السبت، 16 مارس، 2013

حدائق الرئيس.. عمل صادق بامتياز/ صالحة حسن

حدائق الرئيس.. عمل صادق بامتياز
صالحة حسن
يمر وقت طويل جداً.. حتى تكاد أن تفقد الأمل في إمكانية أن تجد عملاً صادقاً من غلاف الواجهة إلى الغلاف الخلفي.. هذا هو رد فعلي الأول على عمل محسن الرملي.. الذي يؤسفني وبشدة أنه لم يصل إلى قائمة البوكر القصيرة .. بعد أن نجح في الدخول للطويلة منها.
كمية الصدق تشعر بها وأنت تقرأ ببساطة عن كل أولئك البسطاء في الرواية.. المغلوب على أمرهم رغما عنهم.. وأولئك الذين تجدهم مجردين من كل إيدلوجيات أو سياسات أو حتى خطط كفيلة بأبعد من فكرة حياة اليوم الواحد.. إنهم كملايين الأشخاص في هذا العالم الذين تسوقهم الأقدار إلى حيث لا يدركون.. لا يختارون ولا يصنعون.. وينتهي البعض منهم بأن يكون مجرد رقم لضحية جديدة.. يُنظر إليها أو يُسمع عنها بشكل عابر.. الكاتب هنا يُصرح بوضوح أنه لا وجود لكائن بشري هامشي.. لكل ضحكية حياةٌ تتركها خلفها.. حياةٌ كاملة.. تستحق أن تؤرخ وأن يؤخذ بعين الاعتبار بأي شكل من الأشكال.. كما أنه يكرس لفكرة أن كل طرف يدخل في أي حرب كانت  يبيد فيها الإنسان إنسانا لإختلاف أو خلاف.. هو خاسر بطريقة أو بأخرى.
العمل يؤرخ أيضاً لمرحلة من التاريخ العراقي بدأً من الفترة التي تسبق الحرب العراقية الإيرانية مرورا بغزو الكويت والثورة العراقية على النظام البعثي بعد الغزو وكيفية إخمادها.. إنتهاءاً بما يعقب الاجتياح الأمريكي للعراق بقليل.. فترة تمتد حتى الربع قرن بكل حروبه وقسوته ومآسيه الإنسانية بطريقة شخوصه البسيطة ذاتها.. وبدون أن يحاول مجرد محاولة أن يقحم الأفكار في رأسك بفظاظة.. إنه لمن المدهش أن يحمل أحدهم وطنه كل هذا الوقت بكل تناقضاته في قلبه بصورة لا تحمل ذلك التنكر أو السخط أو محاولات التبرير أو إظهار أي إزدواجية أو تخبط.
أبكتني الفصول التي أعقبت دخول شخصية من الثلاث الشخوص المحورية التي تدور حولها الرواية لحدائق الرئيس وعرض بعض طرق الاعدام.. كانت الفصول بعدها شديدة التعبير عن وجع عميق موارب.. تدرك ما خلفه وتستشعره بوضوح.. عندما تدرك أن محسن مطلك الرملي هو شقيق الشاعر والروائي حسن مطلك الرملي الذي أعدم في 1990 من قبل حزب البعث الحاكم في آنه.. ترعبك فكرة أن ما يصفه محسن عن إحدى الكوارث هنا.. قد مسه شخصياً إلى حد الالتصاق في شقيقه المقتول وأنها قد تكون إحدى الطرق البشعة التي وُصفت... محسن الذي كان قد صرح مرة أنه من المستحيل عليه أن يكتب عن فاجعته بأخيه بشكل مباشر.. إنه يقسمها على أوجاع في أعمال متفرقة.
الحوارات سلسة ورشيقة وتؤدي الغرض الذي وجدت لأجله بإتقان دون حشو أو ثرثرة فارغة.. العامية وظفت بشكل جيد وفي حدود ضيقة جداً أيضا (على الرغم من أن اللهجة العراقية البيضاء لها وقع دافء على القلب والعين.. لطالما شعرت بها هكذا بحيث لا تزعجني ولا تربكني).
امممم لكن على جانب ما.. كان في عرض شخصية "صدام حسين" شيء من الفانتازية التي غالباً هي تكريس لصورته في كل عمل عراقي قد قرأته تقريبا.. الأمر الذي يستوقفني كثيراً ويربكني بين المعقول والحقيقي والمتخيّل المبالغ فيه في عرض هذه الشخصية الجدلية.. إذ يبدو كثيرا كشخصية لم توجد على الأرض فعلا بقدر ما خُلق على لسان من يروونه شفاهيا أو كتابيا.. أردت أن يظهر كرجل حقيقي هنا بذات البساطة شبه الواقعية التي تناولتها معظم أحداث الرواية.
عموماً.. أكتب الآن وأنا مأخوذة بفكرة كبيرة جداً جداً.. تجبرني على منح النجمات الخمس دون تردد "الصدق ولا شيء آخر".  وهذا عملٌ صادقٌ بامتياز.
--------------------------
*صالحة عبيد حسن: كاتبة إماراتية، من أعمالها: (زهايمر) و(ساعي السعادة).
*نشرت في موقع (Goodread) بتاريخ 11/2/2013م

 
*   *   *   *   *
رواية عراقية أخرى.. تستحق القراءة بكل تأكيد
 
آلاء  Ala  
ثلاث شخصيات، ثلاث قصص مختلفة، ومصائر معلقة لهؤلاء الأصدقاء في فضاء الحرب الايرانية العراقية أولا، وحتى الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق .
طارق المندهش، الذي أتم تعليمه بالعافية كما يقال، أصبح شخيا للقرية بعد أبيه، يأمر فيطاع، يتزوج ثانية فترحب الأولى، يأخذ ويعطي ويدير أملاك الوالد، يدبر أموره مع كل الأطراف حتى ترضى عنه كل الأطراف، ولا موقف سياسي له. فهو معاهم معاهم، عليهم عليهم.
وصديقيه، الأول عبد الله كافكا، عبد الله المتطلق الباسم المجرب، اللقيط، الذي تحكي قصة ولادته، واختفاء والديه قصة ألم اجتماعي لا ينتهي للنساء. والذي كان يؤمن بالحياة، حتى سجن في إيران، ومن هناك عاد مختلفا. وثالثهم أبو قسمة، الذي يبتسم له الحظ، فيعمل في حدائق صدام حسين، ويشهد من الترف والفظاعات ما يشهد .
ثلاثة شخصيات شديدة البساطة والجمال والانسانية، أخذتنا إلى جو العراق في تلك الفترة ونقلتنا إليه وإلى تفاعلات الناس مع الحرب والسجون والغلاء والحياة .
التوثيق عن جرائم صدام حسين وترفه، كان أقسى ما في الرواية .
اللغة سهلة، فيها بعض العراقية الخفيفة جداً والمحببة
حدائق الرئيس.. كتاب، يستحق أن يقرأ بكل تأكيد.
--------------------------
*نشرت في موقع (Goodread) بتاريخ 13/3/2013م

هناك تعليقان (2):