السبت، 7 فبراير 2009

حوار 98/ أجراه: جواد الربيعي


القاص محسن الرملي:

ثمة وقت للحياة ووقت آخر للشهادة على الحياة

حاوره في عَمّان: جواد الربيعي


بعد بضعة أيام من وصوله إلى عمان قادماً من مغتَربه في إسبانيا، ارتأت جماعة "الحافلة 97" التي أعيد تشكيلها في الأردن أن تقيم للقاص محسن الرملي أمسية احتفائية بمناسبة زيارته التي تزامنت مع صدور مجموعته القصصية الثانية عن "دار ألــواح" بالتعاون مع "دار أزمنة للنشر والتوزيع".. وكانت تحت عنوان:"أوراق بعيدة عن دجلة".
أقيمت الأمسية في رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وحضرها حشد من المثقفين العراقيين والأردنيين، وأدارها الشاعر سليمان جوني. وتحدث فيها القاص ورئيس تحرير مجلة "ألـواح" محسن الرملي، الصادرة في إسبانيا بالاشتراك مع القاص عبدالهادي سعدون، عن تجربة إصدار مجلة "ألـواح" الأدبية.
القاص محسن الرملي. ولد عام 1967 في قرية سُديرة شمال العراق. يدرس لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب الإسباني. التقيناه بعد هذه الأمسية فكان لنا معه هذا الحوار:
*عن "قَشة الكتابة".. كما أسميتها، التي لم تنقذ الغريق، وتجربة إصدار مجموعتك الثانية.. هل الكتابة حقاً لم تنقذ الغرقى؟!.. إذن ما سبب الإصدار والتمسك بهذه القشة؟.
ـ
لا شيء ينقذ الإنسان من الغياب والموت إطلاقاً رغم كل محاولاته، وعلى امتداد التاريخ، وقد اجتهد الإنسان كثيراً، ومنذ بدء الخليقة، في سبيل إيجاد إجابات عن أسئلته الوجودية أو القيام بفعل ينتصر به على الموت والفناء، ويبدو أن النتيجة دائماً واحدة؛ ألا وهي ما توصل إليه "كلكامش" في الاتجاه إلى العمل والبناء والتمتع بالحياة.
من هنا أجد أن الكتابة فيها الكثير من هذه الأشياء.. إنها إحدى الممارسات الجادة ضمن محاولات إعطاء معنى لغموض الوجود.. أو على الأقل لتسجيل مرورنا فيه وشهادتنا عليه. الكتابة محاولة لإعطاء معنى لحياة الكاتب ذاتها سواء على صعيد العيش أو تسجيل تجربة هذا العيش، وأذكر قول البير كامو:"ثمة وقت للحياة ووقت آخر للشهادة على الحياة".
هكذا أواصل أنا محاولات التمسك بالقشة/الكتابة، توثيقاً واستطراداً لتيار الوعي، وتجميلاً للجرح الغائر في الذات.. وكما ذكرت في الورقة التي تصدرت مجموعتي الجديدة:"الكتابة.. تلك القشة التي أوهمت الغريق بالإنقاذ"، ولكل منا قَشته.
*وعن واقع الكتابة واللعب على ذاكرة المفردة، ما مدى اشتغالك في والأسّلبة والتجديد في فن القص؟.. وهل ثمة تغير في الأسلوب الحكائي في مجموعتك الثانية "أوراق بعيدة.." عن مجموعتك الأولى "هدية القرن القادم؟.
ـ
نعم هناك فرق كبير بين المجموعتين وعلى أكثر من صعيد، فالأولى كانت عراقية خالصة من حيث المضامين والمفردات وانعكاسات أوجاع الحرب.. وحتى تشوهات رؤيتي تجاه ما كان يدور حولي في الداخل. أما على صعيد الفن فالأولى كانت أكثر التزاماً بعناصر القص التقليدية مثل بداية ووسط ونهاية وغيرها.. ولهذا أعتبر "هدية القرن القادم" تجربة ضرورية في حينها قد تكون شبيهة بتلك الضرورة التي تحدث عنها البعض من أن على الشاعر أن يبدأ أولاً بمعرفة العروض والوزن والكتابة العمودية والقوافي قبل انتقاله إلى تجارب الشعر الحر أو القصيدة النثرية.. وهكذا فقد ارتكزت تجربتي الكتابية على أسس متينة وصلبة. أما فيما يتعلق بمجموعتي الثانية فقد استفدت كثيراً من تجاربي الحياتية بعد خروجي من الحرب بأعجوبة وبعد مواجهة لحظة الموت لأكثر من مرة، ثم رحيلي خارج الوطن وتنوع المدن أمامي وتعددت العواصم التي عشت فيها والثقافات التي عرفتها، وكان احتكاكي بها مباشراً، إضافة إلى ما قرأته بالإسبانية.. كل ذلك أغنى معرفتي بفن القصص وحررني من ربقة المفاهيم العتيقة السابقة. هذا بالإضافة إلى تمتعي بشيء بالغ الأهمية لكل مبدع ألا وهو "فضاء الحرية" الشرط الأساس للإبداع الصادق والتفوق والعطاء.
*إذن، ما مدى تحررك من المكان، حيث أرى المكان يلاحقك بذاكرة مشحونة بمناخات الوطن والحنين إلى الديار رغم محاولاتك في بعض النصوص لتشظية المكان في آفاق الهم الوجودي؟.. وكيف ترى تقبُّل الإنسان العربي والغربي لأسماء ومناخات ذاكرة المكان العراقي؟.
ـ لا خلاص من تركيبة الذاكرة المليئة بشظايا المكان، ولا يمكن التحرر ـ بشكل كامل ـ من عصف كوابيس الوطن. لقد عشقنا المكان وعشناه حتى اقتربنا إلى حافة الموت.. ثم كتبناه.
والذي أدهشني وأسعدني في تجربة مجموعتي الثانية أن القارئ العربي والأجنبي كان يتفاعل معها وتصل إليه تماماً رغم احتشاد القصص بمفردات وأسماء أماكن وشخصيات وعادات عراقية خالصة، وقد تلمست ذلك بوضوح لأنني كنت أترجم بعض قصصي إلى اللغة الإسبانية قبل نشرها، وأعرضها على أصدقائي الأسبان فكانت تصل إليهم كما أردتها، وكذلك الأمر بالنسبة للقارئ العربي تجاه إدخال المسميات والإشارات المتعلقة بخصوصيات إسبانية صرفة.. وأعتقد أن تفسير ذلك يعتمد على أن النصوص كانت تخلق مناخاً قصصياً داخلياً صادقاً، وأن ثمة ربط حميمي بين المشاعر والأماكن عبر طبيعة العلاقة بين الكلمة والتعبير، فأنا أعتقد بوجود علاقة قصصية بين مفردات القصة مثلما ثمة علاقة شعرية بين كلمات القصيدة.
*إسبانيا.. الفردوس المفقود، الأندلس، ما مدى ضغط التاريخ على ذاتك وأنت تجوب شوارعها وتحتك بالمواطنين الأسبان في مغتربك هناك؟.
ـ
بالنسبة لي لا أزعم ما يزعمه البعض من العرب تجاه ضياع الأندلس كفردوس مفقود. صحيح أن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس كانت حضارة راقية وما زالت معالمها شاخصة حتى الآن، ولكنني أرى أن نلتفت إلى إشكاليات قضايانا وواقعنا الحالي ونعمل على معالجته وإنمائه أكثر من الحلم بـ"فردوس مفقود!" لذلك تجدني في مطلع قصة "أوراق بعيدة عن دجلة" أقول:"قرفتُ غرناطة وسيل طنين الحنين العربي الزائف إليها". وأردد قول محمود درويش:".. ندعو لأندلسٍ إن حُوصرت حلب". وهكذا فأنا أتعامل مع الأماكن بموضوعية وواقعية وبحنين جارف تجاه الأماكن العراقية وليس سواها لأن العراق هو الذي يهمني وليس الأندلس، فالأندلس الآن إسبانيا، وهي تعيش الآن بخير وبحال أفضل من بلداننا العربية لذا لا أفهم كيف ينادي البعض باستعادة الأندلس وإنقاذ "الفردوس المفقود!".. فلننقُذ فلسطين أولاً أو العراق أو الجزائر.. وغيرها.
*تجربتك في مجلة "ألـواح" الأدبية التي تترأس تحريرها مع القاص عبدالهادي سعدون، هل لك أن تتحدث عنها وعن مديات تطورها؟.
ـ
مجلة "ألـواح" كانت حاجة ماسة لعوامل عديدة، منها؛ خلو إسبانيا من مجلة ثقافية عربية جادة، إضافة إلى شعورنا بضرورة نقل ما يحدث في الساحة الثقافية الإسبانية إلى القارئ العربي، وكمحاولة أيضاً لإيجاد قناة تواصل بين الأدب في المغرب العربي والمشرق، وخاصة فيما يتعلق بإبداعات الشباب الجدد الذين يبحثون عن منافذ لإيصال أصواتهم. العامل المهم الآخر هو إيصال أصوات المبدعين الشباب من داخل العراق إلى الخارج، هؤلاء الذين تكاد أن تختفي أصواتهم بسبب ضخامة ضربات طبول الحروب والحصارات وغيرها. وكذلك لخلق حالة التفاعل بين أدباء الخارج مع أدباء الداخل.. كل ذلك وفق مبدأ التعامل النقي بعيداً عن إهدار الطاقات في تبادل الشتائم والتكتلات والتحزبات. إن "ألـواح" تشبه دعوة صادقة إلى إعادة الاهتمام بدور الثقافة الجادة لما لهذا الدور من أهمية كبيرة في إضاءة سبل متنوعة للخَلاصات والتعامل مع أزماتنا الحالية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في جريدة (الزمان) العدد 120/الثلاثاء 8/9/1998م ـ لندن.

قراءة / محمد الحمراني


انهيار أرستقراطية الخطاب القصصي

قراءة في (أوراق بعيدة عن دجلة) لمحسن الرملي

بقلم: محمد الحمراني

منذ سنوات طويلة ابتعدت القصة العراقية عن تناول ما هو ساخن أثناء لحظة الكتابة الأولى، فتأطرت بعوالم هلامية تحاول طرح موجهات للقارئ ترشده للنظر إلى الماضي البعيد باعتباره الساحة البعيدة والموفّرة لحرية التناول، والتي لا يتحسس القارئ ـ في أكثر الأحيان ـ مشكلاتها ولا تحرقه نارها، لن بطل القصة في الأغلب لا يعيش الأجواء التي يعيشها الكاتب. هذا الهروب جعلنا الآن نشكك بالقدرات الفكرية لبعض كتابنا الذين تحاول كتاباتهم أن تفهمنا بأنهم لا يعلمون بما يحيطهم من كوارث اجتماعية، وليس ثمة مساس حقيقي ومؤثر بالمتغيرات الوحشية. إن من أهم مشاكل القصة العراقية، أنها لم تصل إلى أسلوبية مميزة، وإنما تقوقعت في ميكانيكية التجريب التي منعتها من الدخول إلى المناطق المحظورة، ووضعت جدراناً سميكة قبالة الكوارث المحيطة، وبقيت تترقب الأحداث بأرستقراطية غير متفهمة لبشاعة الهواء المحيطة. على العكس من ذلك مسارات مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) لمحسن الرملي. إنها تتناول ما هو ساخن أثناء لحظة الكتابة الأولى باعتبارها فعليّاً هي الشرارة المحفِزة للكتابة، والتي تصدم القارئ بالمعضلة التاريخية وهي تتشكل حوله.. هذه المعضلة ينظر إليها الكاتب نظرات ثاقبة من أجل كشف أسرارها البعيدة.
إن مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) توهم القارئ من خلال الموجّه الأول ـ العنوان ـ بأنه سيقرأ نصوصاً لا علاقة لها بالمنشأ الأصلي للكاتب، ربما هي مذكرات عن النساء الشقراوات، كما فعل حسب الشيخ جعفر في (رماد الدرويش) أو هي أوراق عبثية لا علاقة لها بالهموم ومنشأها، ولكن المحلية الصاخبة في المتن تذكرنا بالأحاديث الغريبة والرحلات المجنونة التي وصلتنا قديماً من السندباد:" أهرع إلى قرطبة، ألثم جذوع النخل فيها، لكنها ليست هي لأنها لم تكن مالحة، ولم يكن هواؤها مثقلاً بالرطوبة، والشرفات الأندلسية ليست شناشيل بصرياثا، وابن رشد غير الفراهيدي، ونهر الوادي الكبير غير شط العرب.. فكيف سيبحر السندباد؟"ص34. الدخول إلى أعماق النصوص هو اكتشاف أول للحظات الموت الحقيقية التي كانت تنبض حول محسن الرملي وأصدقائه، وهم يتركون أسلحتهم للحشرات، ويرتدون ثياباً مدنية ملونة يطوفون بها مدناً عراقية وأخرى بعيدة، فتتضح لنا الشوارع بأسمائها، المقاهي، السينمات، الجسور، المدن الصغيرة.. إن هذا النص (إحديدابات) مثل جميع نصوص المجموعة، يحاول أن يضعنا أمام مناخ روائي نكتشف من خلاله تحول المشهد المقطعي، إلى مشهد مفتوح تتمحور حوله فكرة واحدة وأسلوبية لا تتخلى عن العفوية المقصودة، وهذا ما حصل في اشتغالات إيتالو كالفينو وخاصة في (ماركو فالدو) و(السيد بالومار) حيث يتشكل الضمني مع الرؤية العامة في المعالجة، وهذا ما حرص الرملي على استخدامه بقصدية من خلال (الورقة التي تعني كل الأوراق)، والموجودة في مقدمة الكتاب:" ربما صورتها.. ربما هي، لكنها تمرق من بين أصابعه بنعومة السمك. إلا أنه سيظل أعمق منها وأسرع زوالاً.. إنه يغرق وكان لا يريد، لكنه الآن يريد، وهذه بعض محاولاته قبل الانعدام".ص9.
إن الكاتب يتكلم هنا عن الكتابة التي لها نعومة السمك وهي تسبح في أعماق المجموعة بحساسية عالية تؤجج الحس الجمالي لتتولد مميزات الجذب من خلال استخدام مصادر الذاكرة القريبة وهي تضعنا أمام تصريحات لشخوص ومقاطع من رسائل وأسماء وأغان قديمة، تدخل في عمق العملية الإبداعية لتكشف حتى السري المخزون في الذاكرة كما في قصة (عرس الواوي) وهو يستذكر صوت أمه:" تزوج لأرقص في عرسك وأرى أولادك قبل أن أموت"ص35. أو كما في مكان آخر وهو يرشدنا إلى مصادر الاشكالات:" مازلت أحمل في الرأس ما رأيت وأستعيد بعض الوجوه والأسماء والأقوال وأحاول أحياناً رسمها كما أتذكرها أو كما عرفتها أو كما كانت"ص46. هذا ما يجعلنا نتأكد من أن (أوراق بعيدة عن دجلة) هي في الحقيقة أوراق قريبة من دجلة، هذه الأوراق.. أي النصوص التي تنهار فيها أرستقراطية اللغة، وخطاب الروي، لتتضامن مع ما أنجزته المشاريع القصصية التسعينية وتتوغل في التراجيديا الإنسانية القائمة، فتخرج الكلمات مثل أعشاب إلهية تنقل المشهد مرتفعاً عما كان عليه، فاضحة الصراع العنيف الذي تتوارثه الأجيال.. ربما يذكرنا بالصراع الأزلي في الميثولوجيا العراقية:" تحت رصاص تتبادله الأسطح والأزقة ونوافذ قلعة هولير يرقص السياح في سان سباستيان، ويشتد الرصاص في أربيل"ص25.
إن محسن الرملي لم يكن تجريبياً بالمعنى العبثي والاستعراضي للتجريب، ولكن تجديده قد انطلق من انبثاق ذاته ولحظة استحداثها في الكون، وهي قوة مناقضة للخرائب التي تشكلت في اللحظة نفسها، وهذا ما يجعل كتابته تشتغل بقوة على تفعيل القابلية النفسية، وإرباكها لتؤجج الكائن الفطري في أعماقنا، المتحسس لقوة التكوين ويتلذذ بشعورها. وكأنه يستمع بدقة لما قاله أرسطو:" عبّر عن نفسك مثل الإنسان العامي، ولكن فكر كالحكيم". ولكنه في الوقت ذاته يسير عكس النظام الأرسطوي وتقسيماته الحكائية ليحسسنا بضرورة الثورة على النظم التقليدية، من أجل خلق تكنيك مغاير لا تكتشف من خلاله أجزاء الأحداث، ولكن تنفعل في لحظة التصعيد العاطفي والمقارنة ما بين الموطن الأصلي للكاتب وأماكن اغترابه وترحلاته، وهو يحسسنا دائماً بأنه (الكاتب) لا ينتمي إليها، ولا تسعى مغناطيسية الذاكرة إلى سحبها نحو المناطق العميقة في العقل الباطن:" كل يوم أذهب إلى لوحة الجرنيكا ونجلس أمامها أنا وبيكاسو، ونبكي إلى أن يشير بابلو إلى المصباح والثور والوردة في يد القتيل، فأذكر دجلة وقلعة آشور، وتهدأ نفسي فأنطلق في الشوارع وصوب النافورات"ص19. إنه الحنين إلى جذور الطفولة، وذكريات الأوجاع المشتركة، هذه الأوجاع التي تُصاغ بفنيّة عالية تقترب جملها من مناخات التوتر الشعري:" لا مكان لي بين الراقصين ولا فسحة لطيران العصافير بين الرصاص"ص25. أو من خلال خلق تشبيهات جديدة توسع من إشارية وأفق الخطاب:" عيناها حادتان ذكيتان ومخيفتان مثل عينيّ جندي خفر"ص39. أو كما في مكان آخر:" أكاد ألمس قلبها كقطن طبي".ص40.
إن محسن الرملي في هذا الكتاب يضعنا أمام نصوص سردية قريبة من الريبورتاج الصحفي والتوثيق التاريخي. إن ما يجعلني أنحاز إلى هذه النصوص هي قوة الوعي الكاشفة والتي تعرفنا بالنهج العنيف الذي يرسمه الرملي محسن من خلال اعتماده كتابة القوة، فهو غير متصالح مع النفايات التي تحيط بذاكرته القريبة.. ولكنه يولّد قوة تصريحية تحيل الرؤية العامة باتجاه الفلسفة النيتشوية:" كي تجني من الوجود أسمى ما فيه عش في خطر"/نيتشة.. هذا ما يتجسد بوضوح في النص الأول من الكتاب:" ما كان عليك أن تموت قبل أن تفعل ذلك، وإلا فقد كان عليك أن تموت معه، لماذا ألنتَ رقبتك ومددتها على امتدادها فاندلق الرأس بين الكتفين إلى ما بين الركبتين إلى بين الأقدام فأنجيتها بالطأطأة"ص14. إن الفلسفة النيتشوية تؤكد:" مت في الوقت المنسب". هذا ما يبحث عنه الإنسان عندما تجتمع حوله قوة تحاول إضعاف ذاته وتضع الصخور قبالة الفم، وهذا ما أدركه الرملي وهو يستعيد ذاكرة قريبة عايشت فجائع لا يمكن التستر على مصادرها، ولهذا فهي تفضح الدمى والأصابع التي تقف خلف المسرح الصغير كي لا يتوهم الأطفال، ويستمر صمتهم ويتكاثف الخوف مما يجري أمام اندهاش عيونهم البارقة.
إن الصراخ المفزع في (أوراق بعيدة عن دجلة) يذكرنا بما قاله المكسيكي كارلوس فوينتس:" إننا نكتب من أجل أن لا نموت، إننا مثل شهرزاد؛ نبتدع كل يوم حكاية جديدة حتى نتخلص من الموت لليلة أخرى".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت في صحيفة (العرب) 29/3/2000 لندن. وفي موقع (القصة العربية) بتاريخ: 19 نوفمبر 2001م.

الجمعة، 6 فبراير 2009

قراءة في أوراق الرملي / حقي جاسم


من حقائق البعد الجمالي في الأدب العراقي الجديد
قراءة في أوراق الرملي
حقي جاسم

في الآونة الأخيرة ظهرت آراء عديدة مختلفة حول الأدب العراقي المعاصر، ومنها تلك التي تدعو إلى رفض إطلاق التسميات الوصفية مثل: أدب المنفى/أدب الخارج، والكف عن الفصل بين ما يُكتَب داخل/خارج ضمن هذا المفهوم، على اعتبار أن ذلك يضر أولاً بسمعة النتاجين (داخل/خارج العراق) ويضع حدوداً وهمية مبنية على المقارنة والحكم المتحيّز، فضلاً عن ذلك فإن الكاتب العراقي (داخل/خارج العراق) لا يحتاج إلى الانضمام إلى أحد الفريقين، وسواء كنا مع هذا الرأي أو الرأي المضاد، فإن الأمر ليس بهذه البساطة التي تنحصر في الشكل الخارجي للتسمية، فكلنا يعرف حدود حرية التعبير/ الإبداع ضمن الإطار الذي يحتله النظام داخل العراق. لكننا بحاجة ملحة إلى دراسات نقدية، استكشافية تلقي الضوء على حلقات الربط بين النتاج الإبداعي داخل/خارج العراق لكي ندرك ونتفهم حقيقة البعد الجمالي الذي يحاول أن يطرحه المبدع العراقي، وهي حاجة لا تنحصر في مجال الأدب فحسب، بل في مجالات الإبداع عامة. وفي هذا الصدد فإن المجموعة القصصية (أوراق بعيدة عن دجلة) للكاتب العراقي محسن الرملي هي مثال مناسب لدراسة من هذا النوع.
فالرملي ينتمي إلى ذلك الجيل الذي تمرس على المراوغة الديناميكية في لعبة الكارثة.. جيل عرف كيف يسترخي بين أسنان الكماشة المطبقة، وطرح تنبؤاته عن الفوضى القادمة والكارثة التي ستستمر حتى في القرن الجديد.
من خلال عشرة قصص قصيرة تستعرض حيوات مختلفة/متشابهة، لا يترك لنا الكاتب فسحة للتأني إلا برهة قصيرة، لننتقل في سيولة الاسترسال إلى وضع آخر.. في كل مرة هو نفسه، يشبه الوضع السابق ويختلف عنه، نستبدل الأمكنة السابقة التي تشبه القادمة وتختلف عنها أيضاً، ونستشعر مرور الزمن الذي توقف.. نزحف في تيه فنتازيا الواقع. نهاية كل حكاية هي ليست استراحة، وقد لا تكون الحكاية القادمة مُتابَعة جديدة لمشوار السيرة الذاتية للكاتب، لكننا نتأكد بشكل قاطع من أننا نسير معه في طريقه المسدود. إن حجم القلق يتكاثف في كل مرة.. الحيرة هي ليست التردد نفسه، لكنها ضياع شجاعة الوعي: الخوف.. فالأزمنة التي يستعرضها الرملي ما هي في حقيقتها إلا هذا الزمن الذي نعيشه.. إنه الزمن العراقي الخالص والخاص: زمن الحروب المفجعة، الكارثة الاجتماعية، انحسار إنسانية الإنسان، غسل الأدمغة، هجرة العقول والكفاءات/الهجرة المليونية لشعب صغير، القتل والإرهاب الجماعي المبرمج.. وفي الحصيلة الموت المطلق.
يشهد الفن الكتابي في أوراق الرملي على حدة ذكاء هذا الكاتب وحرارة حنينه المتخوم بالوطن والذكريات المُرّة. إن أسلوبه مزيج جميل من الشعر النثري، والسريالي والوثائقي؛ فقصة (عُرس الواوي) قد تكون مثالاً جيداً لذلك، حيث يمكن للقارئ أن يخمن ما لمحسن من خزين هائل من السرد الذي يتشكل فوق خلفية مثيرة من الفولكلور، وأن موضوعاته المركّبة هي من صلب الحيز العراقي المضطرب بوجهيه: الداخل والمنفى، حيث يتخذ النفي دلالة أوسع تُذكر بنفي الإنسان المقذوف في الوجود، فالنفي هنا هو موضوع للولوج إلى العودة الأبدية باتجاه الخلفية الثرة.. إنه مقارنه سطحية لإشكالية أعمق وأكثر إلهاماً بالنسبة لإبداع محسن الذي يصف أوراقه بأنها :"بعض محاولاته قبل الانعدام..".
في قصة (أنا الذي رأى.. وثائق) يعطي الرملي المسبق في لا جدوى الوجود:" سجون هذه الأرض.. هذا الوجود من مبتدئه إلى منتهاه أو إلى لا منتهاه: الرحم، الجسد، البيت، الحب، الوطن، اللغة، الأوراق، القبر، الجنة والنار..". ليدخلنا إلى تاريخ سجون الوطن: سجونه/ سجون الإنسان العراقي على امتداد الخريطة الأرضية، بطريقة وثائقية تسجيلية أولاً، ثم يشحن النص تصاعدياً تراجيوكوميدياً ساخراً مستعيناً بخياله السريالي العدمي حتى النهاية، وهو لا يعتمد على الفعل الدرامي في أسلوبه.. إنه هكذا ـ ببساطة ـ يقدم الأحداث بصورتها المعقدة كما هي، فهي كفيلة بخلق حقيقتها، لكنه يلتقط كل الأشياء التي تقع عليها ذاكرته بطريقة التركيب والتراكم المتتالي. ويتدخل في توزيع إيقاعاتها الرنانة بفعل الموسيقى الشعرية لأوزان الكلمات أحياناً كثيرة، وهذا ما يفعله أيضاً مع الفولكلور الشعبي أو الرموز العديدة.. ليصنع بالتالي نصاً يمتد بكل الاتجاهات مثل الأميبيا، وهو بذلك يشبه عملاً تشكيلياً منجزاً بطريقة التركيب أو الكولاج، وعمل كهذا لا يهتم كثيراً بتجسيم الأبعاد/البعد الثالث للمادة، بقدر اهتمامه بالبناء Structure الذي تضع المادة الخام أبعاده، وهي هنا: مادة اللغة/الكلمة الشعرية. وعلى الرغم من وجود موات ذات أبعاد مجسمة: المكان والشخوص، إلا أن وجودها النهائي غير ثابت ويخضع للشكل العام للبناء الذي يبدو تجريدياً معتمداً على السطوح الناتئة في إظهار شدة التضاد المفتعل فيها. ومع ذلك تبقى اللغة غير المادة الفيزيائية للبناء التشكيلي، فهي أكثر مرونة بفعل الخيال الطبيعي الذي يكونه العقل البشري لمحتوى وشكل الكلمة المقروءة، خلافاً للحس البصري الذي يتقبل الضوء المكوّن للصورة. وأسلوب الرملي يذكرنا كثيراً بالقصيدة النثرية في الثمانينات العراقية والتي هي ـ في رأيي ـ من أهم مميزات وإنجازات ذلك الجيل.. تلك القصيدة التي اكتسبت مناعة ذاتية ضد الهجومات المَرضية التي حاولت احتوائها وإلغائها، فقبل كل شيء كانت ثمة حاجة إلى طريقة جديدة وصعبة المنال في التعبير الحر، بمعنى آخر.. مادة سطحها الخارجي صلب وشفاف في الوقت نفسه، يتحمل الصدمات العنيفة، وجوفها مرن يتسع لاحتواء مواد كثيرة ومختلفة.
إن هيكل الأسلوب يرتكز على قاعدتين أساسيتين: أولاً؛ تحليل المفردة اللغوية وإعادة تركيبها من جديد بترتيب مفتعل وحُر ( وهي تشبه التكعيبية التحليلية في الفن التشكيلي التي قدمها براك وبيكاسو في بداية القرن العشرين). ثانياً؛ تكثيف مادة الموضوع وتوزيعه باتجاهات مختلفة دون شروط زمنية أو مكانية. هذا إضافة إلى الاستعانة بالرموز عبر استعارتها وتحميلها طابعاً مغايراً لحقيقتها الأمر الذي يعد من الابتكارات الجريئة في النص، فقد أصبح بالإمكان استخدام كل شيء بلا تردد، ذلك أن الجوف الهائل الكامن في الهيكل قادر على ابتلاع كل ما يُلقى فيه. ورغم بساطة الفكرة، فإن استخدام التقنية يتطلب مهارة فائقة في البناء العام وصناعة وحدة نص متكاملة ومتجانسة.. إذ لابد من التحكم بموازنة الإيقاعات التي تتوزع بلا انتظام على امتداد مساحة النص.. إن الجديد المثير هنا ليس هو الإلهام ولا حتى التخطيط المبرمج نفسه، وإنما ضبط التلقائية الارتجالية improvisation في تكوين المواضيع والصياغات المتولّدة أثناء العمل.
قد يبدو أسلوب كهذا بأنه مخصص لقارئ (غير عادي) وبالعكس، مثلما جرى اتهامه بالسطحية المفرطة وعدم قدرته على جذب القارئ وشده إلى طروحاته.. وربما كان ذلك هو السرد الذي جعله متواصلاً حتى في زمن التفتيش الجذري. وفي كل الأحوال يمكننا القول: أن نوعاً من المفهوم الجمالي قد تم خلقه بإصرار الإبداع المتميز والصادق..
وعند قراءتنا لأوراق الرملي، سنجد بأنه قد كان حريصاً على الالتزام بصناعة نص له مواصفات الابتكار الماهر: السير في خطوط متوازية للسرد، تقاطعات عرضية للأحداث ـ حادة غالباً ـ توزيعات متتالية لإيقاعات الكلمة المفردة ومرادفاتها، وربطها بتوقفات زمنية قصيرة للفظ الحروف، وبطريقة المنمنمات الدقيقة يستخدم الفولكلور الشعبي بصورة خاطفة مشيراً إلى هوية المادة، وكذلك يفعل مع الأمكنة والرموز ليحدد تاريخها. فنحن نتعرف على موقعه الحالي/ الأخير: إسبانيا.. القريبة إلينا جداً، لأنها الأندلس ولأنها جزء مهم من تاريخنا الذي جعلناه عظيماً.. لكننا نتحسس الحنين الممزوج بالقرف:" قَرفتُ غرناطة وسيل طنين الحنين العربي الزائف إليها.." ومن بلده أيضاً حيث يقول على لسان شخصية (سعدي الشاعر) في قصته الأخيرة من المجموعة:" بعد أن قرأتُ تاريخ حروب بلادي ظللتُ أحلم في كل ليلة أنني عملاق أضع إحدى قدميّ في زاخو والقدم الأخرى في الفاو وأتغوط غائطاً بركانياً كبيراً". وهو نص يدل على السقوط عميقاً في دوامة الحيرة، ويؤكد مشكلة الانتماء التي ترفضها فلسفته الوجودية بينما تصر عليها عاطفته.. وهي بالتالي حيرة الكثير من المثقفين العراقيين الذين يؤرقهم اليأس التام من العودة، وقد يدفعهم أحياناً إلى فكرة الانتحار، فعنوان المجموعة بحد ذاته يشير إلى عاطفة طفولية تؤكد حقيقة حنينها إلى ماء دجلة/ الوطن. والعنوان أكثر من أي تعبير آخر في النص لا يحمل استعارة رمزية بقدر ما يحمله من شهادة ميلاد الكاتب. كما أن بداية القصة الأولى في المجموعة تشير بوضوح إلى قلقه العميق وحجم اليأس الشبيه بذلك اليأس الذي دفع الشاعر الروسي يسينين إلى الانتحار. وهكذا يختتم قصصه على لسان الشاعر سعدي في غرناطة:" سأرحل دون أن أخبر أحداً.. ولا أدري إلى أين..". لكن رحلة الرملي لابد وأنها ستكون عبر مناطق الحيرة ذاتها.. رحلة شائكة، تشبه رحلاته السابقة.. سيجوب صحراء انتمائه ويتلمس رملها حبّة حبّة، سيكتشف جدبها ويَخبره.. وقد يعود ليخبرنا برحلة جديدة.
----------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الزمان) سنة 1999 لندن. وفي موقع (القصة العربية) بتاريخ: الاثنين 19 نوفمبر 2001م.
من لوحات الفنان حقي جاسم
كاتب وفنان تشكيلي عراقي يقيم في السويد

قَص / أوراق بعيدة عن دجلة


محسن الرملي

أوراق بعيدة عن دجلة

.. إلى الذين جاعوا وناموا على أرصفة المحطات في المنافي.


قرفتُ غرناطة وسيل طنين الحنين العربي الزائف إليها (نَدعو لأندلسٍ إن حُوصرت حلب) وكدتُ تنفيذ قراري بهجرها ودراستي فيها إلى الأبد، لو لا أنني قد شُغفتُ مؤخراً بفتاة غجرية شقراء ـ شقراء لأنها غجرية غير أصيلة ـ أخذتها إلى محل نسميه (دكان أبو هيثم العراقي)، يُرحب فيه بالعراقيين باشّاً ومسارعاً إلى تقديم (شاي أبو الهيل) وآخر طُرفة عن سعدي الحلي، معيداً حكاية فراره من الوطن ونومه على أرصفة المحطات وبيع السجائر خلل مطاردات (البوليص) كما يلفظه، أو (الإبليس) كما يسميه، حتى أصبح تاجراً للذهب هنا في حي البيازين في هذا المحل/ الدكان… حال دخولي قال:" أهلاً.. هاي أنت وين يا معوّد؟.. أقدم لك ابن خالتي سعدي، شاعر مثلك، وصل قبل أسبوع".. شاعر عراقي أيضاً؟ ـ أيضاً ـ شاعر شاب أشيب الشَعر، شديد الحزن ـ أيضاً ـ فسألته عن آخر (نُكتة) أيضاً، فقال بصوت هادئ وأكثر جدية من زيتونة:" آخر نكتة؛ إنني الآن أبيعك الذهب لفتاتك الشقراء ورأسي مثقل بصور مخاط أطفال العراق، وأضلاع أطفال السنغال الذين ذهبت لأعلمهم القرآن فعلمتهم أُنشودة المطر".. سُكوت.. صمت أوسع من عيون غجريتي التي لم تفهم شيئاً وأربك أقداح الشاي في يديّ أبي هيثم الذي استطال الصمت فقطعه قائلاً:" هذا هو سعدي دائماً ـ بطران ـ يحمل هموم الدنيا على رأسه، ولا يجلب إلا الكآبة، ذبحني يا رجل؛ منذ مجيئه وهو يسمي الذهب لزبائني بالخراب والخواء والخراء الأصفر، ولكن فليتدلل سَعّودي لخاطر عيون خالتي نشمية الله يرحمها"...
ألفتُ التقاء آلاف الوجوه طوال اغترابي، واعتدتُ افتعال السرور بلقاء أبناء البلد وإضمار التوجس، لكن نظرات سعدي الميتة المميتة وصوته الهادئ، المُستفِز وحزن وجهه وصمته شيء آخر.. يحيلني إليّ ويحضر لحظات انفجار تراكماتي.. تماماً كتلك اللحظات التي أكون فيها وحيداً في حجرتي الضيقة بالكتب والدخان جادلاً خطواتي بالذهاب والمجيء مفكراً بالانتحار... لن أقول بعد الآن." فتاتي أو غجريتي أو شقرائي" على الرغم من أن قصتي معها كانت أكثر مرارة من قبض دكتاتور على السلطة، وأعذب من يوم الإطاحة به... سأقول: الفتاة أو الغجرية أو الشقراء، لأنني لم أعد أشعر بامتلاكها ولا امتلاك أي شيء آخر منذ أول جملة قالها سعدي... جلسنا أنا وأبو هيثم فيما ظل سعدي واقفاً وراء منضدة البيع محدقاً عبر الباب إلى غيوم راحلة. رفَضَت الشقراء شاينا وانشغلت بتأمل القلائد والأقراط والأساور، وقال أبو هيثم وهو يربت على ركبتي بمودة:" سعد درس الهندسة ولكنه سيئ الحظ، لم يُوظف ولم يتزوج. أمضى حياته في السجون، ثم ذهب إلى الأردن عمل في الفوسفات، وإلى اليمن راعياً للأغنام في قرية مجهولة، ثم أريتيريا والسنغال والسودان... وإلى أين أيضاً؟.. لا أدري.. الخلاصة؛ أنه أمضاها من سيئ إلى أسوأ". التفت إلينا سعدي وقال:" الأصح من أسود إلى أسود.. لقد ضلّلني رامبو" وتنهد، فضرب أبو هيثم ركبتي المجاورة لركبته وقال:" أنا لا أفهم أكثر ما يقوله سعّودي ولكنه طيب، إنني أحبه، كانت أمه تناديه هكذا ـ سعّودي ـ كانت أفضل من يصنع الطرشي في النجف، ماتت في القصف يرحمها الله". ثم أضاف ضاحكاً:" الغريبة أن اسمه سعدي ولا يحب سعدي الحلي". قلتُ:" ألا تكف عن هذركَ يا أبا هيثم؟.. اليوم جمعة". قال:" إبليس نزل في البصرة".
كلما كنت أشعر بطغيان الحزن أجيء إلى أبي هيثم لنضحك من كل ما هو حزين، لكنني جئت هذه المرة مع الشقراء مسروراً لأهدي لها شيئاً بالاستدانة منه فوجدت الحزن مستوطناً عنده في سعدي الذي شعرت بأنه.. أنا الحقيقي، حين أكون وحيداً في منتصف الليل بين الكتب والدخان، أُجادل خطواتي في حجرتي الضيقة، وأفكر بالانتحار. قلت:" هل تكتب الشِعر حقاً؟". قال:" لا.. لقد كففتُ عن ذلك منذ أن استشعرت بأن هذا الوجود هو أول وآخر وأعظم قصيدة ولكنني قد أعاود كتابة الشِعر إذا ما جربتُ وجوداً آخر.. أو جربت العدم"… وعلى امتداد شهر بعدها ـ في كل لحظة ـ كنتُ أريد الذهاب لألتقي سعدي ولا أذهب. شعور بالشوق والحاجة والانجذاب لرؤيته وتردد وتساؤل وخوف… لن أكتب لكم قصة عشقي للغجرية الغرناطية الآن رغم أهميتها، ذلك أن سعدي قد هز كل شيء… أجادل خطواتي في حجرتي الضيقة بين الجدران والكتب والدخان لا أفكر بالانتحار بل باللقاء بسعدي، حتى ذهبتُ وحيداً بلا فتاة غجرية شقراء فلم أجده هناك. قال أبو هيثم:" لقد اختفى منذ أسبوع، لم يُخبر أحداً بشيء ولا ندري إلى أين..". قلت:" ألم يترك شيئاً؟". قال:" أبداً ولا حتى نكتة.. لقد خَرّب دفتر حسابات المحل بخربشات غريبة حتى اضطررت إلى فتح سجل جديد" فسألته:" وأين الدفتر القديم؟". قال:" ذاك هو، رميته في الزبالة". سارعت إلى التقاط الدفتر من سلّة الزبالة وانطلقت إلى غرفتي أدخن… رسوم وأرقام وأوصاف تحاول تسجيل المبيعات بين خطوط الصفحات بشكل يوحي بعدم معرفة بالتجارة، أو عن تعمد شاعري خاص:" في هذا اليوم/ امرأة بدينة أخذت قلادة صفراء وأعطتني ورقة حمراء عليها رقم 2000 ومعها ثلاث قطع معدنية عليها أرقام 100"…" رجل باكستاني ومعه إنكليزية مَطليّة بمكياج زادها قبحاً، أخذا أربعة أساور من ذهب ـ لن تُحلّيها ـ وأعطياني ورقة زرقاء عليها الرقم 10000"، وهكذا حتى وجدته قد سجل في تاريخ زيارتي العبارة التالية:" عصر اليوم، شاب عراقي ـ ربما شاعر أيضاً ـ وصاحبته الشقراء، أخذا قرطين وقلادة ولم يعطياني شيئاً.. الذي قدمتَ له الشاي و(النُكات) أيضاً يا أبا هيثم"، وعلى الأوجه الأخرى من صفحات تسجيل المبيعات ثمة رسوم وعبارات بلغات مختلفة، أسجل منها ـ هنا ـ ما استطعتُ قراءته بالعربية:
" جئتُ إلى غرناطة بحثاً عن لوركا علّه يستطيع الكتابة عمن قُتل من أهلي فوجدته مقتولاً".

* * *

" بعد أن قرأتُ تاريخ حروب بلادي ظللتُ أحلم في كل ليلة أنني عملاق أضع إحدى قدميّ في زاخو والقدم الأخرى في الفاو وأتغوط غائطاً بركانياً كبيراً".

* * *
" روت لي الحاجّة نشمية قبل أن يُحطم عنها قيد الحياة، بأن شيخاً اسمه جبر قد مر على مقبرة إحدى القرى فوجد أسماء الموتى مكتوبة على شواهد القبور، وتحتها أعمارهم التي لم يتجاوز أطولها عشرة أعوام، فأصابته الدهشة وراح يسأل أهل القرية عن سر هذه الأعمار القصيرة، فقالوا له: إن من عادتنا ألا نسجل إلا عدد الأعوام السعيدة من عمر الإنسان قبل انقضائه... فتنهد جبر وقال لنفسه بعد أن استعرض سنوات عمره: إذاً سيُكتَب على شاهدة قبري:" جبر.. من فَرّج أمه إلى القبر".

* * *

ـ 1 ـ

" خُذ دهشتكَ واعرض عن سُخريتهم وكن كما أنت.. كما أنت، كما النبتة البريّة، تبزغ أينما يأتيها التفتح، تدفع القشرة.. القشور.. آه يا قشوركم.. يا متراس الزيف ودرع الجَهالة الصدئ… تنزرع حيثما جاء الانزراع/ الأوان/ القَدر، ربما على شفة بِركة ماء.. ربما على حواف صخرة بليدة، ربما وسط غائط جاف.. ربما أينما تكون.. أقول لك: خُذ قسطكَ من الدهشة واعرض عن تصنعاتهم/ تصانعاتهم/ صناعاتهم/ تمصنعهم.. كُن يا أنتَ.. يا أيها الأكثرهم معرفة وأكثرهم لجماً لقواه كي لا يُشعرهم بضعفهم.. ما أكرمك عليهم لو يشعرون!.. ما أقساكَ على نفسكَ!.. لو ترحمها قليلاً.. قليلاً فقط بحجم قطرة في بحر ظلكَ الذي تحجب بع عَظَمَتك عنهم كي لا يتعبوك… ولكي تنتظر.. ماذا تنتظر؟ أوَ ثمة أصدق وأعذب وأعظم وأكثر إغراءً ومدعاة للحلم.. أوَ ثمة ما يستحق الحلم خيراً من الموت؟!!".


ـ 2 ـ

" أيها الذي أفرُ منكَ وأبتعد وأرحل وأتشاغل وأتجاهل أدّعي الحلم وأرتكب الجدّية وأقترف الصبر.. أهربُ منكَ قصداً وأبتعد، فأجدك أمامي.. أمامي.. أينما ولّيتُ قلبي، أينما قلّبت قلبي.. حيثما قلّيتُ قلبي.. حيثما تناسيت أو هربت.. رحلتُ، رحلتُ بعيداً: من هناك إلى هناك إلى هنا وقلت لن يعرف طريقي، فتنفستُ فقط ووجدتكَ أمامي، معي، مني، ، فيّ.. أنا وعرفتُ اسمكَ يا سيدي عنوة.. يا مُستعمِري ورفيقي الإجباري حتى النهاية، عرفتُ اسمكَ.. إنكَ الجرح.. أنت الجرح إذاً، فأنت جرحي ولأنك استعمرتني حتى الفناء واسّتَحَلتَ إليّ كُليّ أنتَ، فأنا أنت وأنت أنا.. اسمك جرح واسمي سعدي، أو اسمي جرح واسمك سعدي، أو اسمك جرح سعدي، أو اسمي سعدي الجريح، أو اسمك الجرح السعدي، أو اسمي السعدي الجريح، أو اسمك جرحي، أو اسمي سعديك، أو اسمك كارثة السعدي، أو اسمي أرض الجرح…………….".


ـ 3 ـ

" في النهاية، في البداية.. نحن اثنان فقط، ولن نكون ثلاثة أبداً، سنرحل معاً ونتصارع ونحب بعضنا ونكره بعضنا ونظلم بعضنا، فنحن بعضنا لبعضنا إلى أن أنتهي فتنتهي، أو تنتهي فأنتهي… لن نكون ثلاثة ولن نكون واحداً، نحن اثنان دائماً، وحين يحاول الموت التفريق بيننا سنموت وسيموت هو………………….".


ـ 4 ـ

" إن الأربعة صليبكَ وفيها عمود مشنقتكَ، مشنقتي.. أحلم بكِ (يا مشنقة) تحتضنين رقبتي لأنك احتضنتِ رقبته وأُمنا واحدة، احتَضَنَته أولاً ثم احتضنتني ثم ماتت، وأنتِ احتضنت رقبته فاحتضني رقبتي ومُوتي.. لا تكوني لغيرنا، لا تكوني رخيصة.. لا تكوني عاهرة.. كوني عاشقة، لتكوني معشوقة ونحنُ أنانيون بالحب، فكوني مثلنا واكتفي بنا دون باقي الناس، لأننا عنهم: نحن كباش سماء قلوبهم، نحن فتاة الجسر العباسي، فتاة جسر أبيها… الله، يا فتاة الجسر العباسي، يا شَعركِ.. يا شِعركِ.. يا قلبكِ.. أحبك.. أحبكِ.. خذيني إليكِ وليس في عين الجسر الأخرى ولكن في الأخرى الثالثة.. أقصد معكِ لنبقى واقفين. أنتِ تُديمين حياة جسر أبيك في شمالنا وأنا أُديم حياة سلوكك.. سلوكه.. إنه أنتِ.. هو التضحية وأنا الضحية.. أنا عاشقها، عاشقكِ، عاشقكم، عاشق عشقكم، عاشـ…….".


ـ 5 ـ

" هل للّحظات وثائقية اللحم والدم؟. هل للذكرى فاعلية الصدمة الأولى، ورد فعل دائم الموازاة والحيوية؟. أقول ذلك لأن المرارة في الحلق لم تغادره بعد الكارثة، وفي العيون تحجر عدم التصديق.. وفي القلب ـ صدقاً ـ شجرة حزن شوكية تكبر كل لحظة… هل لهم أن يصنعوا.. يصطنعوا عذوبة اللحظة وتشكيلها وفق وعيهم العادي، ذلك الجماعي السهل المَج الفَج.. هل هم على صواب؟ هل نحن على ذلك في تساؤلنا؟ هل ثمة معيارية للتفاضل في تفاصيل كهذه.. كتلك؟. إن غالبية أمورها ـ الحياة ـ من هذه الصبغة، من هذه الضبابية ولذلك ننتهي جميعاً، للاعتراف بعدم الفهم، أو إذا ما تنكرنا لذلك فإننا نتقمّص كبرياء زائفة، نعلم في قرارتنا.. أنه ليس كذلك.. ليس كذلك!!؟؟".

* * *

طَويتُ الأوراق.. هَدأ الدخان... قررتُ الرحيل. أما قصة العشق فسوف أكتبها في زمن آخر أو وجود آخر غير هذا الوجود.. أو عندما أُجربُ العَدم، فربما أُعاود الكتابة... حَزمتُ الحقيبة... سأرحل دون أن أخبر أحداً ولا أدري إلى أيــن..
http://www.arabiancreativity.com/tigris.htm
في حي البيازين في غرناطة

قصص / أوراق بعيدة عن دجلة


محسن الرملي
أوراق بعيدة عن دجلة
قصص

صدرت الطبعة الأولى عن دار ألـواح، مدريد 1998م.
صدرت الطبعة الثانية عن دار أزمنة، الأردن 1998م.
لوحة الغلاف بعنوان (وفجر الغد على ضفة أخرى) للفنان الأسباني لويس ألبرتو
تضم المجموعة 11 نصاً تنوعت في التجريب على صعيد الشكل والتقنية والاشتغال اللغوي
كُتب عنها العديد من المقالات النقدية المهمة وتُرجمت معضم نصوصها إلى أكثر من لغة
.. شخصياً أعتبرها أفضل كتبي حتى الآن.

الأحد، 1 فبراير 2009

قراءة مسرحية/د.عبدالكريم بن علي بن جواد

قراءة فـي مهرجان المسرح العماني الثاني

هل نجح الباحثون عن قلب حي أن يقدموا عرضاً حياً؟
أساليب إخراجية متعددة آثرت تحقيق الفرجة على إبراز الحالة النفسية

د.عبدالكريم بن علي بن جواد

كانت مسرحية «البحث عن قلب حي» هي أول عروض مهرجان المسرح العماني الثاني ورغم أن المسرحية خرجت من المسابقة خالية الوفاض إلا أنها تصلح أن تكون نموذجا للمسرحية المهرجانية أو ما يعتقده الكثيرون من المسرحيين العرب فـي العقود الثلاثة الأخيرة أنها الشكل المسرحي الأمثل لمسرح يتحدث بلغة الحداثة أو بصيغة من صيغها أو صيغة مقاربة لها. المسرحية هي أقرب إلى الفكرة أو الخاطرة التي يمكن أن تقال فـي جملة وتنفذ فـي دقائق قليلة على خشبة المسرح. ولأن العرض المسرحي، عرفا على الأقل، لا يكتمل إلا بمساحة زمنية معينة على خشبة المسرح وبفعل متحرك نابض كان على المخرج أن يبحث عن معالجة مزدوجة نصية وإخراجية تضمن له عرضا مسرحيا حيا وهو بحث لا يقل عناء عن بحث الممثلين على خشبة المسرح عن قلب حي يهدونه لأخيهم الراقد على فراش الموت.
النص كما يذكر المخرج فـي مقدمته للمسرحية «صرخة ميلودرامية مدوية… أطلقت من زنزانة محسن الرملي يرثي أخاه بعد إعدامه ظلما»… محسن الرملي مؤلف عراقي هو صاحب النص الأصلي الذي بني عليه العرض. إن قراءة النص قراءة ميلودرامية من قبل المخرج لا تنسجم مبدئيا مع نص يتمرد على الصياغات التقليدية كما أنها لا تنسجم مع الوسائل أو الحلول الإخراجية التي لجأ إليها المخرج بنفسه على مدار العرض. إن تأجيج المشاعر واستعطاف المشاهد ليندمج معها ألقى بظلال من الكآبة غير المبررة على العرض كما انه زعزع الثقة بينه وبين المشاهد الذي تجاوز مرحلة الخضوع العاطفي المحض أو الاستسلام التام للعبة المسرحية التقليدية. لذا فان الإنشاد العرفاني الحزين ذو الصبغة الدينية الذي بدا وكأنه ضميراً فردياً للمريض يتوسل الانتقال من الخاص إلى العام من خلال التوحد فـي الضمير الجمعي للمجتمع ككل كان يبدو منفصلا أو عاجزاً عن تحقيق الهدف رغم جمال صوت المنشد ورهافة الكلمات التي كان يؤديها. إن المخرج مصطفى العلوي وفريق عمله فـي تناولهم للنص المسرحي أدركوا أهمية أن يطوروا النص المسرحي من مجرد فكرة أو خاطرة إلى حالة ومن ثم يعرضوا الحالة بأوجه مختلفة بغية الوصول إلى فرجة مسرحية تضمن الحيوية لعرض فكرته الأساسية استنفذت فـي الدقائق الخمسة الأولى!!! فماذا فعلوا؟ وهل نجحوا فـي مسعاهم؟.
على مستوى النص صار التأكيد على الحالة لا على الفكرة، والحالة هنا هي الحالة الشعورية المتضخمة لدى بطل المسرحية العاجز عن إنقاذ أخيه المريض. ولكن الحالة هنا تتبلور عبر مونولوج فردي طويل وبطل أوحد للعرض «مونودراما» يسهب فـي عرض معاناته الداخلية وهذا ما أوجد تحديا آخر للفرقة فمن هو الممثل الذي أوتي من البراعة ما يؤهله إلى أن يحمل عرضا مسرحيا كاملا على أكتافه وحيدا على خشبة المسرح؟ تجنبا لمغامرة مونودرامية غير مضمونة العواقب كان الحل أن تقسم شخصية الأخ المعذب إلى ثلاث شخصيات تعكس كل واحدة منها ملمحا من ملامح الشخصية الأساس. إلا أن هذه الشخصيات الثلاث وان ملأت المسرح بتشكيلات وتنويعات حركية أكثر سلاسة لم ينج العرض المسرحي من التكرار والتداخل مما جعل البعض يرى أن دمجها فـي شخصية واحدة كان أوقع واقرب لتحقيق الفكرة.
إن المخرج فـي هذا العرض المسرحي سعى جاهدا ليتغلب على إشكاليات النص ومارس أسلوبا يمكن وصفه بأنه أسلوب الهروب إلى الأمام ولعل أول معالم هذا الهروب هو الخروج بالنص من كونه حالة معانات نفسية داخلية مكثفة إلى المحيط الخارجي فـي صور صراع مختلق بين الشخصيات الثلاث أو المعالم الثلاث للشخصية الأساس. أما المعلم الثاني فهو يتمثل فـي استخدام العديد من الوسائل المسرحية «التكنيك» لتحقيق الفرجة المسرحية التي تعوض فقدان النص للفعل الدرامي المتصاعد. وهنا يبرز السؤال الآخر المهم، إلى أي مدى كانت هذه الأساليب منسجمة أو متوافقة مع طبيعة النص من ناحية والى أي مدى كانت قادرة على تحقيق فرجة مسرحية حقيقية أو موضوعية؟.
كان أول سعي للمخرج لفك انغلاق النص يتمثل فـي الانتقال بالمعانات النفسية من الداخل إلى التجسيد الخارجي، كما ذكرنا، وذلك لأن التعامل الخارجي مع المشاعر أيسر على المؤدي والمشاهد من الغوص فـي العوالم الداخلية السحيقة للنفس البشرية وهو المبتغى الذي كان يسعى له النص. هذا الانتقال لازمه انتقال آخر من حدود خشبة المسرح إلى صالة المتفرجين وهو ما يعرف بكسر الإيهام أو بتحطيم الحاجز الرابع وقد مهد للمسرحية قبيل البدء وتكرر خلالها عدة مرات بنزول الممثلين إلى الصالة أو الخروج من ايهاب شخصياتهم التمثيلية لتوجيه جملة أو عبرة خطابية مباشرة، فالمسرحية تبدأ بحفلة عيد ميلاد من الصالة تسودها بعض معالم الفرح المتمثلة بموسيقى الفرح وبتجوال الممثلين بين الجمهور موزعين عليهم الحلويات وبطاقات المسرحية المرسوم عليها قلوبا وردية مخبريهم بأن المسرحية ستبدأ بعد قليل. ثم يستخدم المخرج تكنيكا آخر ما يعرف بأسلوب الصدمة أو الانقلاب أو التحول المفاجئ إذ سرعان ما يتحول الفرح إلى حزن طاغ عندما نكتشف ان حفلة عيد الميلاد إنما هي لأخ يقبع على فراش الموت وأن الشخصيات على خشبة المسرح إنما تحتفل بعيد الميلاد على أمل أن تجد له الهدية المناسبة التي تنقذه من النهاية المحتومة، قلب نابض حي يستبدل به قلبه المعطوب. وحتى لا يتوقف الحدث بعد ذلك يسعى المخرج إلى استخدام تكنيك «الاسترجاع» أي العودة بالذاكرة إلى الماضي كالعودة إلى الطفولة أو العودة إلى مواقف فاصلة فـي حياة المريض والأخ المعذب ولم يكتف المخرج بتلك العودة بل يلجأ إلى أن يجعل من بعض ملامح تلك العودة صورة أقرب إلى الكاريكاتور فـي محاولة لاستقطاب الصالة بمشاهد كوميدية لا تحتملها طبيعة العرض أو طبيعة الحالة المعروضة وهذا أمر انعكس على أداء الممثلين إذ تشتتوا بين أن يكثفوا حالة الحزن أو أن يخرجوا من المناخ العام «المود» لأداء المشاهد الكوميدية الأمر الذي أورث العرض اضطرابا فـي الإيقاع. بغض النظر عن تلك الحالة يمثل اختيار مثل هذا النص تحديا صعبا للممثلين على خشبة المسرح خصوصا عندما يكونوا من الشباب اليانعين فـي خبرتهم التمثيلية فالأمر فـي مثل هذه الأعمال يتطلب دراسة نفسية معمقة تبرز ما فـي داخل الشخصيات الممثلة قبل أن تبرز مظاهرها الخارجية. من ناحية أخرى وقف الديكور فـي العرض، ككتل من الأقمشة والسلالم، محايدا لا يكاد يقول شيئا لصالح العرض أو ضده، ووظفت الإضاءة بحدود تفي بحاجة العرض.
إن تعدد الأساليب ينم عن مخرج يملك أرضية معرفية طيبة تحتاج إلى تراكم الخبرة وتأمل التجربة وأداء الممثلين، قاسم الريامي، جلال عبدالكريم، علي نور الدين على خشبة المسرح غلب عليه الاجتهاد الحسن النية الذي لابد أن يتواصل ويدعم بالدراسة والبحث وتدريبات عملية فـي تكنيك فن التمثيل وبالذات منهجية «مايرهولد» أو ما يعرف بالرتم الداخلي للممثل.

حوار2006/ أجراه: عبدالرزاق الربيعي

صحيفة (الشبيبة) العدد 4064 بتاريخ 22/3/2006م سلطنة عُمان