الأربعاء، 18 فبراير 2009

ورقة ... تعني كل الأوراق


ورقة.. تعني كل الأوراق
محسن الرملي


الكتابة.. تلك القَشة التي أوهمت الغريق بالإنقاذ.. أو ربما فَعلت في برهة حلم، لكنه أعمق منها وأثقل، وإن كانت تركب الماء سيدة أبدية على عرش التماعات سطحه وذرات الغرين والدود الميت وما تلفظه مدن الشواطئ... وسيدة عليه لأنها أعلى منه، أطول دواماً وإبحاراً. براها فيخالها في قبضته.. أو كادت أن تكون، ربما صورتها.. ربما هي، لكنها تمرق من بين أصابعه بنعومة السمك، إلا أنه سيظل أعمق منها وأسرع زوالاً.. إنه يغرق وكان لا يريد... لكنه الآن يريد، وهذه بعض محاولاته قبل الانعدام..
-------------------------
*من ضمن مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) 1998.

قصة / لبَن أربيل

قص
لَـبَن أربيل

.. إلى الأكراد.. مَن مات ومَن ينتظر.
محسن الرملي

أُسامح الرصاصات التي أطلَقتها باتجاهي نوافذ قلعتك، أو عيونها الغائرة في السُحب/ التاريخ/ الوجع/ الجمال، وأستسمحكِ عن تخديشات سرفة دبابتي/ دبابتهم في شوارعك وأذيال حديقة شيرين، فهل سيشفع لي: أنني خنتُ الأوامر ولم أرتكب قيد رصاصة ضدك.. ولو فكرت بفعله فلن تطاوعني الأصابع لأنكِ.. أربيل مدينتها، وهي شيرين التي استحوذت على القلب بعينيها واللَبن وأزهار شالها والحديقة، واستحكم إطباق وجهها على النبضات، وعلى ما أراه.. حتى لحظتي ـ البعيدة ـ هذه. أقفُ على رأس جبل يحيطه البحر من جهات ثلاث في سان سباستيان/ بلد الباسك، شمال إسبانيا، فيغطي وجه شيرين عاريات السواحل والمقاهي ومراكب الصيد وصخب الأمواج وكل شيء عدا النوارس.. تظل تحوم أو تغطس في الحدقتين... يعيدني وجهها إلى أربيل/ كردستان ، شمال القلب المُسربَل بدمه، وإصرار عودات الربيع ونار الحداد نوروز الذي قَتَلَ ظُلماً فأنارت ناره الجبال واشتعلت دبكات الحياة: سراويل ولفائف وثياب فراشات ملونة على كل السفوح... شيرين، متى ينهض نوروز؟ متى الرجوع؟ ولماذا لن أراكِ أبداً؟.. فهل أظلُ آمل ألا تكوني العروس التي أخذها الأغا الشيخ في دهوك مقابل ترك أرض أبيكِ وعمره؟.. أم آمل أن هجومات الحرس المُدافع عن (الشرعية) أمام تمرد عينيك قد اكتفت بهروبك عارية نحو قمم الثلج، وأن هجومات الجيش (العُصمَلّي) ـ المُدافع عن أمنه أمام تهديد عينيكِ ـ قد اكتفت بتمزيق أزهار الشال وتكدير اللبن الصافي.. كم أشتهيه الآن في منفاي فيستحيل.. لبن عصفور.. لبن أربيل.. لبن شيرين الذي كانت تمنحني إياه كل صباحات أيام وقوف دبابتي/ دبابتهم على أذيال حديقتها أمام باب الدار فتهمس لي:" آه لو كنتَ بلا دبابة" أتدارَك:" لكنها دبابتهم يا شيرين"... كان صوتها مثل ينابيع الشمال، بارد في الصيف، دافئ في الشتاء، فمن يُوقف همسها في أُذنيّ؟ من يوقف النزيف في الذاكرة/ في الروح/ في الوطن..؟.. (كاكه كاميران).. من ينقذ الحزين من مطاردة العشق الأصيل، ومن يخلع الجرح عن جسد الجريح؟.. ما الذي جاء بوجهكِ إلى غربتي؟.. أنتِ هناك وأنا هنا.. (البيشمركا) هناك و(أيتا) هنا، وقلتِ لي في الحديقة: بين باب الدار وبين مَدفع الدبابة:" إن أربيل تعني (أربعة آلهة) ثم (هه ولير)..". سألتكِ:" ماذا تريدين من سوق القلعة؟". "كتاب".. وجدت رواية أخي مع أثاث بيت، هل أخبرتكِ أنهم قد قتلوه وأمي أيضاً؟ هل ما زال والدكِ حياً وأمكِ؟..". " هَربجي كُرد وعرب.. .." بحر يحيطني وبحار عبرتُ وليس أعذب من ماء (عين كاوه) ولا أنقى من هواء (صلاح الدين) إلا هواء (شقلاوة). أحدقُ في تمثال (المُقدس) الشاهق على جبل سان سباستيان فأرى الصخرة التي شطرها السيف المشطور لابن أبي طالب على جبل (كويسنجق) عند التواءات الطريق المؤدي إلى (رانية) بعد حقول التبغ وأزهار عباد الشمس على أطراف (جّوارّ قُرنه) حين كان يمزقني ـ ليلاً ـ سماع صرخات العذارى الكرديات في استخبارات الفرقة 24، وصمت جثث العجائز والرعاة الذين اُدخِلَت عصيهم في مؤخراتهم وخرجَت من الأفواه بحثاً عن المعلومات ليُرمَوا بعدها في (الوادي الأحمر) أو في كهوف جبل (قنديل)... يؤسفني وجود النقيضين في أربيل: الفيلق الخامس ووجهك شيرين، وكم أوصتني أمي:" عليك بالتبغ الأصفر... وليس أجمل من بنت كردية في الدنيا".. أو بين السائحات على شواطئ سان سباستيان. يأكلون سمك (المرلوثة) وأشتهي لبن أربيل ـ فلا تأكل سمكاً مع اللبن كي لا يَتَبَقَّع جلدك ـ هُم سمك وأنا لَبن، هم سياحة وأنا غُربة.. وكردستان جَنة تجري من تحتها أنهار الدم: حَلَبجة، حصاروست، قصائد كوران، شهرزور، شلالات، جسر إبراهيم الخليل، زاخو وزهور حسين تصدح بالكردية:" عين بعين عالشاطي تلاقينا.." فأبادل شيرين النظرات واللبن والورد وأغنيات حسن زيرك وداخل حسن والقُبلات في الحديقة بين باب الدار وسرفة الدبابة " غير القمر ما واحد عرف بينا.." تحت رصاص تتبادله الأسطح والأزقة ونوافذ قلعة (هه ولير)... يرقص السياح في سان سباستيان ويشتد الرصاص في أربيل. لا مكان لي بين الراقصين ولا فسحة لطيران العصافير بين الرصاص. يتراشق السائحون بأملاح البحر والحلوى هنا، ويشحّ الـ(نان)* هناك، فتتعالى الضحكات على رمل السواحل، وتُوصد الـ(داية)ات** نوافذ بيوتها كي لا يَدخُل الرصاص، وتأتي الأوامر بالتحرُّك... أقفُ هنا وشيرين مثلي لا تحتمل الوداع قائلة:" أُحبكَ أنتَ لا حُكماً ذاتياً". قلت:" أُحبكِ أنتِ ولا حكماً غيره". انفجار يهز سان سباستيان. يهرع السائحون إلى ثيابهم ويُلعلع الرصاص: (أيتا) تُطالب باستقلال (الباسك) فيهرب السائحون وأبقى، وحدي مع "عيونكِ" على الجبل. وأدركُ للمرة المليون " أنني وحـيد" فأطأطئ الرأس وأنزلُ على مهل، درج طويل ملتو، أرددُ السؤال فوق كل درجة:" لماذا عيونكِ والرصاص؟ لماذا عيونكِ والرصاص؟".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نان: كلمة كردية تعني (خبز).
** داية: كلمة كردية تعني (أُم).
----------------------------------------
*من ضمن مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) 1998، كما نشرت في أكثر من منبر ثقافي وترجمت إلى الإسبانية.
http://www.tirej.net/index.1164.mihsen.remli.htm

قصة / عرس الواوي


قص
عرس الواوي
محسن الرملي

تستيقظ ظهراً وتنقب في الصحف ـ قبل أن تغسل وجهك ـ ثم تقذفها بخيبة.." لا جديد عن الوطن ".. حَمّام، قهوة بالحليب ثم سيجارة وإطلالة من الشرفة.." لا جديد في المنفى " أيام تشبه بعضها وسنوات تمحو أحلامكَ وتُركِن مبادئكَ التي كنت تحملها فحملتك إلى هنا، فيما تستيقظ عنقاء صوت أمك كل لحظة:" تَزَوَّج لأرقص في عرسك وأرى أولادك قبل أن أموت " وكنت تشيح بوجهكَ عنها:" ثمة ما هو أهم " فيما تقول الآن وبحر حنين عراقي يتلاطم في صدرك:" أوافق يا أمي " فهل ستنفضين القبر عنكِ سعيدة؟…
الشمس في الغيوم، وأوربا في الشوارع مزرعة إعلانات، وصوت السياب بعوضة نمرود في الرأس:" أُماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار/ لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار ".
أُخرج من اختناقكَ إلى اختناقاتهم أو لموعد بارد مع ماريا وقهوة وسيجارة، رغم يقينك بأنكَ سترى شرطي المرور في الشارع ـ على حاله ـ منذ أعوامكَ/ أعوامهم.. ولكن أُخرج.." قد يهطل المطر " مارلبورو وقرقعة الصحون في بيت الجيران: أعوام من الأكل: أطنان من الغائط لإدامة مقاومة الأنفس في انتظار نهاياتها… ألا تمل الشمس من وظيفتها؟ أية مواظبة مقرفة هذه..!، وأي غثيان على كرسي في شرفة الدار المطلة على شارع وسيارات وأشكال آدمية.. إشكاليات دمية.. تشكُّلات دمائية.. شكاوى متنامية.. شناشيل، شوارب، شمس، شباب، شيب شَعر، شر البلية ما يُضحك.. ما يُضحك الجارة في مطبخ الصحون وسلّة الأزبال..؟.. ربما.. أو.. وقوف أمام الثلاجة وحيرة أزلية: ( ماذا نطبخ اليوم؟) كل السياسات طبخات للغير، غير أن الأغاني قد أصبحت مُضجرة تَضَجر التي انتظرت تضرجها بدم ولادة أخرى لتضيف إلى السوق مستهلكاً يسهم في تخفيف مشكلة البطالة فيزيدها.. هل من مزيد من الصبر على فتح الشبابيك صيفاً وإغلاقها شتاءً، ومواصلة تخريب شِباك العناكب لإدامة مواكب المنتصرين على الـ.. لا ندري أو علينا أو على احتمال زهو الكراسي فلا موجب لتبديل كراسي هذا العام ولو بدلتها الحارة كلها التي يزيد تعدادها على شَعر جسدك المستسلم لسيجارة رديئة " تحذير رسمي: التدخين يضر بصحتكَ، ننصحك بالامتناع عنه ". بدلاً من أن تفرك عينكَ.. آه.. لو أركب ضحكتكِ، أنتهكها، يا أنتِ التي تمرين تحت الشرفة.
.. أُخرج.. وما الفرق؟.. ها أنتَ قد خرجت. الهواء بارد في الخارج ودافئ دبق التاريخ.. أي خارج وداخلكَ دُخان؟. ليس ثمة فسحة لابتسامة جادة مادام اليأس قد انتظم واستوطن.. ستوطن.. توطن.. وطن.. طن.. طن.. طن..ن..ن..ن.. حاذر أن تسقط بين الصوت وصداه.. لماذا تُحاذر؟ فلربما أن تدعي أنك تجهل السقوط بعد خطوة فاخطها، علها النهاية… هل سمعت أحداً ناداك؟ حثكَ على استعجال العودة؟ " أمك ميتة وعرسكَ مُؤجل ".. برهة.. اترك خصلة جبينك للهواء البارد، وامدد صمتك المتأمل في اللاشيء فلا تستحق الطائرة المُغادرة أكثر من نظرة غير جادة، قِفاها يُضيء وللنساء السوداوات مُؤخرات مستطيلة ربما لكثرة الجلوس بانتظار البياض.. الأبيض الذي لن يأتي أبداً حتى يأتي الدود على إسفنج الجسد فتتجلى العظام بيضاء وحتى حينها ستكون قد إصّـفَـرَّت، هل أحصيت أسنان أمكَ الصفراء قبل موتها، لم تغسلها أبداً وكانت معجزة تعجزكَ عن فهم سر احتمالها.. كالحياة.. اضحك من التاريخ أو من شرطي المرور أو عليك ومسد شاربيك بحثاً عن امتياز لا تعنيه في عمقك، يالعمقكَ من خرابات متناسلة على سرير أحلامك المتراخية، وتماسَك أمام الثيران ـ مثلاً ـ مع يقينك، أنك لن تصبح ثوراً ولا حجراً ولا حمامة بيضاء لأنكَ أكسل من ذلك كله، واعترف باستطابة الكسل حين يتنافر مزاجك والحروف والأصوات والأضواء والذكريات وكل شيء، واخلع اكتراثكَ بأهمية التلويح بحزمة المفاتيح للذين لا يرغبون بالدخول تحرجاً أو تصبراً كوسيلة وانتبه ـ صدقاً ـ إلى أن الشيطان غافل عنك اللحظة، وإلا لاستثمر لحظتكَ هذه وصنعَ بالطينة ما يشاء، لأن الطينة لانت وما لانت بلاهة استعصام المنطق أو ما تعنون بالحياة.. يا للقِدم، العتق.. بالية هي كأكثر ما يكون عليه كفن آدم والساعة حمار كما يحاول الحمار أن يكون ساعة، فلماذا تشعر بعقاربها مقصاً يفتت روحكَ وينثرها على صدرك، كلما استلقيت على ظهركَ باستسلام ماء بركة، وإذا قدم النعاس أشعلتَ له بقايا الروح احتفالاً فتدعوه أو ضده، عسى أن يجيء: " تعال يا معود الخاطر الله " مسكين شرطي المرور وهو ينظر إلى الشمس تظهر وتختفي خلف الغيوم، وقد يهطل المطر، فيتحسس مظلته وينفخ في الصافرة زغاريدً لعرس.. أي عُرس؟. أمي قالت: " إذا نزل المطر والشمس طالعة فذاك يسمى عرس الواوي " ولم أفهم صغيراً عرس ابن آوى ولم أفهم كبيراً عرسه، وقبل أن أسألها ماتت في رسائل الأهل الواردة إلى غربتي، فيما يواصل شرطي المرور تنظيم سيارات العرس والمرور. وأقرأ في حركاته مرارة الحائر بخبز عياله ونظرات زوجته إلى حقيبة الجار مليئة بالأحذية أو " بسكويت " علامة (الجَرادة).. الجرادة مجردة من أجنحتها، لا ترقص حين تولج عود الثقاب في مؤخرتها. فالطير يرقص مذبوحاً من الألم، من علَّم الأسود المخصي مكرمة أسياده القبعات الزرق في مرقص آخر الشارع، قبل الانعطاف، جوار بائع الكستناء وثمة إشارات مرور " مرينا بيكم حَمَد ". وعجائز يملأن الرصيف بمشي السلحفاة كأنهن يؤخرن الوصول إلى الموت فلا تنزعج وتصرخ بهن: " هل الرصيف ملك آبائكن؟" فقد هطل المطر وسيدفعهن للإسراع وطلعت الشمس فاندفَعتَ كالمجنون ( أمك، الوطن، الشمس، العرس، المطر، المنفى ) تصرخ وسط الشارع مشيراً إلى الشمس والمطر ينزل في عينيكَ أو منهما: " عرس الواوي.. عرس الواوي " وشرطي المرور يزغرد بكَ وسط احتشاد سيارات العرس التي ظهرت لكَ من بينها ماريا الباردة، والجيران الناس يزدحمون على الأرصفة ليحدقوا فيكَ وأنتَ تصيح بأعلى صوتك:" عرس الواوي.. عرس الواوي" ولم تنتبه إلى أن ماريا لا تفقه لغتكَ حتى سحبَـتكَ من ذراعكَ فترجمتَ لها بانكسار: " ES LA BODA DEL CHACAL” ".
------------------------
*من ضمن مجموعة (أوراق بعيدة عن دجلة) 1998، كما نشرت في أكثر من منبر ثقافي.
http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=249

الجمعة، 13 فبراير 2009

قراءة / هدية حسين


أوراق بعيدة عن دجلة

هدية حسين
ما بين موت وموت، وخلاص وموت، على أرض الوطن أو في المنافي القصية، يكتب محسن الرملي أوجاعنا.. يحرث في رؤوسنا فتخرج الذكريات التي حاولنا نسيانها أو تناسيها لعلنا نجد حياة أخرى لما تبقى من أعمارنا.
يكتب في الوقت الذي يعترف فيه بأن الكتابة هي القشة التي أوهمت الغريق بالإنقاذ.. ولكن لا بأس، فلعل الموج العاتي يقذف القشة فنمضي الى بر الأمان.
لقصص محسن الرملي طعم الأوجاع، أو بالأحرى هي الأوجاع ذاتها، تلك التي لم يتسع لها صدر البحر، قصص عاشها القاص ودوّن في أوراقه وداخل رأسه كل تفاصيلها لتعود إلينا من بريد غربته وهي تقطر حنيناً وتجيء باحثة عن وجوهنا الباحثة بدورها عن أجوبة لأسئلة الحنين.
من بغداد الى أربيل ، الى الموصل، والبصرة، الثكنات العسكرية وشوارع الخوف.. إعدام الأخ، وموت الأم كمداً وحسرة، غربة الروح وفقدان الأصدقاء، وحكايات الحب المضاع.. هكذا جاءت تلك الأوراق فلنقرأها معاً ونستعيد بعض ما سقط من ذاكرتنا بفعل البحث عن أوطان بديلة.
القصة الأولى مهداة الى روح القاص محمود جنداري، حيث الصمت الذي له مذاق الفراق، وحركة اللغة الهامسة حين تتحول الى صراخ .. القصة بعنوان(ضيم صميت وأهله) يبدؤها محسن الرملي من خبر انتحار الشاعر يسينين بأحد فنادق لينينغراد، وكان قد ترك قبل انتحاره أبياتاً من الشعر كتبها بدمه.. وبين موت يسينين وموت الكثير من أبناء العراق بطرق مختلفة يكون الصمت طرفاً فيها، يروي لنا محسن الرملي أكثر من حكاية صامتة.. حكاية زوج الأخت الذي طرد من جهاز الأمن السري(لأسباب صامتة) وهو الرجل الذي يغلب عليه الصمت.. وحكاية الأب الذي كان يعمل حفاراً في فرق التنقيب عن الآثار تحت إمرة رجل انكليزي، ومن هنا،من مواقع التنقيب ندخل في صمت الحجر في قطع الآثار، وندخل كذلك الى عمق القصة.. فالأب الصامت طيلة الوقت يواصل تدخين سيجارته أثناء الاستراحة، وعندما همّ العمال بمواصلة العمل كان هو مغلفاً بسحابة شرود، أرادوا إيقاظه فمنعهم الانكليزي وراح يراقبه حتى انتهت السيجارة ولسعت أصابعه، فانتبه وأراد اللحاق بعمله في الكهف إلا أن الانكليزي أوقفه وأراد معرفة ما يفكر فيه هذا الرجل.
- بماذا تفكر؟
- بلا شيء.
لم يقتنع الانكليزى... فيما يذهب بنا القاص الى عمق التاريخ ليفسر لنا على لسان (أبو بكر الرازي) و(الخليل بن أحمد) ماذا تعني كلمة الصمت،والأفعال، والمعاني التي جاءت منها، ليصل الى حكمة الراوي حفيد الصامتين، إذ يرى (أن صمتنا هو تعبير عن عجزنا أمام فهم لغز الحياة).
قصة(رحّال ومهرتي جرحي) مهداة الى القاص عبد الهادي السعدون)رفيق الترحال في بغداد وعمّان ومدريد.. إنها استذكارات لما بعد السفر وذكريات وتوجسات ومشاهد كثيرة ظلت عالقة في رأس القاص الذي هو محور القصص جميعها، أخذها معه وهو يغادر بغداد.. ولبغداد خوف أبنائها،دموعهم، خراب بيوتهم، حرق مكتباتهم وتجفيف أنهارهم، وفيها أيضاً هولاكو العصر الذي دمّر هو وأبناؤه كل شيء، تراث الأجداد والأبناء والأحفاد.. لكن الرؤوس التي يقطعها هولاكو ما تلبث أن تينع وتعيد بدموعها نهر دجلة.. وها هو المسافر يستذكر كل تلك العذابات ويحط في بغداد، بين أصحابه، فيسألونه عن مدريد، ويحكي لهم عن الحرية هناك وعن الحب المباح في الشوارع، تجحظ عيونهم ويلفهم الخوف فيتلفتون.
يأتي المسافر بشوق الى بغداد فيأخذونه فوراً ليخدم الضباط بحجة خدمة العلم.. ومن حرب الى حرب الى قهر، الى قتل، الى محرقة، الى خراب متواصل، فيهرب الى عمّان ومنها الى مدريد ثانية ليحكي لرفيقه عن بغداد التي تتغير كل يوم وتنزع جلدها مثل أفعى أحرقوا جحرها لتغادره فاحترق جلدها ولم تعد تغادر مكانها.
وما تزال الذاكرة تنزف.. ففي قصة(لبن أربيل) مرّ الجندي بأربيل، ربما كانت ثكنته العسكرية هناك، لم يشأ إطلاق رصاصة على معلم من معالمها وتحديداً قلعة أربيل التاريخية، ولا يريد تخريب شارع من شوارعها، أحب هذا الجندي فتاة كردية تدعى شيرين، وبرغم أنه الآن في منفاه فإن شيرين تأتي من غيابها وتتوهج في رأسه وتعيده الى أربيل.
هي قصة حب غير مكتملة، تنشأ في المسافة الممتدة بين باب الدار التي تسكنها شيرين والدبابة الرابضة أمام تلك الدار.. إنها قصة بوح ونجوى تستدعي مجسات القلب والجسد وتتجول في سوق القلعة، وعين كاوة، وصلاح الدين، وشقلاوة، وكويسنجق، ورانية، وحقول عباد الشمس، بين الحب والأمل والمستحيل، تمضي القصة أيضاً الى دوائر الاستخبارات وصمت الجثث في كردستان، تلك الجنة التي تجري من تحتها أنهار الدم،حلبجة، وحصاروست، قصائد كوران، شهرزور، الشلالات والأصوات الجنوبية التي تحط على أرض أربيل، داخل حسن بصوته الموجوع بالحنين، وزهور حسين وهي تصدح بالمقامات والبستات، ويحط الرصاص أيضاً على الأسطح وفي الأزقة ونوافذ القلعة.
قصة يكتبها محسن الرملي وهو في منفاه فتمتد حروفها بين سان سباستيان وأربيل.. هنك رقص، وهنا ينهمر الرصاص.. وقد يأتي الرصاص أحياناً من منظمة إيتا فيخلخل أمان السياح، ثم تلمع عيون شيرين بين رصاصة وأخرى.
ويستمر الوجع العراقي في قصة(إحديدابات) وجع الشباب المساقين الى الحروب الخاسرة، أو الفارين منها الى المنافي، وجع ممتد منذ أزمنة بعيدة.. من أيام السلاجقة والعثمانيين والفرنسيين والإنكليز و(الهولوكات) التي مرت على أرض نينوى، حتى مجيء(الرئيس) الذي صال وجال وقتل وأخذ ولم يعط إلا الخراب.
موت لا يشبه الموت، الهاربون منه أخذوا معهم ذكرياتهم وذاكراتهم النازفة، وبلادهم التي تحترق بين نهرين عظيمين، فكأنهم لم يغادروا وكأن أوجاعهم استقرت في الأرواح وأبت إلا أن تعيش وتتجدد في الغربة.
أخذوا كذلك الأمكنة.. بعشيقة، بعسانيا، النمرود، بئر الذهب، الشيخان،تلعفر، تلّسقف، السلامية، المشراق، الشرقاط، القيارة، وكل الأمكنة الحبيبة، جمعوا عدة سفرهم من زاد الطفولة وألعابها وزاد الحرائق التي سكنت الرأس واستوطنت الروح.
محسن الرملي الذي يرى أن الدنيا كلها سجون يهدي قصة(أنا الذي رأى.. وثائق) الى كل المسجونين، ويعني كل البشر، فهذه الأرض التي نعيش عليها ما هي إلا سجون، يبدأ السجن من الرحم، ثم.. الجسد، البيت، الحب،الوطن، اللغة، الأوراق، القبر، الجنة والنار.. ليبقى السؤال شاهراً وجعه في وجوهنا: لماذا كل هذه السجون؟
حين خرج محسن الرملي من بغداد الى مدريد لم تكن معه أوراق قانونية فوضعوه في سجن حتى يبتوا بأمره.. وهذه القصة تتناول ذلك الخوف من المجهول، هو الذي جاء من وطن تشتعل الحرائق فيه كل يوم، وتشتعل الذاكرة برغم السنين التي انقضت فتعيدنا الى سجون الوطن.. سجون الجيش حيث الدبابات التي تحاصر أجساد الجنود، سجون الحارثية، ونقرة السلمان، أبو غريب وغرائب أحكامه على ضحاياه.. ثم سجون الوطن العربي وسجون العالم.. أينما تمضي ثمة سجن بانتظارك حتى آخر يوم من عمرك ليستقبلك بعدها سجن القبر.
هذه القصة مرفقة بوثائق.. صورة غائب طعمة فرمان الذي غاب عن الوطن أعواماً طويلة ومات في الغربة.. صورة حسن مطلك الذي أعدمه النظام السابق.. صورة الجواهري.. مقاطع من عبارات شعبية، وشخصيات مشهورة في أعمال أدبية، أبيات من الشعر ومقتطفات من قصص أو روايات، أسئلة بلا أجوبة، صور قتلى وخرائط لوطن الحروب، نخيل وأشهر أبيات للجواهري... لتعود القصة بعد ذلك وتأخذ مسارها في الكلمات فتحكي عن(صُمبابا) الذي حوّل البلاد الى ضيعة له، وسجون لشعبه.
أوراق كثيرة كتبها محسن الرملي بعيداً عن دجلة، من منفاه تجيء إلينا مضمخة بأوجاعه ... وإبداعه الأصيل.
-------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الرأي) الأردنية، نيسان 2008.

الخميس، 12 فبراير 2009

تقرير / مصطفى الجمل


دجلة محسن الرملي .. تثير ردود متباينة لدى النقاد

مصطفى الجمل

--------------------------------
*نشرت في صحيفة (الوطن) العدد 6387 الجمعة 5/1/2001 سلطنة عُمان.

قراءة / د.طلعت شاهين


" أوراق بعيدة عن دجلة "

ذكريات تعكر جمال المنفى

د.طلعت شاهين


----------------------------
*نشرت في صحيفة (أخبار الأدب) بتاريخ 30 يوليو 2000 القاهرة.

قراءة / جعفر العقيلي

محسن الرملي في مجموعته
" أوراق بعيدة عن دجلة ":
قصص أبطالها مدن ومناف وبحث متواصل عن الأندلس المفقودة
جعفر العقيلي

---------------------------------------
*نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة (الرأي) الأردنية بتاريخ، الجمعة 19/1/2001م.