السبت، 9 فبراير 2019

كتب وموسيقى/محسن الرملي /منشور

هدايا الويك إند:
 يقدمها هذا الأسبوع الكاتب العراقي محسن الرملي 

يعود الكاتب العراقي محسن الرملي إلى كلاسيكيات أدبية للجاحظ ودوستويفسكي، وكلاسيكيات موسيقية لبيتهوفن وباخ، لكنه لا يرى مشكلة في سماع الأغاني الشعبية حين يكون في المطبخ.. 

ترددت في كتابة هذه القائمة حتى كدت أصرف النظر عنها، لأني وجدت أنه من غير المنطقي ولا من الإنصاف أن أذكر خمسة كتب أو عشرة فقط من مئات الكتب المهمة بالنسبة إليَّ. لكن بما أنني وعدت الأصدقاء في «منشور»، وتورطت في وعدي، فهذه قائمة ترشيحاتي.

في الكتب:
*دون كيخوته لـ ميغيل دي ثربانتس:
لأن فيها البذور الأولى لكل التقنيات السردية التي استخدمتها الرواية الحديثة، فهي بحق أم الروايات، ومعرفة القارئ لإطارها التاريخي والأدبي الذي ظهرت فيه يجعل قارئها يدرك مدى عبقريتها فعلا.

*دابادا لـ حسن مطلك:
لأنها ذروة تطبيقات التجريب والحداثة في الرواية العربية المعاصرة، لذا يراها البعض أنها أصعب رواية عربية على الإطلاق، وشخصيا أستمتع بفهمها وبصعوبتها، وفي كل قراءة جديدة أتعلم منها شيئا جديدا، وأكاد أقرأها أحياناً كما أقرأ قصيدة.

*البيان والتبيين لـ الجاحظ:
لأنه موسوعة أدبية، كنز حقيقي في كل تفصيلة فيه، ويمكنك أن تفتحه في أية صفحة وتقرأ بمتعة، ويسحرك أسلوبه في السرد حتى وهو يتناول مسائل نحو وبلاغة بحتة، كما أن فيه رؤى فكرية ومقاطع وعبارات تستحق بحد ذاتها أن تكون كُتبا مستقلة.

*ذكريات من بيت الموتى لـ دوستويفسكي:
لأنه الأقرب إلى التجربة الشخصية وسيرة دوستويفسكي من كل أعماله الأخرى، وفيها يتجلى عمق الوصف النفسي وملامسة المناطق المعتمة في الإنسان وعذاباته تحت ظلم وقسوة الإنسان الآخر. وحيث يكشف وصف التفاصيل الصغيرة كامل مهارة الكاتب في التعبير الحيّ بحيث تصبح عندي هذه التفاصيل أهم من المتن الحكائي العام ذاته.

*الصخب والعنف لـ وليام فوكنر:
لأنها مدرسة حقيقية في السرد الحديث ومن تحت معطفها  ظهر جل الأدب الأمريكي المعاصر، أحب دقة اشتغالها التقني المعقد وصفاء الفن السردي المنسوج بشكل باهر.

في الموسيقى:
*كلاسيكيات عالمية:
أحب سماع موزارت في حالات الهدوء وأثناء الكتابة والمراجعة أحياناً، وسماع بتهوفن في حالات الاعتدال النفسي، وباخ وفاغنر في حالات القلق والانفعال والحماس والانزعاج والرغبة بالصراخ.
مثلاً:

*كلاسيكيات عربية:
أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب حيث النضج الفني التام والاشتغال الموسيقي الجاد والمدروس. صباح فخري وكسر الحدود حد الامتزاج بين الروحي والحسي. فريد الأطرش اللطف والتهذيب والحس العالي، عبدالحليم حافظ بألحان بليغ حمدي، الحيوية والنشوة.
مثلاً:

*كلاسيكيات عراقية:
المقامات، القبنجي، يوسف عمر، الأصالة والمزاج وسهر وسلطنة الكبار وتهدئة البال من إيقاع حياتنا السريع. غناء الريف العراقي والمواويل حيث الحزن العراقي المعتق.
مثلاً:

*كلاسيكيات قريتي:
ومنها الربابة، الصويحلي والعتابة والنايل، بأصوات مطربي الريف في قريتي والقرى المجاورة ممن عرفتهم واستمعت لبعضهم شخصيا مع أبي وأخوتي وأصدقائي، ومايرافق تسجيلاتهم البسيطة من صياح ديوك الفجر وتعليقات السهارى البسيطة والساذجة أحياناً، أفعل ذلك عندما يجتاحني حنين إلى زمن بعيد، إلى مناخات نشأتي الأولى فتتعاقب وجوه الراحلين وتستعاد مفردات وأوصاف شعرية قد انقرضت اليوم فيما كانت تمثل جواهراً تعبيرية فنية في حينها.. الأمر يشبه النظر إلى جثمان شخص عزيز.
مثلاً:

*الأغاني الخفيفة:
وهذه استمع إليها عندما أكون في المطبخ أو أقوم بأعمال منزلية، وتشمل مجمل الشعبيات الطربيات العربية مصرية ومغاربية وعراقية وخليجية وكل ما هو راقص وإيقاعي بغض النظر عن رداءة صوت المطرب وسذاجة الكلمات.
مثلاً:
 
-----------------
*نشر في موقع (منشور) بتاريخ 1/2/2019

قراءة.. رواية: أبناء وأحذية / حسين عبد علي


لا يكتب الرملي شخوصه.. بل ينحتها
حسين عبد علي
كعادته؛ يبدأ محسن الرملي من العراق وينتهي بالعراق. فمنذ "الفتيت المبعثر" الذي يستهلها الرواي بقوله:"غادرتُ بلدي"، ثم ينهيها بقصيدة للشاعر ماهر الأصفر يقول فيها:"إنها الأرض/ والقهوة/ والفتيت المبعثر". مروراً بـ"تمر الأصابع" الذي يهديها محسن إلى العراق مهد طفولته ومهد الحضارات. إلى "ذئبة الحب والكتب" التي تستحضر شيئاً من الشهيد حسن مطلك، وفي هذا الشيء من الاستحضار استحضار للعراق بأكمله، في حين يختتم الرملي روايته في الحافلة المتجهة إلى بغداد. "حدائق الرئيس" التي كل صفحاتها عبارة عن عصر العراق الدموي. وأخيراً "أبناء وأحذية" التي تبدأ بـ "انتقاماً من موت طفلتي في العراق، أنجبتُ سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا". أتفق مع من ذهب إلى القول أن محسن الرملي في روايته الأخيرة استطاع أن يغادر فكرة الحروب والدكتاتورية والبطش، إلا أنني متيقن تماماً أنه لا يستطيع أن يغادر العراق التي في داخله. هذا الرجل المهووس بالعراق هو في الشبه أشبه بـ هاني الصعيدي القبطي في "أبناء وأحذية" الذي يشير إلى أنه قطع علاقته بمصر نهائياً إلا أنه ينسى -أو يتناسى- السبب الذي يجعل اسم ابنه (نيل)، وأن وصيته أن يتم دفنه في مصر.
وإن أشرت مسبقاً في حديثي حول روايته "حدائق الرئيس" حول أهمية استهلال الرواية أو الفقرة الأولى، بوصفها اللحظة الأولى التي تنطلق منها العلاقة بين المتلقي والمنجز. فمحسن الذي كان خبيثاً جداً عندما يستهل "حدائق الرئيس" بعد إهداء ولا أروع بـ "في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها". فإنه هذه المرة ليس أقل خبثاً عندما يستحضر فكرة الصندوق مرة أخرى، ولكن هذه المرة صندوق أحذية كارتوني، ويعمّق وجع الصورة في استهلاليته عندما يقول: "كنت أحمل جثتها الصغيرة في صندوق أحذية كارتوني".
في رواياته، لا يكتب الرملي شخوصه، بل ينحتها. يستخرجها من بين السطور كما يستخرج النحات المنحوتة من داخل الحجر. لذلك أنت أيضاً، لا تقرأ كائنات الرملي، بل تعيشها. فمثلاً أن يستهل الرملي روايته بما يشبه اختصاراً للرواية بأكملها، أن ثمة رجل ماتت ابنته في العراق، وانتقاماً من هذا الموت يُنجب سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا، هو ما قد يظنّه البعض بأنه بمثابة حرق لأحداث الرواية، وأنها انتهت حيث بدأت. ولكن يدرك الرملي ألا أهمية لما سيحدث، فهو يختصر لنا ما سيحدث في جملة الرواية الأولى، بل الأهمية تكمن في كيف ولماذا سيحدث. وفي طرحه لهذه الكيفية يحفر الرملي شخصياته عميقاً، عن طريق تعرية العلاقة بين الشخصية ونفسها، والشخصية والشخوص الأخرى، الشخصية والمكان (العراق/ إسبانيا/ كولومبيا). أخيراً.. العراق/ أسبانيا/ الحب.. ثالوث لا يمكن إلا أن تجده في روايات الرملي، شاء أم أبى. والجمالية الأم في أنك مع كل منجز للرملي سترى هذا الثالوث من زواية مختلفة.
-------------------------------------
*حسين عبد علي: فنان وكاتب بحريني.
*ونشرت بالانكليزية في صحيفة (المترجم العراق)، عدد فبراير/شباط 2019 بغداد