السبت، 3 أغسطس 2013

محسن الرملي: كنت أقرأ وأكتب داخل الدبابة تحت القصف /الجزائر نيوز

في ندوة (الأثر) لصحيفة (الجزائر نيوز)
المهرجانات الثقافية وإشكاليات النشر والكتاب
محسن الرملي: كنت أقرأ وأكتب داخل الدبابة تحت القصف

 
أدار وحرر الندوة الصحفيان: بدر مناني وسارة عياشي
على هامش (المهرجان الدولي للأدب وكِتاب الشباب) في طبعته السادسة والذي كانت ساحة (رياض الفتح) مسرحاً لفعالياته على مدار تسعة أيام، من 13 إلى 22 جوان الجاري، نشطت “الجزائر نيوز” ندوة صحفية استضافت خلالها الروائي العراقي الدكتور محسن الرملي والشاعر الجزائري خالد بن صالح والكاتب والناشر لزهاري لبتر بالإضافة إلى زينب مرزوق المكلفة بالاتصال في محافظة المهرجان، أين تم التطرق لفعاليات المهرجان وإشكاليات الكتاب والنشر في الجزائر.
*على هذا الرابط ما تم نشره من حوارات الندوة:
وهنا نقتطف بعض من مداخلات الكاتب العراقي محسن الرملي:
محسن الرملي: كنت أقرأ وأكتب داخل الدبابة تحت القصف
*الجزائر نيوز: نبدأ من المهرجان، كيف ينظر الكاتب إلى مثل هذه التظاهرات الثقافية؟
ـ الكاتب العراقي محسن الرملي: رأيي أنه يجب الإكثار من هذه النشاطات وتحسينها، كما يجب توزيعها على باقي مناطق البلد، فهي تقرب الثقافة من المتلقي وتقرب المتلقي من الانتاج الثقافي، عدا ذلك فهذه النشاطات لا تكتفي بالجالية المثقفة الجزائرية إنما تتيح المجال أيضا للجالية العربية والعالمية، وبالتالي تتيح للمتلقي فرصة التعرف على عدة وجوه وأصوات من مناطق العالم وتفتح مجال الاطلاع على ثقافات مختلفة حوله، بهدف التعارف، التلاقح واحترام جماليات التنوع.
*الجزائر نيوز: رغم أن هذا المهرجان معنون بأدب الشباب إلا أننا نسجل ظهورا محتشما لهذه الفئة، حيث لا توجد سوى ثلاثة أسماء تقريبا، ما قولكم في هذا الموضوع؟
ـ الكاتب العراقي محسن الرملي: أنا أعتقد بأني مطلع إلى حد ما على المشهد الثقافي الجزائري، والجزائر أمة ولاّدة وفي زيارتي الثانية اكتشفت مزيدا من الأسماء حتى التي لم تحضر هذه الفعاليات اكتشفتها من خلال كتاباتها، ثم ليس شرطاً عندما تعنون تظاهرة بأدب الشباب أن يكون حضور المبدعين الشباب فيها طاغيا، فحضور البعض وإتاحة الفرصة لهم ليتحاوروا مع أسماء لها تجربتها مثل حسن داود بشكل مباشر، خصوصا أن اللقاءات تدار بشكل حوار وليس محاضرة كلاسيكية، يسهم في تطوير قدراتهم وتفتيح آفاقهم .
*الجزائر نيوز: طبع في إطار المهرجان كتاب لتكريم مجموعة من الكاتبات الجزائريات، فيه مقتبسات من بعض أعمالهن دون أخذ موافقة بعضهن حتى أن إحداهن قالت إنها لم تعلم مطلقا أنها مكرمة في هذه التظاهرة، هل يصح هذا الأمر؟
ـ الكاتب العراقي محسن الرملي: في حالة التكريم من مصلحة الناشر ومن مصلحة المؤلف أن تنشر مقتطفات من أعماله في كتاب مماثل، الأمر أشبه بإشهار مجاني، وهذا ليس نشرا للكتاب وبيعه بل هو نشر لصورة الكاتب واسم ناشره وبالتالي هذا سيدفع القراء إلى البحث عن الكتاب الكامل لاقتنائه، هذا مباح في التكريم فالكل هنا يحتفل، وفي لحظة التكريم من يهتم بالحقوق؟
*الجزائر نيوز(لمحسن الرملي) هل هناك جدوى من الكتابة في ظل الخراب والانهيار؟
ـ الكاتب العراقي محسن الرملي: الإبداع والكتابة هو العزاء والبلسم الوحيد أمام الخراب في القطاعات الأخرى، فمثلا في مصر، الأمل في التغيير يقوده المثقفون ويجب أن يعودوا في كل الوطن العربي لممارسة دورهم التنويري، وفي العراق كان بلسم حياتنا هو الشعر والأدب، وأول ما حدث بعد احتلال العراق استمر الحراك الثقافي وأقام مجموعة من الشباب بعد شهر مهرجانا للمسرح لبث الروح في الناس حتى لا ييأسوا ويصابوا بالإحباط.
أنا أقول هذا عن تجربة.. كنت في الجيش العراقي أقود الدبابة، وكنت تحت القصف أقرأ وأكتب داخلها، كنت أوثق اللحظة التي أعيشها كانت الكتابة هي بلسمي في اللحظات الصعبة.
---------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الجزائر نيوز) الجزائرية، بتاريخ 25/6/2013م.

السبت، 27 يوليو 2013

محسن الرملي: نحب ونبغض بتطرف / حاوره: سمير قسيمي

الروائي العراقي محسن الرملي لـ"الديار":
شعبانا متشابهان.. نحبّ بتطرف ونبغض بتطرف
حاوره: سمير قسيمي
لا أدري ما الذي جعلني وأنا أسلم على الروائي العراقي محسن الرملي أتذكر قول نزار: "عانفت فيها حينما ودعتها/رجلا يسمى طارق بن زياد".. ربما لأن رائحة الشرق والحضارة عانفتني حين فعلت. وكأن هذا الرجل الضئيل، بوجهه الآشوري ولكنته الراقدة على تراث يمتد إلى قرون، جعلني أفهم حقيقة شوقي إليه، شوق إلى وطن الجواهري والبياتي ومظفر النواب والسياب وحسن مطلك.. شوق إلى وطن الشعر كما وصف محسن عراقه، وإلى حاضرة العباسيين التي تتنازعها اليوم أيادي الموت...
كانت الثالثة زوالا حين أطل عليّ صاحب "تمر الأصابع" ملوحاً لي وقد أشار إلى مكاني الشاعر خالد بن صالح الذي كان برفقته. بدا وهو يفعل ذلك وكأنه يرى صديقا لم يره منذ عقود، رغم أننا لم نلتق إلا عبر أسمائنا ورسائلنا من قبل. وما أن جلسنا لنرتشف فنجاني قهوة حتى راح يحدثني. كان يتكلم، يتبع الجملة بالجملة وكأنه يخشى أن يتلقفه الصمت على حين غرة.
أتمنى أنك مستمتع بزيارة الجزائر والتجوال فيها؟
-         مستمتع جدا، ولكن للأسف لم أتجول في شوارع العاصمة بعد، فالبرنامج وضيق الوقت لم يسمحا بذلك، إلا أنها ليست المرة الأولى التي أزور فيها الجزائر، فقد سبق وأن وطئتها من قبل وكانت لي الفرصة في معرفة بعض ملامحها.. وعلى فكرة فنحن العراقيون نشبهكم كثيرا.
*تشبهوننا؟..
-         بالتأكيد، إننا نملك نفس الهواجس.. حتى أكاد أقول أن لنا نفس الطباع: دمنا حار، نحب بتطرف ونكره بتطرف. تربطنا مشاعر مختلفة عن شعوب أخرى بوطننا: نحبه ولا نأبه بإظهار ذلك، حتى أننا أحيانا لا نظهر حبنا له إلا حين يحتاجنا فعلا.. فأنا رغم أنني هاجرت إلى اسبانيا منذ قرابة العشرين سنة، أقيم بها وأدرس فيها حتى أنني تزوجت من إسبانية إلا أن علاقتي بالعراق مستمرة على أكثر من مستوى. مستمرة في كتاباتي ومشاعري وهواجسي. صحيح أنني لم أزر وطني خلال كل هذه المدة إلا مرتين إلا أنني بذهني هناك يوميا، ولا أرى شيئا يمكنه أن يمنعني عن حبه حتى ما حدث أو يحدث الآن..
على ذكر اسبانيا، لا يبدو لي من خلال القراءة لعملك "تمر الأصابع" و"حدائف الرئيس" تأثرك بها. من يقرأ لك يعتقد أنك مقيم في العراق..
-         اسبانيا ليست إلا وطن المهجر، محل إقامة وملجأ آمن لي ولعائلتي ولأحلامي. لقد شاهدت الموت في العراق، حتى أنني وقفت أمام الموت مرتين ولكن الله نجاني. لا يمكنني أن أصف لك شعور المرء وهو يقف على باب الإعدام، في الجهة الأخرى.. لهذا تراني الآن مستمتعا بحياتي وأحاول أن أعيش كل لحظة بكل تفاصيلها. إلا أن ذلك لم يجعلني أتوقف عن كوني عراقيا. حين أكتب يمتنع عني الكذب على نفسي وعلى الآخرين. لا يمكنني لحظة الكتابة أن أكون إلا صادقا، وصدقي لا يمكن أن يكون إلا عبر إخبار الناس عن العراق: عراق الحب، البغض، الألم، الفرحة، الحلم والكابوس. تمنيت لو أنني أستطيع الخروج من دوامة المشاعر إلى صناعة رواية أخرى، رواية للمتعة والتشويق كتلك المنتشرة في العالم الغربي. هاجسي هذا هو هاجس كل روائي عربي فمن الصعب الخروج من أجسادنا واقتراض أرواح خالية من همومنا وحيواتنا وواقعنا.
تخوض تجربة متميزة من حيث اللغة، فأنت تكتب باللغتين. لنتحدث بشكل أخص عن "تمر الأصابع" فهي صادرة بالعربية والاسبانية، هل تقوم بترجمة أعمالك أم أنت تعيد كتابتها من جديد مثلما يدعي عمارة لخوص مثلا.
-         حتماً أنني لا أترجم لنفسي، كما أنني لا أعيد كتابتها. "تمر الأصابع" كانت تجربة متميزة، كتابتها كانت تحديا على مستوى المشاعر، الأحداث وبالأخص على مستوى اللغة، فقد كتبتها في نفس الوقت باللغتين العربية والاسبانية، أحيانا أكتب فقرة بلغة والفقرة الموالية بلغة أخرى، فلم أكن –في لحظة الكتابة- أعمل على فرض أية لغة من اللغتين، ولكنني حين انتهيت فاضلت بين اللغتين وصدرت الرواية بالعربية والاسبانية. أعتقد أن الكتابة هي عملية صعبة قد تمتنع عن الوصف.
نعرف جيدا صيت "تمر الأصابع" باللغة العربية، لاسيما وأنها دخلت القائمة الطويلة للبوكر، هل كان لنسختها الاسبانية نفس الصيت؟
-   نعم ولكن المسائل تبقى نسبية، وبالمناسبة لا يمكنني إنكار فضل البوكر علي إعلاميا ومن حيث الرواج. صار اسمي بعدها معروفاً عربياً، سمح لي ذلك بحضور العديد من المهرجانات واللقاءات الأدبية، كما جعلني أفرض بعض الصرامة على كتاباتي. لقد بنيت علاقة ثقة بيني وبين قرائي أعتقد أنها أصبحت سببا وجيها في التأني الذي أصبح يميز إصداراتي، بدليل أنني استغرقت زهاء الأربع سنوات لأصدر عملي الثاني "حدائق الرئيس". أعتقد أنها مدة معقولة، كما أنها مدة تسمح للترويج للعمل السابق ومنحه كل أسباب الانتشار والتوزيع والترجمة.
-------------------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الديار) الجزائرية، العدد 449 بتاريخ 21/6/2013م
 

الجمعة، 19 يوليو 2013

محسن الرملي: الروائي من يساند الضحية / حاوره: حميد عبدالقادر

الكاتب العراقي محسن الرملي لـ”الخبر"
الروائي الحقيقي من يساند الضحية ويقف إلى جانب الخاسر
حاوره: حميد عبدالقادر
الجزائر: الثلاثاء 25 جوان 2013  

يعدّ الشاعر والروائي والأكاديمي محسن الرملي، من أشهر الأصوات الأدبية في العراق. حصل على الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد، عن رسالته “تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته” العام 2003، وهو شقيق الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك الذي أعدمه نظام صدام حسين سنة 1990. زار الجزائر، مؤخرا، بدعوة من المهرجان الدولي للأدب وكتاب الشباب، وتحدث في حوار مع “الخبر” عن تجربته الروائية.
*كيف يستغل الروائي موضوع الصراع في أعماله الإبداعية؟
 ـ يعدّ مسألة مهمة بالنسبة لبلد مثل العراق، فهو بلد من أقدم الحضارات، مرت عليه ثقافات عديدة، لكنه أكثر بلد تعرض للصراعات، فقد عرف أكثر من ثلاثة وعشرين احتلالا منذ وجد على الأرض، ولم يعرف سوى عشر سنوات متواصلة من السلم. والصراع باق في العراق إلى حد أن البعض يعتقد أن أصل كلمة العراق هو “العراك”. عندما كان عمري سبع سنوات، رأيت أول جثة مقتولة بالرصاص، ولما بلغت سن الثالثة عشرة، بدأت الحرب الإيرانية العراقية. فالعراق إذن فيه حروب كثيرة وصراعات عديدة، يعرف دائما القاتل والمقتول. لهذا نجد أن مسالة الصراع مهمة جدا في الأدب العراقي، لأنها تعبّر عن واقع وتاريخ.
*هذا الواقع المتردي، هل يؤثر على مخيال الروائي؟
 ـ في عهد الديكتاتور صدام حسين، كان يلجأ الكاتب الذي يعيش في الداخل لاستخدام الرموز، بينما لجأ الكاتب العراقي الموجود في الخارج إلى اللغة المباشرة والأسلوب التحريضي، وكلاهما مرتبطان بالواقع والتاريخ. واليوم تجدني أحلم أن أكتب عن مواضيع مرفهة، ككتابة رواية بوليسية أو رواية حب، لكنني لا أستطيع لما يكون بلدي في حالة صراع. فحتى رواية الحب مثلا، تجدني وأنا أكتبها تعيدني إلى العراق، فتظهر تداعيات الحرب بمجرد الكتابة بصدق. معروف أن الشعر لم يقصّر في العراق، وقد عبّر فعلا عن آلام الإنسان. لكن الرواية مقصّرة، وهي تحتاج إلى تأمل، وفي كل مرة يستعد الكاتب العراقي للتأمل تسقط عليه حرب أخرى، فيؤجل مشروع التأمل. لهذا، أقول دائما إن أهم رواية ظهرت هي ألف ليلة وليلة، فهي مليئة بالخيال، وقد أصبحت مدرسة في الرواية. إن العراق لم يعرف سلاما، وكل كتاباتنا فيه انعكاسات لهذا التوتر والصراع.

*كيف برز هذا الواقع في أعمالك الروائية؟
ـ  نشرت لحد الآن ثلاث روايات منها رواية “تمر الأصابع” التي تتناول جوانب من طبيعة التحول في المجتمع العراقي على مدى ثلاثة أجيال، فتتطرق إلى ثنائيات ومواضيع شتى كالحب والحرب والدكتاتورية والحرية والهجرة والتقاليد والحداثة والشرق والغرب، بينما حاولت في روايتي الأخيرة “حدائق الرئيس” أن أتحدث عن ما حدث للعراق خلال الخمسين سنة الأخيرة. أعتبر أن العراق بلد غني، لكنه غير مستقر، وهو المسار الذي أحاول أن أوضحه من خلال تجربتي الروائية. بالنسبة لي أرى أن الأديب الحقيقي هو من يكون دائما إلى جانب الخاسر، وليس المنتصر، يساند الضحية وليس الجلاد. وفي حالة العكس يصبح الأدب أدبا دعائيا تعبويا. الأدب الحقيقي يجب أن ينحاز للضحية حتى وإن كانت خاسرة. الأدب والفن ضروريان في زمن الصراع.
*ورغم ذلك تبقى الرواية حالة تعبّر عن المأساة..

 ـ نعم، الأدب هو الذي يوصل ما يحدث للناس أكثر من الصحافة وكتب التاريخ التي لها توجه منحاز. والصحافة تتعامل مع الضحايا كأرقام، وهذا يدمرني شخصيا. نسمع في وسائل الإعلام عن موت مائة شخص وانتهى الموضوع. أنا إنسان ولست رقما.. إنسان له أحلام وذاكرة ومشاريع. والأديب دائما يكتب عن الضحايا. أجد أننا مقصرون جدا في التعبير عن ضحايانا، وسبب هذا التقصير هو أننا لا نستطيع أن نلتقط أنفاسنا، وكلما خرجنا من حرب إلا ودخلنا في حرب أخرى. وفي هذه الحالة، ليس بإمكاننا أن نصف ونتأمل ونعطي كل حدث حقه. والأحداث التاريخية لها دائما وقعها، وتفرض نفسها في الرواية، ففي إسبانيا مازالوا يكتبون عن الحرب الأهلية رغم مرور أكثر من خمسين سنة. كما أعتبر أن الثورة الجزائرية لم تشبع أدبيا، وهي بحاجة إلى أكثر من عمل روائي. والرواية مهمة لأننا نعرف أشياء كثيرة من خلالها وليس من خلال التاريخ. 
--------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الخبر) الجزائرية، العدد 7115 بتاريخ 25/6/2013م.

الأربعاء، 5 يونيو 2013

زمن السيد الرئيس.. وحدائقه / عدنان حسين أحمد

زمن السيد الرئيس.. وحدائقه

تبدأ أحداثها من بغداد وتمتد إلى الكويت وإيران
 
لندن: عدنان حسين أحمد
تتوفر الرواية الثالثة لمحسن الرملي على أنساق سردية واضحة ودقيقة تتوزع على ثلاثة أجيال، ف«حدائق الرئيس» لا تقتصر على الشخصيات الرئيسة الثلاث عبد الله كافكا، طارق المندهش وإبراهيم قسمة، بل تتوغل زمكانيا في تاريخ الآباء والأجداد من جهة، كما أنها تمتد إلى أبنائهم وأحفادهم من جهة أخرى، وأخص بالذكر منهم ابن قسمة التي ستطلب من طارق أن يغير اسم ابنها من صدام إلى إبراهيم، نسبة إلى نبينا إبراهيم (عليه السلام) الذي «ألقوه في النار فكانت عليه بردا وسلاما». وإذا كانت روايته الأولى «الفتيت المبعثر» هي رواية قروية بامتياز، أي أنها تتخذ من القرية مكانا لها، فإن رواية «حدائق الرئيس» هي رواية مدينية تدور أحداثها في عدد من المدن العراقية، وتتجاوزها إلى الفضاء الكوزموبوليتاني حيث تمتد إلى الكويت وإيران، بينما يتوارى المغتصب جلال في أكثر من دولة محتملة قد تكون روسيا أو إيران أو البرازيل أو هولندا. تتوفر هذه الرواية على ثيمات وأفكار كثيرة لا يمكن حصرها، غير أن الثيمة المهيمنة فيها بامتياز هي الجملة التي كانت تتردد على لساني قسمة وأبيها إبراهيم: «هذه هي الحياة، كل شيء فيها قسمة ونصيب». وكأن محسن الرملي يحاول أن يغلف روايته بوشاح قدري، غير أن هذه المحاولة لا تمنعه من البوح بأسئلته الفلسفية والوجودية حينما يتناول فكرة الموت في الحياة أو يناقش غريزتي الحب والموت أو يتطرق إلى أدب السجون والمعتقلات وما يتخللهما من ألم وعذاب حقيقيين.

* المشهد الاستهلالي
ابتدأ الرملي روايته بمشهد الرؤوس التسعة المقطوعة التي وضعت في صناديق الموز وبينهم رأس إبراهيم قسمة، وسوف ينهي الرواية بالبحث عن جثة هذه الضحية التي لم تأخذ التحذيرات على محمل الجد فأصبحت هدفا للإرهاب الأسود الذي كان يجتاح العراق عام 2006 على وجه التحديد. إذن، يمكننا القول إن هيكل الرواية العام يقوم في جوهره على ثلاث شخصيات رئيسة وهم «عبد الله، طارق وإبراهيم»، لكن قسمة، البنت الوحيدة لإبراهيم سوف تلعب دورا محوريا يحرف الرواية إلى مسارات لم يكن يتوقعها القارئ حتى إنها تنازع الشخصيات الرئيسة الثلاث على دور البطولة لأنها سوف تلعب لاحقا دورا صيانيا تحاول فيه أن تجمع أشلاء الأب المبعثرة الذي بدأ يمثل لها العراق برمته لأسباب كثيرة لعل أبرزها أنه كان يوثق أسماء الضحايا الذين كان يفتك بهم النظام السابق، ويعذبهم، ويشوه ملامحهم قبل أن يضع حدا لحياتهم. فيما كان أزلام النظام القمعي يمارسون دورا تدميريا لا يختلف كثيرا عما يمارسه الإرهاب وبعض المجموعات المسلحة التي روعت العراقيين منذ عام 2003 وحتى الوقت الراهن. وهنا تكمن أهمية البنيتين الصيانية والتدميرية اللتين تتوزعان على مدار النص.

* الشخصيات الإشكالية
لم يستطع عبد الله أن يتستر على مجهولية أبيه، ولم يفلح في أن يتخلص من «العار» الذي لحق به، لذلك أحب كافكا، وتعلق برواياته، وتماهى حتى مع عالمه الشخصي الذي يشترك معه في الأقل بمجهولية الأب على الرغم من أننا، كقراء، سنكتشف لاحقا أن جلالا، ابن المختار هو الذي اغتصب «زكية» البلهاء فأنجبت منه عبد الله كافكا الذي سيتحول إلى إنسان كئيب ومتشائم وكسول ولا يحب العمل، لكنه سيكرس نفسه للقراءة فتتعزز علاقته بطارق المندهش وإبراهيم قسمة، لكنه يساق إلى الخدمة فيقع في الأسر عام 1982 ولم يعد منه إلا بعد عشرين عاما فيشعر أنه ميت في الحياة، خصوصا بعد أن رفض صديقه طارق أن يزوجه من أخته «سميحة» التي أحبها، لكنهم زوجوها عنوة لأحد أبناء عمومتها فهربت منه بعد أربعين يوما من الزواج. لا يختلف مصير إبراهيم قسمة عن عبد الله كافكا كثيرا، فلقد فقد ساقه في الحرب، وأصيب بالعقم، ورأى الفظائع والأهوال في حدائق الرئيس، ومات في الحياة أيضا، لكنه انتهى نهاية مفجعة على يد الإرهابيين الذين فصلوا رأسه عن جسده، حيث وصل الرأس المقطوع إلى قريته، فيما ظل الجسد ضائعا في بغداد. أما طارق المندهش فلقد أفلت من خدمة العلم لأنه كان معلما وإماما بأحد الجوامع، كما أنه الأوفر حظا بين أصدقائه الثلاثة، فهو يحب «فهدة» البدوية من جهة، ولديه علاقات عاطفية مع أكثر من امرأة من جهة أخرى، وفي خاتمة المطاف يعقد قرانه على قسمة ويذهب معها للبحث عن جثة أبيها المغدورة في بغداد. نخلص إلى القول إن هذه الشخصيات الثلاث هي شخصيات إشكالية وينطوي بعضها على جوانب إيجابية على الرغم من يأسها وقنوطها نتيجة للظروف الشاذة التي تحيط بها.

* الشخصية الصيانية
أشرنا قبل قليل إلى أن «قسمة» هي الشخصية الصيانية في هذا النص الروائي، فهي التي كانت تحاول دائما أن تلملم أطراف عائلتها المبعثرة. فقد ولدت في أسرة فقيرة، لكنها كانت طموحة جدا، وقد بدأ تباشير هذا الطموح يلوح في مخيلتها منذ كانت صبية يافعة حيث كانت تتطلع إلى طارق المندهش بمحبة وإعجاب كبيرين، وحينما انتقلت إلى بغداد أحبت ضابطا طموحا جدا، لكن طموحه سيقتله على الرغم من أنه كان يحب رأس النظام السابق حيث وشم اسمه على ذراعه الأيسر، ومع ذلك عذب وقتل ودفن في حدائق الرئيس التي كان يعمل فيها إبراهيم قسمة ويوثق كل المعلومات المتاحة عن المغدورين. وعلى الرغم من أن «قسمة» كانت تشعر بنوع من البرود تجاه والدها بعد أن فقد ساقه في الحرب، إلا أنها أعادت له اعتباره ومكانته الحقيقية التي تليق به حينما قررت البحث عنه لأنه أصبح رمزا للعراق، بل إنها أحيته من جديد حينما غيرت اسم ابنها من صدام إلى إبراهيم. لقد تغيرت «قسمة» تغيرا جذريا بعد المحن التي عاشتها، والفجائع التي حلت عليها من حيث لا تحتسب، فلا غرابة أن تفهم الدنيا بطريقة أعمق من ذي قبل لأن الحياة قد علمتها أشياء كثيرة وجعلتها في خاتمة المطاف تطرح كثيرا من التساؤلات المؤرقة بصدد ابنها إبراهيم الذي لا تدري إن كان سيحمل ملامح أبيه المغدور، أم سيكون مثل الرئيس المخلوع الذي اغتصب قسمة، أم مثل أبيها إبراهيم الذي تحول إلى رمز كبير، أم مثل طارق المندهش الذي يتوفر على روح إيجابية على الرغم من تصيده للفرص، وترتيب أوضاعه المستقبلية مع النظام الجديد. لا شك في أن تساؤلات قسمة المقلقة قد تحولت إلى خليط غير متجانس في جوفها، الأمر الذي جعلها تشعر بالقرف والغثيان فأحست برغبة عارمة في التقيؤ والتخلص من هذا القيح الساخن الذي يغلي في داخلها لتترك القارئ في مواجهة النص المفتوح على مصير إبراهيم الابن الذي سيمشي على أرض الرافدين ويطأها كما وطأها مئات الآلاف من الأشخاص الذين يحملون هذا الاسم الذي ينطوي على دلالة مجازية واضحة.
تنطوي هذه الرواية على ثيمات فرعية كثيرة من بينها الحب، والحرب، والاغتصاب، والرجم، والسجون، والمعتقلات، ومعسكرات الأسر، والمقابر الجماعية، والتعذيب الوحشي في العراق وإيران. كما أنها تسلط الضوء على حياة الرئيس السابق وعوالمه الخاصة التي لم نطلع عليها بهذه الدقة، حيث يأخذنا الرملي في جولة مثيرة ومرعبة في قصوره وحدائقه ويخوته الرئاسية التي تقذف المتلقي في عالم عجائبي غريب ومدهش حقا. أصدر الرملي روايتين أخريين وهما «الفتيت المبعثر» و«تمر الأصابع» وسبعة كتب أخرى تتوزع بين القصة والمسرحية والشعر ترجم معظمها إلى الإسبانية وبعضها إلى الإنجليزية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية، العدد 12608 بتاريخ 5/6/2013م
عدنان حسين ومحسن الرملي/لندن 2013 

الاثنين، 3 يونيو 2013

محسن الرملي في لجنة لتحديث تعليم العربية

محسن الرملي أديب عراقي في لجنة من كبار الشخصيات والخبراء
 لتحديث تعليم العربية
 
دبي- "ساحات التحرير"
شارك الكاتب والأكاديمي العراقي الدكتور محسن الرملي في إعداد واحد من أهم التقارير الخاصة باللغة العربية، وذلك ضمن لجنة ضمت نخبة من كبار الشخصيات والخبراء من تربويين وأكاديميين وسياسيين وإعلاميين وأدباء بارزين لتقديم تقرير شامل بشأن تحديث تعليم اللغة العربية، واقتراح أساليب وآليات متطورة وجديدة تسهم في تعزيز استخدامها وتعليمها لأبنائها والناطقين بغيرها ووضع التوصيات التي من شأنها النهوض بطرائق تحديث تعليمها وتطوير مناهجها بما يواكب متطلبات العصر ويسهم بتعزيز حضورها كلغة للعلم والثقافة والمعرفة والحياة.

وقد ضمت اللجنة بالإضافة إلى الدكتور الرملي، ورئيسها العالم المصري الدكتور فاروق الباز مدير مركز الاستشعار عن بعد بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الامريكية، كلاً من فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف والدكتور عبد السلام المجالي رئيس مجلس الوزراء الأسبق في المملكة الأردنية ورئيس مجلس إدارة أكاديمية العالم الإسلامي للعلوم والدكتور ياسر سليمان أستاذ اللغويات في جامعة كامبردج والشاعر الدكتور فاروق شوشة أمين عام مجمع اللغة العربية في القاهرة والدكتور ويليام غرانارا مدير برنامج اللغة العربية في جامعة هارفرد والدكتورة روناك حسني رئيسة قسم دراسات اللغة العربية والترجمة في الجامعة الأمريكية في الشارقة والدكتورة فاطمة البريكي رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة الإمارات والدكتورة منيرة الغدير مديرة مركز الدراسات العليا والأبحاث في معهد دراسات الترجمة بجامعة حمد بن خليفة في قطر والدكتور نايف المطوع مؤسس ومدير "مجموعة تشكيل الإعلامية" والدكتور عبيد المهيري مدير معهد اللغة العربية في جامعة زايد والدكتورة بروين حبيب الشاعرة وإعلامية.

وكانت هذه اللجنة قد شُكلت بمبادرة من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في 23 أبريل 2012 والذي التقى بأعضائها في اجتماعهم الأول وتابع عملها على مدى عام إلى أن انتهت مؤخراً من إنجاز تقريرها الذي عنونته "العربية لغة حياة" وسلمته إليه في احتفالية كبيرة أقيمت لهذا الغرض في دبي حضرها عدد من الوزراء والشخصيات والمفكرين والكتاب والباحثين والخبراء والأكاديميين والطلاب وجمع من ممثلي وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، حيث عقدت اللجنة مؤتمراً صحفياً أشارت فيه إلى أن تقريرها قد بُني على دراسة علمية فعلية وميدانية معمقة لواقع تعليم اللغة العربية، وأساليب تدريسها، والتحديات التي تواجهها في الوطن العربي والعالم.
وقال الدكتور محسن الرملي في المؤتمر الصحفي بأن أحد مميزات هذا التقرير عما سبقه من تقارير ومؤتمرات تتعلق باللغة العربية هو انطلاقه من نظرة تفاؤلية، ذلك أن الإشكاليات التي تواجهها لاتختلف كثيراً عما تواجهه بقية اللغات وأن معالجة هذه الإشكاليات ليست بالمستحيلة إذا ما قارنا الأمر بلغات أخرى كانت ميتة أصلاً وتم إحيائها، كما أن هذه النظرة التفاؤلية ترى في اللهجات سنداً وروافداً للفصيحة لاخصماً لها. وأضاف الرملي الذي ترأس اللجنة الفرعية المنبثقة عن هذه اللجنة والخاصة بتعليم العربية للناطقين بغيرها: إن الاهتمام بتعلم العربية يزداد في أنحاء العالم ومن قبل أكبر المؤسسات الدولية وأعرق الجامعات بحيث ارتفعت نسبة المقبلين على تعلمها لتتجاوز المائة بالمائة أحياناً، وإذا كانت الدوافع العامة لإقبال الناس على تعلم الإنكليزية هي المصلحة ولتعلم الإسبانية الفضول الثقافي فإن اللغة العربية تجمع الدافعين معاً. ودعى الدول العربية إلى تأسيس سلسلة من المعاهد الثقافية في كل عواصم العالم أسوة بما تفعله بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا بسلسلة معاهد غوته وإسبانيا بمعاهد ثربانتس ولتكن مثلاً حاملة لاسم المتنبي أو الجاحظ أو العربية ذاتها فتعلم اللغة وتقيم النشاطات الثقافية وتصدر المطبوعات وتقوم بالترجمات وغيرها، وقال إن الاستثمار الحقيقي وطويل المدى هو الاستثمار الثقافي.

وحث الرملي ضمن مشاركته في محور "ثقافة القراءة" في التقرير على ضرورة نشر طبعات مبسطة ومناسبة لاهتمامات الشباب من الكتب القيمة في التراث العربي وتبسيطها بحيث يتم استبعاد المفردات صعبة الفهم والتراكيب والصيغ المعقدة واستبدالها بمفردات حديثة ومبتكرة لتكون ملائمة للقارئ العربي وإعدادها بشكل وأسلوب شيق إيجازا وتقنية وتقديما تناسب كل المراحل التعليمية " الابتدائية والإعدادية والثانوية " بهدف جعلها متاحة لطلاب اليوم بما يتطابق مع شعار اللجنة اللغة "العربية لغة حياة ".
وأخيراً تمنى الرملي على الجميع، مؤسسات وأفراد، الأخذ بجدية ولو ببعض ما جاء في هذا التقرير لما فيه خدمة اللغة العربية وبالتالي خدمة الجميع، وخاصة أن هذا التقرير قد استند إلى نتائج أحدث الأبحاث العلمية والدراسات في مجال تعليم اللغات وتعلّمها، وعلى سلسلة من الدراسات الميدانية التي أجريت مع أصحاب الخبرة حول واقع اللغة العربية وأساليب تعليمها وتدريسها والتحديات التي تواجهها ليركز على وضع الأسس العملية لتحديث تعليمها؛ مما يجعل منه خطّة عمل تؤدّي إلى حراك ذي خطوات واضحة المعالم وممكنة التطبيق، كما التزم التقرير بلغة علمية وواقعية مباشرة لتصبح أفكاره بمتناول الجميع من صناع القرار ومسؤولي الوزارات والمدرسين والاداريين والاعلاميين والطلاب. ويمكن الاطلاع عليه عبر الموقع الالكتروني (العربيةلغةحياة.امارات) (www.arabicforlife.ae ).
 
يذكر أن محسن الرملي هو كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا منذ 1995. حاصل على الدكتوراه بامتياز مع درجة الشرف من جامعة مدريد (أوتونوما) بكلية الفلسفة والآداب عن أطروحته: (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته)، ويعمل حالياً كأستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد. يكتب بالعربية والإسبانية، وله أكثر من عشرين كتاباً منشوراً تنوعت بين الرواية والشعر والمسرح والترجمات، منها رواياته «الفتيت المبعثر» التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002 و«تمرالأصابع» التي رُشّحت للجائزة العالمية للرواية العربية عام2010. و(حدائق الرئيس) التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2013. تُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية والمهرجانات ومعارض الكتاب. له عشرات المواد المنشورة في الصحافة الثقافية العربية والإسبانية والأمريكو-لاتينية. تَرجم العديد من الأعمال الأدبية بين اللغتين العربية والأسبانية. عضو جمعية الكتاب والمترجمين المحترفين الأسبان، عضو في النادي العالمي للصحافة، عضو في هيئة تحرير مجلة (آركيترابه) الثقافية الكولومبية. وهو شريك في تأسيس وإدارة دار نشر ومجلّة «ألواح» الثقافية الفكرية في مدريد 1997 والتي أصدرت أكثر من سبعين كتاباً من بينها مناهج لتعليم العربية للأسبان.
----------------------------------------
*نشرت في (ساحات التحرير) بتاريخ 2/6/2013م

 

محسن الرملي: توسيع دائرة ثقافة القراءة بتبسيط التراث

محسن الرملي: توسيع دائرة ثقافة القراءة بتبسيط التراث العربي
أكد محسن الرملي عضو اللجنة ان تبسيط التراث يعني أن يقوم نفر من الخبراء والتربويين واللغويين بالنظر في عيون التراث العربي، وقراءتها بعيون تلائم العصر، وتبسيط تلك الكتب بحيث يتم استبعاد المفردات صعبة الفهم والتراكيب والصيغ المعقدة، واستبدالها بمفردات حديثة وجديدة مبتكرة لتكون ملائمة للقارئ العربي اليوم.
وهذا العمل لا يتعلق بفكرة ما يسمى بـ(إحياء التراث)، الذي يعني إعادة تحقيق المخطوطات ونشرها وإتاحتها للباحثين فحسب، وإنما هو شأن آخر مكمل له. تجدر الإشارة إلى أن هذا التبسيط تعمل به وعليه كل الأمم تقريباً ونجد عشرات الصيغ للأعمال الكبيرة ذاتها في تراثها، منها ما يتم فرضه ضمن المناهج ومنها ما يواصل إغراء القارئ المعاصر بقراءته والتمتع به.
تقوم عملية التبسيط على أساس القيام بانتقاء واعٍ لأمهات الكتب العربية (السردية بشكل خاص) قديما، وإعادة صياغتها بلغة معاصرة بحيث لا يحتاج الطالب إلى الرجوع إلى هوامش، أو إلى معاجم لمعرفة مفرداتها، والعمل على إعدادها بشكل مغر وشائق إيجازاً وتقنية وتقديماً) من حيث الأسلوب والشكل)، في ثلاثة مستويات تناسب كل المراحل التعليمية)الابتدائية،
الإعدادية والثانوية (بهدف جعلها متاحة لطلاب اليوم بما يتطابق مع شعار اللجنة (اللغة العربية للحياة)، وهذا الفعل سينقل كتبنا التراثية المتميزة من رفوف المكتبات إلى الحياة، ويساعد دارسي لغتنا من غير الناطقين بها على التعرف على ثقافتنا القديمة، وهو أمر حيوي في تسهيل تعلم اللغة ذاتها.

 الأهداف
جعل أهم ما في كتب التراث القديمة مغرياً ومتاحا لأي قارئ معاصر بلغة وأسلوب معاصرين بحيث يتمكن أي قارئ أن يقرأ كثيرا من الكتب القديمة بأسلوب عصري مناسب. توصيل وتواصل النسغ الثقافي بما يعزز المعرفة بالهوية الثقافية، ويرسخ الاعتزاز بها، ويقوي اللغة، ويحافظ على القيم الجوهرية.
الأعمال المنتقاة وطريقة معالجتها: اختيار أهم الكتب في الثقافة العربية وحصرها وترشيحها وفق معايير يمكن الاتفاق عليها، ومن ثم اعتماد الانتقاء من بينها وفق ما تحمله من قيم إنسانية، ومعرفية، وفنية، وما هو أقرب للمتلقى ويمس مسائل تتعلق بهويته الثقافية الموروثة امتداداً إلى ما يمس حياته المعاصرة، على اعتبار أن التراث عصارة تجارب الأمم، وفيه إجابات عن أغلب أسئلتنا الإنسانية، والتي هي توسيع دائرة القراءة بتبسيط التراث العربي

 أسئلة تتكرر
التنوع في انتقاء الكتب من مختلف الأجناس الكتابية مع التركيز على ما هو سردي/نثري ابتداءً بالأساطير، الملاحم القديمة، كتب الأخبار والقص العربي، قصص الأنبياء، السير والحكايات الشعبية، قصص الحيوان، والمقامات.
انتقاء الأجزاء التي تتضمن مقاطع جوهرية وإنجاز مختارات من كتب عديدة أو لعدة مؤلفين. اختزال المحتوى السردي قدر الإمكان دون الإضرار بخلاصة المحتوى الجوهري العام للكتاب. وضع مقدمات مبسطة وشائقة تعطي فكرة تعريفية عن الكتاب وكاتبه.
إعادة صياغة الأعمال المنتقاة بلغة بسيطة معاصرة، وبعبارات مشذبة يتم تخليصها مما يعيق الفهم كالصور البلاغية التي لا تثير القارئ اليوم، أو المفردات الغريبة النافرة، أو الأحداث الهامشية والاستطرادات المملة.
جعل الأعمال المنتقاة منسجمة من حيث الحجم والشكل مع الصيغ المادية الحالية لأدوات القراءة سواء كانت ورقية نصية أو ورقية مصورة، أو إلكترونية نصية، أو إلكترونية مصورة أو إلكترونية مرفقة بمشاهد متحركة و(فيديوهات)، وما إلى ذلك وفق تطورات الوسائل العصرية.
مراعاة المرحلة العمرية عند تصميم الكتاب المبسط من حيث تقنيات الأسلوب، وجاذبيته شكلا وحجما، وجعله مناسبا للفئات المدرسية:
- المرحلة الابتدائية: أن تكون مكونة من نصوص قصيرة لا يزيد عدد الصفحات على الثلاثين، مصحوبة بالرسومات والصور فضلا عن الخيال.
- المرحلة الإعدادية: بحيث تكون متوسطة من حيث نسبة الخيال والواقعية فيها، ومن حيث الحجم، ويفضل أن لا يزيد عدد صفحاتها على السبعين صفحة، وتقليل الصور والرسومات.
- المرحلة الثانوية: إعادة صياغة النصوص القديمة إلى اللغة المعاصرة، مع التصرف بتعديل أو حذف تقنياتها القديمة، كالمداخل التي تقول حدثني فلان عن فلان أن فلان، والاستطرادات في نسب الكاتب أو المروي عنهم وانتماءاتهم وشيوخهم.. الخ.
-----------------------------
*نشرت في صحيفة (البيان) الإماراتية، العدد 12018 بتاريخ 14/5/2013م
 

الأربعاء، 29 مايو 2013

باقَة شُكر لصالح علماني

باقَة شُكر لصالح علماني

محسن الرملي
مثل كل القراء العرب، عرفتُ اسم صالح علماني من خلال عشرات الكتب التي ترجمها عن الإسبانية، وحين التقيته في دمشق كان محاطاً بالكتب ومنحنياً على كتب أخرى عاملاً بدأب وتواضع، نعم، هذا التواضع الذي هو من صفات الكبار ومن أبرز صفات صالح علماني، بحيث أنه يخاطبني في مراسلاتنا بكلمة (أستاذي) فيما أصر أنا على مخاطبته بكلمة (أستاذي) لأنني مثل الكثيرين تعلمت منه الكثير.
فصالح علماني هو درس حيّ وتاريخي لنا جميعاً نحن المترجمين، حيث تخلى عن كل شيء ليجعل الترجمة طريقاً وهدفاً له، تخلى عن دراسته الأكاديمية وتخلى عن الكاتب فيه لصالح المترجِم فأذاب الروائي في المترجِم كما تُذاب قطعة سُكّر في قدح شاي، لذا نلمس هذه العذوبة في أسلوبه لكل ما ترجمه، راهن علماني على الترجمة ولم يخسر، فحقق شهرة تفوق شهرة الكثير من الكُتاب حيث لاتكاد تخلو أية مكتبة عربية عامة أو خاصة من كتاب يحمل اسمه.
علماني لا يتعامل بحساسية ولا زَعَل مع أي انتقاد يوجَّه إلى ترجماته وإنما يتقبله بروح رحبة ويرد عليه بمزيد من العمل والإتقان، علماني لا ينظر إلى حجم الكتب قبل ترجمتها، كما نفعل نحن المترجمين، على الرغم من أن الترجمة الأدبية التي اتخذها مهنة له، لا تدر إلا القليل من المال، وهذه من سمات المحبين الأوفياء، فإذا كانت صفة (الخيانة) قد ارتبطت بمهنة (الترجمة) فإن كلمة (وفاء) قد ارتبطت بصالح علماني تعبيراً عن إخلاصه لهذه (الخيانة)... فشكراً لك يا صديقي وأستاذي، أيها الوفي لأجمل الخيانات.
بصفتي كقارئ أشكره على كل ما منحني إياه من متعة ومعرفة.
بصفتي ككاتب أشكره على ماعرَّفني من الكُتاب الآخرين وصيغ التعامل مع تقنياتهم باللغتين.
بصفتي كمترجم أشكره على ما وفره عليّ من جهد ووقت بترجمته لأعمال كنت أتمنى ترجمتها للقارئ العربي.
بصفتي كمختص بالآداب المكتوبة بالإسبانية أشكره على ما قدمه منها إلى العربية في وقت قياسي.
بصفتي كطالب أشكره على ما وفره لي من مصادر إضافية.
بصفتي كأستاذ أشكره على ما ما وفره لي ولطلابي من مادة للدرس والمقارنة في الترجمة.
بصفتي كصديق أشكره على هذا النبل والتواضع والإخلاص.
..فباسمي وباسم من أعرفهم من قراء وكتاب ومترجمين ومختصين بالدراسات الإسبانية وأكاديميين، نُهدي باقة شُكر لصالح علماني، ونشكر مدرسة المترجمين في طليطلة والصديق لويس ميغيل كانيادا على إقامة هذا التكريم وإتاحة الفرصة لنا لتقديم باقة الشكر هذه إلى هذا الإنسان الذي نحبه.
شكراً لك يا صديقي وأستاذي صالح علماني، أيها الوفي لأجمل الخيانات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كلمة تمت قراءتها بالعربية والإسبانية ضمن الاحتفاء بالمترجم صالح علماني وتكريمه من قبل مدرسة المترجمين في طليطلة التابعة لجامعة كاستيا دي لامانتشا/إسبانيا، بتاريخ 24/5/2013م إلى جانب كلمات أخرى للكاتب البيرواني الحائز على نوبل فارغاس يوسا والشاعر والناقد الإسباني خوسيه ماريا ميرينو وغيرهم.

صالح علماني ومحسن الرملي.. في طليطلة