فحوصات ثقافية
مَلامح الرُبع الثاني من قَرننا
بقلم:
الدكتور محسن الرملي
مع انطلاقة هذا العام، نكون قد بدأنا الربع الثاني من قرننا الحادي
والعشرين، وإنه لمن الصحي والصحيح أن تُطلِق النُخب الثقافية والفنية والفكرية
والأكاديمية أسئلتها وتصوراتها حول ما سوف تكون عليه هذه الحقبة، باعتبار النُخب
هي الطليعة التنويرية المؤثرة في المجتمعات والمنشغلة بالتحليل والتشخيص والإبداع
وطرح الرؤى للتحاور حولها. وإنه لإجراء عملي ومناسب، في عصرنا المتسارع هذا، أن
نبدأ بحساب الحِقَب بأرباع القرن وليس بالقرون كاملة. تُرى كيف سيكون هذا الربع،
وما هي أبرز ملامحه والقضايا التي ستشغله والتحولات التي ستجري فيه، أسئلة قام
بطرحها الصديق وينستون مانريكه لمجلته (دبليوماغازين)، على مجموعة من الكتاب
والفنانين والمفكرين الإسبان والناطقين بالإسبانية من بلدان أمريكا اللاتينية، استناداً
إلى قراءة للماضي والحاضر لتتوقع المستقبل. وهنا وجدتُ ضرورة نقل خلاصاتها في عبارات
وكلمات معدودة إلى ساحتنا الثقافية العربية، وأرى أن نقوم باستطلاعات ونقاشات
تشبهها، لنتعرف على تصورات نخبنا، حول ما سيكون عليه ربع قرننا نحن العرب، وما
يمكننا أن نقوم به حيال ذلك، تساؤلات حول الحال العام، أو حول ميدان ثقافي معين، كُلٌ
في اختصاصه...
هذه إجابات اثنا عشر كاتباً ومبدعاً من إسبانيا وأمريكا اللاتينية، بشكل
مكثف: ازدياد الفقر وعدم المساواة والظلم. الهجرة نتيجة عوامل متعددة. صعود الشعبوية
بكل أشكالها. التضليل الإعلامي والأخبار الكاذبة، حيث لا نتفق حتى على الحقائق.
تجريد التعليم تدريجيًا من العلوم الإنسانية. تغيرات في عادات وفهم الأجيال
الجديدة للحياة؛ الشخصية، العاطفية، الجنسية، الأسرية، الاجتماعية والمهنية. ازدياد
الفساد في جميع المجالات. صعود ما يُسمى بالنخبة التكنولوجية. تزايد هيمنة وسائل
التواصل الاجتماعي كقنوات معلومات غير موثوقة، بهدف تشويه الحقيقة وتأجيج
الاستقطاب. عصر الخوارزميات والهجرة إلى عالم الفضاء الإلكتروني. تغيّرات المناخ
التي تؤثر على كوكب الأرض ورفاهية الإنسان وعلاقته بالطبيعة. تهديدات تواجه الديمقراطية.
صعود اليمين المتطرف، المُحرِّض على التعصب وكراهية الأجانب. تراجع وانتكاسات في
الحقوق والحريات. ظهور أشكال جديدة من الاستعمار الإمبريالي الذي كان يُعتقَد أنه
من الماضي. الأديان وجدل التعايش الثقافي والديني. حروبٌ اقتصادية ودينية وبيئية وعلى
الأراضي. نظامٌ جيوسياسي جديد، وصراعٌ لتقسيم العالم إلى ثلاث كتل: الغرب (الولايات
المتحدة/أوروبا)، والصين، وروسيا. تصاعد العنصرية والتمييز. الذكاء الاصطناعي
وتحدياته. شيوع الإنكار على صعيد الفرد والجماعات. النضال من أجل المساواة وحقوق
الأقليات. مجتمعٌ يتجه نحو السلبية ويقل فيه النشاط. غياب الحماية للمواطنين في ظل
تفكك الدول، ونقل قطاعي الصحة والتعليم إلى الشركات الخاصة.
وإذا كان (الرمادي) هو لون عصرنا، وفقاً للمفكر الألماني بيتر سلوترديك:
"بغض النظر عن رضانا أو عدمه، يُمثل اللون الرمادي لمعاصرينا لونًا لعالمنا
الذي بلا لون، لون الحرية المُغترِبة". فما هي الكلمة أو المفهوم الذي يُعرّف
أو يُحدد أو يصف الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، وما يواجهه من مواقف
وتحديات ومشاكل وشكوك متنوعة؟ حاول أنت أيضاً صديقي القارئ، ولا سيما فيما يتعلق
بعالمنا العربي، بلورة تصورك في عبارة، أو حتى بكلمة، مثل: القلق، الأمل،
الاضطراب، التآكل، الهذيان، الفوضى، الانفتاح، التضليل، الحقيقة، العنف، السلام،
التقدم، وغيرها... ما الكلمة التي تصف رؤيتك؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت
في مجلة (كتاب) العدد 89، مارس 2026م

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق