فحوصات ثقافية
أكثر
مَن يقرأ هم الشَباب والشِيّاب
بقلم:
الدكتور محسن الرملي
أكثر الآراء شيوعاً بشأن القراءة هي: إن الشباب، في هذا الزمن، لا يقرأون الكُتب،
ويُبدِّدون أوقاتهم بمتابعة مُنتجات (نظام التفاهة) والديجيتال، وطالما كنتُ أردُّ
دحضاً لهذه الأقوال استناداً إلى تجربتي الشخصية، لأن أكثر من ألتقيهم وأُوقع لهم
كتبي، في مختلف المناسبات ومعارض الكتب شرقاً وغرباً، هم من الشباب، وجل الرسائل
التي أتلقاها هي منهم، وأنا نفسي، في شبابي، كنت أقرأ أضعاف ما أقرأه الآن، حتى
بعد أن أصبحَت القراءة والكتابة هي هويتي ومصدر رزقي وأهم ما في حياتي، فيما ابنتي
الشابة تقرأ أكثر مني، دون غرض أن تُصبح كاتبة، أو أن تجد عملاً في سوق الكتب،
وإنما تقرأ للمتعة وحسب.
وأخيراً؛ ها هي إحصائية حديثة تسُرني، لأنها تدعم رأيي، أصدرها الاتحاد
الإسباني لنقابات الناشرين، بالتعاون مع وزارة الثقافة وبرعاية مركز حقوق النسخ ورابطة
المؤلفين والناشرين وجمعية الكتاب والمترجمين المحترفين، التي أنا عضو فيها، حيث
تشير نتائج مقياس القراءة وشراء الكتب في إسبانيا إلى أن الشباب، مواليد العصر
الرقمي، هم الأكثر إقبالًا على قراءة الكتب للمتعة، ويليهم كبار السن فوق 65 عامًا،
وهذه إضافة جعلتني أنتبه إليها باهتمام أيضاً.
تؤكد هذه الإحصائيات على تسجيل رقم قراءة قياسي بلغ 66.2% في عام 2025،
بزيادة 0.7% مقارنةً بعام 2024، ويصل هذا الرقم إلى 69.8٪ عند إضافة من يقرأون
لأغراض الدراسة والعمل. ويرتفع إلى 71.2٪. إذا أُضيف إليها قُراء القصص المصوّرة، وهكذا
فالمساهمة الأكبر في زيادة القراءة، هي من قِبل الشباب والشياب، حيث يقرأ سبعة
ونصف من كل عشرة تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عامًا، وبهذا يُفنِّد الشباب مجدداً
الاعتقاد السائد بأنهم لا يقرأون.
أما عن ارتفاع عدد القراء ممن تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، بنسبة 13 نقطة
مئوية. ستة من كل عشرة، فيُعزى إلى كونهم من أجيالٍ التحقت بالمدارس بفضل قانون
التعليم لعام 1970، الذي تم تحديثه وتكييفه مع متطلبات العصر وتوجيهات اليونسكو وأرسى
التعليم المجاني والإلزامي الشامل. وفي رأيي أن توفر الوقت للمتقاعدين، والمال
لشراء الكتب له دوره أيضاً. جاري يقول إن حلمه بعد التقاعد هو أن يقرأ الكتب التي
لم يستطع قراءتها سابقاً.
وعلى الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، فلا يزال 33.8% من الإسبان؛ لا يقرأون
أبداً، أو نادراً في أوقات فراغهم، وتتراوح الأسباب المذكورة بين: ضيق الوقت
(42%)، لا سيما بين النساء اللواتي أعمارهن بين 25 و65 عامًا، وتفضيل قضاء الوقت
في أشكال ترفيهيّة أخرى (32.6%)، أو ببساطة عدم الاهتمام بالقراءة (20%).
وعن القراءة بالأجهزة الرقمية، فتمثل ثلث القراء، أما الكتاب الصوتي فشهد
نمواً بنسبة 7.9% وخاصة بين الشباب، واللافت أيضاً، هو أن المكتبات ما تزال هي الخيار
المفضل لشراء الكتب، رغم انخفاض ذلك بنسبة 8% بسبب تزايد الذين يشترونها عبر
الإنترنيت. كما تشهد المكتبات العامة تعافيًا مستمرًا في الإقبال بعد الجائحة. وبالمجمل؛
حقق سوق الكتب انتعاشا، إذ بلغت المبيعات 1.250 مليار يورو، ببيع 76 مليون نسخة
مطبوعة، أي بنمو 4% مقارنة بعام 2024.
وتضم هذه الإحصائيات تفاصيل أخرى مهمة، لا يتسع المجال هنا لذكرها، لكنني
أرى نتائجها مقاربة لما ستكون عليها إحصائيات في بلدان أخرى، بما فيها بلداننا
العربية، التي آمل أن تعمل على إجراء إحصائيات من هذا النوع، ستخدمنا جميعاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (كتاب)
العدد 90، ابريل 2026م الشارقة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق