الثلاثاء، 24 فبراير 2009

قراءة / السيد نجم


الفن . . وطن بديل

قراءة في رواية "الفتيت المبعثر" لـ محسن الرملي

السيد نجم

تقع "المقاومة" بين "الحرية" و "العدوان".. ثلاث دوائر متدخلات، فلا حرية غير مدعمة بمفاهيم المقاومة، ولا مقاومة إلا بأفاعيل العدوان المعززة للحرية. وهى أما مقاومة "إيجابية" أو "سلبية".
أما المقاومة الإيجابية فهي المباشرة بإبراز العنف نحو الآخر العدواني، والمقاومة السلبية بإبراز العنف نحو الذات. ويعتبر "الهروب" بكل أشكاله وتجلياته ضمن عناصر المقاومة السلبية المشروعة.
والأدب العربي المقاومي معبأ بتلك الأعمال الإبداعية نثرا وشعرا. كما تعد رواية "الفتيت المبعثر" للكاتب العراقي "محسن الرملي" واحدة من ذلك النمط المقاومي، وقد نشرت عام 2000م وفازت كأحسن رواية عربية مترجمة عام 2002م. يقيم الروائي حاليا فى المنفى الاختياري له، وقد صدر له من قبل مجموعتين قصص، ورواية، فضلا عن مجموعة مسرحية واحدة.
الرواية بداية مهداه الى فتيت آخر مبعثر.. إلى: "روح شقيقي حسن مطلك لأنه بعض من هذا الفتيت..المبعثر"، وهو إهداء دال وعتبة للنص موحية.
كما رصد الروائي تحت عنوانين "متماثلين تقريبا" لرصد الرسالة التى حرص من أجلها على كتابة روايته. أولا: "صفر الروى" حيث يقول:"نحن المبعثرون فى المنافي لم نختر أماكننا الحالية، وإنما وصلنا إليها اثر انفجارات الدخان فى حجر النار الأزلية، والمترنحون اختناقا لا ينظرون:أية بقعة تطأ أقدامهم!!..". وفي الثانية: رصد الراوي أحواله بعد الخروج "الهروب المقاومى" الى حيث مجتمع تخلع فيه الفتاة الأسبانية بنطالها لتبول على قرب زجاج بوابة المترو ليلة السبت، من أثر السُكر. ثم كانت القصيدة التى ربما استوحى عنوان روايته منها (للشاعر ماهر الأصفر)، حيث تقول:
"بستان الخزف الأمثل
ـ الفتيت المبعثر ـ
آن خلخال نحاس
نحت أقراط نحاس
أن اسم المرأة المثلى
وجسم المرأة المثلى
والقماش.. شفيفين
أن من حولي بعيدون
وكفى معتمة.."
هذا المدخل الذي يعد التفاتاً إلى المناخ النفسي للعمل الروائي، غير منفصل عضويا عنه، بل قد يضيف فى الدلالة والمعنى.
تقع الرواية في عشرة فصول بأرقام من 1 الى 10، تسبقها كلمات الشاعر "قاسم حداد":
"يريدون إقناع الشعب
كم هو على خطأ
نظرة القائد هي المصيبة
إنها مصيبة ... حقاً ".
"قاسم" الفنان التشكيلي (ابن عمة الراوي)، وان كان يقتنص قوت أيامه من إصلاح الأجهزة الكهربية والإلكترونية (وهو جانب إصلاحي غير خاف عن القارئ دلالاتها)، هو واحد من عدد كبير من الأبناء لرجل قتل الضابط الإنجليزي فى شرخ شبابه، ويفهم الوطنية بطريقته، وان اختلف مع قاسم تحديدا فى دلالة الوطن.. فهما معا أبناء أخلصوا له.
الأب "عجيل" (زوج عمة الراوي) وطني بالمعنى الشائع، وربما بالصورة التى ترضى السلطة (أية سلطة). يقول فى جلساته: "أعبد وطني.. إني أعبد وطني" ص25
فيعلق الملا صالح: "إنها وثنية جديدة والعياذ بالله".. ومع ذلك فللرجل تجربته وأفكاره حول الوطنية، يكفي أنه قتل الإنجليزي "ابن الكلب". بل هو الذي قدم أسرته للوطن، وقودا للحرب فيما بعد. صحيح حدث أن ابتلع القنفذ ذات يوم وهو صغير، فتعلق القنفذ فى حنجرته وبح صوته، لكن لم تمنعه تلك الحادثة عن المشاركة، بل أكسبته خصوصية إذا ما تكلم استمع الجميع..(ويبقى لبح الصوت دلالته أيضا مع تلك الشخصية غير النمطية أو التقليدية).
أطرف ما خلص اليه الرجل أنه قسم العالم والأفعال والأشخاص الى قسمين، "نشنن" أو "غير نشنن"، تلك اللفظة التى نحتها عن نطقه الخاطئ لكلمة "ناشيونال". و"نشنن" تعنى الجيد والصحيح!
لذا فقاسم والابن الآخر "سعدي" ليسا "نشنن" لأنهما هربا من الجيش ومن الحرب. برر قاسم هروبه.. لأنها لا تنسجم وميوله الفنية، وانه لا يريد أن يَقتل أو يُـقتل، وأن الحرب التى بعث اليها تعتبر مهزلة.
أما سعدي فهو صاحب المقولة الموجزة: "شئ حلو .. شئ غير حلو"، والحرب وجدها شيئا غير حلو.. فهرب.
أما الابن "عبد الواحد" فهو "نشنن" أكيد، لأنه اشترك فى الحرب ولم يهرب، وان مات فيها، وحصل الأب على نيشان ووسام فخم، تسلمه مع تسلم جثته!. لقد التزم الابن "النشنن" طوال حياته بقوانين الحكومة، وخرج من أجل الدفاع عن الوطن والعزة والكرامة والسيادة والشرف والعزة والتراث.. خرج ولم يعد إلا جثة هامدة!
وحول محور "الوطن" و "الحرب" تدور أحداث الرواية وشخصياتها، تلك التي خاضتها العراق مع "إيران" الجيران. فقد جلس القائد أمام مجلس الأمة لأخذ موافقته الصورية على إعلان الحرب، إلا أن أحد الأعضاء البسطاء قالها ببساطة.. عندما نختلف مع جيراننا، نعلو بالسور بيننا وبينهم، وربما نضع قطع الزجاج فوقه، وربما أكثر من هذا وذاك.. لكننا لا نحاربهم. وافقه القائد، طلبه للمشاورة فى غرفة جانبية. سمع صوت طلقة رصاص، عاد بعدها الى لأخذ موافقة الأعضاء، ولم يعد الرجل !!.. لقد بدأت الحرب إذن!!!
تتوالى القتلى، ويتوالى توزيع الأوسمة مع جثثهم، والهروب من الحرب. ليتفرغ "قاسم" لفنه وعندما يرسم القلب وخريطة العراق.. يكون القلب باللون الأخضر، والوطن باللون الأحمر. وهو ما اعترض عليه الأب وبات بابا للخلاف بينه وبين ابنه، طوال الوقت. فالأب لا يرى منطق عنده يبرر أن يكون اللون الأحمر للوطن، بل هو للقلب.. أليس هو مضخة الدم؟. لكنه فى لحظة رضاء مع نفسه، يقر أن الولد قاسم وطني أيضاً.. أيا ما يكون لون ما رسمه، اكتفى بالقليل "أن أصبح –قاسم-وطنيا ويرسم الوطن"، وقال:"المهم أنها صورة للوطن"!
قبضت يد الموت زوج الابنة "وردة"، ويا لمأساة وردة الجميلة.عندما مات لم تكن تعرف إن كان زوجها رجلا يستحق الاحترام بحسب ما أخبرها به "قاسم"..أحبها أم أنه مأخوذا بالحرب، التي أخذته منها، حتى أخذته الى الأبد، لم تستطع الشابة الجميلة الصغيرة الحكم على رجولته!
أما "سعدي" الذي قبض عليه بتهمة الهروب من الحرب، ولأنه بين المختل عقليا والسوى عقليا، وضعوا تحت الفحص فى معسكر الهاربين. هناك مارس شذوذه الجنسي الذي أنقذه من المهالك!، بل أصبح من وجهاء القرية واقرانه عندما ذهب الى المدينة وأصبح رئيسا لرابطة أحباب القائد!!
..ويبقى "قاسم"/ "الفن" والحلم والأمل المجهض، يبقى حيا بين طيات الأحداث حتى تلك التى لا يشترك فيها مباشرة. كما يبقى حيا فى ذاكرة ووجدان أهل القرية كلهم، فقد تم إعدامه بعد أن حصلوا من أبيه ثمن الرصاصات النحاسية التى أطلقت عليه، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فوق فسحاية القرية. ولما حاول الملا صالح ستر الجثة الممزقة بعباءته، قبضوا عليه، واختفى لستة شهور.. عاد بعدها يدعو للقائد من فوق المنبر فى كل صلاة!!
كما عاد الأب "عجيل" الى نفسه، وفهم لماذا كان لون الوطن أحمر، بينما لون القلب أخضر، في اللوحة التي رسمها قاسم. قال:
" الآن فهمت اللوحة يا قاسم
نعم..نعم..فهمت يا قاسم" ص79
وتبقى "وردة" الأنثى الجميلة ليستنطقها الراوي جملتها الدالة الأخيرة، تدعو للانتقام:
"لقد جعلناه فتيتا مبعثر... سأجعله فتيتاً مبعثرا" ص89

وبعد.. ما أحوجنا إلى تلك الأعمال الفنية المقاومية الجادة !!.
-------------------------------------------
*نشرت في موقع ( ww.middle-east-online.com ) القاهرة/سنة 2003م.
*وضمن كتاب السيد نجم (المقاومة والحرب في الرواية العربية) الصادر عن سلسلة كتاب الجمهورية 2005 القاهرة

قراءة / عدنان حسين أحمد



استنطاق (الفتيت المبعثر)

عدنان حسين أحمد
ـ أمستردام ـ

يعتمد الاستقراء الفني العميق لأي عمل أدبي على وصف النص، واستنطاقه قبل تحليله وكشف شبكة العلاقات الداخلية التي تنتظمه، وحجم المُوجهات الخارجية التي ساهمت في صياغة المبنى والمعنى، أو الشكل والمضمون، وهل ينضوي هذا النص تحت عنوان "السردية العربية الخالصة" أم أنه يحمل بين طياته جينات خارجية تؤكد إمكانيته، وقدرة مبدعه في الانفتاح على الثقافة الأوروبية، والتلاقح مع منجزها السردي في الأقل؟.

المظهر التعبيري
يقتضي تصنيف رواية "الفتيت المبعثر" للكاتب محسن الرملي على تحديد مظهرها التعبيري أولاً، فقد عدّها الناقد والروائي سلام إبراهيم "كمسوّدة رواية كُتبت على عجل، وهي على كل حال تصلح كمادة خام أولية لكتابة عمل مهم عن حياة تلك القرية المنسية من قرى شمال العراق." وقد استوقفني حقاً توصيف الناقد للرواية بمجملها على أنها "مادة خام أولية"، وهذا الالتقاطة الدقيقة تفضي إلى القول بأن الروائي محسن الرملي لم يتأنَ في كتابة النص، ولم يشتغل عليه طويلاً، بل لم يمنحه الفرصة الكافية للاختمار، ولهذا خرج كمادة خام تحتاج إلى كثير من العناية والصقل والتشذيب على رغم من أن هذه الرواية تحديداً قد فازت بجائزة أفضل عمل بالعربية مُترجَم إلى الإنجليزية لعام 2002 والتي تمنحها جامعة "أركنسا" سنوياً للأعمال المُترجَمة وقد سبق أن فاز بها كتّاب كبار من طراز جبرا إبراهيم جبرا، وإلياس خوري، وغادة السمان وآخرين. ولتوضيح رؤية الكاتب محسن الرملي، وتسليط الضوء على منهجه في كتابة "الفتيت المبعثر" لا بد من استنطاق النص عبر قراءة نقدية لمتلقٍ يزعم أنه قادر على تفجير مضمرات النص ودلالاته العصية.

إسناد الروي
تبدأ "الفتيت المُبعثَر" بالمُفتتَح المعنون "صِفر الروي" بضمير المتكلم الذي ينطوي في وجهه الآخر على صوت المؤلف نفسه، كما يختتم الرواية بفصل "صفر اليدين" بضمير المتكلم أيضاً. ومن ميّزات هذا الضمير أنه يمثل شخصية من شخصيات الرواية التي لها مواقف وأفكار وميول، وتستطيع أن تقوم بالأفعال، وتتخذ القرارات الحاسمة، وقد تحجب بعض المعلومات على وفق رؤيتها للأحداث من أجل الإيحاء أو التمهيد لما سوف يحدث لاحقاً. هذه الشخصية التي تتكلم بضمير الأنا ممكن أن تكون قريبة جداً من البطل، أو تحمل الكثير من صفاته وخصائصه الذاتية. كما هو حال الراوي في "الفتيت المبعثر" وبطل الراوية "قاسم عجيل" فمن خلال الراوي نستطيع أن نعرف المرجعية الثقافية والفكرية لكاتب النص وخالقه.
كما يتجسد هذا الضمير بقوة في كتابة "السيرة الذاتية" و"أدب الرسائل" حيث يحيل الراوي إلى شخصية المؤلف مباشرة حتى وإن تغيرت بعض الأسماء والمسميات التي تُبعِد قليلاً ولأسباب فنية أوجه التطابق بين الراوي والمؤلف.
كما استعمل الكاتب محسن الرملي ضمير الراوي كلي العلم، والذي جاء بصيغة الشخص الثالث أو "ضمير الغائب"، وكما هو معروف فإن هذا الضمير متحرر من إسار النص، أي بمعنى أنه لا يقوم بأفعال محددة لأنه ليس لديه وجود فيزيقي داخل النص الروائي، لكنه يشهد على كل الأحداث التي تقع في النص، وربما لا تشهدها بعض الشخصيات الأخر.
كما يتكتم هذا الراوي العليم بكل شيء على أفكار شخصياته، ويتستر عليها كلما استدعت الضرورة إلى ذلك. وقد شبهه بعض النقاد بأنه "عين الطائر" التي تشاهد كل شيء من علوٍ شاهق، لذلك فليس مستغرباً أن يكون هذا الراوي مدعاة للثقة من جهة، ومشاركاً في تقديم أحكام معينة، واتخاذ قرارات محددة من جهة أخرى انطلاقاً من معرفته الكلية بأسرار شخصيات النص برمتها.
ويتجسد هذا الراوي كلي العلم، والذي جاء بصيغة الشخص الثالث الغائب في روايات معروفة تنتمي إلى القرن التاسع عشر مثل أعمال جين أوستين، ونيكولاي تولستوي، وجورج إليوت وغيرهم من الروائيين الذين أحبوا هذا النمط من الرواة.
هناك أنماط أخرى من الرواة لم يستعملهما محسن الرملي مثل الشخص الثالث الموضوعي الذي لا يدخل في أذهان الشخصيات، ولكنه يصوّر ويسجل ما يمكن رؤيته، وما يُتاح سماعه فقط، وقد شبهه النقاد والدارسون بـ "عين الكاميرا" أو "المراقِب غير المرئي".
يتجلى "الراوي المتماهي بمروّيه" في رواية "الفتيت المبعثر" فهو عارف بالأحداث التي تقع في متن النص، ومُدرِك للتفاصيل الصغيرة التي تؤثث فراغاته، أو الأجزاء غير المرئية منه.
ولهذا تماهى بالمادة المروية، وأدى وظيفته بوصفه جزءاً من "المسرود" حتى وإن اختفى وراء صيغة الشخص الثالث الغائب، وتجنب الإشارة إلى نفسه، أو تأكيد وجوده الفيزيقي.

النص التحريضي
تتمحور رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي على أكثر من موضوع كالحب والحرب والقمع والسلطة الدكتاتورية والتحريض والسجن والإعدام إضافة إلى التقاليد الشعبية.
وقد أفضى تعدد الثيمات إلى صعوبة تصنيفها، فهناك من اعتبرها أنموذجاً مناهضاً لأدب الحرب الذي كان سائداً في العراق، بينما عدّها آخرون مثالاً لأدب ما بعد الحرب، وصنّفها فريق ثالث على أنها أدب منفى، في حين أبدى محسن الرملي انسجامه مع توصيف الدكتور أحمد خريس لها باعتبارها "رواية تحريضية"، فهناك منْ يهرب من جبهات القتال، ويؤلب الناس على السلطة مثل الفنان قاسم عجيل، وهناك منْ يريد الانتقام من "البعيد الغريب" ويجعله فتيتاً مبعثراً مثل "وردة" وإسماعيل، وهناك منْ هرب أصلاً إلى جهة مجهولة احتجاجاً على الأجواء القمعية السائدة في البلاد مثل محمود، والراوي العليم الذي غادر العراق إلى إسبانيا بحثاً عن ابن عمته محمود الذي يستحق الاحترام لأنه قاوم السلطة الفاشية في الأقل، ولم يمارس دور الضحية التي قد تتخلق لاحقاً بأخلاق الجلاد فتقمع أناساً آخرين.
وعلى الرغم من الجو المأساوي الذي هيمن على عائلة الحاج عجيل، والمصائر المفجعة التي مُني بها أولاده، وبقية أبناء هذه القرية النائية التي يمكن لها أن تكون صورة مصغّرة للوطن الكبير المُبتلى بشخص "بعيد غريب" عن عامة الناس، فإن هناك منْ يحث الناس على التمرد، ويحرضهم على كسر حاجز الخوف، وقول الحقيقة المكبوتة بالفم الملآن.
كما تحاول أبرز شخصيات الرواية التخلص من مختلف أشكال القهر الاجتماعي والسياسي والبطريركي الذي يجسد السلطة الفردية للشيخ والقائد والأب على رعيته ومرءوسيه وأبنائه. ومن المفيد هنا أن نشير إشارة عابرة إلى هذا الحس التسلطي لدى والد حسيبة الذي أوشك أن يذبح ابنته بالسكين كما يذبح أية دجاجة "أدارَ وجهها، ذات مرة، إلى القِبلة، ولوى ذراعيها خلفها، داسهما بجزمته، ومد السكين إلى رقبتها ليذبحها كما تُذبح الدجاجة لولا أن توسل به المفاوضون، ووقعوا على يده يقبلونها ليتخلى عن نية الذبح.“ (الفتيت المبعثر، ص 23).
كما أوشك الحاج عجيل أن يضرب ابنه قاسم بالعقال لولا توسلات زوجته، وقبلات ابنه المجنون عبود الذي حرّك في داخله مشاعر الأبوة الثاوية وأثناه عن الوقوع في سوْرة العصبية الانفعال اللذين لا تُحمد عقباهما.

ذهنية العقل القروي وإشكالية الولاء
تعد شخصية الحاج عجيل من الشخصيات الإشكالية في هذه الرواية كونها بسيطة، ولا تتوفر على بُعدٍ معرفي يؤهلها لملامسة الحقيقة، بل أنها كانت، بوصفها أنموذجاً لشريحة واسعة من المجتمع، سبباً من الأسباب التي ساهمت في دعم الدكتاتورية، ومساندتها من دون أن تدري لأنها انساقت وراء ذهنيتها الساذجة التي لم ترَ من السلطة القائمة سوى قشورها الخارجية الملونة التي استطاعت من خلالها إغراء الناس، وتلاعبت بمقدّراتهم الفكرية.
ولو مررنا مروراً سريعاً على شخصية الحاج عجيل لوجدنا أنه قروي يتفاخر بجده الذي قتل الضابط الإنكليزي، والذي لا يكف عنه نعته بـ "ابن الكلب"، كما أنه كان يردد كالببغاء "إني أعبد وطني… إني أعبد وطني"(الفتيت المبعثر،ص 25)، وكان لا يجد ضيراً في أن يقدّم أبناءه فداءً للوطن بحسب تصوّره من دون أن يُدرك بأنهم ليسوا أكثر من حطب لنيران الحروب العبثية التي افتعلها رأس النظام، والتي لم تتوقف على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد من الزمان. فالحاج عجيل كان يرى في استشهاد زوج ابنته فوزي في الحرب العراقية ـ الإيرانية نوعاً من الدَيْن الذي يطوّق أعناق العراقيين جميعاً، بل أنه لم يستغرب أبداً حينما جُلبت جثة ابنه عبد الواحد الذي قُتل في نفس المعركة التي قُتل فيها فوزي، فكلاهما من وجهة نظره "استشهد في الحرب دفاعاً عن الوطن."(الفتيت المبعثر،ص65).
والأغرب من ذلك فقد كان هذا الأب المغفل عائداً من اللجنة الطبية في بغداد حاملاً ابنه المجنون عبود في كيس بعد أن تعرّض للصعق بالعصا الكهربائية، والضرب المبرّح من قبل أزلام السلطة خشية أن يكون مُدّعياً، ولم يُصَب بأي مس من الجنون، في حين كان عبود يحصي لهم بطريقة ساخرة، ومليئة بالمفارقة الأعداد المحصورة بين الواحد والعشرة في إجابة عفوية عن سؤال طرحه أحد أعضاء اللجنة الطبية لتحديد سلامته العقلية.
تعرضت عائلة الحاج عجيل إلى فجائع متلاحقة، فلقد ابتلعت حرب الدكتاتور ابنه عبد الواحد، وصهره فوزي في معركة واحدة، في حين تعرّض عبود المجنون إلى الضرب والصعق الكهربائي، فيما هرب الفنان قاسم من جبهات القتال لأنه غير مؤمن بالحرب التي يشنها النظام الدكتاتوري على الجارة المسلمة إيران، كما هرب سعدي، المنحرف جنسياً، من الجبهة أيضاً، ووَضَعَ هو وأخوه قاسم العائلة تحت رحمة عمليات دهم غير متوقعة. أما القاضي أحمد فلقد اتهمته السلطة بالرشوة بعد أن رتبت له الجهات الأمنية عملية مدبرة عززتها بالوثائق المصورة، وانتهى به المطاف إلى السجن، في حين هرب محمود عبر كردستان إلى جهة مجهولة. لم تكن وردة، ابنة عجيل الجميلة، أوفر حظاً من اخوتها الستة، فلقد تزوجت أول الأمر من فوزي الذي قضى في الحرب العراقية ـ الإيرانية ولم تكن تعرف إن كان رجلاً يستحق الاحترام أم لا يستحقه على وفق الرؤية الثاقبة لأخيها الفنان قاسم الذي كان يريد أن ينتقم من "البعيد الغريب" الذي عاث فساداً في الأرض، وأن الإجازات الدورية التي كان يأتي بها فوزي كل شهر لم تكن كافية لسبر أغواره، ومعرفة آرائه بالدكتاتور الذي حكم البلاد بالحديد والنار. وحينما تزوجت من عقيل، وأنجبت له طفلة أسمتها وردة أيضاً، أصرت على أن يطلّقها لأنها اكتشفت أنه رجل لا يستحق الاحترام أيضاً، وأنه لا يفكر بالخلاص من الدكتاتور. أما زواجها الثالث من إسماعيل "الكذّاب" فقد كان يحمل بين طياته نوعاً من الأمل لأنه وعدها بأن يجعل من "البعيد الغريب" فتيتاً مبعثراً.
ففي الوقت الذي كانت تمارس فيه وردة أشد أنواع التحريض للإطاحة بالدكتاتور كان إسماعيل يستجيب لهذه التحريضات وإن كان أوارها قد بدأ من فراش الزوجية الدافئ، ثم انتقل ليطيح بالدكتاتور وشعرائه حتى ولو في الحلم، ويجعل منهم فتيتاً مبعثراً.
شعر الحاج عجيل أكثر من مرة بالتقهقر والانكسار أمام الملا صالح الذي زجره وانتقده بشده أمام الملأ واصفاً ما يقوله ويدّعيه بالوثنية الجديدة التي لا تليق برجل طاعن في السن قد يفاجئه الموت في أية لحظة. "إخرس.. أعوذ بالله منك ومن وطنك الذي تعبد."(الفتيت المبعثر، ص25) كما أحس بالخيبة حينما هرب قاسم من جبهات القتال، بحجة أن الحرب التي شُنت ضد إيران غير عادلة، وشعر الحاج بمرارة كبيرة حينما أيقن أن قاسماً يكره القائد، ولا يحب الوطن، بحسب تصوره، ولذلك فقد فرّ من جبهة الرجال، ولاذ بحضن زوجته حسيبة! كما امتنع عن رسم صورة كبيرة للقائد أراد والده أن يعلقها في غرفة الاستقبال، ويتباهى بها أمام ضيوفه في حين أن قاسماً رسم أخته وردة مئات المرات، كما رسم كل حيوانات القرية تقريباً.
ومما زاد الطين بلّة أن ابنه سعدي اللوطي المنحرف قد فرّ هو الآخر من الجبهة لأن الحرب من وجهة نظره "ليست حلوة" وأنها تمنعه من تحقيق ملذاته الإيروسية في الأدغال المحيطة بالقرية.

نقطة التحوّل
تقتصر تجربة السجن الفعلي على ثلاث شخصيات في هذا النص الروائي وهي الفنان قاسم، واللوطي سعدي، والقاضي أحمد أولاد الحاج عجيل الذي يُعَّد أنموذجاً للذهنية القروية المُضَلَلة التي لا تكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. فالحاج عجيل كان يقسّم أولاده إلى مدافعين عن الوطن، ومناوئين له.
فأحمد المتفوق دراسياً كان "نشنِن" وهو اللفظ المحرّف لكلمة "ناشينال" التي أطلقها على جده الذي قتل الإنجليزي، وعبد الواحد وطني أيضاً لأنه استشهد في سبيل الوطن، وفوزي لا يقل وطنية عن أحمد وعبد الواحد فقد ضحى هو الآخر بروحه الزكية ولم يُدِر ظهره لجبهات القتال، أما قاسم فهو غير وطني، لأنه لا يحب الوطن، ويكره القائد، ويهرب من المعارك المشتعلة، ويؤلب الناس على التمرد، ويحرضهم على الإطاحة بالقائد الوطني! كما أن سعدي المأبون، والذي جلب العار للعائلة، هو غير وطني أيضاً، وقد زُج به في السجن لمدة من الزمن، ولكنه خرج بعفو عام، وبدأ يتحدث عن ذكرياته الرومانسية السعيدة مع مدير السجن، كما سُجن لاحقاً القاضي أحمد بتهمة الرشوة.
وحقيقة الأمر، ليس قاسم وسعدي وأحمد هم السجناء الوحيدون في هذه العائلة، فأغلب أفراد الأسرة كانوا سجناء قناعاتهم، وربما يكون الحاج عجيل هو السجين الأكبر في العائلة برمتها، إذ اكتشف خطل موقفه حينما اقتادوا ابنه قاسم بعد عملية دهم، بحثاً عن الهاربين من الخدمة العسكرية، إلى ساحة القرية وأعدموه رمياً بالرصاص، وتركوا جثته لمدة ثلاثة أيام نهباً للذباب والكلاب في الساحة قبل أن يواروها الثرى. كان هذا المشهد الفاجع هو نقطة التحول الرئيسة في ذهنية الحاج عجيل الذي رفض أن يلّبي رغبة ابنه الكبير في أن يراه، وربما يقول له بعض الكلمات التي تعيد هذا الأب العنيد إلى رشده، أو تكشف له الحقيقة الناصعة التي ظلت مخبأة عليه على رغمٍ من تجاوزه سن السبعين من العمر. لقد أيقن الحاج عجيل في وقت متأخر جداً بأن ضابط الشرطة الذي جلب له نوط شجاعة عبد الواحد هو نفسه الذي سيستوفي منه ثمن الرصاصات التي مزقت جسد ابنه البكر قاسم. وأنه لم يكن أكثر من شخص واهمٍ، كرّس حياته الطويلة لحب قائدٍ لا يستحق ذرة من الحب والاحترام. ومنذ تلك اللحظة نزع الحاج عجيل عقاله، وغاب عن حضور جلسات المقهى التي كان يرتادها كل يوم ليتحدث عن مآثر أسلافه وبطولات أبنائه.
ومنذ انطلقت رصاصات الإعدام على وجه التحديد لتخترق جسد قاسم بدأت وخزة القنفذ تؤلمه، تلك الإبرة الملونة التي انغرست في حنجرته يوم كان طفلاً صغيراً يداعب القنفذ المكوّر، وأخذت تنزف دماً ما انفك يسيل حتى فارقت روحه جسده، ثم دفنوه إلى جوار ولديه.
أما عبود المجنون فقد ازداد عواؤه، ولم يهدأ له جنب إلا عندما حفروا له حفرة بين قبري أخويه ينام فيها آناء الليل بعد أن يغلقوا فوهة الحفرة بصفيحة معدنية خشية أن تفترسه الضواري ليلاً، وفي الصباح كانت تأتي وردة لترفع عنه الغطاء المعدني وتعود به إلى البيت المفجوع.
وربما يكون الناجي الوحيد من هذه الأسرة المفجوعة هو سعدي الذي أصبح واحداً من أزلام السلطة، فبين ليلة وضحاها تمكن هذا اللوطي من أن يترأس "رابطة أحباب القائد" ويقص أشرطة المعارض مُغطياً رأسه الذي يشكّل علامة فارقة فيه بالكوفية والعقال، أما وردة فهي الناجية الوحيدة التي ظلت ذاكرتها مفعمة بالأمل والرجاء، فقد تزوجت من إسماعيل، الرجل الذي يستحق الاحترام على رغمٍ من كذبه، والذي وعدها بأنه سينتقم من البعيد الغريب عبر خطته الجهنمية، ويجعله فتيتاً مبعثراً.
تنطوي شخصية إسماعيل على أسرار كثيرة، فهو مغنٍ، وعازف ربابة، ومتنبئ شأنه شأن أبيه الذي صدقت نبوءاته جميعاً باستثناء يوم القيامة، فقد توقع حدوث الفيضان، ونهاية الحرب، ومقتل قاسم، وهروب محمود إلى جهة مجهولة، ووصول سعدي أبو راس إلى موقع مهم في الدولة، كما توقع اندلاع حرب أخرى، والعثور على عبود المجنون، وعودة محمود، الشخص الذي وصفه الراوي العليم بأنه "آدمي بلا ظل، ولكنه رقم في تعداد السكان."(الفتيت المبعثر،ص40) ولم يجد هذا الراوي أو المؤلف نفسه أي تفسير حقيقي لتبرير حجة البحث عنه بعد غاب طوال مدة الزمن الروائي في الأقل، ولهذا فقد ترك مصيره إلى نبوءة العرّاف الذي حسم النص بنهاية مفتوحة، وبشّر بعودته المرتقبة إلى بلد لا يمجد الطغاة، ولا يؤلّه الكائنات الصغيرة التي تتلاشى ما إن تنطفئ فيها جذوة الحياة.

انزياح النص وفاعلية الإحالة
تؤدي الإحالات الثلاث دوراً مهماً في الكشف عن طبيعة العلاقة المتوترة بين المثقف والسلطة القمعية في العراق. فعنوان الرواية مُقتبس من قصيدة للشاعر والفلسطيني ماهر الأصفر حيث تتكرر عبارة "الفتيت المبعثر" مرتين ضمن جو تسوده الغربة والفراغ والشعور بالنأي عن الآخرين، تماماً مثل الشعور الذي ينتاب القروي حينما يصف شخصاً ما بأنه "بعيد وغريب" بالمعنى السلبي للكلمة.
أما إهداء الرواية إلى أخيه حسن مطلك فهو يحيلنا بكل تأكيد إلى شخصية قاسم التي تتطابق تماماً مع شخصية حسن مطلك التي لاقت المصير المفجع ذاته وإن استبدل الراوي حبل المشنقة بسيل الرصاص الذي انهمر على جسده في ساحة القرية.
وتبقى الإحالة الثالثة هي الأشد وقعاً حينما تقصد الكاتب أن يضعها في مُفتتَح النص، وفي مواجهة القارئ الذي لا يستغرب حينما يقرأ هذه المفارقة العجيبة التي ترد على لسان الشاعر البحريني قاسم حداد والذي سُجن ذات يوم لأسبابٍ سياسية وفكرية حينما قال: "يريدون إقناع الشعب، كم هو على خطأ، وأن نظرة القائد هي المُصيبة.. إنها مُصيبةٌ.. حقاً!" ولا شك في أن المفارقة تكمن في التورية واللعب على معنى مفردة "مُصيبة" حيث تعني الأولى "الصحيحة" بينما تعني الثانية "الكارثة" وهو المعنى الذي يذهب إليه الشاعر.

رؤية النص بعيون أوروبية
تعرضت رواية "الفتيت المبعثر" إلى انتقادات حادة تخص المعنى والمبنى، ولم تقتصر هذه الانتقادات على كتّاب عراقيين أو عرباً، وإنما تعدتها إلى كتّابٍ أجانب.
فقد أشار الناقد الأمريكي هارولد برازوَيل في مقالته الموسومة "قراءة أمريكية لرواية عراقية" إلى ضعف الفصل الأول "صِفر الروي" الذي افتتح به محسن الرملي روايته، بل أن الناقد سلام إبراهيم كان يرى في المفتتح والخاتمة فصلين زائدين، وأن حذفهما لا يؤثر في سياق النص، ولا يقلل من أهمية شكله الفني، حيث قال برازويل "تبدو البداية فقيرة، وغير مرسومة بشكل جيد وهو ما أشك بأنه سيدفع بعض القرّاء إلى تركها."(2)، غير أن برازويل وجد هذا الحُكم قاسياً بعض الشيء، فاستدرك مُخففاً من حدة رأيه، مُعترِفاً بأن حُكمه النقدي قد يكون "حُكماً متسرّعاً وغير مناسب بالتأكيد، لأن أغلب الكِتاب يتناول عائلة محمود خلال الحرب العراقية الإيرانية."(3) كما يشدد برازويل على أن الخلل الأكبر في هذه الرواية هو بحث الراوي عن ابن عمته "محمود" والذي وصفه بأنه بلا ذاكرة، وبلا انفعال، وبلا رأس، ولا يجد تفسيراً مٌقنعاً للبحث عنه.
ولا بد من الإشارة إلى أن برازويل قد لامس جوهر النص الروائي، وأمسك بكل مضمراته وتفاصيله الصغيرة، وأدرك أن مَوطن الخلل يكمن في عدم السيطرة على مسار الشخصيات، ونموها عبر تطور الأحداث، فثمة غموض غير مبرّر في الدور الذي يلعبه محمود على مدار الزمن الروائي، وليس هناك ما يستدعي وجوده، بل أن حضوره الحيادي لا يمثل شيئاً للراوي، مثلما أن حضوره لم يكن يمثل شيئاً بالنسبة لأفراد عائلته برمتها.

الدكتاتورية وتزييف الوعي
تمثل هذه الرواية بالنسبة لي كشفاً وتعرية لدور الدكتاتورية في تزييف الوعي الجمعي للناس، وربما تكون الشخصية القروية هي الضحية المرشّحة للسقوط في الفخاخ التي تنصبها الأنظمة الشمولية، ليس للمغفلين حسب، وإنما للمثقفين الذين نالوا قسطاً كبيراً من العلم والمعرفة.
كما استطاع الرملي أن يقدّم شخصيات حقيقية نابضة من لحم ودم على رغم التناقضات الكبيرة التي تنطوي عليها مثل الحاج عجيل الذي يُعّد أنموذجاً للشخصية الشوفينية، المغالية في وطنيتها الساذجة، وشخصية قاسم، الذي يعتبر مثالاً للرائي، والمثقف الحقيقي الذي دفع حياته ثمناً لقول الحقيقة، وتأكيدها على أرض الواقع، وإصراره على لعب دور المحرِّض في سياق النص، وهو الدور ذاته الذي لعبته أخته "وردة" وحفزّت الناس للإطاحة بالبعيد الغريب، رمز الحاكم الشمولي، وأيقونة النظام المُستَبِد في العراق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في جريدة (الصباح الجديد) بتواريخ 4-7 أكتوبر 2006 بغداد.
**عدنان حسين أحمد: كاتب وناقد عراقي يقيم في هولندا.

مقال / حمزة الحسن


الروائي محسن الرملي ـ الحرب والفتيت المبعثر

حمزة الحسن

يثير فوز الكاتب والروائي العراقي محسن الرملي بجائزة جامعة أركنسا لهذا العام على روايته(الفتيت المبعثر) أكثر من قضية أدبية في آن واحد.
أول هذه القضايا وأهمها هو التكريم القادم من الخارج للروائي العراقي أو العربي، وعادة ما يأتي من قارئ لم تكن هذه الروايات موجهة إليه أصلا عند لحظة الكتابة، بل إلى قارئ محلي ظهر بالتجربة انه لا يقرأ شيئا، وإذا قرأ فإنه يقرأ بناءً على خبرته القديمة في الرواية التقليدية والتي لا يعرف أن الزمن تجاوزها بكثير وان هناك تيارات جديدة في هذا الفن لم يعد باستطاعة حتى الروائي المحترف اللحاق بها أو بمدارسها النقدية.
وثاني هذه القضايا هي علاقة الكاتب ـ أي كاتب ـ بجائزة، أية جائزة. هل تضيف هذه الجوائز أو تحذف شيئا من الكاتب أو الروائي؟ والجواب يتوقف على نوعية الجائزة والأهداف، ونوعية الكاتب ونصه الروائي.
والقضية الثالثة تتعلق بقدرة النص الروائي العراقي على تجاوز حدوده الوطنية وخلق فضاءات أوسع للقراءة من جمهور تشغله وتتحكم به هموم وانشغالات أخرى مختلفة.
والقضية الرابعة التي أثارتها هذه الجائزة هي إلى أي حد يشكل هذا الفوز إدانة أو صفعة أو لطمة للجمهور المحلي أو نخبه الثقافية أو ما يفترض أنها نخب فعلا وحقا وليست شيئا آخر، حين تتعامل هذه النخب أو هذا الجمهور مع الأدب الروائي العراقي بطريقة تتسم بالصبينة أو الغوغأة أو في أحسن الأحوال بالصمت أو التجاهل كأن هذا النص الروائي لا جمهور له في هذه الزمن غير حفنة من البلداء والعاطلين عن الوعي والأميين، مع أن جمهور الروائي العراقي يمتد إلى العالم العربي وهو بحكم اللغة قادر على تجاوز حدود القراءات الهامشية والضيقة إلى جمهور واسع وكبير ومؤثر، وبالتالي فإن فكرة حصار روائي يكتب باللغة العربية هي فكرة لا تصدر إلا من حشاش أو أثول.
هناك جوائز تعرّف بكتّاب، وهناك جوائز تشرّف كتّابا، وجوائز تكشف كتابا، وجوائز تخلق كتابا آخرين. لكن في حالة الكاتب محسن الرملي فإن جامعة أركنسا الأمريكية هي التي فازت به، وهو الذي شرفها، وهو الذي عرف بها، ومحسن الرملي هو الذي كشف عن هذه الجائزة في الوسط العراقي في الأقل.
وإذا كانت هذه الجائزة قد ربحت محسن الرملي، فلا شك أن هذا الكاتب كان قد قدم تضحية ما بقبوله بها خاصة في هذا الوقت بالذات، كما أن الرملي من خلال دار نشر (ألواح) التي يشرف عليها مع الأديب المبدع عبد الهادي سعدون قد قدم خدمات إلى الأدب العراقي والعربي اكبر بما لا يقارن من كل ما قدمته هذه الجامعة وهو قليل جدا ولا يتجاوز ترجمة عدة روايات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
لكن ما هي رواية ( الفتيت المبعثر)؟
هنا محاولة لمعرفة طريقة تكون الخطاب الروائي باعتباره هو حامل كل المضامين الأخرى في النص وهذه محاولة لا شك غير مكتملة لأن هذه الرواية تحتاج إلى دراسة أعمق ومن جوانبها الكثيرة وفي حيز أوسع. الفتيت هو كسرات الشيء، كسرات الخبز، أو كسرات الأيام، أي الأجزاء الصغيرة من الشيء الواحد وقد تفتت. وإذا كان هذا الشيء فتيتا، فماذا يحصل لو تبعثر الفتيت؟!
هذا هو عقد القراءة الأول الذي يقول ضمنا أو تلميحا ومن خلال عنوان يشكل هو الآخر جزءا عضويا من بنية النص وليس ملصقا خارجيا، إننا بصدد قراءة رواية تتحدث عن فتيت تبعثر في كل مكان، وبلغة الرواية في نصها الداخلي تشرد هذا الفتيت.
إننا إذن أمام نص روائي عن التشرد وهذا التشرد ليس مرهونا بالخارج، أي خروج الفتيت إلى الخارج، بل نحن أمام تشرد داخل الوطن، والعائلة والقرية والحقل، والدليل هو هروب شخصيات كثيرة من الحرب في هذه الرواية داخل حدود وطنها وتشردها في الأدغال والمغاور والقبور.
ومقابل هذا الهروب الداخلي، هناك الهروب إلى الخارج حيث الراوي الذي يروي لنا هذه الحكاية عن الحرب والموت والصداقة المقتولة والحب الذي تحتل (وردة) جانبا كبيرا منه في قلوب سكان هذه القرية النائمة على ضفاف دجلة، حتى يمكن القول إن وردة هذه أكبر من امرأة وقد تفسر على أنها وطن حسب التأويل النقدي. يحاول الرملي من خلال مكون لغة شعرية روائية صافية نظيفة إحياء قرية عراقية في زمن حرب الخليج الأولى، وهذه القرية التي يتحدث عنها الراوي الهارب في إسبانيا هي كما في النص كانت الأبواب فيها قبل الحرب(مفتوحة والكلاب لا تنبح إلا على الغرباء. للأشياء هناك أسماء خاصة، الحيوانات والتلال والأواني والأحجار والغيوم..)
وهذه العذرية والبراءة والوداعة تكسرها الحرب وتحطم تلك العلاقات الحميمية التي تشكل هذا العالم النقي والنظيف. إنها ليست رواية عن الحرب، فلا مدافع، ولا قتلى، ولا هجوم أو هجوم مقابل، ولا خنادق حرب، بل أن هذه الرواية تتحدث عن انعكاسات الحرب على قرية وادعة آمنة والتدمير الخطير الذي حصل لها خلال وبعد الحرب.رغم القناع الذي حاول الرملي ان يلبسه وهو يروي هذه الأحداث، إلا أن صوت المؤلف محسن الرملي وحياته كانت موجودة في النص الروائي على نحو خفي أحيانا، جعل منه راويا للأحداث ومشاركا فيها، لكن هذا القناع لا يخفي في كل الأوقات خاصة في محطات عاطفية، وعلى سبيل المثل، إعدام الفنان قاسم في داخل القرية، وهو يذكر بإعدام شقيق محسن الرملي الروائي الشهيد حسن مطلك مؤلف رواية( دابادا) الذي أعدمه النظام خلال الحرب وكان أول روائي عراقي يطرز صدره الفاشيست بالرصاص في حين كانت صدور كثيرة تطرز بالنياشين والأوسمة.
وقناع الراوي هو أحد أساليب الحكي الروائي التي يلجأ إليها الكاتب حين لا يريد أن يكشف عن مدى التطابق بين حياته الخاصة وحياته داخل النص. لذلك لجأ روائيون عرب كثيرون إلى تقنية التخفي أو القناع وفي الوقت نفسه تحدثوا عن حياتهم الشخصية مثل جبرا إبراهيم جبرا وحيدر حيدر وهاني الراهب وغالب هلسا وسليم بركات في روايته(عبور البشروش) وحليم بركات في روايته(طائر الحوم) ونجيب محفوظ في كثير من رواياته.
وظاهرة القرين في النص الروائي إحدى تقنيات القص التي مارسها كتاب كثيرون في العالم خاصة بعد تقدم العلوم النفسية ومن بين الكتاب الذين تخفوا خلف (قرين) هم شارلز ديكنز وديستوفكسي وجوزيف كونراد وإدغار آلان بو، وغيرهم، ومن كتاب الرواية العراقيين الذين استخدموا تقنية القرين هو الكاتب سليم مطر في الرواية التي تحمل عنوان(التوأم المفقود)والتوأم هو القرين حصرا،ورواية سليم مطر في رأيي لا تتوفر حتى على شروط الكتابة الروائية وحماسة البعض لها هي حماسة ليست أدبية بل سياسية أو حزبية في أضيق نطاق.
تقنية القرين أو التوأم أو القناع هي وسيلة من وسائل الكتابة عن الذات من منطقة تختلف عن منطقة السيرة الذاتية التي يهرب منها ويتحاشاها كثير من كتاب الرواية نظرا لكونها تتحدث بلغة مكشوفة وعارية عن أكثر المواقع حساسية في المجتمع والجنس والسلطة وهي انبثاق للأنا المطمورة تحت قواعد وركام وقوانين وعقائد ومحرمات لا حصر لها، خاصة وان النقد التقليدي يركز على حياة المؤلف، في حين يركز النقد الحداثي على حياة النص من داخله بصرف النظر عن كاتبه حتى لو كان مجهولا.
إن نقد الشخص أو المؤلف لا يحتاج إلى موهبة أو كفاءة أو ثقافة أو حس نقدي أو معرفي، بل يحتاج إلى عقل فارغ، أما نقد النص فيحتاج إلى وعي نقدي ومعرفي وحس أخلاقي لذلك يتهرب كثيرون من نقد النص باللجوء إلى تقنية نقد الشخص وهو تعبير عن عجز معرفي ونقص أخلاقي لا يخفى.
السيرة الذاتية ليست إعادة صياغة حرفية للأحداث كما يتوقع بعض القراء العرب خاصة بل هي إعادة صياغة للذات من خلال ذاكرة مستعادة، أي بناء ذاكرة نصية في موازاة أحداث مضت وانتهت. وهذه السيرة تبنى بالتخيل. وكل تخيل هو لعب وخلق وإعادة بناء، وجان بول سارتر في سيرت الذاتية(الكلمات) قال قولا شهيرا عن هذه السيرة (لقد حان الوقت لكي أقول الحقيقة، أخيرا، لكن لا يمكن أن أقولها إلا في عمل تخييلي).
يختار الروائي محسن الرملي أن يروي لنا الأحداث مرة عن طريق الاعترافات الشخصية سواء عن رحلة هروبه أو عن ذكرياته في القرية، وأحيانا عن طريق فسح المجال للشخصيات الأخرى لكي تروي حياتها هي . لكن أسئلة المثقف حول العالم والمصير والخوف والموت والحب تبقى هي أسئلة الكاتب مما يجعل الشخصيات الأخرى صدى لمؤلفها، وهذا يقلص من حرية الشخصية داخل النص التي يفترض إنها تتجاوز حرية المؤلف الذي تحكمه ظروف وأوضاع وحالات.يهيمن السياسي على كل ماعداه(وهذا أمر مفهوم) سوى حكايات عن الحب والأمل والجنس تأتي بصورة عرضية دون أن تضيء المشهد كثيرا، وهذا العرض السياسي للأحداث يقلص هو الآخر من مدى عمق الرؤيا في النص الروائي. لقد قال الروائي ميلان كونديرا عن رواية (1984) لجورج أورويل ـ واسمه الحقيقي أريك بلير ـ رأيا يتسم بالحدة. قال في كتابه خيانة الوصايا (يكمن التأثير السيئ لرواية 1984في تقليصها المهول للواقع وجعله مقتصرا على البعد السياسي فقط، ثم في تقليص البعد السياسي إلى ما هو سلبي. أنا ارفض أن أسامح تقليصا من هذا النوع بحجة انه كان دعاية مفيدة ضد شرور الأنظمة الاستبدادية. إذ أن اكبر الشرور هو تقليص الواقع في الرواية إلى سياسة. إنها تقلص ـ وتدفع الآخرين لتقليص ـ حياة المجتمع إلى قائمة بسيطة من الجرائم).
إن جميع شخصيات الفتيت المبعثر انتهوا نهايات مأساوية محزنة حتى من فر إلى الخارج أو اختفى في الداخل.(إعدام قاسم /غاب أحمد/ غاب عبد الواحد في المقبرة ثم قتل في الحرب/ سفر واختفاء محمود/ مقتل فوزي في الحرب...الخ..).
تنتهي الرواية نهاية عبثية أقرب ما تكون إلى نهايات مسرحية صموئيل بيكت حين يعود الراوي أو المؤلف إلى واقعه الجديد في إسبانيا وهو يخرج من المترو ليشاهد عند زاوية الدرج فتاة يرنحها الإدمان وهي تنزل بنطالها وتبول، وعلى زجاج بوابة يقف شاب بأقراط فضية يوزع عنوان مرقص للتعرية.
إن أحد أساليب الحكي في هذه الرواية هو أسلوب التداعي، أي التذكر، وهو أمر طبيعي لشخص يعيش في منفى لا تبقى بينه وبين الأمكنة الأولى غير الذاكرة، ومن خلالها يحاول استعادة بعض جوانب تلك التجربة التي تختزن في الغالب على ما يخرب الذاكرة ويمنعها من التواصل مع المكان الجديد، وفي هذا التداعي يلجأ الرملي إلى أسلوب التداعي الطويل الأمد.
إن أسلوب التداعي يصنف استنادا إلى طوله، وحسب الروائية الأمريكية نانسي كريس، فإن أصناف التداعي ثلاثة وهي:
أولا: الطويل الأمد.
ثانيا: التداعي المتوسط الطول.
ثالثا: التداعي القصير.
الأول، أي الطويل، حسب الكاتبة، هو الذي يستمر على مدى القصة والرواية ويسمى أيضا بإطار القصة. الثاني، المتوسط، هو اكثر الأشكال شيوعا، يستمر على مدى مشهد واحد أو مشهدين أو عدة فصول. أما الثالث، القصير، فيستفاد منه لإعطاء عمق على الشخصية وتوضيح الوضع.
في رواية الفتيت المبعثر كان التداعي المستعمل هو الطويل الأمد الذي لم ينته إلا في الصفحة الأخيرة تلك النهاية العبثية. وهذه التقنية مناسبة تماما لرواية تدور عن المكان المبعد والمقصي والمستعاد من خلال الذاكرة والكلمات. إن اللعبة الأساسية هنا هي التخيل. والتخيل ليس استعادة حرفية للأحداث والشخوص والوقائع والأماكن، بل هي محاولة لإعادة بناء ذات وقرية خربتهما الحرب والسياسة من خلال ذاكرة رجل منفي، وكل ما وقع للقرية من دمار وقع في نفس الوقت لذات الراوي الهارب. أي أن الخراب يمشي بالتوازي.
لكن هذا الراوي الهارب لم يهرب من الأمكنة القديمة لأنها تعيش في داخله في كل مكان وتحذف من كثافة حضور المكان الجديد الذي يظهر كصورة أو ديكور لحياة رجل كتب عليه أن لا ينجو أبدا من فتيت الذاكرة المبعثر.
يقول اندريه جيد عن خطورة الإقامة في المكان الواحد (ليس هناك شيء اكثر خطورة عليك من عائلتك، من غرفتك،من ماضيك...عليك أن تتركها). لكن اندريه جيد لم يكن هاربا من هذه الأمكنة، ولم ينتزع منها بالقوة، بل تركها بنفسه ولم يأخذ هذا الفراق شكل الحرج أو الإهانة.
هل تستطيع هذه الرواية الجميلة والممتعة أن تعيد بناء وجمع القرية وفتيتها الذي توزع بين المقابر والمنافي والسجون؟.
هل يستطيع الرملي أن يكتب لنا رواية أخرى عن عودة هذه الفتيت إلى مدن وشوارع وقرى محرومة من النوم والخبز والحرية والضحك وزمن الأراجيح؟.
وأخيرا، مبروك لجامعة أركنسا الأمريكية، بفوزها بالروائي محسن الرملي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حمزة الحسن: روائي عراقي يقيم في النرويج. http://www.hamza.ws
*نشرت في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 2003 / 1 / 24

قراءة / د.صلاح نيازي



إعادة تشكيل قرية عراقية.. في مدريد

زمن الحروب والمنافي في «الفتيت المبعثر» المترجمة للإنجليزية

صلاح نيازي

تبدأ رواية «الفتيت المبعثر» بفكرة غامضة مثيرة :«غادرتُ بلدي، متبعاً خطوات محمود، باحثاً عنه، حالماً بأنْ نفعل شيئاً ما، ونصبح رجالاً، يستحقون الاحترام كي تبحث عنا ـ فيما بعد ـ نساء مثل ابنة عمّي وردة التي تنقّلت بين الأزواج حتى انتهت باسماعيل الكذّاب»
مغادرة راوية القصّة، مغامرة بحدّ ذاتها، فمحمود رحل ولكنْ ما من أحدٍ يعرف عنه شيئاً.
السفر مهمّ كذلك، لأنه عن طريقه فقط سيكون «من الرجال الذين يستحقّون الاحترام»، الذي لا يرتبط إلاّ بالنساء، وكأنّ تلك القرية خامدة هامدة، لا ينجح فيها إلاّ مَنْ غادرها. للنساء في هذه القرية، أهمية استثنائية، لأنّهنّ الوحيدات اللواتي يمنحن الاحترام.
لكنْ مَنْ هو محمود؟
«لم يكنْ يعني شيئاً لأحد»، حتى حينما غادر متسلّلاً، لم يفتقده إلاّ أمّه التي يمرّ محمود على بالها بتقطّع.
يتسلّل الراوية ليلاً عبر جبال الشمال متبعاً الطريق الذي اتبعه محمود، مع فارق مهمّ، فالشاحنة التي كانت تقلّ الراوية معطّلة الأضواء، وسائقها سكران.
يقول الراوية في مقطع تالٍ أثناء الرحلة :
«نظرث إلى التماعات ماء عيون الجبال والشلاّلات المتدفقة وسط الصخور والشجيرات المتعلقة بسفوح الجبال كأطفال استمسكوا بظهور أمّهاتهم. وعلى القمم يشعّ الثلج الأبيض مثل قبّعات فضية... فقلتُ لنفسي: إنها جنّة أخرى في العالم».
هذا هو المشهد الأخير الذي رآه راوية القصّة قبل أنْ تتوالى عليه الأعوام، من بلد إلى بلد في المحطات. لا غرابة في ذلك لأنّ المحطات «وجدت للنوم والانتظار والنهايات».
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المقطع أعلاه، يترك في ذهن القارئ، كما ترك في ذهن الراوية، طفولة متشبثة بأمومة (كأطفال استمسكوا بظهور أمهاتهم) وصورة (جنة أخرى في العالم). ما الذي سيكون من أمر هاتيْن الفكرتيْن؟
يجد راوية القصة نفسه في خضمّ لغة أجنبية تحاصره. الهواتف مقطوعة ببلده. الرسائل غير مضمونة الوصول. ما من أخبار. ولكونه وحيداً تستفحل في رأسه تداعيات من الهواجس :«هل شُفِيتْ أختي ربيّة؟ ماذا حدث لابن عمّي المحاصر في الجنوب؟ كيف يعيش جارنا الذي قُطِعتْ ساقه في الحرب؟».
هكذا حمل الراوية من قريته همَّيْن : همَّ المرض وهمَّ الحرب.
يبدو أن اجترار الذات يوماً بعد يوم يوحي بعدم أهمية صاحبها. عندئذ يتقلص وينكمش ويتدنى من منزلة إلى منزلة. يُذِلّ نفسه أوّلاً حتى لا يجد ضيراً في إذلال الآخرين له.
على هذا يتدنى الحوار إلى امراة ووسيطها والمغني يوسف عمر وأغنيته البذيئة «داود اللمبجي». وهذه أمور لا علاقة لها بإسبانيا، ولا يمكن أن تشكّل جسراً من أيّ نوع، بين الوافدين والسكّان الأصليين.
راوية القصة، ربما بسبب عدم معرفة اللغة، ينكمش عمّا يحيط به. يصبح جزيرة خاصة، منفصلة ومتصلة في الوقت نفسه.
بهذه الحيلة الفنّية يُحيي راوية القصة قريته، قطعةً قطعة. فإذا بها قرية، وليست كالقرى، ففيها «نبتت أوّل شجرة سدر وكانت تضيء ليلاً». تقع القرية على نهر دجلة، وفي الضفة المقابلة، قلعة آشور. «في وسط النهر جزيرة صغيرة مكتظّة ببنات آوى والذئاب وأعشاش طيور الدراج وسط أشجار الطرفة حيث يتسللّ الصبية ليلاً لصيدها نائمة على بيضاتها، فيصيدون العشاق النائمين على الرمل ويخبرون القرية».
أعطى الراوية في هذا المقطع بعداً دينياً ـ السدرة، وبعداً تأريخيّاً ـ قلعة آشور. بهذه الوسيلة أصبحنا أمام قرية ذات جذور تميزها عن غيرها. أما لصوص الليل الأبرياء، لصوص بيض الدرّاج، فتقودهم مغامراتهم إلى ما هو أشدّ خطورة في الفضائح من حيثُ لا يعلمون.
قد لا تكون الجزيرة هنا رمزاً قصده المؤلف، ولكنها عالم منفصل متصل كما قلنا، قد يمثّل عالم الغرائز الطبيعية، في الليل في الأقل.
في الليل لا بدّ من شهرزاد. نساء القرية على عكس شهرزاد، يتبادلْن َ الأخبار صباحاً، على تنانير الخبز: «قالت عمشة وهي تنشر فراش نومها المبلّل على سطح الدار : لقد بال عليّ زوجي الليلة أيضاً. ثُمَّ تُضيف على لسانه، بأنّ الأطباء لم ينفعوه، ولا الدراويش». «ابن عدلة العرجاء وجد ابنة العريف عبد الرحمن مع ابن سعيد العطار ليلاً في الجزيرة، والشيخ صالح يأمر بتزويجها وستر عرضها، وابراهيم المغني يؤلّف عنها أغنية يرددها في الأعراس فيكرَّم بعنز بجدييْها». على هذه المثابة، وثمّة تفاصيل أخرى مثيرة للغاية، يُعيد محسن الرملي تشكيل القرية، بينما إسماعيل «يتنبأ بأنّ القرية ستستقبل غداً جثثاً أخرى من أبنائها الذين قُتِلوا في الهجوم الأخير على الجبهات، مع ذلك فالقرية لا تشلّها فجائع الحرب، ففرحان «يفكّر في الزواج من عائشة» وهي الزوجة الرابعة «ليجدّد بها فراشه»، وقد صبغ شيب رأسه ولحيته حال سماعه بمقتل زوجها في الحرب».
يبدو أنّ أهالي هذه القرية، تواطنوا بمرور الزمن، على خلافاتهم الصغيرة، وتآلفوا مع الطبيعة وحيواناتها، إلاّ أنّ شيئاً واحداً طرأ عليها نتيجة الحرب. ذلك ان فئة منهم يموتون «بعيداً عن القرية».
جرتْ على هذه القرية، وهي كأية قرية أخرى منكفئة على نفسها بحكم الظروف، تطورات خاصّة لا يفهمها الغرباء، حيث تتخذ الموجودات الحيّة والجامدة أسماء ودلالات مختلفة. «للناس أسماء كثيرة، منها ما يُطلَق بعد حادثة ما فيشتهرون بها، أو يقال مزحة ويستمر، ومنها ما يظهر فجأة ويختفي عند حلول غيره...».
يبيّت الراوية للقارئ حيلة غريبة لشدّه. إنّها لا أكثر من قنفذ لا حيلة له في الظاهر، إلاّ أن يتكور على نفسه لدى كل طارئ خارجي. كرة شوكية ملمومة على نفسها. أشواكه غير مضمونة إذا انتفض. استقرّت بعض تلك الأشواك في رقبة عجيل. يقول الراوية :«عجيل زوج عمّتي»، الدم ينزف من تفاحة آدم. وبعد حين انقطع النزيف، إلاّ أنّ ذكرى تلك الحادثة لم تنقطعْ حتى حين بلغ عجيل سبعين عاماً.
أمّا قاسم وهو ابن عجيل، فقد «قضم الجرذيّ أذنه، وهو نائم، بعد أن حكّها فور نهوضه من صحن الثريد المنقوع بالسمن الحيواني».
من خلال قاسم نتعرّف على زوجته حسيبة، ابنة عمّه السليطة اللسان، القادرة بشتائمها على تهجير مدينة «لكنْ ما حبّب حسيبة إلى قاسم»، كما يقول: «إنها رائعة... إنها امرأة دائمة الاشتعال، دائمة التحفّز، دائمة الاقتتال، دائمة التوهّج، دائمة الخضرة، وأنا فنّان أحبّ المغامرة، ولا أجد لذّة في الحياة إلاّ في تلك الأجواء الخطرة بجمالها. مثل تسلّق الجبال أو مصارع الثيران، أو مثل لاعب السيرك، فمتعة المشي على الحبل هي المتعة الوحيدة... ومثل مروّض الأسود والنمور، إنّه معرّض للافتراس في أية لحظة... وحسيبة نمرة لا تهدأ. تجعلني أعيش السنوات كتلك اللحظة، باحتراق دائم ...على حافة البقاء والزوال».
هكذا قدّم لنا الرملي بانسيابية محببة شخصية قاسم، فناناً في تلك القرية المنكفئة على نفسها، ومن خلال الأسباب التي قدّمها للزواج من حسيبة، ندرك أننا أمام فنان بعيد عن العفوية. فنان يعرف ما الذي يجعل الفنّ أصيلاً وأعمق تأثيراً.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ظهور فنان كقاسم في القرية، يعني أن القرية ترتبط الآن من خلال الفنّ، بالعالم الخارجي، وبالتراث والمستقبل. يعني كذلك من وجهة نظر سياسية، أن مصير هذه القرية مرهون بالوضع العام.
بدخول السياسة، اتخذت حتى الاختلافات الطفيفة أبعاداً مخيفة، فالحاج عجيل بدافع وطني خالص، صاح في خطبة له :«إني أعبد وطني. إني وطني»، فإذا بمؤذن الجامع وإمامه يقول بغضب: «إخرسْ، أعوذ بالله منك ومن وطنك الذي تعبد».
قالت له ألسنٌ أخرى :«هل خرفتَ يا رجل! تكفر وأنت في غروب عمرك، قَدَمٌ في القبر وقَدَمٌ في الدنيا..!».
جرّ الفنّ على قاسم، الموت. لقد أُعدم في وسط ساحة القرية لهروبه من الجيش. قال قاسم معللاً سبب هروبه إنّه يرفض الحروب جملةً وتفصيلاً. إنه لا يريد أنْ يَقتل، أو يُقْتَل، وما يحدث مهزلة لا يستسيغها.
يعود راوية القصة إلى محمود ثانية، إلى محمود بحيلة فنّية بارعة.
كان الراوية يعدّد الأبناء، ويصفهم بما عُرِفوا به بين الأصدقاء والأقرباء، وأبناء القرية. ثمّ يصل إلى محمود :«لعلّ أبلغ ما يُقال فيه، ما قاله والده : إنّه لا شيء. هذا الولد لا شيء إطلاقاً. إنّه آدميّ بلا ظلّ، ولكنه رقم في تعداد السكّان». ويقول عنه راوية القصّة:«كأنه بلا انفعال، كأنّه بلا رأس، عاديّ جدّاً، بل أكثر عاديّة من شخص عاديّ...إلخ».
يذكر راوية القصة أنه لا يتذكر محمود، ولا يدري لماذا يبحث عنه في بلاد الأجانب، ألأنه يريد أن يُفرح عمّته إنْ هو جاء به. قال الراوية:«جلّ ما أريده هو نقل عبارة وردة إليه حين ودّعتها في الليلة السابقة لخروجي: قلْ له أنْ يُصبح رجلاً يستحقّ الاحترام».
من غرائب الفنّ أنه إذا ما أُسيئت غايته لا يعود إلاّ بالوبال. كذا كان الأمر بين قاسم وبين أبيه الذي أراد منه أن يرسم صورة كبيرة للقائد، متعللاً أن ابنه استطاع أن يرسم كل شيء حتى الحمار. إلاّ أنّ الابن لا يتمكن، لأنه يكرهه. يستشيط الأب غضباً، لأنّه يؤمن «أن القائد هو الوطن، والوطن هو القائد»، ويعتقد كذلك، أن «المكان أغلى من الإنسان».
هذه المعركة الصغيرة بين الأب وابنه صغيرة فعلاً وعائلية. كيف توسّعتْ فاجتازت جدران البيت، وحدود القرية التي اتسعت «مقبرتها بفضل جثث أبنائها الملفوفة بأعلام الوطن، وأعلام أخرى ترفرف فوق شواهد القبور، بحيث استحالت مقبرتنا القديمة، إلى غابة من الرايات تنوح تحتها الأمّهات كلّ خميس».
بمرور الأيام، وباشتداد المعارك بات الوطن وطنيْن: وطناً ترسمه الحكومة في وسائلها الإعلامية وهو منتصر مؤزر، ووطناً يرسمه الفنان قاسم.
يشهد أبناء القرية مراسيم إعدام الفنّان قاسم.
هل نسينا عند هذا الحدّ أشواك القنفذ التي استقرّتْ واحدة منها في تفاحة آدم؟ انقطع النزيف، انقطع ألمها منذ سنين، إلاّ أنهما عادا من جديد مع سماع عجيل للرصاص الذي انهمر على جسم قاسم :«خيط الدم النازل من تفاحة آدم في عنق عجيل.. ذلك الخيط الذي عاود الظهور بعد أكثر من سبعين عاماً، بعد سماع الإطلاقة الأولى على جسد قاسم. صار عجيل يشعر بإبرة القنفذ تؤلمه على غير ما نسي...».
الغريب كلّ الغرابة، أنه بينما كانت الحياة تموت في القرية، أصبحت المقبرة الآن، ممتلئة بالحياة، اصبحت بمثابة مسرح جديد للأحداث. علاقات اجتماعية جديدة تعقد فيها. تنفيس عن الملل والحزن، وحتى مشاريع غرامية حارة. القرية تتقلص وتعتم، بينما المقبرة تموج وتموج وكأنها متنزّه. أصبحت المقبرة متنزهاً من نوع ما.
الموتى تحت التراب، قوى لا مرئية، ولكنّها تكاد تتحكّم بالمصائر. المقبرة هي المشهد الحيّ الوحيد في القرية تقريباً. ما بين القبور وحواليْها تولد حياة جديدة لم تخطر ببال أحد، من قبل، مثل خروج غصن يانع من لحاء قديم.
لنأخذ المشهد التالي.
إسماعيل، عازف ربابة، ولا شيء آخر. ما الذي حمله للذهاب إلى المقبرة؟ عُرِف بأكاذيبه. ولم يصدقْ إلاّ حينما تنبأ بانتهاء الحرب. يقول راوية القصة، إن عمّته كانت في المقبرة، حينما كانت تنوح بأفجع أنواع الشعر. وردة معها. «ودّ إسماعيل لو كان قد حمل ربابته معه، ليرتل لها أحزانها، وليبثَ معها أحزانه». حزمتان من الفجيعة تداخلتا في أغرب نواح.
إسماعيل يكشف عن خطة جهنمية. إسماعيل وهو داخل المقبرة، يزرع الامل في كلّ جسد وردة. إسماعيل سيثأر من القتلة. إسماعيل «رجل يستحقّ الاحترام»، في نظر وردة. وردة تطلب من إسماعيل الزواج.
كذا في هذه القرية تولد الحياة في مقبرة. القرية ذاتها تموت قليلاً قليلاً في الغربة أيضاً. حاول راوية القصة أن يحييها من جديد بمدريد، لكنه وجدها ميتة نسلاً نسلاً وبيتاً بيتاً. الأفجع حتى الطبيعة لم تعد طبيعة. يقول الراوية :«ساد الكون ظلام وثمة قمر ينير... كان عاديّاً أجرد مثل قطعة معدِنية كالحة ولا شيء فيه. المقبرة مظلمة والحقول، أما ظلام القرية فتثقبه المصابيح المتناثرة..».
مع تعتيم القرية بمدريد تتعتّم عينا عمّة الراوية بالماء الأزرق.
ـ «يا عمّتي انتبهي... سوف يعميك البكاء»
انطفأت الأضوية.
ما الذي يفعله الراوية بجثة هذه القرية في الغربة؟ أين محمود الذي كان يبحث عنه؟ لا جديد عن الوطن في الصحف. لا جديد في المنفى. راوية القصة نفسه بين حصاريْن. الأيام تتشابه وتتشابه.
يقول الراوية :«هنا في الأصقاع القريبة من غرناطة نتقاسم مع الفلسطينيين النحيب، نبكي كالنساء على أوطان لم نعرف المحافظة عليها كالرجال، وكم بصقنا على شواربنا في مرايا الغرب، «تفّو»، ثمّ انتهينا إلى حلاقتها جميعاً..».
تماماً كما انتهت القرية بأصوات متنافرة، قبل رحيله، يجد الراوية نفسه «محاطاً بالاسبان: الثرثرة والكلاب والدخان وأوراق الدعاية. تماثيل جميلة لا تعرف ماذا حدث هناك لعمتي».
راح راوية القصة يتسكع إلى ما لا نهاية، وكأنّ التسكع هو العلامة الوحيدة على أنه ما يزال حيّا بصورةٍ ما.
------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الشرق الأوسط) بتاريخ 6 ديسمبر 2006 العدد 10235 لندن

*وفي صحيفة (المدى) بتاريخ 14 كانون الأول 2006 العدد 833 بغداد

قراءة / أحمد العزب



الفتيت المبعثر .. الالتفاف على القانون

أحمد العزب

ـ القاهرة
ـ

صدرت عن مركز الحضارة العربية/مصر .. رواية (الفتيت المبعثر) تأليف محسن الرملي تقع في 93 صفحة من القطع المتوسط، وتتناول هذه الرواية عائلة عراقية في ظل ظروف الحرب والسلطة الدكتاتورية. تتكون من سبعة أبناء؛ ستة ذكور وأنثى واحدة إضافة إلى الأبوين، ولكل من هذه الشخصيات خصوصيتها ورؤيتها وسلوكها المختلف. حيث تحاول الرواية أن ترسم صورة لحال الشعب العراقي عبر عينة منه (عائلة) تمثله بشرائحه المختلفة والمتباينة في المواقف إزاء ما يحدث لها، لهذا نجد شخصية الأب التي ترمز إلى الجيل الكلاسيكي من الوطنيين الذين ظلوا يتحدثون عن مآثر آبائهم في مقارعة الاستعمار، ويرى في السلطة الحالية أنها تمثل الوطن مادامت هي من أبناء الوطن بغض النظر عن أخطائها وقمعها له، فنجد أن هذه الشخصية تموت نزفاً في النهاية بعد أن فقد الأب كل أبنائه؛ مَن كان مع السلطة أو ضدها، لهذا يهتز عنده مفهوم الوطنية الذي كان راسخاً ويرمز بموته هذا إلى موت المفهوم الأعمى والساذج لمعنى الوطنية. أما الأبناء ففيهم الفنان (قاسم) الذي يرفض رسم صورة للقائد ويهرب من الجيش لعدم قناعته بالحرب فيتم إعدامه وسط القرية، فيما يُقتل في جبهات القتال شقيقه (عبدالواحد) لأنه ذهب إلى الحرب مستجيباً لسلوك القطيع، بينما شخصية (سعدي)، الشاذ جنسياً يصبح مقرباً من السلطة، أما الذي يخرج من البلد هارباً إلى الخارج فهو (محمود) الذي يرمز إلى المعارضة التي لا هوية لها ولا قيمة حقيقية أو مؤثرة، وعليه تبدأ الرواية على لسان الراوي ابن خالة محمود وهو يحلم باللحاق به من أجل فعل شيء جاد ومنقذ لكنه في النهاية لا يجده بل أنه يشعر بنفسه في أنه لا يبحث عنه حقيقة. الابن الآخر (أحمد) وهو الناجح في الدراسة إلى أن يصبح قاضياً فينتهي إلى السجن لأنه لا يستجيب لرغبات أقرباء السلطة في مسائل الالتفاف على القانون. الابن الآخر(عبود) وهو الذي يولد جميلاً ثم يصاب بالجنون وتتغير ملامح جماله إلى تشويه خلقي فيعوي كالذئب، وعندما تستجيب عائلته إلى نصائح الدراويش في علاجه بوضعه ليلاً في قبر مفتوح يختفي ولا أحد يعرف مصيره… تبقى الأخت الوحيدة(وردة) الجميلة التي ينبهها أخوها قاسم إلى فداحة ما يحدث حولها ثم تتأكد من قوله عند إعدامه ومن موت زوجها في الحرب فهي تمثل المرأة العراقية التي كانت بعيدة في وعيها عن الاهتمام بما يحدث للوطن، ولكنها أدركت متأخراً فداحة هذا الذي يحدث فتروح حالمة بالتغيير إلى أن تتزوج بشخص عازف وموهوم وحالم أيضاً يعدها بالخلاص ويحدثها عن خططه كل ليلة وهي تحلم معه بالخلاص وينجبون الأبناء الذين يحملون أسماء الموتى.بينما تبقى الأم تنوح بين قبور أبنائها وزوجها تنقل لهم أخبار أطفالهم تبكي وتضحك مع قبورها وعيونها تنطفئ شيئاً فشيئاً بسبب كثرة البكاء.
يتم بناء الرواية داخل تأطير تقني مقصود، حيث تبدأ بفصل يحمل عنوان(صِفر الروي) وتنتهي بفصل يحمل عنوان (صِفر اليدين) بينما تدور أحداث الرواية الأساسية على مدار عشرة فصول تحمل أرقاماً، مما يبدو أن صوت الراوي وهو قريب العائلة يشير إلى حاله كشخصية تؤطر ما حدث عبر الروي ولكنها جزء منه في الوقت نفسه، وتبث حيرتها أمام ما يجب فعله إزاء هذا الفتيت المبعثر الذي صارت عليه العائلة/الوطن. الأمر الذي يجعل من هذا العمل ناجحاً في وصفه للتفتُّت المادي والمعنوي النفسي للإنسان العراقي سواء أكان في داخل العراق أم خارجه.
وتتسم الرواية بلغتها المشحونة والمحتبسة بالصراخ والوجع، ولهذا فإن التكثيف الشديد فيها يساعد على فتح آفاق التأويل، إلى جانب ذلك يحاول الكاتب محسن الرملي شد القارئ بحميمية إليه عبر ضخه المتدفق للإحداثيات والأحداث التي تدور حولها الرواية، ولهذا نجده يتنقل في استخدامه وتعامله مع الزمن حيث يتحدث عن الماضي بصيغة الحاضر أو المستقبل أحياناً، فهو يشير وسط السرد إلى أحداث ستقع لاحقاً، علماً بأن الأحداث قد وقعت كلها في الماضي. إضافة إلى تجسيده لامتداد الماضي عبر وصفه لحاضر الراوي الذي يعاني التمزق بين الحنين إلى الوطن وعجزه عن إيجاد سبيل حقيقي يقوده إلى ما يحلم به لوطنه.الأمر الذي نستطيع القول معه بأن (الفَتيت المُبعثَر) قد حاولت نحت هويتها التجريبية ولم تتخل عن حرصها على العناصر الفنية رغم رسالتها الصارخة حول ما يحدث في العراق وسعيها إلى تسجيل هذه الأوجاع ووصف الكارثة والحث على التفكير في سبيل إلى الخلاص ولو كان بالمقاومة عبر خندق الحلم...
إن رواية محسن الرملي هذه الرواية شهادة حقيقية تسجل ما حدث ومازال يحدث للشعب العراقي وقد كتبها روائي له تجربته الفعلية في الحرب والحصار وقمع السلطة التي شنقت شقيقه الروائي حسن مطلك سنة 1990، إضافة إلى تجربته في الكتابة حيث كان لمجموعته القصصية الأخيرة (أوراق بعيدة عن دجلة) التي حظيت باهتمام كبير لما فيها من تميز في اللغة والرؤية والطرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع (محيط) بتاريخ 13/3/2001 القاهرة.

الاثنين، 23 فبراير 2009

قراءة / د.وليد صالح الخليفة


"الفتيت المبعثر"

أكثر من جنس أدبي لأكثر من صوت

د.وليد صالح الخليفة

- مدريد -


صحيفة (الزمان) بتاريخ 8/12/2000 العدد 797 لندن

قراءة / علاء حمد

القاص العراقي محسن الرملي
في رواية " الفتيت المبعثر "
أسئلة متراكمة تمتد بين اللوعة والعذاب والمنافي
علاء حمد
- كوبنهاغن -

صحيفة (بغداد) بتاريخ 19/1/2001 العدد 440 لندن - عمان