الأحد، 8 مارس 2026

حوار مع محسن الرملي / جريدة المترجم العراقي

 

حوار

محسن الرملي:

الرواية هي حارسة الذاكرة والمتكفلة بحفظها، إنها أثرى متحف معنوي للإنسان 

أجرى الحوار: عصام ثاير منصور

يشكل الأديب والمترجم العراقي محسن الرملي واحداً من الأصوات الثقافية التي جمعت بين الإبداع الأدبي والعمل الأكاديمي والترجمة، في تجربة تمتد بين العراق وإسبانيا، وبين اللغتين العربية والإسبانية، فمنذ ولادته عام 1967 في قرية سديرة التابعة لقضاء الشرقاط شمال العراق، وصولاً إلى استقراره في إسبانيا منذ عام 1955، ظل الرملي منشغلاً بتقديم صورة إنسانية وثقافية عن بلده عبر الكتابة والبحث والترجمة.

حصل الرملي على درجة الدكتوراه من جامعة مدريد أوتونوما عن أطروحته التي تناولت تأثيرات الثقافة الإسلامية في رواية دون كيخوته، وهو موضوع يعكس اهتمامه المبكر بالتفاعل بين الثقافات، وقد كتب بالعربية والإسبانية، وتُرجمت أعماله إلى عدد كبير من اللغات العالمية، كما شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الأدبية في بلدان عربية وأوروبية وأمريكية.

أصدر أكثر من ثلاثين عملاً أدبياً توزعت بين الرواية والشعر والقصة والترجمة، ووصلت عدة روايات له إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، من بينها (تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) و(بنت دجلة، كما نالت بعض ترجمات أعماله جوائز دولية مرموقة، وإلى جانب نشاطه الأدبي، يعمل أستاذا في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.

في هذا الحوار، نقترب من تجربة محسن الرملي الإبداعية والترجمية، ونتعرف على رؤيته للأدب بوصفه مساحة للحوار بين الثقافات، وعلى حضور الذاكرة العراقية في أعماله التي تعبر اللغات والحدود.

1.       بدأت الترجمة منذ زمن طويل، هل كانت الترجمة خيارًا معرفيًا أم ضرورة وجودية؟

*نعم، بدأتُ الترجمة منذ أن كنت في المرحلة الثانية من دراسة اللغة الإسبانية في جامعة بغداد، وكانت حلماً بالنسبة لي، فعدا قصص الأطفال، كانت أول رواية قرأتها للبالغين هي (في سبيل التاج) من تعريب المنفلوطي، فحلمتُ أن أستطيع القيام بما قام به، بل وحاولت تقليدها، ولاحقاً بعد أن قرأتُ رواية (مئة عام من العزلة) وأدهشتني، حلمتُ بقراءتها بلغتها الأصلية، وهذا كان الدافع الرئيسي لدراستي للغة الإسبانية، وهو الأمر الذي غير حياتي كلها، ثم صارت الترجمة خياراً معرفياً، وبالتدريج، بعد ارتباطها عندي بالكتابة وطلب الرزق والشعور بالمسؤولية، اندرجت ضمن الضرورة الوجودية. وبالنسبة لي، أرى بأن: الترجمة مثل زكاة، واجبة على كل من يُجيد لغة، أن يُقدم فيها ولو عملاً واحداً في اختصاصه.

2.       هل تشعر أحيانًا أن اللغة الإسبانية تمنحك مسافة نفسية لا توفرها العربية؟

*أجل، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الحرية في القول، فلا وجود للرقابة الرسمية ولا الشعبية ولا ممنوعات أو محرمات، وهذا بحكم طبيعة الوسط والمناخ الثقافي عموماً، أكثر من تعلقه باللغة ذاتها، فمن حيث اللغة؛ العربية هي أكثر ثراءً وجمالاً وقُرباً إلى نفسي.

3.       ترجمت كبار الأدباء من الإسبانية إلى العربية والعكس، هل تشعر أن المترجم العربي ما زال مظلومًا ثقافيًا؟

*لا، المترجم العربي ليس مظلوماً، وهو الآن، أفضل حالاً وتقديراً معنوياً ومادياً، من غالبية المترجمين في ثقافات كثيرة، بما فيها غربية، وقد سبق لي وأن تحدثت عن هذا الأمر في ندوة ضمن فعاليات معرض الكتاب في مدريد. معنوياً نحن نضع اسم المترجم على الغلاف، وأحياناً بخط يساوي خط اسم المؤلف، وصارت لدينا أسماء بعض المترجمين أكثر شهرة وثقة من أسماء كُتاب، بل أن الكثير من القراء يقتنون الكتب بناءً على أسماء المترجمين، ومن هذه الأسماء مثلاً: صالح علماني، جبرا إبراهيم جبرا، سامي الدروبي، جورج طرابيشي وغيرهم. كما يجد المترجم العربي ناشراً لأعماله بسهولة، فيما يعاني في ثقافات أخرى، ومنها الإسبانية، من قلة وتردد الناشرين لترجماته، ومادياً، فالمترجم عندنا يستحصل حقه مباشرة، وغالباً ما تكون المكافأة أكثر من مكافأة الكُتاب المؤلفين، الذين قد لا يحصلوا على شيء أصلاً، هذا عدا الجوائز التي صارت عديدة عندنا فتزيد من التقدير المعنوي والمكفأة المادية.

4.       حصلت على جوائز مهمة في القصة والترجمة، هل تعني لك الجوائز اعترافًا أم عبئًا؟

*هي اعتراف أولاً، والجوائز بكل أشكالها، حتى وإن كانت رمزية، هي إيجابية ونافعة وداعمة للمؤلف والمترجم والناشر والقارئ، لأنها تسلط المزيد من الضوء على العمل وعامله، وتشد من أزرهم لمواصلة الجد والاجتهاد والعطاء والإبداع والمسؤولية في عملهم. ثم تصبح مسؤولية أكبر، أكثر مما هي عبئاً، لأن حاملها وعمله يصبح تحت الضوء، فيزداد قلقه من الإخفاق أو تقديم أعمال أقل جودة من تلك التي نال عليها جائزة.

5.       في مسرحك حضور واضح للرمز والأسطورة، هل المسرح عندك مساحة حرية أكبر من الرواية؟

*لا يضاهي الرواية أي فن من حيث توفير مساحات الحرية، شكلاً ومضموناً، فهي قادرة على استيعاب كل فكرة ورمز وقول، فيما للمسرح شروطه من حيث الشكل والأدوات والمساحة، لذا فاللجوء إلى الرمز والأسطورة فيه هو من أجل التكثيف، ولأن المسرح يتعامل بشكل مباشر مع الجمهور، وبالتالي مع السلطات والرأي العام، فهو يعمد إلى الترميز أحياناً أو استلهام وتوظيف أسطورة معينة لكي يتحاشى الاصطدام بالرقابة، الحالية، وبردود الفعل التي قد تضر بصاحبه.

6.       هل ترى أن الرواية العربية اليوم تكتب الذاكرة أم تعيد تدوير الصدمة؟

*إنها تقوم بالأمرين معاً، فمبدئياً كل الروايات تكتب عن الماضي وخبرة وحصيلة الذاكرة، حتى وإن بدت انها تتحدث عن الحاضر والمستقبل، الرواية هي حارسة الذاكرة والمتكفلة بحفظها، إنها أثرى متحف معنوي للإنسان. وهي في الوقت نفسه تعيد وصف الأحداث وخاصة الصادمة منها، أو تدوير الصدمات، على حد وصفك، وهكذا فهي تُعين المتلقي على تأمل، وإعادة تأمل، ما حدث وفهمه واستيعابة بشكل أفضل، مما يشكل تراكماً معرفياً بالذات الفردية والجماعية.

7.       كيف تنظر إلى واقع الترجمة في العالم العربي اليوم؟

*واقع الترجمة في العالم العربي اليوم هو أفضل من أي وقت مضى، من حيث انتاجه الكمي والنوعي، ويتمتع بنشاط وحيوية غير مسبوقين، ولدينا جمعيات وروابط وجوائز ومؤسسات خاصة بالترجمة مثل دار المأمون في العراق والمركز القومي للترجمة في مصر وغيرها، ولدينا مترجمين أصبحوا نجوماً في الوسط الثقافي، لكن المأخذ على هذا الواقع الترجمي، هو أن جل ثقله وثراء إنتاجه هو في ميدان الآداب، فيما ينحسر ويشح حد الندرة، في الميادين الأخرى وخاصة العلمية بشتى فروعها.

8.       بعد هذه المسيرة الطويلة، ما النص الذي تتمنى لو تعيد ترجمته اليوم بعين وخبرة مختلفتين؟

*رواية (الدون كيخوته) لثربانتس، فعلى الرغم من ترجمتها إلى العربية أربع مرات، إلا أنني أتمنى لو أمتلك الوقت لإعادة ترجمتها، وذلك لأنني أعرفها جيداً، بحكم تخصصي فيها أكاديمياً، وكانت أطروحتي للدكتوراه عنها، وتعلمتُ، ومازلت أتعلم منها الكثير، ككاتب روائي، وهكذا فهي تعيش معي لأكثر من عشرين سنة، وقدمتُ عنها الكثير من المحاضرات في العديد من المناسبات والبلدان.

9.       ما الخطوات العملية التي ترونها ضرورية للنهوض بالترجمة في العراق؟

*التنظيم والتدعيم والتعميم والتكريم، وكل هذه الخطوات الأربعة مترابطة، يكمل بعضها بعضاً، فمن حيث التنظيم؛ نحن لدينا أكثر من جهة متخصصة بالترجمة كدار المأمون وجمعية المترجمين العراقيين وأقسام الترجمة في الجامعات والناشرين وغيرها، فأرى أن يتم العمل على التنسيق بين كل هذه الجهات، كأن يتم تشكيل لجنة عمل مشتركة بينها، تعقد اجتماعات ومؤتمراً سنوياً، وتقوم بتنظيم وتقييم عملها وواقع الترجمة والمترجمين بما يخدم تحسين ومضاعفة الانتاج ومعالجة الاخفاقات. ومن حيث التدعيم، تسعى هذه الجهات، بشكل مشترك، إلى البحث عن المزيد من مصادر الدعم المادي والمعنوي، من الحكومات والشركات والأثرياء والمعنيين في الداخل والخارج، والتعميم هو المزيد من الإعلام والتسويق والتعريف بمنجزات الترجمة والمترجمين وعقد اللقاءات المباشرة مع المتلقين في الجامعات والمدارس ومعارض الكتب وإقامة الورشات وغيرها، والتكريم باستحداث جوائز خاصة بالترجمة والمترجمين العراقيين، وإقامة ندوات وأماسي احتفاء بالمترجمين الرواد والمتميزين الأحياء وبالترجمات المتميزة والمهمة.

10.  كيف تنظرون إلى دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجال الترجمة؟ وهل يشكّل تهديدًا فعليًا لمهنة المترجم؟

*الذكاء الاصطناعي، حاله كحال أي أداة جديدة اكتشفها وصنعها الإنسان عبر تطور مسيرته المعرفية، يعني يتوقف الأمر على كيفية استخدامها، حيث يمكن استخدام أية أداة بأسلوب جيد أو سيء أو لأغراض إيجابية أو سلبية.. وهكذا. وبالنسبة للذكاء الاصطناعي والترجمة، فهو خدمها بشكل ممتاز، من حيث أنه جعلنا نكاد نستغني عن مجلدات القواميس تقريباً، نحن الذين أتعبنا عيوننا وأصابعنا في التنقيب بين القواميس والمعاجم، كما يمكن استشارته ببعض الصياغات، وهو مهما بلغ من الجودة إلا أنه لا يستطيع أن يحل محل الجهد والذكاء والحس الإنساني، فعلى المترجم الحقيقي أن يُراجع مخرجات البرمجيات، فهي ليست كلها صحيحة دقيقة، بل وتبدو صياغاته أحياناً مُضحكة. المترجم هو الذي يمنح من روحه الروح للنص، أما الذكاء الاصطناعي فهو بلا روح أصلاً.  

11.  وصفتكم صحيفة الغارديان بأنكم من "نجوم الأدب العربي المعاصر"، كما وصفتكم صحيفة الموندو الإسبانية بأنكم "أحد أبرز مترجمي كلاسيكيات الأدب الإسباني إلى العربية". كيف تشعرون تجاه هذه التقديرات الدولية؟ وهل تؤثر في أعمالكم الحالية أو المستقبلية؟

*إن تقييمات كهذه تمنحني شعورين متناقضين، فمن جهة؛ أشعر بالرضا عن نفسي وما قدمته، ومن جهة أخرى أشعر بعدم الرضا والتقصير لأنني لم أقدم أكثر مما قدمته، وهذه بالطبع تؤثر على ما أعمله وسأعمله، لأنها تضعني أمام مسؤولية تقديم الأفضل، وبالتالي صرف المزيد من الجهد والوقت على ما أعمله، وفي المقابل فإن معرفة أن هناك من ينتظر مني دائماً عملاً جديداً، يشكل عليّ ضغطاً يجعلني أقلق من الاستجابة، خشية الوقوع في الاستسهال والتسرع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة (المترجم العراقي) العدد الثاني، شباط 2026م. دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1279126850981019&set=pcb.1279127924314245&locale=es_ES 

https://www.facebook.com/photo?fbid=1277567351136969&set=a.270861055140942&locale=es_ES

ليست هناك تعليقات: