الخميس، 28 مايو 2026

فحوصات ثقافية: الحاجة إلى الرومانسية / محسن الرملي

 

فُحوصات ثقافية

الحاجة إلى رومانسية جديدة

بقلم: الدكتور محسن الرملي

ظهرت الرومانسية كرد فعل على الثورة الصناعية، في أواخر القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في التاسع عشر. ثورة ضد ثورة. ثورة أدبية فنية فكرية تُعلي من شأن العاطفة الإنسانية والطبيعة، بمواجهة ثورة صناعية اجتاحت حياة الناس حد الاختناق، حيث اتساع المدن وهيمنة الآلة، والتركيز على التنظيم والملموس والمصلحة، مما جعل الكثيرين يشعرون بالغربة، فراحوا يدعون للتحرر من هذه القيود وإطلاق التعبير عن الخيال والمشاعر والعودة إلى الطبيعة. شرع الأدباء والفنانين يواجهون تعالي دخان وضجيج المصانع والمدن بالمزيد من تصوير الطبيعة كرمز للجمال والسلام والنقاء، يواجهون قبضة تنظيم الناس كطبقات وقطعان وجماعات وفق مصالح الإنتاج، بالاهتمام بالمشاعر والتجربة الذاتية الخاصة، إبراز العاطفة كهدف وقيمة فوق الاعتبارات البراغماتية، والثناء على ما فيها، بما في ذلك الأحزان. وبالمجمل؛ الدفاع عن قوة الروح الداخلية ضد قوة المادة الخارجية، فتركت لنا الرومانسية إرثاً هائلاً من الأعمال الفنية والأدبية والفكرية التي ما زالت آثارها وبصمتها فينا ماثلة حتى اليوم.. واليوم تحديداً، أرى بأننا نحتاج إليها حيال ثورة تكنولوجية مُرعبة، تخنق أرواحنا، وتُنسينا حتى التأمل والجلوس مع أنفسنا ومع من نحب، لأن حياتنا أصبحت لهاثاً أمام الشاشات والمصالح والشهرة والتنافس وأخبار الصراعات وتسليع كل شيء، فعلى الرغم من كثرة الجرائم والحروب والمآسي وآلاف الضحايا حولنا، أو عند فقد عزيز من المقربين، لم يعد لدينا متسع كافٍ للحزن، الذي هو أنبل وأصدق وأعمق المشاعر الإنسانية، ولا وقت للمراثي التي تواسي الثكالى واليتامى، ونظم قصائد الإطراء والتهنئة بفرح نجاة ونجاح. نقمع أشكال التعبير، ونسارع إلى تعبيرات رقمية، رموز/ إيموجي، متشابهة، ساذجة، مجانية، عابرة، فيما تبقى مشاعرنا الحقيقية مقموعة وحبيسة في الصدور. ويُبتذَل الحب، فلم تعد النظرة والوردة والكلمة ورمش الحبيبة مدعاة للتغزل وانتقاء أجمل الألفاظ لإعلاء كل شيء في الأنثى؛ إنسانة ومعشوقة وأُختاً وابنة وأُماً كالطبيعة. صارت العلاقات تُقاس بمعايير مادية ووقتية. حتى الأوطان كانت حبيبة يتم التغزل بها، فيما يُنظر إليها الآن بعين المصلحة أولاً. مدننا يجتاحها الإسمنت والحديد والزجاج والأسلاك، نُلوّث الطبيعة، وتتراجع الخضرة لصالح نباتات بلاستيكية بائسة يتراكم عليها الغبار في الزوايا.

أمام عالمنا المُستلَب هذا، ثمة بوادر، لاحظتها تتبلور عند بعض الشباب، الطلاب والأصدقاء والمبدعين، نحو الابتعاد عن هذا الزحام الافتراضي المُرهِق، الذي يفاقم الفراغ النفسي والعاطفي والوحدة وسوء الفهم وعدم اليقين، والاتجاه صوب التواصل الإنساني المباشر وقضاء أوقات أكثر مع العائلة والطبيعة، وتبني رؤى واضحة، وإعادة تأمل ذواتنا، ولو بمسحة أسى. ظاهرة تشبه الرومانسية، أو هي نفسها بشكل جديد. روح تتململ وتنعكس في أعمال أدبية وفنية، تتوقف عن اللهاث مع إيقاع عصرنا، لتعيد النظر وتتمرد على تفشي الأتمتة والنفعية. الابتعاد عن هيمنة واقع مُتعِب ومُحبِط وعدوانيّ، للبحث عما يناسب هشاشة إنسانيتنا، وتجارب معنوية تتعلق بالحب والصداقة والحنان والكرم والرفق بالكائنات والاستمتاع بالهدوء والطبيعة وتفعيل الخيال والتمسك بالحرية، كقِيَم وملاذات من قسوة عالم سريع التقلبات التقنيّة والسياسية والاقتصادية... أنا نفسي؛ كانت بداياتي بقراءة الروايات والقصائد الرومانسية، أحن إليها الآن، وأحلم بكتابة شيء يحمل روحها. أعتقد بأننا نحتاج اليوم إلى رومانسية جديدة، أو على الأقل؛ إلى جرعات منها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 92 يونيو 2026 الشارقة

https://sibf.com/ar/publications/kitab-magazine

ليست هناك تعليقات: