الاثنين، 4 مايو 2026

فحوصات ثقافية: ذائقتنا وذائقتهم/ محسن الرملي

فُحوصات ثقافية

 

أسئلة ذائقتنا وذائقتهم 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

من بين التساؤلات العديدة التي تبرز لنا، وخاصة نحن الذين نعيش في الغرب ونتداخل مع أوساطهم الثقافية ونعمل في الميادين الأكاديمية والفنية والأدبية والترجمة: لماذا لا يُعجبهم الذي يعجبنا، فيما يعجبنا الذي يعجبهم، سواء أكان كلاسيكياً أو حديثاً؟! ومن ذلك، في الأدب مثلاً: لماذا لا يحظى المتنبي بالإعجاب لديهم بينما هو بالنسبة لنا قمة الشِعر العربي لقرون؟ فقد تُرجمت مختارات من شعره إلى معظم اللغات، ولكنها لم تحظ بأي صدى يُذكر، وسرعان ما يطويها النسيان. وفي الموسيقى؛ نجد أن كوكب شرقنا أم كلثوم، التي مازالت تحتل المرتبة الأولى طوال عقود في عالمنا العربي، لا تلقى آذاناً صاغية في الغرب. أي على عكس مقولة: مطربة الحيّ لا تُطرب، فهي التي تُطرب في حيّنا لا تُطرب في حيهم. وقد عمدت شخصياً لاختبار هذين المثالين في الأوساط التي أعرفها بين مثقفين وفنانين وشعراء وطلبتي في الجامعة، فما وجدتُ، بعد مقدمات تعريفية متحمسة وتشويقية، سوى البرود، خيبة في الوجوه المتلقية وسرعة في دبيب الملل والضجر. وهنا تتبلور (لماذا) كبيرة وجادّة، تتفرع منها أسئلة شتى، تتعدد الآراء والإجابات، التي هي ذاتها تفتح أبواب تساؤلات أخرى.

أين تكمن العلة؟ أهي في ضعف وسائلنا وأساليبنا في الترويج؟ أهي في طبيعة وخصوصية لغتنا العربية بحيث يصعب تذوق نتاجها إلا بها؟ هل يتعلق الأمر بالشكل أم بالمضمون؟ ولكن جل شعر المتنبي يمجد الذات الفردانية وعلو الطموح الشخصي وهو من أبرز سمات الثقافة الغربية! هل ثمة افتقار معين في الحس الإنساني المشترك والعام في نتاجنا؟ هل أن اهتماماتنا وهمومنا تختلف، وذهنيتنا وذائقتنا تختلف عن اهتماماتهم وهمومهم وذهنيتهم وذائقتهم إلى هذا الحد، أم أنها لاتهمهم؟ لماذا يعرفون الرومي أكثر من المتنبي؟ أهو بسبب كثرة وتعدد التجمعات الباحثة عن الروحانيات والتصوف مثلاً؟ فلماذا يعرفونه أكثر من الحلاج وحتى ابن عربي الذي ولد في أرضهم؟ هل لا يعرفون أم كلثوم بسبب إيقاع العصر وتقلبات الموضة مثلاً؟ إذاً لماذا لم تحظ ولو لفترة ما، رغم سرعة تقلب الموضات منذ عقود؟ ألم يصدف أبداً أنها تطابقت مع موضة لديهم في فترة ما، فيما لا تؤثر تقلبات الموضة على تصدرها طربنا نحن؟ وكذا الحال مع المتنبي، ألم يصدف أن انسجم مع أحد التيارات الأدبية التي تنوعت وتقلبت كثيراً؟ وبالمقابل، لماذا نجد أن ما ينجح في ذائقتهم، ينجح عندنا أيضاً؟ لماذا تأثر شِعرنا بأغلب شعرائهم ولم يتأثر شعرهم بأي من شعرائنا؟ والأمثلة يصعب حصرها من رموز الذين ترجمنا أعمالهم. فهل هذا ذائقتنا وذهنيتنا أكثر اتساعاً وتقبلاً من ذائقتهم وذهنيتهم، بينما يتهموننا ونتهم أنفسنا؛ بأننا لا نتقبل الآخر؟ أم أن الأمر معكوس، وهم الذين لايتقبلون إلا ما ينسجم مع ذائقتهم وحسب؟ تمركُز على الذات، وليس أمام الآخر سوى الاستجابة لسياقاتهم الثقافية؟ ولكنهم أخذوا وتأثروا بأعلام ثقافات أخرى كطاغور الهندي مثلاً! هذه نماذج من أسئلة تستحق التوقف عندها وتأملها ودرسها، وهذه دعوة لتوسِعة وتعميق النقاش حولها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 91، مايو 2026م

https://sibf.com/ar/pwhardcoverhttps://sibf.com/ar/publications/kitab-magazine

ليست هناك تعليقات: