الجمعة، 19 يوليو 2013

محسن الرملي: الروائي من يساند الضحية / حاوره: حميد عبدالقادر

الكاتب العراقي محسن الرملي لـ”الخبر"
الروائي الحقيقي من يساند الضحية ويقف إلى جانب الخاسر
حاوره: حميد عبدالقادر
الجزائر: الثلاثاء 25 جوان 2013  

يعدّ الشاعر والروائي والأكاديمي محسن الرملي، من أشهر الأصوات الأدبية في العراق. حصل على الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد، عن رسالته “تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته” العام 2003، وهو شقيق الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك الذي أعدمه نظام صدام حسين سنة 1990. زار الجزائر، مؤخرا، بدعوة من المهرجان الدولي للأدب وكتاب الشباب، وتحدث في حوار مع “الخبر” عن تجربته الروائية.
*كيف يستغل الروائي موضوع الصراع في أعماله الإبداعية؟
 ـ يعدّ مسألة مهمة بالنسبة لبلد مثل العراق، فهو بلد من أقدم الحضارات، مرت عليه ثقافات عديدة، لكنه أكثر بلد تعرض للصراعات، فقد عرف أكثر من ثلاثة وعشرين احتلالا منذ وجد على الأرض، ولم يعرف سوى عشر سنوات متواصلة من السلم. والصراع باق في العراق إلى حد أن البعض يعتقد أن أصل كلمة العراق هو “العراك”. عندما كان عمري سبع سنوات، رأيت أول جثة مقتولة بالرصاص، ولما بلغت سن الثالثة عشرة، بدأت الحرب الإيرانية العراقية. فالعراق إذن فيه حروب كثيرة وصراعات عديدة، يعرف دائما القاتل والمقتول. لهذا نجد أن مسالة الصراع مهمة جدا في الأدب العراقي، لأنها تعبّر عن واقع وتاريخ.
*هذا الواقع المتردي، هل يؤثر على مخيال الروائي؟
 ـ في عهد الديكتاتور صدام حسين، كان يلجأ الكاتب الذي يعيش في الداخل لاستخدام الرموز، بينما لجأ الكاتب العراقي الموجود في الخارج إلى اللغة المباشرة والأسلوب التحريضي، وكلاهما مرتبطان بالواقع والتاريخ. واليوم تجدني أحلم أن أكتب عن مواضيع مرفهة، ككتابة رواية بوليسية أو رواية حب، لكنني لا أستطيع لما يكون بلدي في حالة صراع. فحتى رواية الحب مثلا، تجدني وأنا أكتبها تعيدني إلى العراق، فتظهر تداعيات الحرب بمجرد الكتابة بصدق. معروف أن الشعر لم يقصّر في العراق، وقد عبّر فعلا عن آلام الإنسان. لكن الرواية مقصّرة، وهي تحتاج إلى تأمل، وفي كل مرة يستعد الكاتب العراقي للتأمل تسقط عليه حرب أخرى، فيؤجل مشروع التأمل. لهذا، أقول دائما إن أهم رواية ظهرت هي ألف ليلة وليلة، فهي مليئة بالخيال، وقد أصبحت مدرسة في الرواية. إن العراق لم يعرف سلاما، وكل كتاباتنا فيه انعكاسات لهذا التوتر والصراع.

*كيف برز هذا الواقع في أعمالك الروائية؟
ـ  نشرت لحد الآن ثلاث روايات منها رواية “تمر الأصابع” التي تتناول جوانب من طبيعة التحول في المجتمع العراقي على مدى ثلاثة أجيال، فتتطرق إلى ثنائيات ومواضيع شتى كالحب والحرب والدكتاتورية والحرية والهجرة والتقاليد والحداثة والشرق والغرب، بينما حاولت في روايتي الأخيرة “حدائق الرئيس” أن أتحدث عن ما حدث للعراق خلال الخمسين سنة الأخيرة. أعتبر أن العراق بلد غني، لكنه غير مستقر، وهو المسار الذي أحاول أن أوضحه من خلال تجربتي الروائية. بالنسبة لي أرى أن الأديب الحقيقي هو من يكون دائما إلى جانب الخاسر، وليس المنتصر، يساند الضحية وليس الجلاد. وفي حالة العكس يصبح الأدب أدبا دعائيا تعبويا. الأدب الحقيقي يجب أن ينحاز للضحية حتى وإن كانت خاسرة. الأدب والفن ضروريان في زمن الصراع.
*ورغم ذلك تبقى الرواية حالة تعبّر عن المأساة..

 ـ نعم، الأدب هو الذي يوصل ما يحدث للناس أكثر من الصحافة وكتب التاريخ التي لها توجه منحاز. والصحافة تتعامل مع الضحايا كأرقام، وهذا يدمرني شخصيا. نسمع في وسائل الإعلام عن موت مائة شخص وانتهى الموضوع. أنا إنسان ولست رقما.. إنسان له أحلام وذاكرة ومشاريع. والأديب دائما يكتب عن الضحايا. أجد أننا مقصرون جدا في التعبير عن ضحايانا، وسبب هذا التقصير هو أننا لا نستطيع أن نلتقط أنفاسنا، وكلما خرجنا من حرب إلا ودخلنا في حرب أخرى. وفي هذه الحالة، ليس بإمكاننا أن نصف ونتأمل ونعطي كل حدث حقه. والأحداث التاريخية لها دائما وقعها، وتفرض نفسها في الرواية، ففي إسبانيا مازالوا يكتبون عن الحرب الأهلية رغم مرور أكثر من خمسين سنة. كما أعتبر أن الثورة الجزائرية لم تشبع أدبيا، وهي بحاجة إلى أكثر من عمل روائي. والرواية مهمة لأننا نعرف أشياء كثيرة من خلالها وليس من خلال التاريخ. 
--------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الخبر) الجزائرية، العدد 7115 بتاريخ 25/6/2013م.

الأربعاء، 5 يونيو 2013

زمن السيد الرئيس.. وحدائقه / عدنان حسين أحمد

زمن السيد الرئيس.. وحدائقه

تبدأ أحداثها من بغداد وتمتد إلى الكويت وإيران
 
لندن: عدنان حسين أحمد
تتوفر الرواية الثالثة لمحسن الرملي على أنساق سردية واضحة ودقيقة تتوزع على ثلاثة أجيال، ف«حدائق الرئيس» لا تقتصر على الشخصيات الرئيسة الثلاث عبد الله كافكا، طارق المندهش وإبراهيم قسمة، بل تتوغل زمكانيا في تاريخ الآباء والأجداد من جهة، كما أنها تمتد إلى أبنائهم وأحفادهم من جهة أخرى، وأخص بالذكر منهم ابن قسمة التي ستطلب من طارق أن يغير اسم ابنها من صدام إلى إبراهيم، نسبة إلى نبينا إبراهيم (عليه السلام) الذي «ألقوه في النار فكانت عليه بردا وسلاما». وإذا كانت روايته الأولى «الفتيت المبعثر» هي رواية قروية بامتياز، أي أنها تتخذ من القرية مكانا لها، فإن رواية «حدائق الرئيس» هي رواية مدينية تدور أحداثها في عدد من المدن العراقية، وتتجاوزها إلى الفضاء الكوزموبوليتاني حيث تمتد إلى الكويت وإيران، بينما يتوارى المغتصب جلال في أكثر من دولة محتملة قد تكون روسيا أو إيران أو البرازيل أو هولندا. تتوفر هذه الرواية على ثيمات وأفكار كثيرة لا يمكن حصرها، غير أن الثيمة المهيمنة فيها بامتياز هي الجملة التي كانت تتردد على لساني قسمة وأبيها إبراهيم: «هذه هي الحياة، كل شيء فيها قسمة ونصيب». وكأن محسن الرملي يحاول أن يغلف روايته بوشاح قدري، غير أن هذه المحاولة لا تمنعه من البوح بأسئلته الفلسفية والوجودية حينما يتناول فكرة الموت في الحياة أو يناقش غريزتي الحب والموت أو يتطرق إلى أدب السجون والمعتقلات وما يتخللهما من ألم وعذاب حقيقيين.

* المشهد الاستهلالي
ابتدأ الرملي روايته بمشهد الرؤوس التسعة المقطوعة التي وضعت في صناديق الموز وبينهم رأس إبراهيم قسمة، وسوف ينهي الرواية بالبحث عن جثة هذه الضحية التي لم تأخذ التحذيرات على محمل الجد فأصبحت هدفا للإرهاب الأسود الذي كان يجتاح العراق عام 2006 على وجه التحديد. إذن، يمكننا القول إن هيكل الرواية العام يقوم في جوهره على ثلاث شخصيات رئيسة وهم «عبد الله، طارق وإبراهيم»، لكن قسمة، البنت الوحيدة لإبراهيم سوف تلعب دورا محوريا يحرف الرواية إلى مسارات لم يكن يتوقعها القارئ حتى إنها تنازع الشخصيات الرئيسة الثلاث على دور البطولة لأنها سوف تلعب لاحقا دورا صيانيا تحاول فيه أن تجمع أشلاء الأب المبعثرة الذي بدأ يمثل لها العراق برمته لأسباب كثيرة لعل أبرزها أنه كان يوثق أسماء الضحايا الذين كان يفتك بهم النظام السابق، ويعذبهم، ويشوه ملامحهم قبل أن يضع حدا لحياتهم. فيما كان أزلام النظام القمعي يمارسون دورا تدميريا لا يختلف كثيرا عما يمارسه الإرهاب وبعض المجموعات المسلحة التي روعت العراقيين منذ عام 2003 وحتى الوقت الراهن. وهنا تكمن أهمية البنيتين الصيانية والتدميرية اللتين تتوزعان على مدار النص.

* الشخصيات الإشكالية
لم يستطع عبد الله أن يتستر على مجهولية أبيه، ولم يفلح في أن يتخلص من «العار» الذي لحق به، لذلك أحب كافكا، وتعلق برواياته، وتماهى حتى مع عالمه الشخصي الذي يشترك معه في الأقل بمجهولية الأب على الرغم من أننا، كقراء، سنكتشف لاحقا أن جلالا، ابن المختار هو الذي اغتصب «زكية» البلهاء فأنجبت منه عبد الله كافكا الذي سيتحول إلى إنسان كئيب ومتشائم وكسول ولا يحب العمل، لكنه سيكرس نفسه للقراءة فتتعزز علاقته بطارق المندهش وإبراهيم قسمة، لكنه يساق إلى الخدمة فيقع في الأسر عام 1982 ولم يعد منه إلا بعد عشرين عاما فيشعر أنه ميت في الحياة، خصوصا بعد أن رفض صديقه طارق أن يزوجه من أخته «سميحة» التي أحبها، لكنهم زوجوها عنوة لأحد أبناء عمومتها فهربت منه بعد أربعين يوما من الزواج. لا يختلف مصير إبراهيم قسمة عن عبد الله كافكا كثيرا، فلقد فقد ساقه في الحرب، وأصيب بالعقم، ورأى الفظائع والأهوال في حدائق الرئيس، ومات في الحياة أيضا، لكنه انتهى نهاية مفجعة على يد الإرهابيين الذين فصلوا رأسه عن جسده، حيث وصل الرأس المقطوع إلى قريته، فيما ظل الجسد ضائعا في بغداد. أما طارق المندهش فلقد أفلت من خدمة العلم لأنه كان معلما وإماما بأحد الجوامع، كما أنه الأوفر حظا بين أصدقائه الثلاثة، فهو يحب «فهدة» البدوية من جهة، ولديه علاقات عاطفية مع أكثر من امرأة من جهة أخرى، وفي خاتمة المطاف يعقد قرانه على قسمة ويذهب معها للبحث عن جثة أبيها المغدورة في بغداد. نخلص إلى القول إن هذه الشخصيات الثلاث هي شخصيات إشكالية وينطوي بعضها على جوانب إيجابية على الرغم من يأسها وقنوطها نتيجة للظروف الشاذة التي تحيط بها.

* الشخصية الصيانية
أشرنا قبل قليل إلى أن «قسمة» هي الشخصية الصيانية في هذا النص الروائي، فهي التي كانت تحاول دائما أن تلملم أطراف عائلتها المبعثرة. فقد ولدت في أسرة فقيرة، لكنها كانت طموحة جدا، وقد بدأ تباشير هذا الطموح يلوح في مخيلتها منذ كانت صبية يافعة حيث كانت تتطلع إلى طارق المندهش بمحبة وإعجاب كبيرين، وحينما انتقلت إلى بغداد أحبت ضابطا طموحا جدا، لكن طموحه سيقتله على الرغم من أنه كان يحب رأس النظام السابق حيث وشم اسمه على ذراعه الأيسر، ومع ذلك عذب وقتل ودفن في حدائق الرئيس التي كان يعمل فيها إبراهيم قسمة ويوثق كل المعلومات المتاحة عن المغدورين. وعلى الرغم من أن «قسمة» كانت تشعر بنوع من البرود تجاه والدها بعد أن فقد ساقه في الحرب، إلا أنها أعادت له اعتباره ومكانته الحقيقية التي تليق به حينما قررت البحث عنه لأنه أصبح رمزا للعراق، بل إنها أحيته من جديد حينما غيرت اسم ابنها من صدام إلى إبراهيم. لقد تغيرت «قسمة» تغيرا جذريا بعد المحن التي عاشتها، والفجائع التي حلت عليها من حيث لا تحتسب، فلا غرابة أن تفهم الدنيا بطريقة أعمق من ذي قبل لأن الحياة قد علمتها أشياء كثيرة وجعلتها في خاتمة المطاف تطرح كثيرا من التساؤلات المؤرقة بصدد ابنها إبراهيم الذي لا تدري إن كان سيحمل ملامح أبيه المغدور، أم سيكون مثل الرئيس المخلوع الذي اغتصب قسمة، أم مثل أبيها إبراهيم الذي تحول إلى رمز كبير، أم مثل طارق المندهش الذي يتوفر على روح إيجابية على الرغم من تصيده للفرص، وترتيب أوضاعه المستقبلية مع النظام الجديد. لا شك في أن تساؤلات قسمة المقلقة قد تحولت إلى خليط غير متجانس في جوفها، الأمر الذي جعلها تشعر بالقرف والغثيان فأحست برغبة عارمة في التقيؤ والتخلص من هذا القيح الساخن الذي يغلي في داخلها لتترك القارئ في مواجهة النص المفتوح على مصير إبراهيم الابن الذي سيمشي على أرض الرافدين ويطأها كما وطأها مئات الآلاف من الأشخاص الذين يحملون هذا الاسم الذي ينطوي على دلالة مجازية واضحة.
تنطوي هذه الرواية على ثيمات فرعية كثيرة من بينها الحب، والحرب، والاغتصاب، والرجم، والسجون، والمعتقلات، ومعسكرات الأسر، والمقابر الجماعية، والتعذيب الوحشي في العراق وإيران. كما أنها تسلط الضوء على حياة الرئيس السابق وعوالمه الخاصة التي لم نطلع عليها بهذه الدقة، حيث يأخذنا الرملي في جولة مثيرة ومرعبة في قصوره وحدائقه ويخوته الرئاسية التي تقذف المتلقي في عالم عجائبي غريب ومدهش حقا. أصدر الرملي روايتين أخريين وهما «الفتيت المبعثر» و«تمر الأصابع» وسبعة كتب أخرى تتوزع بين القصة والمسرحية والشعر ترجم معظمها إلى الإسبانية وبعضها إلى الإنجليزية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية، العدد 12608 بتاريخ 5/6/2013م
عدنان حسين ومحسن الرملي/لندن 2013 

الاثنين، 3 يونيو 2013

محسن الرملي في لجنة لتحديث تعليم العربية

محسن الرملي أديب عراقي في لجنة من كبار الشخصيات والخبراء
 لتحديث تعليم العربية
 
دبي- "ساحات التحرير"
شارك الكاتب والأكاديمي العراقي الدكتور محسن الرملي في إعداد واحد من أهم التقارير الخاصة باللغة العربية، وذلك ضمن لجنة ضمت نخبة من كبار الشخصيات والخبراء من تربويين وأكاديميين وسياسيين وإعلاميين وأدباء بارزين لتقديم تقرير شامل بشأن تحديث تعليم اللغة العربية، واقتراح أساليب وآليات متطورة وجديدة تسهم في تعزيز استخدامها وتعليمها لأبنائها والناطقين بغيرها ووضع التوصيات التي من شأنها النهوض بطرائق تحديث تعليمها وتطوير مناهجها بما يواكب متطلبات العصر ويسهم بتعزيز حضورها كلغة للعلم والثقافة والمعرفة والحياة.

وقد ضمت اللجنة بالإضافة إلى الدكتور الرملي، ورئيسها العالم المصري الدكتور فاروق الباز مدير مركز الاستشعار عن بعد بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الامريكية، كلاً من فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف والدكتور عبد السلام المجالي رئيس مجلس الوزراء الأسبق في المملكة الأردنية ورئيس مجلس إدارة أكاديمية العالم الإسلامي للعلوم والدكتور ياسر سليمان أستاذ اللغويات في جامعة كامبردج والشاعر الدكتور فاروق شوشة أمين عام مجمع اللغة العربية في القاهرة والدكتور ويليام غرانارا مدير برنامج اللغة العربية في جامعة هارفرد والدكتورة روناك حسني رئيسة قسم دراسات اللغة العربية والترجمة في الجامعة الأمريكية في الشارقة والدكتورة فاطمة البريكي رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة الإمارات والدكتورة منيرة الغدير مديرة مركز الدراسات العليا والأبحاث في معهد دراسات الترجمة بجامعة حمد بن خليفة في قطر والدكتور نايف المطوع مؤسس ومدير "مجموعة تشكيل الإعلامية" والدكتور عبيد المهيري مدير معهد اللغة العربية في جامعة زايد والدكتورة بروين حبيب الشاعرة وإعلامية.

وكانت هذه اللجنة قد شُكلت بمبادرة من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في 23 أبريل 2012 والذي التقى بأعضائها في اجتماعهم الأول وتابع عملها على مدى عام إلى أن انتهت مؤخراً من إنجاز تقريرها الذي عنونته "العربية لغة حياة" وسلمته إليه في احتفالية كبيرة أقيمت لهذا الغرض في دبي حضرها عدد من الوزراء والشخصيات والمفكرين والكتاب والباحثين والخبراء والأكاديميين والطلاب وجمع من ممثلي وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، حيث عقدت اللجنة مؤتمراً صحفياً أشارت فيه إلى أن تقريرها قد بُني على دراسة علمية فعلية وميدانية معمقة لواقع تعليم اللغة العربية، وأساليب تدريسها، والتحديات التي تواجهها في الوطن العربي والعالم.
وقال الدكتور محسن الرملي في المؤتمر الصحفي بأن أحد مميزات هذا التقرير عما سبقه من تقارير ومؤتمرات تتعلق باللغة العربية هو انطلاقه من نظرة تفاؤلية، ذلك أن الإشكاليات التي تواجهها لاتختلف كثيراً عما تواجهه بقية اللغات وأن معالجة هذه الإشكاليات ليست بالمستحيلة إذا ما قارنا الأمر بلغات أخرى كانت ميتة أصلاً وتم إحيائها، كما أن هذه النظرة التفاؤلية ترى في اللهجات سنداً وروافداً للفصيحة لاخصماً لها. وأضاف الرملي الذي ترأس اللجنة الفرعية المنبثقة عن هذه اللجنة والخاصة بتعليم العربية للناطقين بغيرها: إن الاهتمام بتعلم العربية يزداد في أنحاء العالم ومن قبل أكبر المؤسسات الدولية وأعرق الجامعات بحيث ارتفعت نسبة المقبلين على تعلمها لتتجاوز المائة بالمائة أحياناً، وإذا كانت الدوافع العامة لإقبال الناس على تعلم الإنكليزية هي المصلحة ولتعلم الإسبانية الفضول الثقافي فإن اللغة العربية تجمع الدافعين معاً. ودعى الدول العربية إلى تأسيس سلسلة من المعاهد الثقافية في كل عواصم العالم أسوة بما تفعله بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا بسلسلة معاهد غوته وإسبانيا بمعاهد ثربانتس ولتكن مثلاً حاملة لاسم المتنبي أو الجاحظ أو العربية ذاتها فتعلم اللغة وتقيم النشاطات الثقافية وتصدر المطبوعات وتقوم بالترجمات وغيرها، وقال إن الاستثمار الحقيقي وطويل المدى هو الاستثمار الثقافي.

وحث الرملي ضمن مشاركته في محور "ثقافة القراءة" في التقرير على ضرورة نشر طبعات مبسطة ومناسبة لاهتمامات الشباب من الكتب القيمة في التراث العربي وتبسيطها بحيث يتم استبعاد المفردات صعبة الفهم والتراكيب والصيغ المعقدة واستبدالها بمفردات حديثة ومبتكرة لتكون ملائمة للقارئ العربي وإعدادها بشكل وأسلوب شيق إيجازا وتقنية وتقديما تناسب كل المراحل التعليمية " الابتدائية والإعدادية والثانوية " بهدف جعلها متاحة لطلاب اليوم بما يتطابق مع شعار اللجنة اللغة "العربية لغة حياة ".
وأخيراً تمنى الرملي على الجميع، مؤسسات وأفراد، الأخذ بجدية ولو ببعض ما جاء في هذا التقرير لما فيه خدمة اللغة العربية وبالتالي خدمة الجميع، وخاصة أن هذا التقرير قد استند إلى نتائج أحدث الأبحاث العلمية والدراسات في مجال تعليم اللغات وتعلّمها، وعلى سلسلة من الدراسات الميدانية التي أجريت مع أصحاب الخبرة حول واقع اللغة العربية وأساليب تعليمها وتدريسها والتحديات التي تواجهها ليركز على وضع الأسس العملية لتحديث تعليمها؛ مما يجعل منه خطّة عمل تؤدّي إلى حراك ذي خطوات واضحة المعالم وممكنة التطبيق، كما التزم التقرير بلغة علمية وواقعية مباشرة لتصبح أفكاره بمتناول الجميع من صناع القرار ومسؤولي الوزارات والمدرسين والاداريين والاعلاميين والطلاب. ويمكن الاطلاع عليه عبر الموقع الالكتروني (العربيةلغةحياة.امارات) (www.arabicforlife.ae ).
 
يذكر أن محسن الرملي هو كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا منذ 1995. حاصل على الدكتوراه بامتياز مع درجة الشرف من جامعة مدريد (أوتونوما) بكلية الفلسفة والآداب عن أطروحته: (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته)، ويعمل حالياً كأستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد. يكتب بالعربية والإسبانية، وله أكثر من عشرين كتاباً منشوراً تنوعت بين الرواية والشعر والمسرح والترجمات، منها رواياته «الفتيت المبعثر» التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002 و«تمرالأصابع» التي رُشّحت للجائزة العالمية للرواية العربية عام2010. و(حدائق الرئيس) التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2013. تُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية والمهرجانات ومعارض الكتاب. له عشرات المواد المنشورة في الصحافة الثقافية العربية والإسبانية والأمريكو-لاتينية. تَرجم العديد من الأعمال الأدبية بين اللغتين العربية والأسبانية. عضو جمعية الكتاب والمترجمين المحترفين الأسبان، عضو في النادي العالمي للصحافة، عضو في هيئة تحرير مجلة (آركيترابه) الثقافية الكولومبية. وهو شريك في تأسيس وإدارة دار نشر ومجلّة «ألواح» الثقافية الفكرية في مدريد 1997 والتي أصدرت أكثر من سبعين كتاباً من بينها مناهج لتعليم العربية للأسبان.
----------------------------------------
*نشرت في (ساحات التحرير) بتاريخ 2/6/2013م

 

محسن الرملي: توسيع دائرة ثقافة القراءة بتبسيط التراث

محسن الرملي: توسيع دائرة ثقافة القراءة بتبسيط التراث العربي
أكد محسن الرملي عضو اللجنة ان تبسيط التراث يعني أن يقوم نفر من الخبراء والتربويين واللغويين بالنظر في عيون التراث العربي، وقراءتها بعيون تلائم العصر، وتبسيط تلك الكتب بحيث يتم استبعاد المفردات صعبة الفهم والتراكيب والصيغ المعقدة، واستبدالها بمفردات حديثة وجديدة مبتكرة لتكون ملائمة للقارئ العربي اليوم.
وهذا العمل لا يتعلق بفكرة ما يسمى بـ(إحياء التراث)، الذي يعني إعادة تحقيق المخطوطات ونشرها وإتاحتها للباحثين فحسب، وإنما هو شأن آخر مكمل له. تجدر الإشارة إلى أن هذا التبسيط تعمل به وعليه كل الأمم تقريباً ونجد عشرات الصيغ للأعمال الكبيرة ذاتها في تراثها، منها ما يتم فرضه ضمن المناهج ومنها ما يواصل إغراء القارئ المعاصر بقراءته والتمتع به.
تقوم عملية التبسيط على أساس القيام بانتقاء واعٍ لأمهات الكتب العربية (السردية بشكل خاص) قديما، وإعادة صياغتها بلغة معاصرة بحيث لا يحتاج الطالب إلى الرجوع إلى هوامش، أو إلى معاجم لمعرفة مفرداتها، والعمل على إعدادها بشكل مغر وشائق إيجازاً وتقنية وتقديماً) من حيث الأسلوب والشكل)، في ثلاثة مستويات تناسب كل المراحل التعليمية)الابتدائية،
الإعدادية والثانوية (بهدف جعلها متاحة لطلاب اليوم بما يتطابق مع شعار اللجنة (اللغة العربية للحياة)، وهذا الفعل سينقل كتبنا التراثية المتميزة من رفوف المكتبات إلى الحياة، ويساعد دارسي لغتنا من غير الناطقين بها على التعرف على ثقافتنا القديمة، وهو أمر حيوي في تسهيل تعلم اللغة ذاتها.

 الأهداف
جعل أهم ما في كتب التراث القديمة مغرياً ومتاحا لأي قارئ معاصر بلغة وأسلوب معاصرين بحيث يتمكن أي قارئ أن يقرأ كثيرا من الكتب القديمة بأسلوب عصري مناسب. توصيل وتواصل النسغ الثقافي بما يعزز المعرفة بالهوية الثقافية، ويرسخ الاعتزاز بها، ويقوي اللغة، ويحافظ على القيم الجوهرية.
الأعمال المنتقاة وطريقة معالجتها: اختيار أهم الكتب في الثقافة العربية وحصرها وترشيحها وفق معايير يمكن الاتفاق عليها، ومن ثم اعتماد الانتقاء من بينها وفق ما تحمله من قيم إنسانية، ومعرفية، وفنية، وما هو أقرب للمتلقى ويمس مسائل تتعلق بهويته الثقافية الموروثة امتداداً إلى ما يمس حياته المعاصرة، على اعتبار أن التراث عصارة تجارب الأمم، وفيه إجابات عن أغلب أسئلتنا الإنسانية، والتي هي توسيع دائرة القراءة بتبسيط التراث العربي

 أسئلة تتكرر
التنوع في انتقاء الكتب من مختلف الأجناس الكتابية مع التركيز على ما هو سردي/نثري ابتداءً بالأساطير، الملاحم القديمة، كتب الأخبار والقص العربي، قصص الأنبياء، السير والحكايات الشعبية، قصص الحيوان، والمقامات.
انتقاء الأجزاء التي تتضمن مقاطع جوهرية وإنجاز مختارات من كتب عديدة أو لعدة مؤلفين. اختزال المحتوى السردي قدر الإمكان دون الإضرار بخلاصة المحتوى الجوهري العام للكتاب. وضع مقدمات مبسطة وشائقة تعطي فكرة تعريفية عن الكتاب وكاتبه.
إعادة صياغة الأعمال المنتقاة بلغة بسيطة معاصرة، وبعبارات مشذبة يتم تخليصها مما يعيق الفهم كالصور البلاغية التي لا تثير القارئ اليوم، أو المفردات الغريبة النافرة، أو الأحداث الهامشية والاستطرادات المملة.
جعل الأعمال المنتقاة منسجمة من حيث الحجم والشكل مع الصيغ المادية الحالية لأدوات القراءة سواء كانت ورقية نصية أو ورقية مصورة، أو إلكترونية نصية، أو إلكترونية مصورة أو إلكترونية مرفقة بمشاهد متحركة و(فيديوهات)، وما إلى ذلك وفق تطورات الوسائل العصرية.
مراعاة المرحلة العمرية عند تصميم الكتاب المبسط من حيث تقنيات الأسلوب، وجاذبيته شكلا وحجما، وجعله مناسبا للفئات المدرسية:
- المرحلة الابتدائية: أن تكون مكونة من نصوص قصيرة لا يزيد عدد الصفحات على الثلاثين، مصحوبة بالرسومات والصور فضلا عن الخيال.
- المرحلة الإعدادية: بحيث تكون متوسطة من حيث نسبة الخيال والواقعية فيها، ومن حيث الحجم، ويفضل أن لا يزيد عدد صفحاتها على السبعين صفحة، وتقليل الصور والرسومات.
- المرحلة الثانوية: إعادة صياغة النصوص القديمة إلى اللغة المعاصرة، مع التصرف بتعديل أو حذف تقنياتها القديمة، كالمداخل التي تقول حدثني فلان عن فلان أن فلان، والاستطرادات في نسب الكاتب أو المروي عنهم وانتماءاتهم وشيوخهم.. الخ.
-----------------------------
*نشرت في صحيفة (البيان) الإماراتية، العدد 12018 بتاريخ 14/5/2013م
 

الأربعاء، 29 مايو 2013

باقَة شُكر لصالح علماني

باقَة شُكر لصالح علماني

محسن الرملي
مثل كل القراء العرب، عرفتُ اسم صالح علماني من خلال عشرات الكتب التي ترجمها عن الإسبانية، وحين التقيته في دمشق كان محاطاً بالكتب ومنحنياً على كتب أخرى عاملاً بدأب وتواضع، نعم، هذا التواضع الذي هو من صفات الكبار ومن أبرز صفات صالح علماني، بحيث أنه يخاطبني في مراسلاتنا بكلمة (أستاذي) فيما أصر أنا على مخاطبته بكلمة (أستاذي) لأنني مثل الكثيرين تعلمت منه الكثير.
فصالح علماني هو درس حيّ وتاريخي لنا جميعاً نحن المترجمين، حيث تخلى عن كل شيء ليجعل الترجمة طريقاً وهدفاً له، تخلى عن دراسته الأكاديمية وتخلى عن الكاتب فيه لصالح المترجِم فأذاب الروائي في المترجِم كما تُذاب قطعة سُكّر في قدح شاي، لذا نلمس هذه العذوبة في أسلوبه لكل ما ترجمه، راهن علماني على الترجمة ولم يخسر، فحقق شهرة تفوق شهرة الكثير من الكُتاب حيث لاتكاد تخلو أية مكتبة عربية عامة أو خاصة من كتاب يحمل اسمه.
علماني لا يتعامل بحساسية ولا زَعَل مع أي انتقاد يوجَّه إلى ترجماته وإنما يتقبله بروح رحبة ويرد عليه بمزيد من العمل والإتقان، علماني لا ينظر إلى حجم الكتب قبل ترجمتها، كما نفعل نحن المترجمين، على الرغم من أن الترجمة الأدبية التي اتخذها مهنة له، لا تدر إلا القليل من المال، وهذه من سمات المحبين الأوفياء، فإذا كانت صفة (الخيانة) قد ارتبطت بمهنة (الترجمة) فإن كلمة (وفاء) قد ارتبطت بصالح علماني تعبيراً عن إخلاصه لهذه (الخيانة)... فشكراً لك يا صديقي وأستاذي، أيها الوفي لأجمل الخيانات.
بصفتي كقارئ أشكره على كل ما منحني إياه من متعة ومعرفة.
بصفتي ككاتب أشكره على ماعرَّفني من الكُتاب الآخرين وصيغ التعامل مع تقنياتهم باللغتين.
بصفتي كمترجم أشكره على ما وفره عليّ من جهد ووقت بترجمته لأعمال كنت أتمنى ترجمتها للقارئ العربي.
بصفتي كمختص بالآداب المكتوبة بالإسبانية أشكره على ما قدمه منها إلى العربية في وقت قياسي.
بصفتي كطالب أشكره على ما وفره لي من مصادر إضافية.
بصفتي كأستاذ أشكره على ما ما وفره لي ولطلابي من مادة للدرس والمقارنة في الترجمة.
بصفتي كصديق أشكره على هذا النبل والتواضع والإخلاص.
..فباسمي وباسم من أعرفهم من قراء وكتاب ومترجمين ومختصين بالدراسات الإسبانية وأكاديميين، نُهدي باقة شُكر لصالح علماني، ونشكر مدرسة المترجمين في طليطلة والصديق لويس ميغيل كانيادا على إقامة هذا التكريم وإتاحة الفرصة لنا لتقديم باقة الشكر هذه إلى هذا الإنسان الذي نحبه.
شكراً لك يا صديقي وأستاذي صالح علماني، أيها الوفي لأجمل الخيانات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كلمة تمت قراءتها بالعربية والإسبانية ضمن الاحتفاء بالمترجم صالح علماني وتكريمه من قبل مدرسة المترجمين في طليطلة التابعة لجامعة كاستيا دي لامانتشا/إسبانيا، بتاريخ 24/5/2013م إلى جانب كلمات أخرى للكاتب البيرواني الحائز على نوبل فارغاس يوسا والشاعر والناقد الإسباني خوسيه ماريا ميرينو وغيرهم.

صالح علماني ومحسن الرملي.. في طليطلة

الأحد، 21 أبريل 2013

عن مسرح أمريكا اللاتينية / محسن الرملي

قراءة
مسرح أمريكا اللاتينية ومسيرة بلورة الخصوصية



محسن الرملي

إننا نعرف الكثير عن المسرح الأوروبي وتجاربه، ونشأ مسرحنا العربي متأثراً به منذ بداياته، وعرفنا، في العقود الأخيرة، الكثير عن الرواية والقصة والشعر في أمريكا اللاتينية فأثر ذلك بشكل واضح على أدبنا العربي المعاصر وأثراه، بينما نكاد لا نعرف شيئاً عن طبيعة التجارب المسرحية فيها، على الرغم من أنها هي الأقرب إلينا من حيث مشاكلها السياسية والثقافية والاجتماعية باعتبارنا ندخل، معها، ضمن نطاق تسمية وطبيعة ظروف ومكونات وإشكاليات ما يتعارف على تصنيفه بـ(العالم الثالث).
من هنا تأتي أهمية كتاب (جماليات الرفض في مسرح أمريكا اللاتينية) للدكتور طلعت شاهين الذي أصدره عن دار سنابل في القاهرة، على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من مغامرة الحديث النقدي عن أعمال إبداعية ليس للمتلقي العربي معرفة مسبقة بها، إلا أنها تعد بحد ذاتها خطوة رائدة لابد من اتخاذها كي نفتح نافذة أخرى نحو معرفة أفضل وجديدة.
   الشاعر والمترجم والباحث المصري الدكتور طلعت شاهين، واسع الاطلاع على الثقافة المكتوبة بالإسبانية عبر الدراسة والمعايشة لأكثر من ثلاثين عاماً والتي أصدر خلالها أكثر من خمسة عشر كتاباً حتى الآن تتوزع بين الترجمة والتأليف، ففي الترجمات وجدناه دائماً يبحث عن أسماء ومواضيع جديدة يقدمها للقارئ العربي، ولا يتوقف عند السائد والرائج الذي سبق التعريف به، فهو أول من عرفنا على أسماء مثل: خوليو ياماثاريس، نوريا آمات، ميرثي رودوريدا، كلارا خانيس وغيرهم.. وكان من أوائل الذين نقلوا لنا خوان غويتيسولو إلى العربية، وأول المسارعين إلى ترجمة مذكرات غارثيا ماركيز إلى العربية حال صدورها.
مسرح العالم الجديد
   في كتابه (جماليات الرفض في مسرح أمريكا اللاتينية)، يستعين الدكتور طلعت شاهين بخبرته الأكاديمية التي أنجز من خلالها أطروحته حول الاحتفالات الشعبية الإسبانية ومقارناتها بالعربية والمصرية تحديداً. وكذلك بالكثير من المصادر الإسبانية والهيسبانية المتعلقة بالمسرح، فيطلعنا على بدايات المسرح في أمريكا اللاتينية عبر تقديم موجز، مكثف وواضح يرسم من خلاله المناخ التاريخي العام الذي تبلورت فيه بدايات ولادة المسرح هناك، فيلجأ إلى اتباع التقسيم وفق أصناف النمو والتوجهات والتيارات المسرحية متدرجاً بالأمر على النحو التالي: مسرح العالم الجديد، المسرح التعليمي، الدراما العرقية، مسرح الباروك، المسرح الفكاهي الإسباني "إلبوفو"، المسرح الجامعي، المسرح العبثي، من نبض الثورة إلى أزمة الستينات، مسرح إسكامبراي، لينتقل بعدها متوسعاً بالحديث عن المسرح الكوبي متخذاً من تجربة الكاتب بيرخيليو بينييرا (1912 ـ 1979) نموذجاً يعمل على دراسته والتعريف به باعتباره ممثلاً لجيل بأكمله من المسرحيين ليس في كوبا وحدها وإنما في أمريكا اللاتينية عموماً. يقدمه أولاً بنبذة تعريفية عن حياته، ثم أهم أعماله، ويضيء: جماليات الرفض في مسرحه، ملامح الشخصيات في أعماله، طبيعة استخدامه للسخرية والرمز، إصراره (ككاتب) على التدخل والمشاركة في تحديد لغة الإشارة والإيماءات، الإضاءة، الإكسسوار والضوضاء، لينهي الكتاب بترجمة لعملين من أعمال بينييرا الأخيرة والتي لم يكملها أبداً، وهذا أمر يرى فيه النقاد قصدية منه ولظروف تتعلق بطبيعة مواقفه، وخاصة السياسية، يشرحها المؤلف في سياقها.. وهما عمليه الرائعين: ( التوأم) و(الرحلة).
المسرح لبسط نفوذ الكنيسة
   من خلال هذا الكتاب الصغير في الحجم (150 صفحة/قطع متوسط) والكبير في الفائدة، سنعرف بأن المسرح قد انتقل إلى أمريكا اللاتينية مع بداية ما يسمى بالاكتشاف للقارة الجديدة والغزو الإسباني، وكان المسرح في تلك الفترة يعمل في عدة أطر مختلفة، منها الترفيه عن الحكام الجدد في تلك البلاد، الذين حاولوا التشبه بحكامهم في إسبانيا، وأيضاً بهدف دعائي سياسي، فصنع مثل تلك الرفاهية يهدف إلى زيادة الرهبة في نفوس سكان البلاد الأصليين، ثم الترفيه عن جنودهم، كما استخدمت الكنيسة المسرح كوسيلة دعائية فعالة لنشر سيطرتها على السكان الأصليين، ولتوصيل تعاليم المسيحية ونشرها عبر أعمال مسرحية بسيطة، خاصة أيام الاحتفالات الدينية الرسمية، أو تعميد القديسين.
   ويؤشر لنا بأن أول الاحتفالات في العالم الجديد التي تضمنت مسرحاً قد كانت في المكسيك عام 1529م، وشارك فيها العديد من ممثلي الشعب وطوائفه العرقية والثقافية. وكان الراهب خوان دي ريباس من أوائل الرهبان الفرنسيسكان العشرة الذين وصلوا إلى العالم الجديد، وأول من فكروا في استخدام المسرح كأداة لتوصيل الأفكار الدينية، حيث راح يقدم في هذه الاحتفالات أعمالاً عن حياة القديسين كنوع من إنعاش الذاكرة للجنود الغزاة، من جهة، وفتح عيون السكان الأصليين على الدين الجديد ومزاياه، من جهة أخرى، كنوع من الدعوة/الدعاية والترويج كي يعتنقوه.
أسبقية ظهور مسرح «العبث» اللاتيني
   لكن المسرح في تلك المناطق تطور فيما بعد لتدخل فيه الفرق المحترفة، التي كانت تبتعد عن المسرحيات الدينية التي تركتها للكنائس والكهنة والرهبان، واعتمدت على جذب الجمهور العريض بتقديم المسرحيات الساخرة، التي اتهمها البعض بأنها مسرحيات علمانية معادية للدين والدولة، ووصل غضب الكنيسة والدولة من هذه الفرق المسرحية المحترفة إلى حد إصدار الملك فيليبه الثاني في العام 1598م قراراً بمنع هذه الفرق من العمل في البلاد الخاضعة للإمبراطورية الإسبانية الشاسعة، إلا أن القرار، لحسن الحظ، لم يتم تطبيقه في القارة الجديدة، نظراً للحاجة الملحة التي أبداها سكان العالم الجديد لمثل هذا المسرح.
    وبعد تزايد عدد الأفارقة المجلوبين إلى أمريكا اللاتينية، عبر تجارة الرقيق التي بدأت في القرن السابع عشر وظلت رائجة حتى أوائل القرن العشرين، في إطار عمليات بيعهم كعبيد لملاك الأراضي، راحت منطقة الكاريبي تتميز عن غيرها من مناطق أمريكا اللاتينية، وأخذت فنونهم الطقسية ذات الأصول السحرية الأفريقية تتسرب وتمتزج بفنون المسرح السائدة والقادمة من أوربا، فقدموا الدراما الطقسية، المفعمة بالغناء والرقص المهرجاني والأقنعة البدائية، حتى تمت بلورة ما اتفق النقاد على تسميته بـ (الدراما العرقية) وتعزز هذا النوع في كوبا خاصة، ومثيل هذا تم في البرازيل أيضاً والذي نجد من امتداداته، حتى اليوم، مهرجاناتها، المعروفة، التي صارت تتوسع لتصبح تقليداً عالمياً. أما في كوبا وهي التي ينتمي أغلب سكانها إلى الأصول الزنجية الأفريقية، فإننا نجد هذه التأثيرات جلية، مما يجعلها في مقدمة الحركة المسرحية في أمريكا اللاتينية التي اعتمدت على الفنون الزنجية من موسيقى ورقص وغناء وطقوس دينية، في خلق ورسم هوية مسرحها الجديد الذي يعتمد الشكل والتقنية العامة الأوربية، ولكن روحية تناوله ومحتواه، يطغي عليه الطابع الطقسي المعروف بأصوله الأفريقية.
  وفيما يتعلق بالمسرح الحديث فإن الملفت للنظر؛ ما يؤشره المؤلف حول أسبقية واختلاف المسرح العبثي في أمريكا اللاتينية عن هذا الذي عرفناه أوربياً. "المسرح العبثي في أمريكا اللاتينية كشكل مكتمل للتعبير في الأدب بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، كان سابقاً تاريخياً على ظهور (مسرح العبث) الأوربي، حيث من الثابت تاريخياً أن الكاتب الكوبي بيرخيليو بينييرا كتب مسرحيته الأولى التي تتخذ هذا الشكل (إليكترا جاريجوو) في العام 1941م. قبل أن يتم تعميد مسرح العبث الأوربي على يدي يوجين يونسكو بعقد كامل".ص23
   هذا من حيث الشكل والتقنية والإطار العام، فيما نجد الاختلاف الحقيقي يكمن في عمق رؤية كل منهما لهذا التيار، حيث أن "أكثر كتاب المسرح في أمريكا اللاتينية الذين مارسوا كتابة المسرح العبثي كانوا يعكسون واقع بلادهم، ولكن بشكل يختلف تماماً عن مسرح العبث الأوربي، حيث كان الكتاب الأوربيين ينظرون إلى الواقع على أنه دائرة مغلقة متكررة الحدث لا مفر للإنسان منها، بينما الكاتب الأمريكي اللاتيني على العكس من ذلك، يرى أن الواقع العبثي لا يعكس واقعاً دائماً وثابتاً للمجتمع، بل هو واقع مؤقت بزمن وجود السلطة القامعة، والإنسان لديه إمكانيات الهروب من ذلك الواقع العبثي بشكل عام، لذلك فإن الكاتب الأمريكي اللاتيني يشعر أنه أكثر التزاماً بواقعه الاجتماعي ـ السياسي من الكاتب الأوربي الغارق في البحث عن مشاكل وجودية تعتبر حالة رفاهية بالنسبة لمواطن أمريكا اللاتينية". ص26
   وبالتأكيد سينعكس هذا الفهم على طبيعة استخدام العناصر الأخرى في العمل المسرحي ومنها على سبيل المثال السخرية: فإذا كان المسرح العبثي في أمريكا اللاتينية ومسرح العبث في أوربا استخدما السخرية كأداة أساسية من تقنيات الكتابة المسرحية، إلا أن هناك فوارق بين المسرحين في استخدام هذه التقنية، وربما الفارق الرئيس بين الاثنين أن مسرح العبث الأوربي يستخدم السخرية كوسيلة لتحرير العقل من الوضع الاكتئابي وفقدان الأمل في حياة أفضل بالنسبة للإنسان المعاصر، حيث أن السخرية تعتبر الوسيلة الوحيدة للتحرر من الهموم، بينما الكاتب الأمريكي اللاتيني يستخدم السخرية، ليس فقط لمواجهة الأوضاع السياسية والاجتماعية الضاغطة على حياته، بل لطرح الأمل في نفوس مشاهدي المسرحية.. الأمل في إمكانية التخلص من الواقع السوداوي.
هدف الاقتراب من الجمهور
   لقد أراد المسرح في أمريكا اللاتينية ومنذ بداياته أن يكون دائم القرب والتفاعل مع الناس البسطاء وجمهور العامة الأوسع، بهمومهم وأحلامهم وثقافتهم ولغتهم التي يفهمونها، أي على غير ما وصل إليهم من أنه أداة لتسلية الملوك ووسيلة تعليمية سياسية ودينية مؤدلجة. فراح يبحث عن شتى سبل الاقتراب من الجمهور، حيث أدمج في بداياته أناس من السكان الأصليين من الهنود الحمر، ثم الأفارقة العبيد واستمر هذا النهج حتى المراحل المتأخرة، ومثال ذلك ما فعلته جماعة (آداد) الكوبية من خلال توسيع نطاق نشاطاتها خارج العاصمة، وعمليات تدريب الممثلين ونشر وتوزيع مجلة (بروموثيوس)، حيث قطعت هذه الجماعة على نفسها عهداً بتقديم عرضاً مجانياً في إحدى القرى عن كل شهر عمل محترف في العاصمة. كذلك عبر محاولات وتجارب زج الفلاحين والعمال أنفسهم في المشاركة في صياغة وتقديم الأعمال المسرحية.
     يشير المؤلف إلى مصدر التسمية التي وضعها عنواناً لكتابه فيقول في ص42 وعلى الغلاف الأخير لكتابه:"جماليات الرفض، أطلقت هذه التسمية على أعمال الكاتب الكوبي بيرخيليو بينييرا ، الذي كان متفرداً بين أبناء جيله، ليس في كوبا فحسب، بل في كل بلاد أمريكا اللاتينية. كتب قبل الثورة الكوبية، التي قادها كاسترو مسرحيات (صخب في السجن) 1938، (يسوع) 1948، و(العبيد) 1955، لكن مسرحيته (إليكترا جاريجوو) التي كتبها عام 1941، سببت له المتاعب مع نظام باتيستا الدكتاتوري مما دفعه إلى مغادرة البلاد، واستحق عليها اللقب الذي أطلقه عليه بعض النقاد الذين وصفوه بـ (الرافض)".
   بقي أن نقول بأن هذا الجهد الذي قدمه الدكتور شاهين لثقافتنا العربية يستحق الشكر فعلاً، وبأن كتابه هذا جدير بأن يطلع عليه، بشكل خاص، كل مثقفينا المهتمين بالفنون المسرحية، ففيه صورة لتجارب ومواقف أناس يتشابهون معنا في مجمل الظرف العام ويكشف عن جانب من كيفية تعاملهم وتوظيفهم لهذا الفن العريق والحيوي في خدمة قضاياهم وإنسانهم المعاصر، وبالتأكيد فإن هذا الأمر لا يكتفي بتقديم المنفعة للمسرحين فحسب وإنما يمتد لعموم المشتغلين بالفنون الإبداعية، ويحثنا على مزيد من البحث وفتح أفق المعرفة الأوسع على نتاجات ومواقف وأدوار المثقفين الأمريكوـ لاتينيين أمثال الكوبي الكبير بيرخيليو بينييرا، والذي إضافة إلى شهرته ككاتب مسرحي بقامة عالمية، فقد كتب ثلاث روايات وأكثر من مجموعة قصصية، ومقالات وحوارات متنوعة تتعلق برؤيته لهموم الإنسان المعاصر وبتجاربه في الداخل وفي المنفى، ومع الثورة الكوبية وفي الاختلاف معها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (أخبار الأدب) المصرية، ومن ثم في صحيفة (العرب) اللندنية، العدد 9206 بتاريخ 18/4/2013م
 

السبت، 6 أبريل 2013

د. محسن الرملي في مركز الدراسات والبحوث / مسقط

د. محسن الرملي في مركز الدراسات والبحوث

الترجمة فن وميدان إبداعي وفعل إنساني
من: مركز الدراسات والبحوث ــ مسقط
استضاف مركز الدراسات والبحوث بمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان الدكتور محسن الرملي أستاذ اللغويّات في الجامعة الأمريكية في مدريد (سنت لويس) للحديث حول واقع الترجمة في العالم العربي والتواصل بين الحضارات وصورة الإنسان العربي في الآداب الغربية وبالمقابل صورة الغربي في أدبنا العربي ومعوّقات ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأوروبية والحيّة وذلك عبر جلسة نقاشيّة مفتوحة أقيمت صباح الأربعاء- الموافق 27 من فبراير الماضي بمبنى المؤسسة.
في بداية اللقاء رحبت الباحثة مرفت العريمية مديرة المركز بالرملي الكاتب والباحث والمترجم والأستاذ في في الجامعة الأمريكية في مدريد (سنت لويس)، وقدمت تعريفاً عن سيرته، والرملي حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الاسبانية من جامعة أوتونوما في مدريد عام 2003، موضوع أطروحته كان عن (آثار الثقافة الإسلامية في دون كيخوته). يُعد محسن الرملي العربي الوحيد المتخصص بثقافة ثربانتس حتى يومنا هذا، يصدر حالياً مجلة (الواح) الثقافية ويعتبر الكاتب واحدا من الأسماء الأدبية التي برزت في الأدب العربي المعاصر في السنوات الأخيرة، فهو يكتب بالعربية والإسبانية وترجمت بعض نصوصه إلى لغات عديدة، وإضافة إلى رصيده من إصدارات في الرواية والشعر والمسرح والترجمات وصلت إلى عشرين كتاباً منها رواياته "الفتيت المبعثر" و"تمر الأصابع" و"حدائق الرئيس" التي رشحت للفوز بجائزة البوكر العربية .
أدعو إلى تأسيس سلسلة معاهد ثقافية عربية في عواصم العالم
مدينة الجمال
وحين حان دوره بالكلام شكر الرملي مركز الدراسات والبحوث على استضافته التي من خلالها أتيحت له زيارة مسقط لأول مرة فوجدها، كما قال: "مدينة الجمال الآسر.. إنها نظيفة وحميمة"، وكان الرملي قد التقى فيها بالعديد من الاصدقاء وبمن كان قد قرأ لهم وعنهم سابقاً، كما عبر عن سروره بأن تصادف زيارته فعاليات معرض مسقط الدولي للكتاب مما أتاح له اقتناء العديد من الكتب، وعلق: يبدو بأن قدري أن تكون حياتي كلها مرتبطة بالكتاب ومن حسن الحظ أن يستمر هذا القدر ملازماً لي في زيارتي الأولى إلى عُمان أيضاً. كما شكر الحضور على اهتامهم وعلى هذا التنوع فيهم، حيث قدم للاستماع إليه أناس من اختصاصات واهتمامات متنوعة؛ مترجمون، كتاب، شعراء، صحفيون، فنانون، أكاديميون، طلاب، موظفون وغيرهم.
الترجمة فن وأدب
بعد هذه المقدمة، قال: على الرغم من كل الدراسات التنظيرية والتجريبة البحثية التي سعت إلى وصف الترجمة على أنها علم إلا أنني لازلت أعتقد بأنها فن وهي بذلك ميدان إبداعي أيضاً، يتدخل فيها الفعل الإنساني الشخصي على نحو كبير، ومن ذلك أن النص الواحد ذاته يمكن لعشرات المترجمين أن يترجموه بأساليب مختلفة، ومن هنا يأتي تفضيلنا لترجمة معينة عن ترجمة أخرى لمسرحيات شكسبير مثلاً.
كما أبدى الرملي عدم اتفاقه مع المنتقدين لهنات المترجمين هنا وهناك، وقال بأنه يفضل ترجمة كتاب ما ولو بنسبة 20% من الجودة على عدم ترجمته نهائياً فمهما تكن الترجمة سيئة إلا أنها ستعطي تصوراً ما عن فكرة ومناخات الكتاب، ومن يجد في نفسه القدرة على ترجمة عمل ما أفضل من ترجمة غيره فعليه القيام بذلك بدل الاكتفاء بنقد ترجمة عبارة هنا وأخرى هناك.
على المؤسسات التعليمية أن تفرض على المُبتَعَث ترجمة كتاب في تخصصه
وذكر الرملي بمقولات لجبرا إبراهيم عن جبرا بشأن الترجمة الذي وصفها بأنها أمر مستحيل ولكن لابد منها، وأنه كان قد اقترح على المؤسسات التعليمية العربية أن تفرض على أي طالب عائد بشهادة من الخارج أن يترجم ولو كتاباً واحداً في تخصصه ولو طبق هذا الاقتراح لأغنى المكتبة العربية بمصادر ثرة في كل العلوم والمعارف.
العرب أول من أسس مدارس متخصصة للترجمة في بغداد والأندلس
وقال الرملي كلكم اطلعتم على الرقام المخيبة والمفجعة لنسبة ما نترجمه بحيث أن ما يترجمه بلد واحد مثل إسبانيا في عام واحد يساوي مجموع ما ترجمناه في كل تاريخنا، وأنه لشيء مؤسف أن يكون هذا هو حالنا والعرب أول من أسس مدارس متخصصة للترجمة في بغداد وفي الأندلس. علماً بأن العرب يتميزون بإجادتهم وبسرعتهم لتعلم اللغات وبأن عدد العرب القادرين على الترجمة من لغات أخرى لاتكاد تتوفر عليه أية أمة أخرى.
وأشار إلى أنه لم تنهض أية أمة أو حضارة في التاريخ دون أن تكون الترجمة أحد المغذيات الرئيسية لثقافتها وأن مسألة ما يسمى بالنقاء الثقافي ما هي إلا وهم يشبه وهم النقاء العرقي فهي أمر مستحيل ولاوجود له على الإطلاق.
الترجمة شؤون وشجون
وقد توسع الدكتور الرملي في الحديث عن شؤون وشجون الترجمة بين العربية والإسبانية على اعتبار أنها اختصاصة وهو من العارفين بثقافتها، وحث على المزيد من التعاون الثقافي بين البلدان العربية والبلدان الناطقة بالإسبانية واصفاً إياها بأنها بلدان ليس بيننا وبينها إلا الخير، فلم يحدث لها أن استعمرتنا أو استعمرناها وليس بيننا وبينهم دم سوى دم روابط النسب التي خلفت أجيالاً فيها كبار المبدعين من أصول عربية، وأن شعوب هذه البلدان قد عانت ظروفاً مشابهة لما عانيناه من استعمار ودكتاتوريات ومن تصنيفها معنا على أنها عالم ثالث، وأن شعوب هذه البلدان تكن لنا الود والمحبة وتتعاطف مع كل قضايانا، فكيف ندير لها ظهورنا على هذا النحو ونركز صلاتنا الثقافية والاقتصادية والسياسية فقط من ثقافات البلدان التي استعمرتنا، كما أن اللغة الإسبانية تعد الثانية الآن من حيث الأهمية وعدد الناطقين بها في العالم وهم بازدياد لذا علينا أن نبذل كل ما بوسعنا لترجمة أعمالنا إليها والناطقين بها متعطشون لمعرفة المزيد عنا، وبأن أفضل من يقدمنا لهم هي آدابنا وفنوننا لأن الصحافة بمعلوماتيتها غير البريئة في اغلب الأحيان لا تعطي الصورة الحقيقية عن الإنساني بما فيه من عواطف وأحلام وتراكيب نفسية وأفكار وعادات وتقاليد وذاكرة وغيرها، وكلنا يدرك كيف أننا قد تعرفنا على الشعوب الأخرى ومنها شعوب أمريكا اللاتينية من خلال آدابها أكثر من أي شيء آخر.
عناية خاصة
وبالمقابل دعى إلى مزيد من الاهتمام باللغة العربية فهي إحدى أهم ثرواتنا الحقيقية والدائمة ولسان حالنا التي تكمن فيها كل ملامح هويتنا وشخصيتنا الثقافية، وأنها الآن تحظى بمكانة متقدمة بين لغات العالم والراغبين بتعلمها بازدياد فعلينا تشجيع ذلك والتحطيط له بجدية استراتيجية وتسهيل السبل لكل من يرغب بتعلمها. إنها لغة عظيمة وثرية وجميلة بكل ما يتعلق بها من حيث الصوت والصورة الكتابية، وإذا كانت الدوافع العامة لإقبال الناس على تعلم الإنكليزية هي المصلحة ولتعلم الإسبانية الفضول الثقافي فإن اللعة العربية تجمع الدافعين معاً.
ودعى الرملي الدول العربية إلى تأسيس سلسلة من المعاهد الثقافية في كل عواصم العالم أسوة بما تفعله بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا بسلسلة معاهد غوته وإسبانيا بمعاهد ثربانتس ولتكن مثلاً حاملة لاسم المتنبي أو الجاحظ أو العربية ذاتها فتعلم اللغة وتقيم النشاطات الثقافية وتصدر المطبوعات وتقوم بالترجمات وغيرها، وقال إن الاستثمار الحقيقي وطويل المدى هو الاستثمار الثقافي علماً بأن تكاليفه هي أقل بكثير مما يصرف من مبالغ طائلة على شؤون جانبية وأقل أهمية كموائد البذخ في السفارات ومنها الاحتفالات بالاعياد الوطنية مثلاً. وإن سلسلة معاهد كهذه ومزيد من الترجمات ستساهم حتماً في تغيير الصورة النمطية عنا والتي طالما نشكو منها، ألا وهي صورة العربي الثري البدين الفض العنيف الذي لاتشغله سوى الملذات والحريم وأجواء ألف ليلة وليلة  أوصورته المرتبطة بالبعير في الصحراء والعمامة واللحية وغيرها من تصورات تم توارثها وتعزيزها منذ القرون الوسطى ومأخوذة من الآداب في أغلبها وزادت عليها صورة الإرهابي مؤخراً. وأن أفضل طريقة لتحسين تلك الصورة وتغييرها وتقديم أنفسنا تكون عبر الوسائل التي أتت من خلالها أي نتاجنا الثقافي وخاصة الآداب كالرواية والفنون كالسينما وغيرها.
هذا وقد تفاعل الحضور بشكل كبير مع المحاضرة وتم النقاش حول مقدار ونوعية ما ترجم من العربية إلى الأسبانية عموماً ومن الأدب العماني خصوصاً وعن السبل الكفيلة والأفضل للقيام بمزيد من الترجمات، كما تمت مناقشة ضرورة إيجاد حاضنات حقيقية تتبنى هموم وحقوق المترجمين والترجمة وعلاقة الإرادة الفردية والإرادة السياسية في كل ذلك.
---------------------------------------
*نشرت في صحيفة (عُمان) سلطنة عُمان، العدد 11631 بتاريخ 6/4/2013م