الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

حوار عن الترجمة مع د. محسن الرملي / حسين مايع

 الدكتور محسن الرملي

الترجمة هي اللغة المشتركة بين جميع البشر

 

حاوره: حسين مايع

د.محسن الرملي: كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي ــ إسباني، ولد في شمال العراق عام 1967 ويقيم في إسبانيا منذ 1995. دبلوم لغة إسبانية وترجمة من معهد بوكس في مدريد 1988. بكالوريوس لغة وأدب إسباني، جامعة بغداد، كلية اللغات، سنة 1989. دكتوراه، بتقدير ممتاز مع درجة الشرف، من جامعة مدريد (أوتونوما)، كلية الفلسفة والآداب، قسم اللغة والآداب الإسبانية، سنة 2003. أستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد منذ 2004م.

يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة كاتباً ومحرراً ثقافياً منذ 1985 وله عشرات المواد المنشورة في الصحافة العربية والإسبانية والأمريكولاتينية. تَرجَم العديد من الأعمال الأدبية بين اللغتين العربية والإسبانية، وله أكثر من ثلاثين إصداراً تنوعت بين القصة والشعر والمسرحية والرواية والترجمة. تُرجمت أغلب أعماله لأكثر من لغة، وشارك في الكثير من المهرجانات والمؤتمرات الدولية. عضو جمعية المترجمين العراقيين، عضو جمعية الكُتاب والمترجمين الإسبان المحترفين، عضو هيئة تحرير مجلة (آركيترابا) الكولومبية المتخصصة بالشعر، وعضو الهيئة الوطنية لتنظيم مهرجان طليطلة الدولي للشِعر.

*ما هو مفهوم الترجمة؟

ـــ الترجمة هي اللغة المشتركة بين جميع البشر، مهما اختلفت وتعددت لغاتهم. ولولا الترجمة لأصبحا طرشاناً في زفة العالم، قبائل منعزلة يسئ بعضها فهم بعض ويحاربه.

*كيف دخلت إلى عالم الترجمة؟

ـــــ بدأتُ بالترجمة عندما كنتُ طالبًا في المرحلة الثانية أو الثالثة من دراستي للغة الاسبانية في جامعة بغداد، حيث عثرتُ على لقاء مع رافائيل ألبرتي في نشرة لمعهد ثربانتس في بغداد، والذي كنت أتردد عليه وعلى مكتبته كثيرًا، ففرحتُ لأنني فهمته كله عند قراءته، ولذا سارعت إلى ترجمته، وبعثته إلى إحدى الصحف الرئيسية آنذاك، ففاجأتني سرعتهم في نشره ومطالبتي بالمزيد من الترجمات، ومن يومها لم أتوقف عن الترجمة ممارسةً ودراسة وتدريساً.

*ما اللغة التي تترجم منها؟

ـــ أُترجم من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية ومن اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية.

*ما هي الأدوات التي يستعين بها المترجم في عملية الترجمة؟

ـــ القواميس والمعاجم، واستشارة أصحاب الاختصاص، ومؤلف النص إن كان حيّاً.

*ما هي المهارات التي يجب أن يمتلكها المترجم ليمارس هذا النوع من الأعمال؟

ـــ معرفة جيدة باللغتين اللتين يترجم بينهما، معرفة جيدة بثقافتيهما، قدرة أدبية على إعادة الصياغة والتحرير.
*هل كل من يتقن لغة أجنبية يمكن أن يصبح مترجمًا؟

ـــ لا، لأن الترجمة معرفة وثقافة وفن إنساني في أغلبها، لذا لم تستطع التكنولوجيا التعويض عن الإنسان على الرغم من انها تحفظ قواميس كل اللغات.

*ما هي آليات الترجمة وأساليبها؟

ـــ يختلف الأمر من موضوع إلى آخر، ومن نص إلى آخر، فترجمة النصوص القانونية والعلمية ليست كترجمة النصوص الأدبية أو ترجمة النصوص الدينية، وحتى ضمن كل ميدان يختلف الأمر من أسلوب إلى آخر ومن نص إلى آخر، وأحياناً حتى من مقطع إلى آخر. أما تقليدياً فيمكن تصنيفها إلى ترجمة حَرفية وأخرى بتصرف.

*كيف تبدأ ترجمة الكتاب؟ هل تقرأ النص كاملاً قبل الترجمة، أم تبدأ مباشرة؟

ـــ بالتأكيد أقرأ النصوص أولاً، وأن تعجبني وأُحبها وأتفاعل معها وأقتنع بفائدتها أو بجمالها، بحيث أشعر بأن فيها شيئاً يمثلني من حيث الرأي أو الأسلوب، لذا ستكون ترجمتي لها بحب وانسجام معها، وكأنني أعيد كتابتها بأسلوبي.

*هل تبحث عن سيرة المؤلف وأعماله قبل الشروع في الترجمة؟ ولماذا؟

ـــ بالتأكيد، فلابد من معرفة كل ما يتعلق بالكتاب وكاتبه، لكيلا يكون المترجم كحاطب ليل، لا يدري أين هو ومن أين جاء النص، فكما يقال "هذه الثمرة من هذه الشجرة"، فالنص هو ثمرة الكاتب.
*متى يتدخل المترجم في النص الأصلي؟

ـــ المترجم هو عامل لغوي، اختصاصه اللغة، يعني يحق له التدخل في اللغة من حيث اختيار المفردات وإعادة صياغة العبارات وما إلى ذلك، ولكن لا يحق له التدخل في الموضوع والأفكار وفي كيفية بناء النص.

يملك المترجم سلطة على النص الذي ينقله فيتدخل ويغير أحياناً ويخطئ ويصيب.. وما إلى ذلك، فلا يوجد شيء اسمه ترجمة مضبوطة مائة بالمائة وخاصة فيما يتعلق بالنصوص الأدبية، ومهما حاول البعض الحديث عن الترجمة على أنها عِلم، فأنا شخصياً سأبقى أنظر إليها على أنها فن، ومن مواصفات الفن النسبية والإبداع، وليس المطلق والجمود.

*هل ترجمة الكتاب بأسلوب المترجم مسألة طبيعية أم تُعد تحريفًا للنص؟

ـــ نعم، مسألة طبيعية، ولهذا لكل مترجم أسلوبه، وعلى ضوء ذلك، نحن كقراء، قد نحب أو نفضل ترجمة النص نفسه لمترجم معين ولا نحبها بأسلوب مترجم آخر.

*ما هي أكثر التحديات التي تواجهك أثناء الترجمة؟

ـــ عدم وجود كلمة مقابلة في اللغة التي أُترجِم إليها لكلمة في اللغة التي أُترجم منها، فمثلاً؛ اللغة العربية أكبر وأغنى من حيث عدد الكلمات، ففيها أكثر من عشرة ملايين كلمة، بينما الإسبانية لا تتجاوز المئتا ألف كلمة، وهذا يعني أن هناك ملايين الكلمات العربية التي ليس لها مقابل بالإسبانية، وربما لهذا كان عدد الأعمال التي ترجمتها إلى العربية من الإسبانية هو ضعف ما ترجمته من العربية إلى الإسبانية، هذا عدا كون العربية هي لغتي الأم والأحب، أما عندما أُترجِم من الإسبانية إلى العربية، أجد بأنني أفقد الكثير من شِعرية الإسبانية ودلالاتها الثقافية الخاصة المختلفة عما في القواميس، وهنا على المترجم أن يكون عارفاً جيداً بثقافة اللغتين، ومعايشاً لهما أو فيهما، وليس عارفاً باللغتين فقط، والصعوبة الأخرى، هي صيغ المجاز الشعرية والأمثال الشعبية وغيرها، مما هو خاص جداً في اللغة الأصلية وثقافتها. ومن التحديات أيضاً؛ سؤال المترجم الدائم لنفسه: هل يحافظ على دقة ترجمة النص حرفياً أم يقوم بتطويع أسلوبه لصالح اللغة التي ينقُل إليها؟ وفي كل هذه الحالات المذكورة، تقع المسؤولية على كل مترجم أن يقرر كيفية التصرف، حسب رؤيته.

*ما هو العمل المترجم الذي تمنيت لو قمت بترجمته؟

ـــ كثيرة جداً، تقريباً كل الأعمال التي قرأتها بالعربية أو بالإسبانية وأعجبتني، تمنيت لو أن لدي الوقت الكافي والظروف المناسبة لترجمتها. ومنها الأعمال الكاملة للشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو الذي أحبه، و(الدون كيخوته) لأنني أعرفه جيداً بحكم تخصصي الأكاديمي فيه.

*بم تشعر عند ترجمة كتاب ما؟ وما أكثر كتاب استمتعت بترجمته؟

ـــ أشعر بالتعب والمتعة معاً أثناء الترجمة، وبالراحة عند إكمال الترجمة، وبشيء من الرضا لشعوري أنني قدمتُ شيئاً قد ينفع آخرين، وأكثر كتاب استمتعتُ بإعداده وترجمته هو (لهذا نكتُب الروايات).
*ما هو أصعب كتاب ترجمته؟ ولماذا؟

ـــ مسرحية (طالب سالامنكا) لأنها مسرحية شعرية ومكتوبة بلغة كلاسيكية.

*ما الفرق بين ترجمة كتب العلوم الإنسانية وترجمة العلوم الصرفة؟

ـــ ترجمة العلوم الإنسانية تشبه ترجمة الأدب لذا فهي ترجمة يدخل فيها الفن والإبداع بشكل كبير وليس بالضرورة أن يكون مترجمها متخصصاً فيها، أما ترجمة العلوم الصرفة فهي علم أيضاً وعلى مترجمها أن يكون مختصاً أو عارفاً جيداً بالعلم الذي يترجم فيه.

*ما رأيك بترجمة الشِعر؟

ـــ ترجمة الشعر صعبة جداً، لكنها الأجمل من حيث ما تنطوي عليه من تحدي وحتى خيال وابتكار.

*ألا يوقعك ذلك في مأزق تدخل ذائقتك في النص المترجم؟ أم أنها نقطة إيجابية؟

ـــ بالنسبة لي إنها نقطة إيجابية، كون الأديب أكثر تحسساً وتذوقاً ومعرفة بلغة الأدب، مثلما أن الطبيب أكثر معرفة بلغة الطب. وما أكثر الترجمات التي قام بها شعراء ومبدعين فنفضلها على ترجمات غيرهم من المحترفين، حتى بغض النظر عن دقتها أحياناً، ولدينا على سبيل المثال الترجمات التي قام بها مبدعون أمثال حسب الشيخ جعفر، جبرا إبراهيم جبرا، سعدي يوسف، صلاح نيازي، سركون بولص، كاظم جهاد وغيرهم، فمن حسن الحظ أن غالبية مترجمي الآداب عندنا هم أدباء أصلاً.

وأمر تفضيل ترجمة الشاعر للشعر والأديب للأدب لا يقتصر علينا فقط، وإنما هو سائد في الثقافات واللغات الأخرى، فوجدت مثلاً أن المثقفين الإسبان يفضلون ترجمة أعمال ريلكه (غير المضبوطة!) التي قام بها شاعر وفق أسلوبه، على ترجمة (مضبوطة!) قام بها مترجم محترف.

*ما المعايير التي تعتمدها عند اختيار كتاب لترجمته؟

ـــ أن يعجبني وأعتقد بأهميته وبكونه نافعاً لقراء اللغة الأخرى، وبالطبع هناك معايير أخرى خارجية تتعلق بسوق الكتاب نفسه وما يطلبه القراء والناشرون أكثر من غيره.

*هناك أعمال تُرجمت أكثر من مرة، متى تكون إعادة الترجمة أمرًا لابد منه؟

ـــ دائماً الترجمة وإعادة الترجمات مهمة وتشكل إثراءً للمتلقي، وهناك بعض الأعمال الكلاسيكية والخالدة، أنا مع إعادة ترجمتها كل أربعين أو خمسين سنة، لأن لغة العصور والمراحل والأزمنة نفسها تتغير. وهكذا بإعادة ترجمتها إلى لغة وأسلوب اليوم ستستفيد منها الأجيال الجديدة كما استفادت منها الأجيال السابقة.
كما أن لكل مترجم أسلوبه وله قُراء ومتلقين يفضلونه ويثقون به أكثر من غيره، وهذا أمر غالباً ما يحدث مع ترجمة الأعمال الكبيرة إلى مختلف لغات العالم، فقد حدث مع أعمال شكسبير في الإسبانية، و(الدون كيخوته) تمت ترجمته إلى الإنكليزية والفرنسية قرابة مئة مرة، وسوف يُترجم مستقبلاً مرات أخرى.. وهكذا.

*كيف ترى علاقة المترجم مع الناشر؟

ـــ يجب أن تكون قائمة على: تفاهم وثقة وعمل ومصلحة مشتركة، لكل منهم هدفه، إضافة إلى الهدف المشترك وهو تقديم عمل جيد ونافع للمتلقي.

وشخصياً؛ علاقتي مع كل الناشرين الذين تعاملت معهم جيدة، ولم أواجه أية مشاكل معهم في كل ما ترجمته، ربما أن هذا راجع لمعرفتنا الشخصية ببعضنا والثقة المتبادلة، وخاصة ثقتهم هم بي ومدى معرفتي بالمادة التي أريد ترجمتها، بل أن أغلبهم يستشيرني أحيانًا حول عناوين يطرحها عليهم مترجمين آخرين.

*ما فائدة تواصل المترجم مع المؤلف؟

ـــ بما أن الأسلوب هو الإنسان، كما يقال، فمثلما معرفة الأسلوب تعرفك بالإنسان فإن معرفة الإنسان تعرفك بأسلوبه أكثر وبأفكاره ومقاصده، لذا يسعى المترجم إلى معرفة المؤلف قدر الإمكان، حتى وإن كان ميتاً منذ قرون، فطبيعي أن تكون معرفته الشخصية وهو حي ستُثري معرفة المترجم بالكتاب، وكذلك توفر له سنداً واطمئناً للاستفسار عما قد يصعب عليه.

*لماذا يُفضل القارئ العربي غالبًا الكتب المترجمة؟

ـــ ربما لأن الكتاب صناعة متكاملة الأركان في الغرب، فخلفه فريق من العاملين ولا يعتمد على الجهد الفردي للمؤلف فقط، لذا تكون جودته أفضل من حيث البناء والتقديم والأسلوب والمواضيع وكيفية تناولها، يضاف إلى ذلك، رغبة القارئ بالتعرف على ما هو أبعد من محيطه، ومتابعة الجديد في الثقافات الأخرى.

*لماذا تُترجم الكتب الأجنبية إلى العربية أكثر مما تُترجم الكتب العربية إلى اللغات الأجنبية؟

ـــ لأن الجديد والجيد يظهر عندهم، هم أمم متقدمة علينا في هذا الزمن، بينما كان الأمر معكوساً في أزمنة سابقة، فكانوا يترجمون أعمالنا، هذا أمر طبيعي لمتابعة التقدم، وفي كل الأحوال فإن ترجمتنا لأعمالهم أكثر من ترجمتهم لأعمالنا، هو لصالحنا، وهو الأمر المنطقي والصحيح، وسبق لي أن كتبت وتحدثت عن هذا الأمر في أكثر من مقال ولقاء.

*ما الأعمال التي يجب أن تُراجع بعد ترجمتها، سواء لغويًّا أو علميًّا؟

ـــ كل الأعمال يجب مراجعتها، وكل مراجعة إضافية هي لصالح الجودة.

*ما رأيكم في إشكالية المصطلح في العالم العربي؟ وكيف السبيل إلى حلها؟

ـ إشكالية المصطلح لا يقتصر وجودها على العالم العربي فحسب وإنما هي إشكالية موجودة في كل العالم بنسب متفاوتة، وهي إحدى الإشكاليات التي نبهت إليها الفلسفة مبكراً وأكد عليها برغسون معزياً إلى الاختلاف في فهم المدلولات لكل مصطلح؛ الكثير من الاختلافات الفكرية والثقافية، لذا لا أعتقد بأن لها حلاً حاسماً، وخاصة كونها نتاجاً لغوياً وثقافياً، ومن طبيعة نتاج من هذا النوع هو استحالة إخضاعه الكامل للتصنيف العلمي المادي وتفصيل زيّ موحد للدلالات ومداليلها، بل على العكس أرى في تباين فهمها هذا؛ جزء من ثرائها وهو من صلب تركيبة مكوناتها أصلاً.

*هل يُعدّ توضيح المصطلحات الغامضة مسؤولية المترجم، أم يُترك ذلك للقارئ؟

ـــ نعم، هي من مسؤولية المترجم، وخاصة المصطلحات الجديدة، أو تلك التي ليست شائعة لدى عموم القراء.

*ما أهمية الهوامش في الكتب المترجمة؟

ـــ أنا لست مع الإكثار من وضع الهوامش إلا للضرورة، بل إن بعضها يمكن تعويضها بشكل فني داخل النص نفسه، بتصرف وأسلوب ذكي.

*ما أسباب تحريف النصوص لدى بعض المترجمين؟ وكيف يمكن معالجة هذه الظاهرة؟ وما دور الناشر في ذلك؟

ـــ هناك عدة أسباب لذلك، فمنها ما يتعلق بالرقابة، ومنها ما يتعلق بعدم توافق رأي المترجم مع المطروح، ومنها ما يتعلق بعدم فهم المترجم للنص أو لبعض منه، ومسؤولية ذلك تقع على المترجم في كل الأحوال، أكثر من الناشر.

*إلامَ تُعزى أسباب قلة المترجمين المتخصصين في الكتب رغم تخرج آلاف الطلبة من أقسام اللغات؟

ـــ لا توجد قلة بالمترجمين، بل على العكس؛ نحن أكثر أمة لديها أناس يجيدون لغات أخرى، لكن الترجمة لكي تتحول إلى مهنة، تحتاج إلى شغف وحب وقناعة بأهميتها، إضافة إلى ضرورة أن تكون مصدراً جيداً لكسب العيش، فلو توفر هاتان الشرطين لرأيت أضعاف ما لدينا اليوم من مترجمين، على الرغم من أنهم كثر لحسن الحظ.

*ماذا أضافت جوائز الترجمة للمترجمين؟ وهل يمكن أن تكون دافعًا لتحقيق مستوى أعلى في مجال الترجمة؟

ـــ الجوائز دائماً مهمة، في كل المجالات، لإنها تزيد من تسليط الضوء على الإنجازات والاهتمام بها، وتشكل تكريماً للميدان ومحترفيه، وهي بالفعل تساهم برفع مستوى الإنجاز كمّاً ونوعاً، ورفع مستوى التنافس، مما يقود إلى تجويد الأعمال أكثر.

*انتشرت في الآونة الأخيرة الترجمة باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي، لكنها غالبًا ما تكون غير دقيقة. ما الحل للحد من انتشار الترجمات الرديئة؟

ـــ الترجمة حالها حال كل النتاجات الثقافية الأخرى، سيغربل التلقي والزمن؛ الجيد منها والرديء، لذا لا خطر كبير من ذلك، فالقارئ لن يكرر اقتناء كتاب آخر للمترجم أو الناشر السيء نفسه مرة أخرى، ولا يصح إلا الصحيح في نهاية الأمر والبقاء للأفضل، وبالطبع لا بأس من استفادة المترجم لبرامج الذكاء الاصطناعي، كاستفادته من أي قاموس، لكن يبقى الجهد الإنساني الخاص بالمترجم هو الأهم والمعيار في نهاية الأمر.

بشكل عام؛ ليست لدي أية مخاوف من الذكاء الاصطناعي، وأنا مبدئياً، مع كل اكتشاف جديد وتطور، وأُدرِك بأنه من الطبيعي أن تكون هناك جوانب واستخدامات إيجابية وأخرى سلبية لأية وسيلة أو أداة جديدة يكتشفها أو يخترعها الإنسان، منذ أن اكتشَف العَجلة وإلى أن تقوم الساعة، ويبقى الأمر في كيفية استخدامنا لهذه الوسائل، لذا عادة ما ننتهي إلى وضع قوانين معينة للاستخدام، وبالنسبة للذكاء الاصطناعي، على صعيد الأدب والكتابة والترجمة وغيرها، فله فوائد ومنافع كثيرة، ويُسهل ويُوفر على المشتغلين في هذه الميادين الكثير من الوقت والجهد والترويج وما إلى ذلك. ومما لا يدعونني للخوف منه، هو ثقتي بأن الإنسان لا يمكن أن تعوضه أية وسيلة أو أداة أخرى، هي من اختراعه في الأصل، فتركيبة الإنسان عظيمة، والشخص ذاته هو ليس نفسه بين يوم وآخر وموقف وآخر ومكان وآخر وزمان وآخر، أما الآلة فهي ذاتها، كما صممها الإنسان وبرمجها، كما لا يمكن تعويض أو استبدال الأحاسيس والمشاعر والتأملات والعواطف واللمسة الإنسانية أبداً، مهما حاولت الآلة تقليدها وتمت برمَجتها عليها.

*من هم أهم المترجمين الذين قرأت لهم؟ ولماذا؟

ـــ قرأت للكثيرين جداً، والمعيار أنهم كانوا رائعين في عملهم وبمعرفتهم بالثقافتين وبإجادتهم للغتين وأساليبهم البديعة في الصياغة، أذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر: جبرا إبراهيم جبرا، سامي الدروبي، عبد الرحمن بدوي، حسب الشيخ جعفر، صالح علماني، فؤاد رفقة، عبدالمسيح ثروت، جورج طرابيشي، محمد علي اليوسفي، خالد الجبيلي، سامي الجندي، رفعت عطفة، أحمد عبد اللطيف، أحمد الشافعي، معاوية عبد المجيد.. وغيرهم كثر.

*هل سبق أن صادفت كلمة أو جملة تُرجمت بطريقة غريبة أو طريفة؟

ـــ نعم، كثير، ولكن هذا لا يزعجني بقدر ما يجعلني أبتسم، وهذا وجدته عند الكثير من المترجمين الإسبان أكثر من العرب. وأنا أتفهم ذلك، وأعذر المترجمين في الكثير من هفواتهم، فأنا منهم، وأدعوا إلى تفهمهم وعذرهم.

*لقد قمتَ بترجمة أعمالاً من وإلى اللغة الإسبانية، خصوصية اللغة العربية ألا تعترضك كمشكلة حين تقوم بنقل نص ما؟

*نعم، وبشكل خاص حين تكون الترجمة من العربية إلى الإسبانية، إلى الحد الذي اعتذرت فيه لأكثر من مرة عن الترجمة حين أجد بأن القيام بترجمة معقولة أو مقبولة يكاد يكون مستحيلاً ما لم يتم تشويه النص وتقويله غير الذي يقوله، بحيث يبدو وكأنه نص آخر تماماً، وخاصة فيما يتعلق بالنصوص الأدبية التي تشكل اللغة روحها ولحمها، أما الترجمة من الإسبانية إلى العربية فهي أسهل بالنسبة لي كون العربية أغنى وأوسع، ولأنها لغتي الأصلية التي أعرفها أكثر من سواها.

*في ظل القراءات الكثيرة الجديدة لمصداقية الترجمة العربية، كيف ترى مستقبل هذه الترجمة التي ارتكبت في أحيان كثيرة جرائم بل ومقابر جماعية أحياناً؟

ـــ أنا شخصياً مع الإكثار من الترجمة، أي مع المزيد من الكم أولاً ثم النوعية بالمقام الثاني، ذلك أن هناك الكثير جداً مما يجب علينا ترجمته، وكل يوم هناك مئات العناوين الجديدة والجيدة في العالم في شتى المعارف والفنون، والترجمات مهما تكن مستوياتها من حيث الدقة والأمانة والجودة فهي أفضل من لا شيء، أي أن تكون لدينا الأعمال مترجمة إلى العربية بشكل ضعيف أو حتى سيئ، فهي أفضل من ألا تكون مترجمة أبداً ولا نعرف عنها أي شيء.

*يقال إن المترجم بطبعه إنسان غير اجتماعي ولذا لا ترى روح الفريق الواحد تشيع بين المترجمين الذين يعملون في إدارات وهيئات ومنظمات كبير، ما السبب وراء ذلك؟

ـ هذا قول نسبي، فكون إنساناً اجتماعياً أو غير اجتماعي إنما يعود في الأصل لطبيعة كل شخصية منفردة على حدا وليس للمهنة، ولا أتفق مع وصم المترجمين بشكل عام بكونهم غير اجتماعيين، فيما هم يتعاملون ويتعايشون مع ثقافتين ومجتمعين مختلفين أو أكثر وغالباً ما ينجحون في ذلك ويكونون جسوراً بينها، أما عن كونهم يفضلون العمل الفردي على الجماعي أثناء ممارسة عملية الترجمة ذاتها فهو في رأيي عائد لكون الترجمة في جانب كبير منها فن وإبداع، لكل فيها أسلوبه وخصوصيته في طبيعة العمل مما يجعل المترجم يشعر بالعبء وعدم الانسجام عندما تتداخل الأساليب وطرق العمل والمفاهيم على نص واحد.

*وما هي مشاكل المترجم الغربي؟

ـ هم لهم مشاكلهم أيضاً ولكنها لا تُقاس بحجم وطبيعة مشاكلنا، فبعض أصدقائي من المترجمين الغربيين يعيشون بشكل جيد من خلال عملهم في الترجمة فقط، ومع ذلك فهم يطالبون كل يوم بالمزيد من الحقوق التي صارت في بعض الأحيان تكاد تشابه حقوق المؤلف الأصلي، ومن ذلك مثلاً نسبة في واردات البيع ونسبة من الـ 10% المُستحصَلَة سنوياً كضريبة عن الاستنساخ وغيرها، بعضهم يشكوا أيضاً بأنه لا يجد دار نشر تتبنى ما يختاره هو وفق ذائقته الخاصة، وإنما تأتيه الأعمال مقررة من قبل دور النشر. وفي محاضرتي التي ألقيتها في معرض الكتاب في مدريد بدعوة من رابطة المترجمين والكتاب الإسبان، أثارتهم الشواهد التي عرضتها عليهم في كون المترجم العربي، وعلى الرغم من أنه مهضوم الحق مادياً، إلا أنه يحظى بتقدير معنوي كبير فيحوز شهرة ويوضع اسمه على غلاف الكتاب أسوة بالمؤلف، أما هم فالمعتاد لديهم هو أن يوضع اسم المترجم داخل الكتاب ضمن قائمة المعلومات الخاصة بالنشر وبخط صغير، وقد أثار هذا الأمر جدلاً واسعاً بينهم وأدرجوه ضمن الحقوق التي سيسعون للمطالبة بها.. وأعرف شخصياً منهم من صار يصر على وضع هذا الأمر كشرط في عقوده مع الناشرين ونجح في ذلك.

*لماذا يُقال أن في الترجمة الأدبية إعادة كتابة أو إعادة خلق أكثر من كونها ترجمة وذلك لأن المترجم يعيد كتابة النص الأدبي كل بطريقته أو أسلوبه الخاص؟

ـ لأن العمل الأدبي يختلف عن العمل العلمي أو الوثائقي ـ في كون اللغة هي بدنه وروحه ومادة نسيجه الفني وتكوينه الأساسية، وكما يقول بورخيس إن أصل مفهوم الترجمة الحرفية ليس أدبياً. وغابريل غارثيا ماركيز يُبدي إعجابه بمترجمين رواياته فيقول:" أعتقد بأن أعمالي قد أُعيد إبداعها بالإنكليزية تماماً، فهناك أجزاء يصعب نقلها حرفياً. لدي انطباع بأن المترجم قد قرأ الكتاب كله ثم أعاد كتابته بالاعتماد على ذاكرته؛ لهذا فأنا معجب بالمترجمين، إنهم حدسيون أكثر منهم عقلانيين وليس المؤسف في أن الناشرين يدفعون لهم قليلاً فحسب، بل إنهم لا يعتبرون عملهم كإبداع أدبي!". إذاً فالترجمة الأدبية هي إبداع أيضاً، لذا فأنا أتفق تماماً مع ما قاله محمود درويش، هنا في مدريد عند تقديم أحد أعماله المترجمة إلى الإسبانية، قال: أشكر المترجم الذي هو شريكي بتأليف هذا الكتاب باللغة الإسبانية.

*كيف ترى دور الترجمة في الحوار بين الحضارات؟

ـ لا شك أن دور الترجمة عظيم في خدمة البشرية جمعاء وكل حضاراتها، وليس هناك أي وجود لحضارة تستحق أن تسمى (حضارة) ما لم تستفد من الحضارات الأخرى ومن الترجمة عنها وإليها. إن أهمية الترجمة لا تقل أبداً عن أهمية وظيفة اللغة الخاصة التي نتحدث بها لنتفاهم مع القريبين منا، فهي بمثابة اللغة التي نتفاهم بها مع البعيدين وكلما زادت الترجمات بين اللغات والثقافات كلما زاد واغتنى الحوار وبالتالي الفهم والتفاهم بينها، وأنا عادة ما أحلم وأدعو لإيجاد وزارات للترجمة أسوة بوزارات مثل الخارجية والتربية والمواصلات والاقتصاد وسواها.

*ما الهدف من التقديم للكتاب المترجَم؟ وماذا يجب أن تحتوي هذه المقدمة؟

ـــ شخصياً أرى بأن مقدمات المترجمين ضرورية ومهمة، لأنها مفتاح التعارف والتعريف بالعمل وصاحبه، إنها تضيء لك الطريق قبل السير فيه. الأمر يشبه تقديم الأشخاص في محاضرة، أن نعرف شيئاً عن المُتحدِّث وعن موضوعه قبل الاستماع إلى حديثه، سيجعل التفاعل والمتعة والفائدة أكثر.

*هل تنصح المترجم بالتخصص في مجال معين أم أنه من الأفضل أن يترجم في جميع المجالات؟

ـــ لا شك أن التخصص هو الأفضل في كل المجالات، فليس هناك أفضل من الشاعر لترجمة الشعر، والسارد لترجمة السرد، والقانوني لترجمة القانون، والاقتصادي لترجمة الاقتصاد.. وهكذا.

*هل لديك نصائح تود توجيهها للمترجمين الجدد؟

ـــ أنصحهم بألا يتوقفوا عن القراءة باللغتين، ومتابعة الجديد فيهما دائماً، من حيث الحِراك الثقافي وسوق الكتب ومزاج القراء وأخبار الأنشطة والجوائز وما إلى ذلك. أن يتعايشون مع الثقافتين، وعدم الاكتفاء بالتمكّن من اللغة، لأن معرفة الثقافة توازي معرفة اللغة، هما جناحان لطائر واحد. الأمر الآخر هو أن يحبوا عملهم، ويقتنعون بأنهم يقدمون خدمة مهمة جداً للآخرين، وبأن الترجمة بحد ذاتها، عمل مهم ونبيل ونافع وشريف وممتع وجميل، يستحق الامتهان وتكريس العمر له، ثم يسعون لجعل الترجمة حرفتهم، فليس هناك ما هو أفضل وأجمل من أن يعيش الإنسان من عمل يحبه. عندها سوف يبدع فيه حتماً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في كتاب (الوجه الآخر للتأويل، حوارات في الترجمة)، حسين مايع، دار قناديل، بغداد 2025م. 

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

عن محسن الرملي / د. عبدالكريم خليفة

 محسن الرملي ليس مجرد أديب عراقي

(روائي وقاص وشاعر ومترجم)

 

الدكتور عبدالكريم خليفة

اشكالية صورة المرأة متمثلة بالأم، وصورة الوطن متمثلة بالأخ الشهيد حسن مطلك.. هذا ما اكتشفته وحللته.

اليوم صباحا وأنا استمع لإذاعة (مونت كارلو الدولية) ولقاء مميز مع ابن الشرقاط الأديب محسن الرملي، اكتشفت ايضا انه مفكر كبير وباحث اجتماعي من الطراز الأول، وله رؤية خاصة وثاقبة بعدد من المواضيع الاجتماعية، وايضا لاحظت انه يعيش بمحنة رفض النظام السابق والصور الظلامية التي اختزنت بذاكرته، وايضا اشكالية النظام الحالي، ويعيش ايضا بين الغربة وحنينه لوطن تغيرت ملامحه وقيمه، وبالرغم من هذه الاشكاليات لكنه بقي اسمه يتردد كهمس في ذاكرة الأدب العراقي المعاصر، لا لأنه مجرد روائي أو شاعر أو مترجم، بل لأنه صار صوتًا للمنفى والوجع والحلم المؤجل، وصار نصه كالوطن البديل، يلمّ شتات العراقيين ودار النشر الذي يديره اسرة تجتمع على مائدة الثقافة ويمنحهم مرآة يرون فيها وجوههم المرهقة.

وُلد الرملي في أرض الشرگاط، أرض النخيل المائل على ضفاف دجلة، حيث يولد الأطفال وهم يحملون في عيونهم صدى التاريخ ورائحة الطين هذه الارض التي تورق في كل جمعة اديب او شاعر او باحث او عالم لكن هذا المولود، الذي شبّ وسط الطقوس الشعبية والأساطير المنقوشة على ذاكرة الريف، كان قدره أن يحمل العراق كله على كتفيه، وأن يرحل بعيدًا، مجبرا متعلق بأهداب وطن الذكريات ليكتب عنه من مكان آخر. المنفى بالنسبة له لم يكن مجرد إقامة في بلاد بعيدة، بل كان قدرًا يوسّع مساحة النظر، فيجعله يرى العراق كما لا يراه أحد، يراه كحلم يتسرب من بين الأصابع، وكأرض مشتهاة لكنها بعيدة، يراه كجرح يظل مفتوحًا مهما طال الزمن، تجاوز الثالوث الممنوع عن الادباء وهو السياسة والدين والجنس فمنح لقلمه ان يتجاوز هذه الخطوط.

في رواياته، يختلط الواقع بالأسطورة، ويذوب الحاضر في الماضي. نقرأ (حدائق الرئيس) فنشعر أن الشخوص الذين يسيرون في ظلال الدكتاتور ليسوا إلا انعكاسًا لجماعة بشرية كاملة عاشت في سجن مفتوح اسمه الوطن. نقرأ (تمر الأصابع) فنلمح بين السطور تلك اليد العراقية التي تريد أن تلمس الحياة، لكن الحرب تقطع أصابعها واحدًا تلو الآخر. نقرأ (ذئبة الحب والكتب) فنجد أن المعرفة والحب صارا شبيهين بذئب يتربص بالروح، لا يتركها تنام ولا يمنحها الطمأنينة. كل نص عند الرملي هو محاولة لالتقاط معنى العراقي: الإنسان الذي يحيا في الحروب كما يحيا في الغربة، الذي يحمل على كتفيه ذاكرة الموت لكنه لا يكف عن الحلم بالحب.

إنه يكتب بأسلوب يجمع بين البساطة والعمق، بين الحكاية الشعبية التي تختزن بذاكرته كشلال جارف والنَفَس الفلسفي. شخصياته ليست بطولية بالمعنى التقليدي، لكنها مقاومة بطريقتها الخاصة وكل شخصياته محركها الاساسي انثى، وان كان للرجل حضور رجل يزرع نخلة رغم القصف، امرأة تنتظر ابنها الأسير رغم استحالة عودته، شاعر يواصل الغناء رغم أن أحدًا لا يصغي. كل هؤلاء يتحركون في فضاء رمليّ يختلط فيه الغياب بالحضور، وكأنهم يصرخون في صمت نحن هنا، رغم كل شيء.

الغربة عنده ليست نزهة أدبية، بل امتحان للروح. هو يكتب بالإسبانية كما يكتب بالعربية، وكأن لغتين لا تكفيان كي تحملا كل ما في داخله من حنين، فهو سفير الانتقال الادبي بين العربية والاسبانية، يترجم ما يشعر انها تزيد من ثقافة ووعي ابناء جلدته، وفي كل نص، هناك ظل الأم، ظل الطفولة، ظل البيت الطيني، كأنها جميعًا أبواب يحاول أن يعود منها، لكنه كلما اقترب وجدها مغلقة بوجهه. المنفى يتحول عنده إلى قدر صوفي، إلى ابتلاء يعلّم الروح كيف ترى ما وراء المرئي.

محسن الرملي هو أيضًا شاعر، حتى حين يكتب الرواية فيكتب المسرح بلغة شعر وعنه النص قصة قصيرة يكتب الرواية بنفس شعري جُمله مشبعة بالإيقاع، كأنها مقاطع من نشيد قديم. وهو متصوف، حتى حين يتحدث عن الموت والسياسة، إذ ينسج من الخراب أفقًا من النور، ويجعل من الدم النازف مدادًا لكتابة جديدة. إن نصوصه ليست مجرد قراءة في التاريخ العراقي الحديث، بل هي محاولة لالتقاط جوهر الوجود الإنساني وهو يواجه العدم.

في زمن صار فيه الأدب مرآة للخذلان، يقدّم الرملي أدبًا يصرّ على أن يظل شهادة، شهادة على أن العراق لم يمت رغم الجراح، وأن المنفي يمكن أن يكون أكثر وطنية من المقيم، وأن الكلمة تستطيع أن تهزم الموت إذا كُتبت بصدق.

إنه يكتب العراق لا كما هو، بل كما ينبغي أن يكون: أرضًا تحيا في الذاكرة والخيال، أرضًا تستعصي على المحو، أرضًا تظلّ، مهما تهشمت، قادرة على أن تنبت من بين أنقاضها وردة برية، أو قصيدة، أو رواية جديدة.

بهذا المعنى، محسن الرملي ليس مجرد أديب عراقي، بل هو أحد حرّاس الذاكرة العراقية في زمن النسيان، وأحد الذين جعلوا من الأدب وطنًا بديلًا، ومن الكتابة صلاةً طويلة لا تنقطع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*د. عبدالكريم خليفة: كاتب وأكاديمي عراقي.

https://www.facebook.com/d.bd.alkrym.khlyft

الأحد، 7 سبتمبر 2025

محسن الرملي في إذاعة مونت كارلو الدولية

 برنامج/ كافيه شو

محسن الرملي: الفرح لا يصلح موضوعاً لرواية 

إعداد: باسم سلوم وغادة الخليل

نشرت في: 07/09/2025

استضفنا في برنامج كافيه شو الكاتب العراقي محسن الرملي للحديث عن أعماله الأدبية ومسيرته الممتدة بين العراق وإسبانيا، وعن مجموعته القصصية الجديدة "آخر القرويين" الصادرة حديثا عن دار المدى.

هذه المجموعة تمثل امتدادا لتجربته السردية في التقاط تفاصيل الحياة العراقية، ولا سيما في الريف الشمالي، حيث يمزج الرملي بين الواقعية والأسطورة في رسم تحولات الناس تحت ثقل السياسة والتاريخ.

محسن الرملي يعد من أبرز الأصوات العراقية المعاصرة، غادر العراق منتصف التسعينيات ليستقر في مدريد.

ترجمت أعماله إلى لغات عديدة، وحظيت رواياته مثل الفتيت المبعثر وتمر الأصابع وحدائق الرئيس وبنت دجلة باهتمام نقدي وجماهيري واسع، كما وصلت إلى قوائم الجوائز العربية والدولية الكبرى.

وفي كتاباته، تحضر السخرية والمرارة جنبا إلى جنب مع الحس الإنساني العميق، لتشكل شهادة على ما عاشه العراقيون من حروب ومنفى وأحلام مؤجلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في: 07/09/2025 

الرابط

https://www.mc-doualiya.com/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%AC/%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%87-%D8%B4%D9%88/20250907-%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AD-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B5%D9%84%D8%AD-%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9

الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

فحوصات ثقافية: عن الأجيال/ محسن الرملي

 

فُحوصات ثقافية

أين الأجيال الإبداعية!

بقلم: الدكتور محسن الرملي

تُرى هل انتهى تقليد تسمية الأجيال الإبداعية؟ وتسمية: مدارس، تيارات، حركات وجماعات ثقافية؟ وكنا قد اعتدنا هذا التقليد طوال القرن العشرين. بينما نشهد اليوم تراجعه حتى في الثقافة الإسبانية، التي عُرِفت بالتَجيِّيل أكثر من غيرها، وأخذَته عنها الثقافات الأخرى، وكان أبرز أول أجيالها في أواخر القرن التاسع عشر، -وتحديداً- في 1898 لذا؛ اشتهر بتسمية جيل الـ98 ورسخت بعض أسماء أعضائه في إرث الأدب العالمي، كالحائز على نوبل 1956 رامون خيمينيث، الذي ألَّف عنه العقاد كتاب (شاعر أندلسي وجائزة عالمية)، والشاعر الكبير ماتشادو والمفكر أونامونو وغيرهم، تلاهم في الشهرة والأهمية: جيل الـ 27 الذي ضم لوركا وألبرتي وإرنانديث وبيثنته ألكساندره الحائز على نوبل 1977 وغيرهم. وعلى الرغم من أن مسألة التجييل لها شروطها المعروفة، التي دار الجدل عنها كثيراً، إلا أن اِتباعها كإجراء نقدي وإعلامي قد أثبت جدواه وإيجابيته في الإعانة على التعرّف والفهم والتدريس والإحاطة بالنتاج والخصائص وهموم الأسماء الجديدة التي تظهر في الساحة، ولم تقف عائقاً أمام خصوصية الأصوات الفردية داخلها، فتم اللجوء إلى اتخاذ العقود السنوية لتسمية الأجيال.. واتبعنا نحن في ثقافتنا العربية هذا الإجراء، فاعتدنا تسميات أجيال: الخمسينيات، الستينيات.. ولغاية التسعينيات، حيث تتبلور الأسماء وتظهر إصداراتها الأولى في منتصف العقد، ومنها ما يجتمع ويُصدِر بياناً للتعبير عن رؤيته وتدوينها وتحديد همومه ومفاهيمه ومتلاقياته واختلافاته مع الأجيال السابقة.. فما الذي حدث؟ وها نحن في منتصف العقد الثالث من هذا القرن، ولم تبرز بيننا أية محاولة جادة وواضحة تُسمي لنا الأجيال الجديدة! هل لصعوبة إيجاد التسمية؟ أم أنه تراجع النقد؟ أم ضعف التواصل والتلاقي الشخصي والفكري بين المبدعين الجدد؟ أم العكس، حيث عززت سعة وسهولة وسائل الاتصال هم الاشتغال على الاسم الفردي، وأن هذا الانفتاح في النشر والتواصل قد زاد من صعوبة حصر أسماء بعينها؟ أم أن تسمية (جيل) ذاتها قد انتهت وأصبحت من الماضي؟ وإذا كانت قد انتهت.. فما هو البديل؟ وهي التي كانت تعين المتلقي والدارس على تكوين تصور ما، وإطار يُعرّفه بكل جيل، أفكاره وقضاياه ولغته وما يحيط به وبنتاجه من ظروف، كما يساعد على ترسيخ، أو -على الأقل- تَذكُّر الأسماء والملامح. بالطبع، ثمة بعض المحاولات المحدودة لمواصلة هذا الإجراء والسعي لتشكيل مجاميع، أكثر من تسمية أجيال، حسب معرفتي بالساحات الثقافية الإسبانية والعربية والأمريكولاتينية، بعضها يحظى بانتباه، سرعان ما يخفت، ولكن الواضح؛ هو أنها لم تعد تحمل الأهمية ذاتها، ولم تتمكن هذه التسميات من فرض صوتها واسمها كما كان يحدث من قبل. وهذا أيضاً يستدعي التقصي عملياً وعلمياً، وفق تجربة كل محاولة أو مجموعة، ومن ثم دراسة كل ما يتعلق بتراجع هذه الظاهرة بشكل عام، ومسألة التجييل بشكل خاص... أنا شخصياً مع إعادة اِتباع إجراء التجييل الذي أثبت فاعليته، وأتساءل: تُرى هل تستحق منا هذه القضية وقفة تأمل ونقاش فعلاً، أم أن الأصح هو الاكتفاء بتجاهلها والاستسلام لانتظار ما ستتمخض عنه صيرورة الوقت وطبيعة الحراك الثقافي عموماً؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 83، سبتمبر 2025م

https://xsi.sibf.com/content/uploads/publisherweekly/pdf/2_547ea81c7ea34dae9c39ee31408a3a.pdf

حوار محمد شكري/ ترجمة: محسن الرملي

 

الكاتب المغربي محمد شكري يتحدث عن (زمن الأخطاء)

شُهرة "الخُبز الحافي" حطَّمَتني

كُنا في نظر الكُتاب الأجانب مُجرّد قِردَة!

هذا حوار أُجري باللغة الإسبانية مع الكاتب المغربي محمد شكري (1935 ــ 2003)، قبل ثلاثين عاماً، سنة 1995، ونشرَته صحيفة (الباييس)، بمناسبة ترجمة ونشر روايته (الشُطار) أو (زمن الأخطاء) التي تُعتبر الجزء الثاني لروايته السيريّة الأشهر (الخُبز الحافي).

 

ترجمة: د. محسن الرملي

إن الاقتحام الذي قامت به رواية "الخُبز الحافي" عند صدورها، أحدَث ضجّة في الساحة الأدبية في المغرب، حيث كانت الرواية سيرة ذاتية لمحمد شكري نفسه.. قساوة وبوح بلا قيود، كفاح صبي من أجل العيش في منطقة "الريف" المكتظ بالجنود الإسبان وفي مدينة طنجة أيام مرحلة خضوعها لسيطرة دولية... كانت "الخبز الحافي" هي الوجه الآخر لحلم الإنسان الشرقي، حدثنا شكري فيها عن المدينة ذاتها، التي كتب عنها الكثير من الكتاب الآخرين، ولكنه وصف الجانب الآخر من المِرآة.. جانب المُنتقم الذي صَبغ الأحذية وفتح أبواب السيارات، ذلك الذي ارتكَب السرقات الصغيرة أو رافق البحارة السكارى في مراكبهم وهم يفقدون زورقهم الأخير.

كتابه الأول يصف نموذجاً واقعياً يعيش بين المغاربة، وقد رفض البعض الاعتراف بمحمد شكري ككاتب، على الرغم من أنه كان محمياً –في بداياته- من قبل الطاهر بن جلون وبول بولز ومُقدَّما من قبل خوان غويتيسولو، أو مدعوا من قبل برنار بيفو في برنامجه التلفزيوني الشهير. أما اليوم فان محمد شكري، الذي أراد الكثيرون في بلده أن يروه منتهيا، قد أصبح كاتباً معروفاً في فرنسا وألمانيا واليابان، ويظهر الآن في إسبانيا كتابه الجديد "زمن الأخطاء" الذي صدر عن مركز القراء بمدريد. إن هذا التحول المؤلم للنشال الأُمي، الذي أصبح كاتباً، جعل من كتاباته صوراً حية مُستخرجة من نزول مرعب إلى الجحيم الخاص وحصاره الوجودي الذي سيخرج منه مُنتصراً بفضل الأدب.. اللوح الوحيد الذي تماسك واستمسك به حين كان آيلاً إلى الجنون.

 في "زمن الأخطاء" يُحدثنا شكري، بلهجة واخِزة، عن الكفاح اليومي من أجل لقمة العيش في عالم ملئ بالمخدرات والبغاء والصعاليك والسرقة، عن أولئك الناس الذين يعيشون بمستوى متدن في أطراف مدن الشمال المغربية، خلال فترة الاضطرابات، أيام النضال من أجل الاستقلال في بداية الستينات في طنجة.

-      لقد أُعتُبِرتَ كاتباً من أصحاب الكتاب واحد فقط؟

-      شُهرة "الخُبز الحافي" حطَّمتني، فقد وضعتني أمام مُنعطف مسدود، حيث لم يكن عندي شيئاً أكتبه على مدى سبع عشرة سنة، فبعد أن تُرجم خُبزي الحافي إلى الفرنسية، راحوا يطلبون مني نصوصاً غير منشورة، وبدلاً من أن أكتُب؛ فتحتُ الصناديق العتيقة وأخرجتُ الذي كان مُتراكماً عندي، فأصبح الأمر أكثر صعوبة فيما لو أردتُ العودة إلى الكتابة.

-      يُلاحظ بأن الكثيرين في بلدك يعتبرونك ملعوناً!

-      إن الذي أكتبه صادم أخلاقياً وغير مريح، لقد شعروا بالإساءة إليهم، وهاجموني سابقاً، وهذا ما يحدث الآن أيضاً، ولكن بشكل أقل. فالعقلية قد تغيّرت، حتى بالنسبة للرقابة، ومازالت بعض كُتبي ممنوعة، لكنهم يريدون تدريس "الخُبز الحافي" في الجامعات مقارنة مع سِير ذاتية أخري لكتاب عرب مثل طه حسين. كتابي هو أول سيرة ذاتية لكاتب عربي تحمل بعض المُحرمات.. وقد عَقد بعض الأساتذة اجتماعاً لأنهم وجدوا صبياً في الرابعة عشرة من عمره يقرأ "الخُبز الحافي" واعتبروا أن الكِتاب خارج عن المُراقبة، وحذروا من خطورة الكُتب اللا أخلاقية على الشباب... بالنسبة لي، أرى بأنهم يعتبرونني ملعوناً لأن أهل طنجة قالوا بأنني كتبتُ أشياء فاسدة عن المدينة، والرقابة على كتبي بدأت في طنجة، ولكي أُعاقب هذه المدينة؛ لم أسمح ببيع كتابي "السوق الصغيرة" هناك.. إنها مزحة، نوع من أشكال الضحك على الرقابة وعقلية الناس الذين يقفون ضدي، فبالإمكان شراؤه في القنيطرة أو في الرباط، ولكن ليس في الشمال.

-      فاجأتَ الجميع مُجدَّدا بكتابك الجديد "زمن الأخطاء" لأن الكثيرون اعتقدوا بأن محمد شكري لن يعود إلى الكتابة.

-      بالنسبة لي، كان ذلك تحديّا لكسر الحلقة المفرغة التي وجدت نفسي فيها، إنها مبارزة، مواجهة لنفسي وللآخرين، فقد حبست نفسي خلال شهر رمضان لعام 1992 ولم أفتح الباب لأحد، باستثناء صديقي الشاعر عبد اللطيف بن يحيى، وكنتُ أعمل في اليوم الواحد 10، 12، 15، 17 ساعة. لقد كتبتُ تحت حالة وجو من الكآبة، ولذلك فإنني عندما أنهيته، شعرت بمنتهى الراحة، كان نجاحه طيباً وقرأت مقالات نقدية جيدة عنه، ولكن ما زالوا في المغرب لم يفهموه بشكل كامل، لأنه ليس سيرة ذاتية بمواصلة تسجيل الأحداث، ولا هو كتاب كلاسيكي ولا حديث، بل هو مزيج من النثر والشِعر.. الشيء الذي أستطيع قوله هو: إن طبعته الأولى كانت خمسة آلاف نسخة في بلد نصف سكانه أُميّون، ومع ذلك فقد نفدت خلال خمسة أسابيع، وعلى أقل تقدير؛ قد بيع منه، خلال عام واحد، عشرة آلاف نسخة، وهذا رقم قياسي بالنسبة لكاتب مغربي.

-      هل تعتبر "زمن الأخطاء" تكملة لـ "الخُبز الحافي"؟

-      نوعا ما.. نعم، ولكنه مختلف جداً، ابتداءً من الصفحة مئة، حيث لا يكون سيرة ذاتية خاصة بالعيش، وإنما سيرة ذاتية تأملية، فإذا كان الكتاب الأول قد كتبته عن المعدة، فان الثاني، وبعد بضعة فصول، أردتُ كتابته بمنظور أدبي واجتماعي، وليس فيه أحداث كثيرة، وإنما الكثير من التأمل، أضفتُ لمسة شِعرية على الاتساخ البشري، لأنه ينبغي إعلاء ما هو يومي.. تجميل ما هو قبيح في الحياة والطبيعة، فالإنسان بلا مخيلة هو مُجرم، متوحش.

-      هل لديك مشاكل –مُجدَّدا- مع الرقابة؟

-      "زمن الأخطاء" قوي جداً، مثل الكتاب الأول، ويحتوي أحيانا على أشياء أكثر قساوة، وبلا شك لم يكن مُراقباً.. ثمة تسامح أكبر الآن، هذا ما أستطيع قوله عن الشعب المغربي، وعن الخطة السياسية فيه، لستُ مدافعاً عن النظام، ولكن لا يمكن قول ذلك عن بلدان عربية أخرى، فلو كنت أعيش في العراق أو مصر لقتلني المتعصبون، المحافظون هم راحة مزيفة للاستحكامات الإنسانية القديمة... يقيمون الثورة في الفراغ، ليس لديهم أي برنامج، وإنما "ثورة للثورة"، كما حدث خلال الحرب العراقية عندما كان كل الشارع لصدام حسين، على الرغم من أنهم، في الحقيقة، يعرفون بأنه يقود كل شعبه إلى الفوضى. وعلى العكس مما حدث في الجزائر وتونس ومصر، فإن التيار المحافِظ في المغرب كان تحت السيطرة الشديدة. النظام لا يوافق على هذا التنين، وإذا ما ظهر في يوم ما –مثلما حدث في الجزائر- سأكون أنا شخصيا ميتاً.. مجرد شُكري ميت.

-      ماذا تُحضِّر الآن؟

-      أكتب نصاً حول بول بولز.. كتبتُ منه مئتين وخمسين صفحة ومازلت مستمراً بالكتابة، فعندما كتبتُ عن تينسي وليامز وجان جينيه في طنجة، هناك من قال لي: لماذا لا تكتب عن بول؟ فقبلتُ التحدي، ولم أكن أظن أبداً بأن الأمر سيكون بهذه الصعوبة.. أريد أن أروي أشياء لم يروها الآخرون سابقاً، وربما أن الكتاب قد جعلني أعاني أكثر، لأنه يتناول إعادة خلق أشياء عشتها مع بول.. بل حول طنجة، حول بول وامرأته جانيت، التي كانت أكثر أصالة وعمقاً من بول، ولكنها كانت مقموعة من قبل زوجها، كما سيكون كتاباً يتحدث عن أصدقائه وأصدقائي، لأنني بين الحين والآخر؛ أنسى بول وأكتب عن كلبي جوبا. ربما سأُعنونه "رحلة الأصوات" وسيكون كتاباً عن سيرته وسيرتي وسيرة طنجة.

-      ما هي علاقتك ببول بولز؟

-      بول شجعني لكي أستمر بالكتابة، وأعتقد أن ترجمة كتابي الأول كانت شيئاً مهماً.. ولأننا، نحن الاثنان، تقاسمنا الكُره من شكل الأبوة العدواني، وكان للعذابات التي أوقعها به والده المتزمت أثراً نفسياً بالغاً، وأنا، كان أبي يأخذني مثل أرنب ويربطني بحزام جلدي يحتفظ به منذ أن كان في الجيش الإسباني، فكان من المؤكد أن أهجره وأهرب... ذات يوم ما، ثقل عليه أنه ليس لديه شيئاً ليُطعمنا، فقبض أبي على عنق أخي بكل قوته.. مات أخي بعد يومين، ومنذ تلك اللحظة كرهتُ أبي وهربت من البيت.

-      كيف كانت تلك الطنجة العالمية المأهولة والأدبية؟

-      كانت مدينة أكثر اِنفتاحاً، حياة وموطن عالمي، ولكنني لم أشعر بأية جمالية، لأنني كنت أعيش في القاع.. شيء بلا تصنيف، فمثلي أنا، لم يكن له منفذ إلى طنجة العالمية، لم أعرف الآيس كريم، لأنه كان ممنوعاً علينا الدخول إلى الكثير من الكافيتريات والبارات، وإنما –فقط- المغاربة الأغنياء أو المتعاونون الذين لهم صلاتهم. كنت أبحث عن الخبز اليومي وأنا في المقابر، لأجل الهرب من سلطات المراقبة والتفتيش. بعد ذلك بوقت متأخر، عندما أصبحتُ أكبر، وعندما تعلمت الكتابة، تعرفتُ على بعض الكُتاب.

وعلى الرغم من أن تينسي وليامز قد عرَف الفقر أيضاً، إلا أنه كان يخجل منه، لم أنسجم معه، أما مع جان جينيه فقد كان الأمر مختلفاً، لأننا تشاركنا في الكثير من المشاعر. نحن الاثنان كنا نشّالان وبوهيميان ومتشردان. كان رجلاً بسيطاً ويزدري الذي كنت أزدريه أنا، ولذلك وُجِد نوعاً من تيار التعاطف والانسجام المتبادل بيننا.

إن الذي ألوم عليه هذه الشخصيات الأدبية التي مرت بطنجة –واستثني جينيه وبيكيت ومورافيا- أنهم لم يكونوا يكتبون عنها بطريقة موضوعية، ولم يهتموا مطلقاً بالمجتمع المغربي في كتاباتهم، وإنما يُشيرون إلى المغاربة كصِبية، كخدم في الفنادق أو في المقاهي أو أجساد ترد لمتعة دقائق.. بما في هؤلاء الكُتاب بول بولز، الذي كانت نصوصه غريبة جداً، ما عدا كتابه "بيت العنكبوت" فقد حاول تحليل المجتمع.

كل أولئك الذين كانوا يبحثون عما هو بدائي.. كانوا يأتون إلى طنجة؛ كمن يأتي إلى مشاهدة فيلم للمغامرات.. لرؤية قِرد يقفز من شجرة إلى شجرة.. هذا ما كُنا نعنيه بالنسبة لهؤلاء: مُجرد قِردة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في مجلة (إبداع) المصرية، العدد الأول، الإصدار الخامس، أغسطس 2025م

السبت، 2 أغسطس 2025

فحوصات ثقافية: عن الجوائز/ محسن الرملي

فُحوصات ثقافية

جَوائزُنا قليلة مهما كَثُرت 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

يتردد الحديث في أوساطنا الثقافية مؤخراً عن رأي مفاده: إن الجوائز العربية قد أصبحت كثيرة وأن ما يُكتب وما يُقال عنها كثير. إلا إنني لا أجد نفسي متفقاً مع هذا الرأي. بل أرى العكس، فيما لو قارّنا عدد جوائزنا بما هو موجود في ثقافات أخرى، ففي فرنسا قرابة الخمسة آلاف جائزة، وفي بلد واحد فقط، من بين أكثر من عشرين بلد ناطق بالإسبانية، هناك أكثر من ثلاثة آلاف جائزة أدبية في إسبانيا، عدا المُخصص للفنون الإبداعية الأخرى ذات العلاقة بالنتاج الأدبي، كجوائز أغلفة الكتب والمراجعات النقدية والنشر والترجمة والإلقاء والتحرير الأدبي واللغوي.. وغيرها. تتراوح مكافآتها بين رمزية تقديرية؛ شهادة شكر وميدالية، أو التكفل بنشر النصوص والاحتفاء بها، إلى أخرى تربوا على الستمئة ألف يورو. وتتنوع الجهات المُنظِّمة بين مؤسسات رسمية وأخرى خاصة، بلديات المدن والقرى والأحياء والجامعات والمعاهد والبنوك والشركات والمكتبات والجمعيات والنوادي والصحف والمجلات والإذاعات والمواقع الإلكترونية، ودور النشر صغيرها وكبيرها.. بل وحتى العديد من المقاهي العادية. جوائز تحمل أسماء مدن وقرى وأنهار ومؤسسات وشركات وآثار وأحداث وشخصيات، أموات أو أحياء، ومنها ما يحمل اسم عمل أدبي بعينه كالكيخوته مثلاً. أما لو حاولنا إحصاء جوائز الآداب المكتوبة بالإنكليزية، فيبدو أمر حصرها أشبه بالمستحيل، بينما نحن؛ أكثر من عشرين بلد ناطق بالعربية، ما زالت جوائزنا محدودة ويمكن عدّها بيُسر.

إن استحداث الجوائز والإكثار منها ضروري وحيوي لأية ثقافة عموماً، تنفع الكاتب والناشر من حيث مردودها المعنوي والإعلاني والمادي، وتخدم القارئ بتنبيهه إلى أعمال، ربما ما كان لينتبه إليها لولا الجائزة، كما تنفع مُنظميها ومُحكميها بالمزيد من القراءة والاطلاع والدعاية وتنشيط منظومتهم، كما ينشط دم الإنسان بعد التبرع بشيء منه.. وكم من جائزة مدرسية بسيطة ورّطت طفلاً، بعد فرحته بها، كي يكرس حياته من بعدها للأدب، فتكسب الثقافة مبدعاً آخر ليكون مستقبلاً من رموزها وقِممها.

إذاً، فالجوائز عندنا ليست كثيرة، وعلينا العمل على تفعيل هذا التقليد الثقافي قدر المستطاع، وعلى كافة الأصعدة والميادين، فالثقافة لا تقتصر على كاتب وناشر ومكتبة، وإنما هي شأن الجميع. علينا أن نكثر من الحديث عنها والمطالبة بها أو استحداثها بأنفسنا، حتى وإن اقتصرت جائزة على مجرد اسمها، مُرفقة بكلمة شكر وتقدير، فالجائزة هي بالفعل مسألة شكر وتقدير.. وكل إنسان يتمنى الحصول على مكافأة معينة على جهده وعمله، ولو كانت مجرد كلمة شكر واعتراف، وسط هذا الكم الهائل من المُحبِطات والمُثبِّطات وخيبات الآمال التي يتلقاها يومياً...

أذكُر أن الكاتب الأمريكي بول أوستر، عندما كان في أوج شهرته وعطائه، جاء، على حسابه الخاص، إلى قرية نائية في إسبانيا، رغم انشغالاته، وفي غمرة أعياد الميلاد، ليتسلم جائزة لا مادية ومجهولة، عبارة عن (شهادة) ورقة شُكر مطبوعة على الكمبيوتر، اِخترَعتها مجموعة أصدقاء، نادي قراءة، فهو لم يأتِ لطلب شهرة أو مال؛ بالتأكيد.. وإنما جاء تقديراً لهذا التقدير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب) العدد 82، أغسطس 2025م

https://sibf.com/ar/pwhardcover

الجمعة، 1 أغسطس 2025

قراءة في رواية: ذئبة الحب والكتب/ د. وجدان الصائغ

 (ذئبة الحب والكتب) لمحسن الرملي

وثيقة لحياة المثقف المنفي داخل العراق! 

                                                               الدكتورة وجدان الصائغ

قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة ميشيغان

     كيف استطاع محسن الرملي في رواية (ذئبة الحب والكتب) الصادرة عن دار المدى، بغداد – دمشق ٢٠١٥ ان يمتلك مهارة براعة المطلع حين اعترف منذ السطر الأول وكأنه يجلس قبالة القارئ ويحدثه وجها لوجه: (أنا محسن الرملي، مؤلف كل الكتب التي تحمل اسمي باستثناء هذا، ولو لم اكن شقيقا لحسن مطلك لكتبت ضعف ما نشرته حتى الان، او لما كتبت أيا منها أصلا ولا حتى اهتممت بهذا الكتاب الذي وجدته صدفة حين كنت في الأردن فغير حياتي كلها وجئت الى اسبانيا بحثا عن المرأة التي كتبته... انها امرأة تبحث عن الحب وانا ابحث عنها، الرواية، ص ١١) ليكون  منذ البدء امام مشاكسة دلالية تضيء من جانب ركائز العمل الروائي برمته فثمة  الشخصيات  الرئيسية المنشطرة بين الواقعية (محسن الرملي+ حسن مطلك) والمتخيلة  (هيام)، ومن جانب آخر  تعطش افق التلقي لمعرفة تفاصيل سيرة محسن الرملي  التي انكر نسبتها له (مؤلف كل الكتب التي تحمل اسمي باستثناء هذا) ووصفها بانها  مجرد كتاب وجده صدفة  في الأردن . زد على ذلك ان المؤلف نفسه كرر مرارا في مقابلاته المتلفزة لاسيما مقابلته الأخيرة في بودكاست روايتهم (*) ان رواية (ذئبة الحب والكتب) تتضمن ادق تفاصيل اقامته الأردنية بعد مغادرته العراق.

 وهذه الإشارة المكررة جعلني ابحث عن تلك الرواية العراقية  التي تتقصي حياة مثقف عراقي عاش تلك الحقبة المنسية  في تاريخ الثقافة العراقية المعاصر وفكرة البحث بين سطورها عن بقايا ذاكرتي التي تشظت منذ ان تركت العراق الى الأردن ثم اليمن وصولا الى اقامتي المشيغانية... وأحسبها ذات الخطوات التي خطاها المؤلف من العراق صوب الاردن باتجاه اسبانيا متجاوزا محطة اليمن، هي محطات متسلسلة مرّ بها معظم مثقفو العراق زمن الجوع والموت الطاغوتي اذ تناهبت اقدامهم الأمكنة من العراق الى عمّان الى اليمن او ليبيا  قبل الاستقرار في المنافي الغربية ... وحين وجدت تلك الرواية واجهتني الاستهلالة الجريئة الجاذبة الانفة الذكر  التي تحمل في طياتها مصداقية السيرة الذاتية لاسيما علاقة المؤلف بشقيقه حسن مطلك التي يؤكدها بأسلوب البوح السيري وبتقنية الارتجاع الفني: (كل من يعرف حسن مطلك يعرف بانني شقيقه، والمهموم بحمل صوته حتى اخر عمري منذ إعدامه ووصمه بالخيانة ومنعنا من إقامة عزاء له ومنع ذكره في الصحافة او حتى في المقاهي الثقافية شعرت بداخلي بطعنة لا شفاء منها، الرواية، ص ٤٢) تلك المصداقية نجحت في ان تفتح صنبور الذاكرة لتعود بي الى معرفتي بالمؤلف الذي سمعت به اول ما سمعت حين كنت طالبة في جامعة الموصل وقد ذكر احد المثقفين العراقيين الذي غاب اسمه عن بالي ان المؤلف حين كان طالبا في جامعة الموصل بقي متأبطا ما كتبه حسن مطلك بعد إعدامه باحثا عمن يسلط الضوء على نتاجه الإبداعي غير مرتهب ومرتعب مما سيحل به لو علم به الدكتاتور حينها، وأضاف قائلا: "وقتها كنت أستاذا في جامعة  الموصل وكان محسن الرملي طالبا في الجامعة نفسها جاء الى مكتبي متأبطا رواية أخيه (دابادا) وراغبا في ان اكتب عنها وانشر مقالا بهذا الصدد.. حقيقة اعجبتني الرواية وكدت انجز مقالا عنها وعن جمالية الأسلوب فيها ولكن أحد "الرفاق" شاهد الرواية على مكتبي فقال لي بأسلوب ينز منه الشر المستطير: كيف حصلتَ على هذه الرواية؟ وما شانك بها؟ هل لك علاقة بمؤلفها؟ ألاّ تعرف ان صاحبها قد أعدم بسبب مؤامرته على قلب نظام الحكم؟  وأضاف: بالواقع حين استلمت الرواية من محسن لم اربط بين الصلة بين الاثنين.. فهذا محسن الرملي وذاك حسن مطلك وانا اعرف ان شقيق الرملي معدوم لكني ظننت انه قد سلمني رواية لكاتب أُعجب به وليس لشقيقه... طبعا كمحصلة للشر المستطير المتوقع من نشر مقالة عن المطلك وقتها لم اكتب حرفا عنه حماية لي ولأسرتي" بعد هذا الخبر تناهبت المنافي أعمارنا فلم اعد اسمع بالرملي خلال اقامتي الأردنية القصيرة حتى وصلتني خلال اقامتي اليمانية رسالة استكتاب انيقة  بتوقيعه من مجلة ألواح التي تصدر في اسبانيا ، اعجبت بطروحات المجلة الجريئة التي شكلت جسرا بين ادباء الشتات وتحديدا العراقيين ، فأرسلت له بمقالتي (النافذة في شعر المقالح) ووصلني بعدها منه عدد مجلة ألواح  الذي تضمن مقالي منشورا.. ثم تناهبتنا الايام مرة أخرى حتى وصولي الى اقامتي الميشيغانية وقررتُ زيارة اسبانيا واثارها الاندلسية فرشح لي بعض أصدقائي من المثقفين العراقيين أسماء عدة هناك ومنها محسن الرملي... وحين التقيته وزوجي صبري مسلم تجول بنا في أروقة مدريد وساحاتها ناثرا حكاياته على ازقتها الغاصة بالناس.. كلمنا عن ولعه بالمدينة وولعه بالأدب الاسباني والعربي على حد سواء... كلمنا عن لقاءاته بالشاعر عبد الوهاب البياتي... عن أصدقائه العراقيين هنا في اسبانيا وهناك بالعالم العربي... وعن ولعه بالكتابة الذي تحول من الترجمة الى الرواية الى الشعر ثم عاد الى الرواية والترجمة... كلمنا عن عائلته وأولاده وعن عمله كأستاذ جامعي...  درنا معه في شارع الأدب ووقفنا طويلا امام تمثال لوركا، حمّلنا بعدها هباته الثمينة  منها روايته (تمر الأصابع) وكتابا لشقيقه حسن مطلك بعنوان(الكتابة وقوفا، تأملات في فن الرواية)  تأبطتُ الكتب وعدت بها الى اقامتي الميشغانية لأجدني امام روائي من الطراز الأول ليس لأنه يمتلك مهارة السرد واكسير البوح فقط، بل لأنه استطاع ان يجعل من النص الروائي مرايا صقيلة تعكس  واقع الانسان العراقي المطحون تحت مهرسة الاعلام العربي والغربي التي تشيؤه وتبقيه بعيدا عن دائرة الضوء بل وتقولبه طائفيا وعرقيا متناسية الروابط الثقافية والتاريخية والحضارية التي تشد ازر المجتمع العراقي. وهذا ينسحب على  رواية (ذئبة الكتب والحب) التي بدت منذ الكلمة الأولى افقا مرآويا نرى من خلاله تفاصيل مدينة أربد وازقتها ومطاعمها وحوارات الشخصيات المتحركة على مسرح النص والتي تمتزج فيها اللهجة العراقية باللهجة الأردنية ونرى عيانا  الشخصية الرئيسة (محسن الرملي) متحديا الجوع  الجسدي والنفسي تارة، ومتحديا التابوهات حين يسقط في شرك الغواية الجسدية مع الخادمة السيرلانكية  السمراء التي لا تعرف من العربية سوى كلمة (هبيبي)، وتارة حين يتمرد على واقعه بنفض غبار الفقر والحاجة والإصرار على الابداع والبحث عن فرصة للخلاص فيستمر في نشر مقالاته في الصحف الأردنية والجلوس لمراجعة الكتب في المكتبات العامة ورغبته في نشر مجموعته القصصية الأولى. 

 من اللافت ان المؤلف وبوعي دلالي حاد يمزج بين السردي المتخيل والسيري الواقعي ليخلق نصا ينفتح على تأويلات شتى لذلك فان افق التلقي سيكون على مدار الرواية قبالة خيطين متضادين متآلفين ينتظمان: الرواية الأول هو خيط يكثف فيه المتخيل السردي البعد الروائي لملامح  الـ (هي) التي اسمها هيام والأخر يكثف تفاصيل اليومي المعاش لـ(انا) الذي هو محسن الرملي نفسه خلال اقامته الاردنية قبل انتقاله لإقامته الاسبانية ليبقى التلقي مشدودا الى خيط الـ(أنا) الذي غدا مرايا صقيلة تعكس معاناة المثقف العراقي الذي لفظه المكان الحميم فوجد نفسه نهبا للغربة والفاقة في محطته الأولى (الأردن) يحمل على ظهره ذاكرة بلاد عصف بها الموت والخراب فجلس على اعتابها باكيا، زد على ذلك حرص المتخيل السيري على ان يكون كل  حرف من كلماته شظية  تضيء تفاصيل معاناة المثقف العراقي الذي لم يتجرأ على الكتابة عنها خشية الرقيب الاجتماعي وخشية كسر الصورة المكتملة للمثقف العراقي الذي نفذ بجلده  ناجيا من عصف الحرمان الجماعي وليس معه فلسا واحدا للعيش او السكن في منفاه، تامل مثلا المقتطف التالي، ولاحظ كيف نجح المتخيل السيري في ان يجعلك تبصر عيانا معاناة الشخصية الرئيسية وبوحها النازف الذي ينزع بالجزع من سلطة الجوع، وتبصر امكنته التي ظللها الفقر بعتمته، كما ترى رأي العين الشخصيات العراقية والاردنية والمصرية (الصعايدة) المتحركة على مسرح النص وتسمع حواراتها المتنوعة:

(في عملي الجديد كحارس شيدت لنفسي غرفة/ هشة، هي مربع من الكابوث غير المبني، سقفته بالزنكو والبلاستك وغلفته من الداخل بالكارتون الذي الصقت عليه بعض الصور العائلية التي معي وصورا أخرى قصصتها من الصحف كي تخفف وحشتي، صنعت لنفسي سريرا من الكابوث وحلب لي ماهر فراشا ومدفأة صغيرة وأدوات طبخ ودفترا وقلما ومحبرة وما طلبته من كتب، من حسن حطي ان ماهر شاعر مرهف الحس كان يأتي لمسامرتي في بعض الليالي لوحده او بمصاحبة احد الأصدقاء كالناقد احمد خريس او الرسام علي طالب او المخرج المسرحي الدكتور كرومي، وهم أساتذة بجامعة اليرموك ـ فيما انا بلا هوية بملابس رثة، بالكاد اجد ما يسد رمقي، تمضي اغلب الاماسي بالحديث عن الثقافة والشعر وقراءته، كانوا يرفدونني بالكتب والاهم ما كنت اشعر به معهم من آدميتي وبكوني انسانا عاديا لأني كنت امر بمرحلة عرفت فيها لأول مرة إحساس الانسان الفقير المسكين انه نوع من الشعور بالدونية والضعف والمهانة وتقليل قيمة الذات بل وحتى الحيوانية في لحظات الجوع لذا، لكي اشعر بآدميتي.ـ اذكر حين أعيش مع الصعايدة ولا اجد أحيانا ما اجده ليومين او ثلاثة اسي. كالنائم موشكا على الاغماء، اتجه صوب احد المحلات الفخمة لبيع بدلات الرجال وهناك يستقبلني العاملون بترحاب من الباب ويوقونني باحترام مبالغ فيه ليروني أنواع البدلات قماشها مقاسها، ماركاتها ويخاطبونني بحضرتك وهم يعينوني على تجريب المقاسات، فيما انا افاصلهم على السعر، وعادة ما اقلله الى النصف، كلما انزلوه أطالب باقل واوجد مبررات او عيوب في البدلة او أقول باني رأيت مثلها في محل اخر بكذا سعر وهكذا لربع ساعة تقريبا، حيث تعاملهم وحديثهم معي وبهذا الشكل ينفض الشعور الحيواني ويوكد لي بانني لازلت ابدو اميا عاديا بعيون الاخرين، اشعر باني لازلت انسانا، ص ٨٣) من اللافت ان  المتن يستدعي على مراياه وجه دون كيخوته وسيفه الخشبي الذي يقارع به طاحونة الهواء كما قارعت الشخصية الرئيسية بلعبة الذهاب لمحلات الألبسة الفاخرة طواحين الجوع التي عصفت بحياة مثقفي الخارج  ابان تلك الحقبة، زد على ذلك فان كاميرا النص المحمولة ستتجول مع السارد (محسن الرملي) في امكنته  المغلقة، كما تتجول في الأمكنة  المفتوحة التي يسميها بأسمائها ويعرفها كل عراقي خرج من العراق هربا من الموت والجوع ابان الحصار وبعد محنة غزو الكويت.

     اما الخيط الثاني من الرواية فتنسجه المعشوقة الغامضة (هيام) التي اكتشفها البطل الرئيسي للرواية (محسن الرملي) بالصدفة المحضة حين انشا حسابا الكترونيا لشقيقه حسن مطلك وأخطأ صدفة في كلمة المرور ليجد نفسه امام فيض رسائل لمعشوقة حسن مطلك وعاشقته موجهة لشخصه مباشرة فقد كانت هيام تعنيه هو بدون تسمية وتطلق عليه الاسم نفسه.. فهي معشوقة تبقى بلا ملامح واضحة على مدار الرواية التي تنشطر بين الـ(هي/ هيام)  والـ(أنا/ محسن الرملي)  وتبقى هيام في رسائلها الالكترونية (الايميلات) تدور في مدار علاقتها بزوجها وأولادها فضلا عنى طفولتها وعلاقاتها العاطفية  خلال المرحلة الجامعية ،زد على ذلك ان المتخيل السردي يعكس بجرأة ولع هيام بالشخصية الثانوية (بشعة) حد الوقوع في شرك الغواية الجسدية مع "بشعة" الشخصية القروية المفتونة بالأجساد الانثوية، زد على ذلك ان المتخيل السردي يهرب في حقائبه  كل ما يخص العراق من فلكلور وطقوس قروية والمدينية ليغمرك بفطرة الأرض ونداوتها كما ينقلك الى تفاصيل  المنظومة الاجتماعية الابوية من جانب ومن جانب اخر المنظومة الحزبية التي تحكم سيطرتها على هيام واسرتها ، اما التواصل النفسي بين هيام (المعشوقة المتخيلة) والبطل الرئيس للرواية (محسن الرملي) فبقي مبتورا وغير قابل للتحقق  خلال مجريات الاحداث التي عصفت بهما وفي سياقات مختلفة تماما لذلك يجد افق التلقي انه امام نصين روائيين منفصلين عمد الروائي الى اقحام هيام وبوحها المتصل لإخراج النص الأصل من سيريته لتكون الرواية نصا يواشج بين السيري والروائي، بمعنى لو اقتطعنا مسرودات هيام وبوحها المتصل عبر ايميلاتها من النص الروائي لما اثر بل ربما لكان نصا سيريا بامتياز لكن الوعي الجمالي شاء ان يفتح من خلال ايميلات هيام نافذة اخرى على حياة حسن مطلك وعلى عراقيي الداخل ويومياتهم لتوثق تلك الايميلات حياة العراقيين تحت براثن الموت والرعب والبطش الحزب الأوحد. الا ان جنوح المتخيل الروائي صوب احتمالية اللقاء بين هيام (المتخيلة التي تقيم في إسبانيا بسبب الظرف الطاحن في العراق) وبين الشخصية الواقعية (محسن الرملي الذي سيسافر الى إسبانيا بسبب قبوله في الدراسات العليا هنا وهو تطابق واضح مع سيرة المؤلف) وهو لقاء ارهصت به الاستهلالة اذ ورد: (وجئت الى اسبانيا بحثا عن المرأة التي كتبته... انها امرأة تبحث عن الحب وانا ابحث عنها، ص ١١) منح الرواية نهاية مفتوحة، تاركةً المجال أمام التلقي ليطرح تساؤلات حول مصير البطل، وحول جدوى الحب والمنفى؟

    خلاصة القول، فقد نجح المتخيل السردي في ان يجعل من رواية (ذئبة الحب والكتب) شهادة أدبية تتجاوز حدود السيرة الذاتية لتصبح وثيقة لحياة المثقف المنفي في داخل العراق متمثلا بحسن مطلك الذي بقي طي ايميلات هيام وخارجه متمثلا بمحسن الرملي (الشخصية الرئيسية/ المؤلف) خلال حقبة معقدة في تاريخ العراق الحديث، زد على ذلك ان المواشجة بين السيرة الذاتية والخيال بطريقة فتحت افقا من التساؤلات منها: هل كانت الرواية وسيلة للبوح والتطهر من عقابيل الماضي؟ أم صرخة احتجاج بوجه القرارات السياسية التي شظّت حياة الانسان العراقي فبقي معلقا في اللامكان؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(*): https://www.youtube.com/watch?v=wpSDd285UiU

دكتورة وجدان الصائغ ودكتور محسن الرملي 2023 مدريد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (نزوى)، العدد 123 مسقط 2025م

https://www.nizwa.om/