر إلى فكرة "الكاتب المترجم"؟ هل الترجمة تفتح أفقًا أوسع للكاتب أم تهدد صوته الخاص بالذوبان في نصوص الآخرين؟

- معرفة الكاتب للغة أخرى هي نِعمة كبيرة، والترجمة منها وإليها هي استثمار مُثري وشُكر على هذه النِعمة. الترجمة هي أفضل وأعمق أنواع القراءة، لأنها تتوقف طويلاً عند الصياغات والمعاني والبناء ومن ثم التفكير في كيفية إعادة صياغتها، فلا شك أن الكاتب يتأثر بما يُترجمه كما يتأثر بما يقرأه وأكثر، ولكن التأثر لن يسلبه صوته الخاص أبداً، لأنه يعرف التمييز بين الأصوات والأساليب، فيوظف ما يعرفه بقدر معيّن في المواضِع المناسبة، إلا من أراد التقليد الكامل، فذاك يحكم على نفسه بأنه مجرد نسخة مقلدة، وهذا ما لا يرتضيه كاتب حقيقي. الغالب هو حدوث العكس، أي أن الكاتب كمترجم، يصبغ النصوص التي يترجمها بلغته وأسلوبه هو على حساب الكاتب الأصلي، وهذا أمر يصعب تجنبه، فهو بمثابة بصمة المترجم الخاصة.

رواية (دون كيخوته)

* كيف أثّرت إقامتك الطويلة في إسبانيا على بنية السرد لديك؟ هل تغيّر إيقاع الحكاية، أم بقيت مشدودًا إلى الحساسية السردية العربية؟

- لم يعد وجودي في إسبانيا إقامة، وإنما هو عَيش، فالأعوام التي أمضيتها من عمري في إسبانيا هي أكثر من تلك التي أمضيتها في العراق، وعليه فبالطبع أن مقدار تأثري بالذهنية وطبيعة السرد الإسبانية هي الغالبة، وفي رأيي؛ إن تقنيات السرد اليوم، في كل العالم، متقاربة ومتشابهة إلى حد بعيد، والفن الروائي العربي الحديث هو أصلاً مستورَد من الغرب، وأم الروايات في الغرب والعالم قد بزغت في إسبانيا، ألا وهي رواية (دون كيخوته)، لذا حتى أن إصراري على دراستها أكاديمياً، كان بنية الذهاب إلى النبع.

الرواية العربية

* هل ترى أن الرواية العربية اليوم تكتب للداخل أم للخارج؟ وأين تضع مشروعك ضمن هذا التوتر؟

- يعتمد ذلك على كل كاتب بشكل منفرد؛ حسب مكانه ومكانته ورؤيته ودوافعه للكتابة، وبالنسبة لي فقد تراوح وتذبذب الأمر بين الاتجاهين، ففي البداية كانت كتابتي للداخل، وبعد خروجي ونجاح ترجمات لأعمالي واحتكاكي المباشر بقراء من لغات وثقافات أخرى، صرت أفكر وأهتم بتوجهي إلى الخارج، لأسباب كثيرة، منها مادية ومنها فكرة أن نُعرّف الآخر بأنفسنا وهمومنا لأنه يسيء فهمنا، لكنني سرعان ما أدركت بأن هذه الأهداف ليست للكتابة الحقيقية، وبأنها تضُر بها أكثر مما تنفع، فصرت أكتب للإنسان بشكل عام، أينما كان، التركيز على الهم الإنساني، بغض النظر عن مكانه وزمانه وثقافته، وخاصة بعد أن علّمتني القراءة والتجربة والتعارف والسفر والعيش؛ أن الناس، كل الناس، في الجوهر تتشابه. فأصبح المهم عندي هو الصدق في الكتابة، والتركيز على ما هو إنساني، وليس على ما هو محلي داخلي أو أجنبي خارجي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في الملحث الثقافي لصحيفة (الجزيرة) السعودية، 877، بتاريخ 10/4/2026م العدد 19233

https://www.al-jazirah.com/2026/20260410/cm2.htm

الأربعاء، 1 أبريل 2026

حوار مع محسن الرملي عن آخر قصصه/ جدلية

 

كتب : جدلية

كتاب: آخر القرويين

حوار مع مؤلفه محسن الرملي 

حاورته: جدلية

 (محسن الرملي كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجم. ولد في شمال العراق عام 1967 ويقيم في إسبانيا منذ 1995. حصل على الدكتوراه بامتياز في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد، مع درجة الشرف. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة كاتباً ومحرراً ثقافياً منذ 1985 وهو عضو جمعية الكُتاب والمترجمين المحترفين الإسبان، يعمل حالياً أستاذاً في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.)

 

جدلية (ج): كيف ولِدت فكرة النص/النصوص؟ ما هي منابعه وروافده؟ ومراحل تطوّره؟

محسن الرملي (م. ر.): ولِدت الفكرة وتبلورت مع زياراتي الأخيرة إلى قريتي في العراق، حيث كنت أجد في كل زيارة أن الأحوال كلها تتغير: سلوك الناس، العادات والتقاليد، البيوت، الطبيعة، اللغة، الملبس، المأكل، الغناء، الذائقة، الأجيال الجديدة.. وجدتهم مستَلَبين من قِبل التكنولوجيا والشاشات، ذاكرتهم لتراثهم تضعف، خصوصيتهم تذوب، ولم أجد إلا قليلين منهم، من جيلي وأكبر سناً، ممن أستطيع مشاركتهم الاهتمام بالذكريات وتلك البراءة والبساطة والنقاء، فكنت أُنقذ بعض الصور والحكايات والرؤى عبر تدوينها.

(ج): ما هي الثيمة الرئيسية؟ ما هو العالم الذي يأخذنا إليه النص؟

(م. ر.): الثيمة يمكن تلخيصها بما قاله أحد القراء/ النقاد: إنها مرثية للقرى. ولهذا كان عنوانها (آخر القرويين)، فأنا أرى أن القرى، في العالم كله، تندثر بأخلاقياتها وشكلها الذي عرفناه، حيث تتلاشى الحدود والفروقات بينها وبين أي مدينة أو مكان آخر في العالم، تبدو لي ممسوخة؛ فلا هي قُرى ولا هي مُدن، وكل ذلك بسبب دخول التكنولوجيا ووسائل التواصل إلى بيوت وعيون وأذهان الجميع، فالكل يشاهد ويتابع ويتفاعل مع المبثوثات نفسها في كل العالم وفي الوقت نفسه. تتراجع علاقة الإنسان بالطبيعة وبالأصول والقيم الخاصة، بل وعلاقة الناس ببعضها وحتى مع عوائلها وذواتها. ثمة شعور لدي معين بالحسرة والأسف، يرافقه حس بالمسؤولية والأمانة لتدوين شهادة عن عالم أو زمن عرفته جيداً، بحلوه ومرّه، وأراه الآن يذوي.

(ج): كتابُك الأخير عبارة عن (مجموعة قصصيّة)، هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريد أن تقوله، وما هي طبيعة هذا التأثير؟

(م. ر.): نعم بالتأكيد، فالمحتوى هو الذي يفرض الشكل الذي يناسبه، وتعمدت أن يكون وفق البناء الكلاسيكي التقليدي لنصوص القصة القصيرة، وما أردت قوله من هذا العمل: ذكريات متفرقة، مظاهر مختلفة، ذكريات متباينة، صور متعددة، أجيال مختلفة، لحظات والتقاطات منوعة وأفكار وتنبيهات عديدة، كان الأفضل طرحها في نصوص متعددة ومختلفة مع الإبقاء على رابط إطاري واحد من حيث الموضوع والرؤية، ألا وهو موضوع القرية بين اليوم والأمس وتوقعات المستقبل لها بالتلاشي المؤسف.

(ج): ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك أثناء الكتابة؟

(م. ر.): أبرز التحديات كانت تكمن في أنني كنت أريد قول الكثير في نصوص قصيرة، لذا فإن أغلبها كان بالإمكان تحويله إلى روايات، كما تنبه إلى ذلك بعض القراء فوصفوها بأنها روايات مكبوسة أو مكثفة، ومن التحديات حرصي على أن تكون لغتي وأسلوبي بسيطين يشبهان مناخات المواضيع التي أتناولها قدر الإمكان، ألا وهي مناخات الريف، بحيث أن القاريء يشعر بأنه يعيش تلك الأجواء شكلاً ومضموناً، ومن التحديات الأخرى، هي أنني كنت أحاول تقليل الطروحات والأفكار بشكل مباشر، فقد كان لدي الكثير مما أريد قوله بهذا الخصوص، ومع ذلك ظهرت للعيان الكثير من تلك الأفكار مباشرة، وأبقيت عليها، رغم علمي أن ذلك قد يضر باشتراطات وجماليات العمل الفني.

(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟

(م. ر.): إنه مكمل لمجمل أعمالي الأخرى، روايات وقصص وغيرها، فالريف والقرى لها الحصة الأكبر في ميادين أعمالي، لأنني ابن الريف وأحبه وأعتز بقرويتي، أشعر معها بأنني أقرب إلى إنسانية الإنسان، حيث تكون التفاصيل المادية أقل والعلاقات أقرب وأدفأ وحياة الإنسان أبسط من تعقيدات زماننا التي تتسارع وتتكاثر بشكل مخيف، بحيث أننا صرنا نصبح خدماً لما نتصور أنه يخدمنا. وفي هذه النصوص، أسد ثغرات فاتتني في أعمالي الأخرى، وأجمع حكايات وصور لم تجد لها مكاناً في بقية الأعمال. إنني أحب هذا الكتاب وأعتز به.

(ج): هل هناك نصوص كانت ذات تأثير خاص، أو قرأتها أثناء إنجاز النص؟

(م. ر.): نعم، فقد عمدت أثناء كتابة هذا العمل إلى الأكثار والتركيز في قراءاتي على القصص القصيرة، من مختلف الثقافات في العالم، وبالطبع كانت الحصة الأكبر لقصص أمريكا اللاتينية المكتوبة بالإسبانية، بحكم قربي منها وقربها مني لغة وأسلوباً وذائقة، وبالطبع قصص تشيخوف التي أعيد قراءتها دائماً وكذلك قصص التركي يشار كمال الخاصة بأجواء الريف والطفولة.

(ج): هل تُفكّر بقارئ محدّد أثناء الكتابة، صفه لنا؟

(م. ر.): نعم، في بدايات كتابتي، كنت أفكر بأخي حسن مطلك باعتباره قارئي الأول والمعلم، ورغم غيابه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فما زال طيفه كقارئ لنصوصي حاضراً، وإن دخلت صور أخرى لقراء آخرين، منهم أصدقاء أعرفهم شخصياً، وآخرين عرفتهم من المراسلة ويتابعون كل ما أكتبه، قراء من مختلف الثقافات واللغات، بعد ترجمة أعمالي. أما عن هذا العمل تحديداً، فبشكل ما، فكرت بقراء من قريتي والقرى المجاورة، بحيث كنت أشعر أحياناً بأنني أخاطبهم مباشرة، وأقول لهم هذا بعض من ذاكرتنا ومشاعرنا وشخصيتنا، هذه مرآة لنا، فإن ابتعدتم عنها، فها هي الآن محفوظة لمن شاء الاقتراب منها متى شاء، أو لمن أراد أن يسربها إلى أبنائه وأحفاده.

(ج): ما هو مشروعك القادم؟

(م. ر.): رواية أعمل عليها منذ أعوام طويلة، وأجد صعوبة في إكمالها، وهي تدور في فلك هذه المجموعة القصصية أيضاً، أي الإرث القروي، ولكن من ناحية أخرى، ألا وهي استلهام الحكايات الشعبية (الخراريف) الخرافات التي سمعتها في طفولتي من أهلي، أحاول أن أحفظها وأقدمها بشكل فني معاصر وجميل ومُحبّب قدر الإمكان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

*مقطتطف من المجموعة:

 

هناك، في الجهة المقابلة لقريتنا الطينيّة، على الضفة الأخرى للنهر، في أعلى قمة الجبل، حيث يُقيم النسيان، يُقيم قبر جدنا الأول، الذي أسَّسَ قريتنا، وبجواره ثلاثة قبور فارغة، وبقايا صومعة قديمة، حطام من الصخر والطين المفخور، شجرة عجوز، هي الشاهدة الوحيدة لذلك القبر الوحيد، الذي أدارت الدنيا الحديثة له ظهرها، وتاهت عنه، هَجَرَته للعناكب والعقارب والأفاعي والعصافير السعيدة.

وللوصول إليه، لا بد من عبور النهر، من عند عطفته الأقل عمقاً، والصعود في درب نيسمي على سفح الجبل. ما من أحد من قريتنا لم يزره في صباه أو شبابه.. كأننا نحج إليه أو نتبرك به أو نشكو إليه همومنا، أو نستمد منه روحية المقاومة والصمود في مواجهة ضغوط عصرنا. نتبادل الحكايات عن شِدة زهده، عصاميته، كبريائه وعناده الذي شكّل رؤيتنا للحياة.

يُقال بأنه كان رجلاً صالحاً، اِعتزل الناس، هناك في القمة، في أواخِر أيامه، وفي أول أيام دخول الراديو إلى القرية وانتشاره في كل بيت. اِعتَبرَه اِختراقاً خارجيّاً لعُزلتنا ولخصوصيتنا. "إنهم يُسمِّمون أيامنا بأخبارهم". حَفَر قبره بنفسه، في الصخر، بين القبور الفارغة، وهو يواصل موته وحيداً سعيداً منذ أعوام طويلة. مُسالِم، كما كان في حياته، مقيماً في الأعالي، في النقاء والصفاء وأقرب إلى السماء. وصار البعض يسميه: "آخِر القرويين".

يُقال بأن هذه الأرجاء كانت حافلة بالفرسان والعشاق والزاهدين والمتعبدين والمتأملين والهاربين والفنانين الفطريين والمجانين، أما الآن، فتُسمى فلَوات خالية، خاوية، مهجورة، فارغة، موحِشة.. منسية. يمكنك التجوال فيها وحيداً، إلا من رِفقة أصداء أصوات الطيور، وخرير الماء الذي يتردد على جانبي الوادي، وهو ينسكب من ثقوب الينابيع في الجروف والسفوح، متجهاً صوب بِساط من نسيج الرمل والحصى والأدغال.

كانت بعثة آثار أجنبية هي التي أفرغَت القبور المجاورة له، حَمَلت ما كان فيها من بقايا عِظام وجِرار وذَهب إلى المتاحِف، أو إلى أماكن دفن راقية، مُصمَّمة للسياحة، يُقال بأنها عِظام شخصيات من ذوات الدم الأزرق، دم عوائل مَلَكية أو امبراطورية، أو لشخصيات مهمة في التاريخ، اكتسبَت أهميتها من خِدمتها في بَلاط ما، أما الذي بقي، جَدنا، فدمه أحمر، عادي، مثل دماء كل الضحايا العاديين، ولم يكن خادماً لأحد، لذا؛ لا أحد يكترث له أو يريد معرفة أي شيء عنه، لا قيمة له عند الدولة أو الآثاريين أو المؤرخين أو أي أحد سوانا. عاش زاهداً ومات زاهداً. جاء من الطين والماء والهواء.. وعاد إلى الطين والماء والهواء، أما أولئك الكبار فقد طاروا إلى متاحف الأجانب، إلى المنافي، لأهميتهم، فيما بقي هو في تُربته، لعدم أهميته، في وطنه الذي يستهين حتى بالمتاحف.

يعصف الشتاء به، يمشطه برياحه وأمطاره، وأحياناً؛ يجمده تحت ثلوج القمة. الصيف يشوي كل شيء حوله وفيه، لولا رحمة نسمات هواء عذبة في الفجر والليل، أما الربيع فخُضرة فوقه وحوله وورود غريبة، مدهشة الجمال، وبعضها سامّة، والخريف.. لا شيء.. لا شيء، يتوحَّد كل ما حوله باللون الأصفر، الصخور والنباتات والتراب والغيمات العابرة، وتُعرّي الريح القبر من الأعشاب الجافة، تنفض الغبار عنه، تُنظِّف حصاه، فيبدو عارياً في العراء، تتناوب عليه العتمة والنور... إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أصرّ فيه أبي على أن يمضي أواخر أيام حياته هناك، طلبَ منا أن نُعيد له ترميم الصومعة المهَدّمة، لكي يُكرر سيرة جدنا الأول، وأوصانا أن ندفنه، عند موته، في أحد تلك القبور الفارغة، لا في مقبرتنا الكبيرة على أطراف قريتنا الصغيرة. وأصرّت أمي على مرافقته للعيش هناك، قائلة بأنها لا تستطيع فراقه، منذ أن تزوجا وهما في السادسة عشرة من عمريهما، وكان علينا أن نتناوب على عبور النهر يومياً. نتسلق الجبل لنحمل إليهما الطعام والماء والدواء والحَطَب للمدفأة، وكنتُ أبات الليل معهما أحياناً. وأستمتع ببزوغ الفجر هناك، أتأمل من أعلى القمة: الغيوم القريبة من رأسي، كأنني نسر مُحلِّق، وأطيل النظر حولي، وتحتي؛ النهر والقرية والأشجار والصخور والطيور وتدرجات النور.

بَدا والِداي سعيدين فعلاً، إلا أنهما لم يستمرا طويلاً، فسرعان ما مرِض أبي ومات، فدفناه، وفق وصيته، في أحد القبور الفارغة، الذي اختاره بنفسه. وصار البعض يسميه: "آخِر القرويين". حاولنا إعادة أمي إلى البيت، لكنها رفضت، وأشارت إلى القبر الآخر جوار قبر أبي، قائلة، ادفنوني هنا عندما أموت، وماتت بعد شهرين، وصار البعض يشير إلى قبرها ويقول: "آخِر القرويات".

كان قرار أبي رد فعل واحتجاج على دخول التلفزيون إلى القرية وانتشاره في كل بيت. اعتبره اِختراقاً خارجيّاً لعُزلتنا ولخصوصيتنا. كان يسميه "صُندوق الشُرور، ومُفَرِّق الجَماعات والعائلات" بعد أن رأى العوائل تجتمع أمام الشاشات وتُهمِل اجتماعها مع بعضها. حاول إقناع الناس بِتجنبه، ولكنه فشِل، لأن الحكومة فرضته علينا، باسم (هدية الرئيس)، ليبث في أغلب الأوقات خطابات الرئيس وأخباره وصُوره، وكان أبي يقول لنا: "إنهم يغسلون أدمغتكم عِبر هذا الصندوق اللعين، ويحشونها بالترهات. إنهم لا يتحاورون معكم وإنما يُلَقنونكم". وقد كَتَب محسن الرملي، ابن قريتنا، الذي هَجَرها وما يزل يَحِنّ إليها، قصته (التلفزيون الأعور) عن تلك المرحلة؛ بداية دخول التلفاز إلى قريتنا وما أحدَثه من صراعات وتَحوّلات فيها. وأتذكر أنه جادَل أبي بالقول: "الناس صَعَدَت إلى القَمر يا عمي، وأنتَ ما زلتَ تعترض على مجرد تلفزيون بِدائي!"، فرد عليه: "وما دخلنا بالناس! نحن أبناء الأرض، منها وإليها، فليذهَبوا هم إلى القَمَر أو المريخ أو الجحيم، ويتركوننا هنا في أرضنا بسلام".

مرّت أعوام طويلة على وفاة والديّ، وها أنا بعمرهما حين ماتا. كنت أزور قبريهما وقبر الجد الأكبر بين الحين والآخر، وأصطَحِب بعض أبنائي إلى هناك، ولكنني قد شِختُ الآن، ولم يعُد بمستطاعي عبور النهر وتسلق الجبل إلى قمته، وليس من بين أبنائي من يأخذني إلى هناك. تهدّمَت الصومعة مرة أخرى، ذبلت الشجرة الشاهدة على قبر الجد، وأصبح الجبل أجرَد والنهر أشَح والقرية أكبر، لكن بيوتها من حديد وإسمنت وليست من الطين، واخترَقَت الهواتف النقالة عزلتنا وخصوصيتنا، أجهزة جديدة بحجم الكف، وتضم المذياع والتلفاز، اللذين هرب منهما جدنا وأبي، وتضم بلاوي أُخرى أدهى وأخطَر، وإذا كان التلفاز قد فرقنا على شكل جماعات، فهذا الهاتف قد فرقنا أفراداً، بل وراح يُفرق بين المرء ونفسه، إنه يأخذُ أولادي مني، حتى وهم جالسون أمامي، فيما بقيتُ أنا الوحيد بلا هاتف. وحيد، غريب، وسط عائلتي وقريتي والعالم.. لدي رُهاب، رُعب، فوبيا منه، لا أُطيق التحدث فيه، فالحديث، بالنسبة لي، يُفتَرَض أن يكون مباشراً بلا وسائط بين الإنسان وأخيه، وبين العبد ورَبه، وبين الكائنات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نُشر في منصة (جدلية) بتاريخ 1/4/2026م

https://www.jadaliyya.com/Details/47291/%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%91%D9%8A%D9%86 

*غلاف النسخة العربية:

عنوان الكتاب: آخر القرويين

التصنيف: قصص قصيرة

المؤلف: محسن الرملي

الناشر: دار المدى، 2025 العراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

*غلاف النسخة الكردية

ترجمة: رنجدر جبار

الناشر: رهند، 2026 السليمانية، العراق

الجمعة، 27 مارس 2026

فحوصات ثقافية: قراءة الشباب والشياب/ محسن الرملي

 

فحوصات ثقافية

أكثر مَن يقرأ هم الشَباب والشِيّاب 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

أكثر الآراء شيوعاً بشأن القراءة هي: إن الشباب، في هذا الزمن، لا يقرأون الكُتب، ويُبدِّدون أوقاتهم بمتابعة مُنتجات (نظام التفاهة) والديجيتال، وطالما كنتُ أردُّ دحضاً لهذه الأقوال استناداً إلى تجربتي الشخصية، لأن أكثر من ألتقيهم وأُوقع لهم كتبي، في مختلف المناسبات ومعارض الكتب شرقاً وغرباً، هم من الشباب، وجل الرسائل التي أتلقاها هي منهم، وأنا نفسي، في شبابي، كنت أقرأ أضعاف ما أقرأه الآن، حتى بعد أن أصبحَت القراءة والكتابة هي هويتي ومصدر رزقي وأهم ما في حياتي، فيما ابنتي الشابة تقرأ أكثر مني، دون غرض أن تُصبح كاتبة، أو أن تجد عملاً في سوق الكتب، وإنما تقرأ للمتعة وحسب.

وأخيراً؛ ها هي إحصائية حديثة تسُرني، لأنها تدعم رأيي، أصدرها الاتحاد الإسباني لنقابات الناشرين، بالتعاون مع وزارة الثقافة وبرعاية مركز حقوق النسخ ورابطة المؤلفين والناشرين وجمعية الكتاب والمترجمين المحترفين، التي أنا عضو فيها، حيث تشير نتائج مقياس القراءة وشراء الكتب في إسبانيا إلى أن الشباب، مواليد العصر الرقمي، هم الأكثر إقبالًا على قراءة الكتب للمتعة، ويليهم كبار السن فوق 65 عامًا، وهذه إضافة جعلتني أنتبه إليها باهتمام أيضاً.

تؤكد هذه الإحصائيات على تسجيل رقم قراءة قياسي بلغ 66.2% في عام 2025، بزيادة 0.7% مقارنةً بعام 2024، ويصل هذا الرقم إلى 69.8٪ عند إضافة من يقرأون لأغراض الدراسة والعمل. ويرتفع إلى 71.2٪. إذا أُضيف إليها قُراء القصص المصوّرة، وهكذا فالمساهمة الأكبر في زيادة القراءة، هي من قِبل الشباب والشياب، حيث يقرأ سبعة ونصف من كل عشرة تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عامًا، وبهذا يُفنِّد الشباب مجدداً الاعتقاد السائد بأنهم لا يقرأون.

أما عن ارتفاع عدد القراء ممن تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، بنسبة 13 نقطة مئوية. ستة من كل عشرة، فيُعزى إلى كونهم من أجيالٍ التحقت بالمدارس بفضل قانون التعليم لعام 1970، الذي تم تحديثه وتكييفه مع متطلبات العصر وتوجيهات اليونسكو وأرسى التعليم المجاني والإلزامي الشامل. وفي رأيي أن توفر الوقت للمتقاعدين، والمال لشراء الكتب له دوره أيضاً. جاري يقول إن حلمه بعد التقاعد هو أن يقرأ الكتب التي لم يستطع قراءتها سابقاً.

وعلى الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، فلا يزال 33.8% من الإسبان؛ لا يقرأون أبداً، أو نادراً في أوقات فراغهم، وتتراوح الأسباب المذكورة بين: ضيق الوقت (42%)، لا سيما بين النساء اللواتي أعمارهن بين 25 و65 عامًا، وتفضيل قضاء الوقت في أشكال ترفيهيّة أخرى (32.6%)، أو ببساطة عدم الاهتمام بالقراءة (20%).

وعن القراءة بالأجهزة الرقمية، فتمثل ثلث القراء، أما الكتاب الصوتي فشهد نمواً بنسبة 7.9% وخاصة بين الشباب، واللافت أيضاً، هو أن المكتبات ما تزال هي الخيار المفضل لشراء الكتب، رغم انخفاض ذلك بنسبة 8% بسبب تزايد الذين يشترونها عبر الإنترنيت. كما تشهد المكتبات العامة تعافيًا مستمرًا في الإقبال بعد الجائحة. وبالمجمل؛ حقق سوق الكتب انتعاشا، إذ بلغت المبيعات 1.250 مليار يورو، ببيع 76 مليون نسخة مطبوعة، أي بنمو 4% مقارنة بعام 2024.

وتضم هذه الإحصائيات تفاصيل أخرى مهمة، لا يتسع المجال هنا لذكرها، لكنني أرى نتائجها مقاربة لما ستكون عليها إحصائيات في بلدان أخرى، بما فيها بلداننا العربية، التي آمل أن تعمل على إجراء إحصائيات من هذا النوع، ستخدمنا جميعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 90، ابريل 2026م الشارقة

https://sibf.com/ar/Kitabcover

بعض رسوم محسن الرملي

 

بعض رسوم محسن الرملي 

2026