الخميس، 7 مارس، 2013

حدائق الرئيس / ميرال الطحاوي

حـدائـــق الرئيـــس
ميرال الطحاوي
محسن الرملي ليس كاتباً عراقياً يعيش في المنفى منذ عشرين عاماً فقط، بل هو كاتب حمل معه قضايا العالم العربي ووطنه العراق معه عبر كل كلمه كتبها، قضايا الحرب وصراع الإثنيات والعرقيات والمذاهب المختلفة، ومحنة الموت المجاني وفوضى الصراع الذى انفجر بدخول القوات الأمريكية لبلاد ما بين النهرين. ورث محسن الرملي محنة ضياع الوطن وصراع الهوية فى رحلته عبر الكتابة، لذلك لم يكن غريباً عليه أن يبحث فى أطروحته للدكتوراه (تأثيرات الثقافة الإسلامية فى الكيخوتة) وأن تبقى قضايا كتابته هي الموت المجاني وتحول الضحايا إلى مجرد أرقام والشهداء إلى صور فى واقع اختلطت فيه الأوراق وأصبح القاتل والمقتول كلاهما ضحية.
 حمل محسن الرملي أمانة فضح هذا الدكتاتورية التى دمرت وطنه عبر عقود وأدخلته فى حروب مع جاراتها، وفضح الاحتلال الذي حول هذا الوطن إلى أقليات مذهبية تحارب بعضها بعضا، وحمل معه كذلك أمانة الدم والأخوة وإحياء ذكرى أحِبته، يقول الرملي في أحد حواراته المهمة: (أعتبر أخي حسن مطلك هو أمانة في عنقي تجاه نفسي وتجاه شعبي، لأن حسن كان كاتباً جيداً من الشباب العراقيين، وأعدم سنة 1990 فكان له على حياتي تأثير كبير. أنا تلميذ حسن مطلك فأحس بأمانة ــ لأن النظام السابق كتم صوت مثقف عراقي ــ فأنا أحس بأمانة أنه يجب أن أفرض هذا الصوت.. فاستمررت طوال حياتي أعيش من أجل شخصين، وهذا أيضاً عبء عليّ، وأنا أعيش من أجل نفسي ومن أجل حسن مطلك، ولذلك أقوم بإعادة كل مخطوطاته، ونشرت حتى الآن أربعة كتب من مخطوطات حسن مطلك، وفي النية أن أنشر كل ما كتبه). إن إعدام شقيقه حسن مطلك بتهمة تدبير مؤامرة لاغتيال صدام حسين 1990 دراما أخرى ما زالت محمولة فى صناديق محسن الرملي الكثيرة.
سافر الرملي ليدرس فى مدريد فى منتصف التسعينيات، بالطبع كان المهجر تحديا لطالب عراقي لا يحمل إلا مائتي دولار فى جيبه ولغة متواضعة ومستقبلاً مجهولاً، وتنقّل بين المهن الصغيرة والنوم في الحدائق ومشاركة الأصدقاء غرفهم الصغيرة، كما واجه صعوبة في الحصول على عمل فى بلد وصلت فيه بطالة أهلها حدوداً مقلقة، وسط أجواء اقتصادية خانقة.. رحلة محسن الرملي تستحق التأمل من وجوه كثيرة ولكن صوته وهو يحكي لي رحلته للعمل كعامل يومية فى الأردن وعن رفاقه المصريين لم تغادر ذاكرتي. أعرف الرملي كصديق من زمن طويل لكن تلك اللحظة التى كان يحدثني فيها أدركت أن هذا الرجل يحمل الكثير ليقوله، ويملك الرؤية الفلسفية العميقة لتحليله، ويملك القلم الدءوب والوعي بأن حياته كلها هى صفحة مليئة بالتفاصيل خلق ليكتبها ويعيش فقط ليرويها.
فى روايته الأخيرة (حدائق الرئيس) تبدأ الرواية بتسعة صناديق بها رؤوس مقطوعة موضوعة في صناديق ورقية لشباب قرية على أطراف الوادي، يجد أهل القرية هذه الصناديق ذات صباح وتصبح تركة الموت والفجيعة التي يرثها الجميع، وتبدأ رحلة اقتفاء أثر من غدر بهم، ولماذا كان عليهم أن يواجهوا هذا المصير؟ وكيف اختارهم هذا القدر؟ ولماذا تُرسل لهم الرؤوس فقط؟
متعة الأسئلة والبحث، ولوعة الفهم، وسوداوية الواقع الذي فاق كل خيالات الكتابة هى ما يقدمه محسن الرملي.
وبالطبع لم يكن صعودها للقائمة الطويلة للبوكر مفاجأة لي، فقد رشحت أعمال كثيرة للرملي وحازت جوائز كبيرة، لكن خروجها من القائمة القصيرة كان هو المفاجأة، بالطبع لا تصنع الجوائز مبدعين لكن تصنع الكتابة تجاربها الكبيرة والعميقة وتصنع أيضا كتباً رائجة.
"حدائق الرئيس" رواية مليئة بالتفاصيل.. باللوعة وبالوطن وبالثورة والأسى، وهى رواية تشكل علامة فى مسيرة الأدب العراقي وقدرته على تأريخ وتحليل التاريخ القريب والبعيد للوطن.
---------------------------------
*نشرت في صحيفة (الشروق) المصرية بتاريخ 22/2/2013م.

الطحاوي والرملي في أمسية مشتركة في معرض غوادلاخارا الدولي للكتاب في المكسيك 2011

هناك تعليق واحد:

ريوبى يقول...

موضوع ممتاز
ryobi