فُحوصات ثقافية
تَذكير بالمُدوَّنات
بقلم: الدكتور محسن الرملي
لعل التسمية العربية، أو
مصطلح "مدوّنة" لـ Blog، من أجمل وأدق مفردات التعريب التي وُفِّق فيها العرب في اجتراح
اسم لشيء جديد، وتبعًا له جاءت تسمية المُدوِّنين؛ صُنّاع المحتوى والمؤثرين،
الذين أصبحوا مشاهير أيامنا. وفي هذه الوقفة القصيرة، أود التذكير بأهمية
المدونات، لأنني لاحظتُ كثيرين ينسونها وسط إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.
يقول البعض إن المدونات
قد أصبحت من الكلاسيكيات. يا للسرعة التي تحوّلت فيها منصات نشر حديثة إلى
كلاسيكية! ولكن أليس في الكلاسيكيات عناصر الجودة وأعمدة الديمومة؟ هذه قناعتي،
لذا أُدير خمس مدونات منذ 2008 وأُدرك عملياً جدواها. شاعر إسباني صديق، تحوّلت
مدونته إلى أنطولوجيا هائلة للشعر العالمي، ينشر كل يوم قصيدة من بلد، طوال عشرين
عاماً، وآخر أرجنتيني خصَّصها للقصص القصيرة، وآخر عربي جعلها لمراجعات الكتب..
وحتى كبرى المؤسسات ودور النشر تحرص على إنشاء مدونات لها رغم امتلاكها مواقع إلكترونية
ومنصات متطورة.
عندما ظهرت المدونات في
تسعينيات القرن الماضي، غيّرت العلاقة بين الكاتب والناشر والقارئ. فقد أتاحت
النشر المباشر بعيداً عن سلسلة تعقيدات المراجعات التحريرية والرقابية، كما تَخَفَّف
الكُتّاب من قيود الصورة النمطية عن الكاتب، لأن المدونات تشبه دفاتر رقمية لتسجيل
التأملات والذكريات واليوميات والتعليقات والمقالات، بل وحتى المسودات التجريبية
التي تُنشر لاستقبال ملاحظات القراء قبل صدورها في كتب مطبوعة.
خوسيه ساراماغو نفسه،
وحتى بعد نَيله جائزة نوبل، وإتاحة كل المنابر لنشر ما يشاء وبمقابل مادي، أنشأ
مدونة مجانية بعنوان (دفتر ساراماغو)، يَنشر فيها تأملاته الثقافية والشخصية والسياسية،
بأسلوب أكثر عفوية ومباشرة، لم تكن مدونته أداة ترويج إضافية لكتبه فحسب، كما فعل
كثير من الكُتاب، وإنما اتخذها مساحة حُرة للتفكير الحُر، فاكتشف القراء فيه صوتًا
آخر أكثر قُربًا وبساطة ومواكبة وإثارة للنقاش من الصورة الرسمية المرتبطة بنوبل.
ومن تأثيرات المدونات
على الأدب، أنها عزَّزت روح الاعتراف عبر اليوميات والمذكرات وتدوين الأخبار
والرحلات والمغامرات، فأثرى هذا الأسلوب العفوي والمُجزأ والحميم الأساليب الأدبية
الحالية، تضاءلت الحدود بين السيرة والرواية والمقال، وانتعشت تجارب النصوص
القصيرة، والنشر المتسلسل. شكَّلت المدونات مختبرات إبداعية ووسيلة
لتوسيع قاعدة القراء، وأدخلت أسماءً جديدة إلى عالم الأدب، قبل نشر كتبهم
المطبوعة.
بلغت المدونات ذروة
انتشارها خلال العقد الأول من هذا القرن، قبل أن تتراجع أمام منصات التواصل
الاجتماعي، التي خرجت من معطف المدونات، وتميزت بسرعة وقصر رسائلها وكثافة محتواها
البصري. ومع ذلك، ما زالت المدونات أكثر قدرة على احتضان الكتابة المتأنية وبناء
أرشيف شخصي مستدام. ففي عالم تحكمه المنشورات العابرة والخوارزميات المتقلبة، تؤدي
المدونات دور الذاكرة الرقمية التي تحفظ الأفكار والنصوص والمواقف من الضياع.
شخصيًا، أضع فيها ما
أنشره أو ما يُنشر عني، بعد أن لاحظت اختفاء المواد من مواقع الصحف، وحين يطلبُ
مني باحثٌ موادَّ لعمله، أرسل إليه رابط المدونة. وقد انتبهت إلى أهمية ذلك أكثر
بعد وفاة أصدقاء مبدعين، وجدت أن الذي لديه مدونة قد ترك ما يمكن الرجوع إليه من
بعده، أما من اعتمد على حسابات وسائل التواصل وحدها، فقد جرف نهرها الجاري معظم
إرثه إلى بحر النسيان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (كتاب)، العدد
93 يوليو 2026 الشارقة
