الاثنين، 4 مارس 2019

قراءة في رواية حدائق الرئيس /أحمد العربي


الاستبداد لعنة تصيب كل جوانب الحياة بالخراب

أحمد العربي
الرواية عراقية، حديثة ومعاصرة للعراق في الخمسين سنة الأخيرة، تبدأ الرواية من حدث قاس ومؤلم، حيث تستيقظ القرية القابعة بناسها القليلين، المنشغلين في حياتهم الريفية على تسع كرتونات موز ملقاة في ساحة البلدة، تحوي على رؤوس تسعة من أبنائها الذين غادروا سابقا إلى بغداد.
هنا تبدأ الرواية من الرؤوس رأس إبراهيم قسمة؛ وهو واحد من ثلاثة ولدوا في الخمسينيات وترعرعوا في القرية، من خلال متابعة حياتهم ندخل في عمق العراق وما مر به.
هم عبد الله كافكا، وإبراهيم قسمة، وطارق المندهش، أولاد “شق الأرض” وهي تسمية أطلقها عبد الله على نفسه في المدرسة، جواباً على سؤال معلمة له عن نفسه، أنه لقيط، ووجد بجانب شق الأرض، ولا أهل له، تضامن معه رفيقيّه وقالوا: إنّهم أبناء شق الأرض أيضاً.
عبد الله وإبراهيم وطارق كبروا سوية حتى سن الالتحاق بالجيش، طارق حوّله والده الوجيه الثري المتنفذ لدراسة الدين ليعود للقرية إماما ولينتهي من الجيش، إبراهيم وعبد الله ذهبا للجيش كانت خدمتهم بالبصرة، بعد وقت قليل ستبدأ الحرب العراقية الإيرانية، وسيصبحان جزءاً من وقودها، يواجهان ويلاتها، كان إبراهيم قد تزوج قبل التحاقه بالجيش، عاد في إحدى إجازاته ليجد عنده طفلة يسميها قسمة، وهذا لقبه لأنه يقول عن كل شيء قسمة ونصيب، أما عبد الله كافكا، فقد نُسب لكافكا العدمي الوجودي، لأنه كان لا يرى معنى لأي شيء في الحياة، وكل شيء تافه في نظره، خاصة أنّهم حرموه ممن يحب، فقط لأنه لقيط رغم أن أسرةً لم تنجب أولاداً تبنته، لقد جرحوه وأعادوه لتفاهة الحياة. في الجيش طالت الحرب لسنوات بكل مآسيها، نقل عبدالله لموقع آخر، وتنقطع أخباره ويصبح من المفقودين.
انتهت الحرب وعاد إبراهيم لقريته ولزوجته وطفلته، لحياته الريفية، ويتواصل مع صديقه طارق المندهش، وذلك بسبب اندهاشه من أي شيء، ليجده صار إمام القرية ومعلم أولادها، وضع في طفلته كل آماله بدلالها وتعليمها، لم ينجب غيرها، طرحوا عليه الزواج كثيرا، لم يقبل، يعلم أنّه أصبح عقيما من المواد الكيماوية التي تعرّض لها وقت الحرب.
إننا أمام رواية مليئة، هي دراسة نفسية، اجتماعية، سياسية، وتاريخية، 
تغطي مرحلة خصبة من تاريخ العراق والمنطقة. ويجب إعطاءها حقها من الاهتمام.
بعد سنتين عاد للجيش مجددا ليجد نفسه في حرب احتلال الكويت، ويجد نفسه أمام الموت والنهب، وأنه واحدٌ من آلاف يساقون لموت فظيع، خاصة بعد تدخل القوات الأجنبية حيث عايش القيامة، القتل والدمار، الجثث والجنود المذعورون، والهروب الفوضوي والطائرات والقصف وملاحقة فلولهم حتى داخل العراق، سار في طريق الموت، مع الهاربين من الكويت، تلقّى قنبلة فوجد نفسه بين الجثث، جاء من أنقذه لكن دون قدمه، عولج في البصرة، ساعدته عائلة كان شارك ابنها بمحاولة الثورة التي تم القضاء عليها بالتناغم بين الأمريكان والنظام العراقي. عاد لقريته ليحصل على قدم صناعية، ويجد نفسه قد أصبح عالة على عائلته، وليعيش من إنتاج الأرض.
أما عبدالله فقد وصلت رسالة منه تقول؛ إنّه أسيراً في إيران، كان الخبر عيدا عند أصدقائه وقريته، فعبد الله مازال حيا، وسرعان ما مضى الوقت ليعود عبد الله إنسانا آخر، أكثر تشاؤما وسلبية، بمضي الوقت تحدث عن أسره، وعن التعامل الوحشي من الجنود الإيرانيين، القتل لأبسط سبب، السحل بالسيارات، وأخيرا المعتقلات التي تحولت لمركز تعذيب، وإعادة تأهيل وغسل دماغ؛ فالذي يتجاوب مع اعتقادهم عن إيران، ونائب الإمام، ودولة الكفر العراق، يتحول تدريجيا ليكون السجان، ويعاد مجددا إلى الجبهة ليقاتل ضد دولته، أما الذي لا يستجيب فإنه يذوق صنوف عذاب، الموت أهون منها. وهكذا حتى حضر الصليب الأحمر إلى المعتقل وبعث رسالته تلك، بعد تنقلات من معتقل لأسوأ، ليكتشف ما لا يتصوره عقل عن وحشية التعامل معهم، وبعد تسعة عشر عاما يعود من الأسر لقريته، ليجد أهل القرية على ما هم عليه، أصدقاؤه يفتقدوه، وهو يزداد سوداوية وعدمية، ليجد أنه في مواجهة حقيقته الخاصة ومأساته الذاتية.
كانت الخالة زينب زوجة المختار، والتي تعامله كابنها قد أصيبت بالعمى وشاخت، أخبرته أنه حفيدها من ابنها الكبير الذي زنا بابنة أحد الفارين إليه وهي شابة قاصرة عقليا، وكيف انتظروا حتى يولد الطفل لينفي أبوه، وتقتل أمه وتدفن، الأم التي يسمع حكايته عند قبرها. زادت سوداويته وكثر المجرمين في حياته، أباه بما فعل وجده قاتل أمه والحرب والأسر، كل ذلك أعاده لنفسه، يشرب الدخان ويتأمل وينتظر موتا تافها كالحياة.
أما إبراهيم صديقه فقد ساعده طارق عبر علاقاته بالعاصمة فعمل في حدائق الرئيس مستفيدا من قدمه التي خسرها بالحرب، كان العمل بسيطا في قصور وحدائق كالجنان ضمن شروط أمن مضبوطة مع ثلاثية القرود: ﻻ أسمع ﻻ أرى لا أتكلم، تحسّن دخله، واشترى سيارة لابنته التي لم تكن تقبل بحياة أبيها الفقيرة التافهة، شاهد من الجمال والترف ما لا عين رأت، وتفاجأ برؤية الرئيس صدام حسين مرة يصطاد السمك من البحيرة، ثم وجود موسيقي شهير يعزف له، وكيف ينكّل به لأنه تحدّث عن الديمقراطية، ويقتله بسلاحه ويلقيه في البحيرة، ثم تذاع أغانيه في اليوم الثاني في التلفاز.
الاستمرار بالاستبداد والمستبدين بالوجود، وتحقيق مصالحهم ونزواتهم، 
تجعلنا كلنا بشرا خارج إنسانيتنا، وضحايا كل الوقت.
صار الرعب يسكنه مما رأى من ترف وبذخ وبطش ورضي بحاله، وبعد فترة غيروا عمله إلى الليل حيث تأتيه في حديقة القصر جثث عليه أن يدفنها دون إظهار أي أثر، كان العمل في البداية جحيما ولا مهرب منه قتلى بالسلاح، بالتعذيب، بالسلاح الأبيض، تأقلم مع الحالة مع الزمن، صار يتصرف مع الجثث كأهلها، يدفنها باحترام، صنفها وأرشفها وحدد موقعها، زادت الضحايا بالآﻻف صار خبيرا، جاءه معاونين، نقل بين القصور ليعلّم الآخرين، ونقل إلى مدن أخرى ليقوم بذات الدور. زوّج ابنته لضابط، وجدت ابنته بزوجها فرصة للخروج من عالم الفقر والقرية والذل… وهكذا حتى بدأ العدوان الأمريكي على العراق، وقبله صارت تأتي الجثث بالمئات، وبعضها يقتل ميدانيا ويدفن بالجرافات.
دخلت القوات الأمريكية وبدأ القتل والنهب. عاد لقريته، وابنته لحقت به بعد شهر، أخبرته أنها فقدت زوجها قبل أشهر من العدوان، حدثته أنه من الممكن أن يكون ضحية وقتل من النظام، حدّثها عن أرشفة القتلى ومدافنهم، عادت مع والدها إلى بغداد لتخرج جثة زوجها، وليصبح هو قبلة لكل من له مفقود، وليقوم بدوره بإخلاص وتفاني، ينذره صديقه طارق بأنه مطلوب لبقايا العهد السابق، كخائن للأمانة ومشوّه للقائد صدام، ومطلوب للأمريكان وأزلامهم كواحد من زمرة النظام السابق، لم يرتدع، أعيد رأسا دون جسد، تحرك طارق الذي تزوّج “قسمة” في رحلة البحث عن الجثة، سار عبد الله معهم جزءاً من الطريق، لكنه عاد عندما علم أن جلال أبوه المطرود من جدّه قديما قد عاد مع الأمريكان، كزعيم للمرحلة الجديدة، الأب الذي اغتصب أمّه، وسبّب قتلها، وهرب، وها هو يعود ليغتصب البلد كلها.
هنا تنتهي الرواية، وفي تحليلها نقول: إننا أمام رواية مليئة، هي دراسة نفسية، اجتماعية، سياسية، وتاريخية، تغطي مرحلة خصبة من تاريخ العراق والمنطقة. ويجب إعطاءها حقها من الاهتمام.
وبالنسبة لنا تؤكد أنّ الاستبداد لعنة تصيب كل جوانب الحياة بالخراب، وأنّ الاستمرار بالاستبداد والمستبدين بالوجود، وتحقيق مصالحهم ونزواتهم، حتى أنّهم يفعلون كل شيء وما لا يخطر على أذهاننا من أفعال سيئة، وتجعلنا كلنا بشرا خارج إنسانيتنا، وضحايا كل الوقت.
محسن الرملي: كاتب وأكاديمي ومترجم وشاعر عراقي يقيم في إسبانيا. ولد سنة 1967 في قضاء الشرقاط شمال العراق. حصل على الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد بكلية الفلسفة والآداب  عام 2003 يكتب باللغتين العربية والإسبانية. له عشرات المؤلفات موزعة ما بين الرواية والشعر والمسرح.
------------------------------------------------------------
*نشرت في (الأيام السورية) بتاريخ 24/2/2019

عن رواية: أبناء وأحذية /فايز علام



فايز علام
"انتقاماً من موت طفلتي في العراق، أنجبت سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا"، بهذه العبارة المفاجئة يفتتح الكاتب العراقي "محسن الرملي" روايته الأخيرة "أبناء وأحذية".
بطل الرواية "أمير" شابٌ عراقي مولعٌ بالمسرح، لكن والده الذي يعمل شرطياً، لا يوافق على رغبة ابنه في دراسة المسرح، ما يدفع بالابن إلى الدخول في كلية الرياضة، يلتقي بعد ذلك بـ"زهراء"، والتي تشبه قصتها قصته في هذه الجزئية، إذ إنها تحب المسرح أيضاً لكن والدها يجبرها على دراسة الشريعة.
يحب الاثنان بعضهما ويزوران معهد التمثيل عدة مرات، قبل أن يتفقا على ترك كليّتيهما والانضمام إلى الطلبة الذين يدرسون التمثيل.
تنتهي قصة الحب بين الاثنين إلى الزواج، لكن الحرب ستطيح بقصة الحب هذه، إذ يستدعى "أمير" إلى الخدمة العسكرية في أثناء حمل زوجته، ولن يراها مرة أخرى إلا وهي تلد طفلة جميلة سيقرر تسميتها "أميرة الزهراء" جامعاً اسميهما معاً، غير أن الطفلة تموت بعد ساعات من ولادتها، قاسمةً بموتها عرى هذه العلاقة.
ولعل المشهد الذي يلي موتها، وحيرة الأب الحامل لطفلته يبحث عن مكان لدفنها، من أقوى المشاهد في الرواية وأشدها تأثيراً، إذ يحتار كيف يدفنها وحين يعثر على صندوق صغير مرميّ يقرر وضعها فيه، ثم يبحث عن مكان ليواريها التراب سريعاً قبل أن تنتهي إجازته القصيرة ويعود إلى ثكنته العسكرية.
"كنت أحمل جثتها الصغيرة في صندوق أحذية كارتوني، وأسير وحيداً في الأزقة الآسنة والساحات المكتظة بالساهرين والمشرّدين والكلاب السائبة، عابراً الجسر، مفكراً في القف إلى النهر معها، متوقفاً في شارع الكتب الخالي إلا من الفئران، ومحدّثاً إياها عن ذكرى خطواتي فيه مع أمها، مروراً بمقهى أبي المفضّل، وتهنئة صاحبه لي بالحذاء الجديد، وهو لا يعلم أن الذي أحمله في تلك العلبة هو جثمان طفلتي وليس حذاء... لحظتها، تمنيت لو أنه أطلق على قلبي رصاصة بدل كلمة مبروك".
الرواية التي تجري أحداثها في ثلاثة أمكنة هي العراق وإسبانيا وكولومبيا، ستتخذ منحى آخر بعد هذه الحادثة، إذ يتطلق الزوجان ويقرر "أمير" تغيير حياته فيسافر إلى إسبانيا حيث يقيم ابن خاله. وفي البلاد البعيدة "يهدي طفلاً لكل امرأة تحلم بالأمومة".
تتحوّل فصول الرواية إلى متابعة حثيثة لغراميات راويها، وفصلاً تلو الآخر نكتشف حكاية سبعة وعشرين طفلاً هم نتيجة هذه الغراميات وثمرتها، لكن ذلك لا يعني أننا سنكون في كل مرة أمام حكاية كيف تعرّف "أمير" بالمرأة التي ستصبح أماً لطفله فحسب، بل سنكون أمام حكاية المرأة نفسها أيضاً. هكذا نقرأ عن امرأتين مثليتي الجنس تريدان طفلاً، وعن زوجة تعاني من خيانة زوجها فتخونه بدورها، وعن فتاة خلاسية خرساء، وعن نساء يعشن بمفردهن وسط الطبيعة الكولومبية الساحرة، وعن فتاة مقاتلة تمشي على خطى "جيفارا" وتسعى مع رفاقها لتصحيح الحركة النضالية...
تحفل الرواية إذاً بتنوّع ثري في الشخصيات والأحداث، وتطرح في تنوّعها هذا الكثير من المواضيع الإنسانية وتثير مجدداً الأسئلة الوجودية: ما هو الخير وما هو الشر، هل نحن أحرار في خياراتنا أم مسيرون، ما أثر مواضينا في رسم مصائرنا، وما هو المشترك بيننا كبشر في العمق، على الرغم من اختلاف ثقافاتنا ومرجعياتنا. تتداخل مع تلك الحكايات حكايات أخرى أيضاً، كقصة ابن الخال الذي يؤسس امبراطورية مالية في إسبانيا، وتتكشف الأحداث عن أنه يهرّب الذهب من كولومبيا، ويورّط مجموعة من الأشخاص من حوله في هذا الأمر، كما نقرأ قصة الرجل المصري "هاني" الذي يتعرف إليه "أمير" في كولومبيا، وتنشأ بينهما صداقة مهمة، وتكون
نقاشاتهما حول السعادة والأديان ومعنى الحياة والحب رافداً يغذي نهر الرواية وهي تسير إلى مصبها.
شخصيات كثيرة وحكايات عديدة ومتشعبة تحفل بها الرواية، لكنها كلها تدور في فلك البطل الذي يجد متعته في إهداء الأطفال للحالمات بالأمومة من جهة، وفي إنشاء مشغلٍ لصنع أحذية الأطفال من جهة ثانية، هكذا تمضي حياته بين "أبناء وأحذية"...
"تمضي الحياة بنا دون توقف، ومع كل يوم يمر نشعر بأن وجودنا فيها يقترب من نهايته، ونحن ما زلنا لا نفهم معنى وجودنا فيها. لم تكن حياتي سوى أبناء وأحذية. أبناء وأحذية وكلاهما للآخرين وليس لي. هل سيكرهني كل أبنائي؟ (...) ربما أن إنجاب طفل هو تجديد لعقدنا مع الحياة، وإتاحة المزيد من الوقت بانتظار التوصل إلى إجابات معينة، وأنت جددت عقدك مع الحياة سبعاً وعشرين مرة، ولكنك كنت دائماً الطرف الذي لم يلتزم بهذه العقود".
*المؤلف: محسن الرملي/ العراق، الناشر: دار المدى/ بغداد - بيروت، عدد الصفحات: 196، الطبعة الأولى: 2018، يمكن الحصول عليها من موقع النيل والفرات.
محسن الرملي كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا. له مجموعة من الروايات أبرزها: "الفتيت المبعثر" التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002، و"تمر الأصابع" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2010، و"حدائق الرئيس" التي نالت ترجمتها الإنكليزية بجائزة القلم الدولي 2016، و"ذئبة الحب والكتب" التي وصلت القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015تُرجمت رواياته إلى عدة لغات، من بينها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والبرتغالية والكردية
-----------------------------------------
*نشرت في (رصيف22) بتاريخ 28/2/2019

*فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

عرض رواية أبناء وأحذية لمحسن الرملي /رياض العلي


رواية مميزة وممتعة وتعد إضافة جديدة إلى السرد العراقي 

عرض: رياض العلي
 تتحدث الرواية عن (أمير) الشاب القادم من الريف والمحب للمسرح والذي يرتبط بعلاقة حب مع زهراء القادمة من عائلة نجفية لها توجهات دينية والمحبة للمسرح كذلك وتتوج هذه العلاقة بالزواج وسط ظروف صعبة جداً بمساعدة استاذ جامعي يعمل كتدريسي في كلية الفنون الجميلة ثم تحدث الانعطافة الكبيرة في حياة أمير لتبدأ الأحداث بالتسارع بشكل درامي مثير وفي بلدان عديدة..
الرواية واقعية وكتبت بلغة سلسلة خالية من التعقيد والغموض يعيش القارئ احداثها كأنها فلم سينمائي وهي الطريقة التي اعتمدها الكاتب في كل أعماله السردية وهو الأمر الذي يحسب له.
تبدأ الرواية بمشهد مفزع يذكرنا بأستهلال روايته المهمة (حدائق الرئيس) حيث كان الصندوق حاضراً هنا أيضاً لكن فيه جثة كاملة ليعود بعدها الكاتب بفلاش باك لنعرف قصة أمير مع زهراء والتي استغرفت ربع الرواية .تنقسم الرواية الى عدة اقسام:
القسم الأول: في العراق
القسم الثاني: في اسبانيا.
القسم الثالث: في كولمبيا.
القسم الرابع: العودة الى اسبانيا.
شخصيات الرواية كثيرة ومتشعبة لكنها كلها تدور حول الشخصية الرئيسية (أمير).. فلا وجود لشخصية تهيمن على شخصية أمير.. حتى زهراء وأنضباط ومنهل وكوثر وأيراسيما وهاني وغيرها على الرغم من تاثيرها القوي في الرواية والسبب في ذلك هو أن الكاتب جعل أمير هو من يروي الحكاية وأن يرى الآخرين من خلاله.
الأحداث كانت متشعبة بشكل مدهش ولكن الكاتب كان ممسكاً بها ولم يفقد السيطرة عليها.. بل كان يقود الرواية باحترافية كبيرة.
من المشاهد التي لا يمكن نسيانها.. تلك اللحظات التي خرج فيها أمير من المستشفى حاملاً أميرة الزهراء حتى وصوله الى المقبرة والتي اعتقد ان الكاتب قد فعل أكثر مما يجب فيها.. هذا المشهد كتب بديناميكية وانفعال وعواطف لا يستطيع أن يكتبها إلا الرواة المحترفين.
وكعادة الرملي في بعض أعماله، فأنه ترك النهاية مفتوحة حيث ربما يعود إليها بعد فترة أو لكي يعطي للقارئ فرصة لتخيل ما يحدث..
وطبعاً لابد من قراءة الرواية كي نعرف ماهي العلاقة بين الأبناء والأحذية
"تمضي الحياة بنا دون توقف، ومع كل يوم يمر نشعر بأن وجودنا فيها يقترب من نهايته، ونحن مازلنا لا نفهم معنى وجودنا فيها. لم تكن حياتي سوى أبناء وأحذية. أبناء وأحذية… وكلاهما للآخرين وليس لي".
رواية مميزة وممتعة وتعتبر إضافة جديدة إلى السرد العراقي.

*محسن الرملي كاتب عراقي مقيم في اسبانيا وهو شقيق الكاتب الراحل حسن مطلك.
**رواية (أبناء وأحذية) لمحسن الرملي، صدرت عن دار المدى في بغداد عام 2018.
---------------------------
*نشرت في (المرسى نيوز) بتاريخ 21/12/2018

السبت، 9 فبراير 2019

كتب وموسيقى/محسن الرملي /منشور

هدايا الويك إند:
 يقدمها هذا الأسبوع الكاتب العراقي محسن الرملي 

يعود الكاتب العراقي محسن الرملي إلى كلاسيكيات أدبية للجاحظ ودوستويفسكي، وكلاسيكيات موسيقية لبيتهوفن وباخ، لكنه لا يرى مشكلة في سماع الأغاني الشعبية حين يكون في المطبخ.. 

ترددت في كتابة هذه القائمة حتى كدت أصرف النظر عنها، لأني وجدت أنه من غير المنطقي ولا من الإنصاف أن أذكر خمسة كتب أو عشرة فقط من مئات الكتب المهمة بالنسبة إليَّ. لكن بما أنني وعدت الأصدقاء في «منشور»، وتورطت في وعدي، فهذه قائمة ترشيحاتي.

في الكتب:
*دون كيخوته لـ ميغيل دي ثربانتس:
لأن فيها البذور الأولى لكل التقنيات السردية التي استخدمتها الرواية الحديثة، فهي بحق أم الروايات، ومعرفة القارئ لإطارها التاريخي والأدبي الذي ظهرت فيه يجعل قارئها يدرك مدى عبقريتها فعلا.

*دابادا لـ حسن مطلك:
لأنها ذروة تطبيقات التجريب والحداثة في الرواية العربية المعاصرة، لذا يراها البعض أنها أصعب رواية عربية على الإطلاق، وشخصيا أستمتع بفهمها وبصعوبتها، وفي كل قراءة جديدة أتعلم منها شيئا جديدا، وأكاد أقرأها أحياناً كما أقرأ قصيدة.

*البيان والتبيين لـ الجاحظ:
لأنه موسوعة أدبية، كنز حقيقي في كل تفصيلة فيه، ويمكنك أن تفتحه في أية صفحة وتقرأ بمتعة، ويسحرك أسلوبه في السرد حتى وهو يتناول مسائل نحو وبلاغة بحتة، كما أن فيه رؤى فكرية ومقاطع وعبارات تستحق بحد ذاتها أن تكون كُتبا مستقلة.

*ذكريات من بيت الموتى لـ دوستويفسكي:
لأنه الأقرب إلى التجربة الشخصية وسيرة دوستويفسكي من كل أعماله الأخرى، وفيها يتجلى عمق الوصف النفسي وملامسة المناطق المعتمة في الإنسان وعذاباته تحت ظلم وقسوة الإنسان الآخر. وحيث يكشف وصف التفاصيل الصغيرة كامل مهارة الكاتب في التعبير الحيّ بحيث تصبح عندي هذه التفاصيل أهم من المتن الحكائي العام ذاته.

*الصخب والعنف لـ وليام فوكنر:
لأنها مدرسة حقيقية في السرد الحديث ومن تحت معطفها  ظهر جل الأدب الأمريكي المعاصر، أحب دقة اشتغالها التقني المعقد وصفاء الفن السردي المنسوج بشكل باهر.

في الموسيقى:
*كلاسيكيات عالمية:
أحب سماع موزارت في حالات الهدوء وأثناء الكتابة والمراجعة أحياناً، وسماع بتهوفن في حالات الاعتدال النفسي، وباخ وفاغنر في حالات القلق والانفعال والحماس والانزعاج والرغبة بالصراخ.
مثلاً:

*كلاسيكيات عربية:
أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب حيث النضج الفني التام والاشتغال الموسيقي الجاد والمدروس. صباح فخري وكسر الحدود حد الامتزاج بين الروحي والحسي. فريد الأطرش اللطف والتهذيب والحس العالي، عبدالحليم حافظ بألحان بليغ حمدي، الحيوية والنشوة.
مثلاً:

*كلاسيكيات عراقية:
المقامات، القبنجي، يوسف عمر، الأصالة والمزاج وسهر وسلطنة الكبار وتهدئة البال من إيقاع حياتنا السريع. غناء الريف العراقي والمواويل حيث الحزن العراقي المعتق.
مثلاً:

*كلاسيكيات قريتي:
ومنها الربابة، الصويحلي والعتابة والنايل، بأصوات مطربي الريف في قريتي والقرى المجاورة ممن عرفتهم واستمعت لبعضهم شخصيا مع أبي وأخوتي وأصدقائي، ومايرافق تسجيلاتهم البسيطة من صياح ديوك الفجر وتعليقات السهارى البسيطة والساذجة أحياناً، أفعل ذلك عندما يجتاحني حنين إلى زمن بعيد، إلى مناخات نشأتي الأولى فتتعاقب وجوه الراحلين وتستعاد مفردات وأوصاف شعرية قد انقرضت اليوم فيما كانت تمثل جواهراً تعبيرية فنية في حينها.. الأمر يشبه النظر إلى جثمان شخص عزيز.
مثلاً:

*الأغاني الخفيفة:
وهذه استمع إليها عندما أكون في المطبخ أو أقوم بأعمال منزلية، وتشمل مجمل الشعبيات الطربيات العربية مصرية ومغاربية وعراقية وخليجية وكل ما هو راقص وإيقاعي بغض النظر عن رداءة صوت المطرب وسذاجة الكلمات.
مثلاً:
 
-----------------
*نشر في موقع (منشور) بتاريخ 1/2/2019

قراءة.. رواية: أبناء وأحذية / حسين عبد علي


لا يكتب الرملي شخوصه.. بل ينحتها
حسين عبد علي
كعادته؛ يبدأ محسن الرملي من العراق وينتهي بالعراق. فمنذ "الفتيت المبعثر" الذي يستهلها الرواي بقوله:"غادرتُ بلدي"، ثم ينهيها بقصيدة للشاعر ماهر الأصفر يقول فيها:"إنها الأرض/ والقهوة/ والفتيت المبعثر". مروراً بـ"تمر الأصابع" الذي يهديها محسن إلى العراق مهد طفولته ومهد الحضارات. إلى "ذئبة الحب والكتب" التي تستحضر شيئاً من الشهيد حسن مطلك، وفي هذا الشيء من الاستحضار استحضار للعراق بأكمله، في حين يختتم الرملي روايته في الحافلة المتجهة إلى بغداد. "حدائق الرئيس" التي كل صفحاتها عبارة عن عصر العراق الدموي. وأخيراً "أبناء وأحذية" التي تبدأ بـ "انتقاماً من موت طفلتي في العراق، أنجبتُ سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا". أتفق مع من ذهب إلى القول أن محسن الرملي في روايته الأخيرة استطاع أن يغادر فكرة الحروب والدكتاتورية والبطش، إلا أنني متيقن تماماً أنه لا يستطيع أن يغادر العراق التي في داخله. هذا الرجل المهووس بالعراق هو في الشبه أشبه بـ هاني الصعيدي القبطي في "أبناء وأحذية" الذي يشير إلى أنه قطع علاقته بمصر نهائياً إلا أنه ينسى -أو يتناسى- السبب الذي يجعل اسم ابنه (نيل)، وأن وصيته أن يتم دفنه في مصر.
وإن أشرت مسبقاً في حديثي حول روايته "حدائق الرئيس" حول أهمية استهلال الرواية أو الفقرة الأولى، بوصفها اللحظة الأولى التي تنطلق منها العلاقة بين المتلقي والمنجز. فمحسن الذي كان خبيثاً جداً عندما يستهل "حدائق الرئيس" بعد إهداء ولا أروع بـ "في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها". فإنه هذه المرة ليس أقل خبثاً عندما يستحضر فكرة الصندوق مرة أخرى، ولكن هذه المرة صندوق أحذية كارتوني، ويعمّق وجع الصورة في استهلاليته عندما يقول: "كنت أحمل جثتها الصغيرة في صندوق أحذية كارتوني".
في رواياته، لا يكتب الرملي شخوصه، بل ينحتها. يستخرجها من بين السطور كما يستخرج النحات المنحوتة من داخل الحجر. لذلك أنت أيضاً، لا تقرأ كائنات الرملي، بل تعيشها. فمثلاً أن يستهل الرملي روايته بما يشبه اختصاراً للرواية بأكملها، أن ثمة رجل ماتت ابنته في العراق، وانتقاماً من هذا الموت يُنجب سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا، هو ما قد يظنّه البعض بأنه بمثابة حرق لأحداث الرواية، وأنها انتهت حيث بدأت. ولكن يدرك الرملي ألا أهمية لما سيحدث، فهو يختصر لنا ما سيحدث في جملة الرواية الأولى، بل الأهمية تكمن في كيف ولماذا سيحدث. وفي طرحه لهذه الكيفية يحفر الرملي شخصياته عميقاً، عن طريق تعرية العلاقة بين الشخصية ونفسها، والشخصية والشخوص الأخرى، الشخصية والمكان (العراق/ إسبانيا/ كولومبيا). أخيراً.. العراق/ أسبانيا/ الحب.. ثالوث لا يمكن إلا أن تجده في روايات الرملي، شاء أم أبى. والجمالية الأم في أنك مع كل منجز للرملي سترى هذا الثالوث من زواية مختلفة.
-------------------------------------
*حسين عبد علي: فنان وكاتب بحريني.
*ونشرت بالانكليزية في صحيفة (المترجم العراق)، عدد فبراير/شباط 2019 بغداد