الاثنين، 15 أبريل 2024

فحوصات عن النشر، محسن الرملي

 

فُحوصات ثقافية

عن صحة النَشر وأمراضه 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

لم يَعُد نشر الكُتب في عصرنا مشكلة، فعملياً؛ كل شيء صار يسيراً ومتوفراً بكميات ونوعيات ممتازة: ماكينات طباعة حديثة، جودة الورق، طُرق التغليف، التصميم.. وغيرها. رافق ذلك، انحسار الرقابات الرسمية، بل وإلغائها في أغلب بلدان العالم، لأنها أصبحت بلا فاعلية ولا معنى، في زمن انفتاح آفاق التواصل، مما يوسع مساحة حرية التأليف ويُسرّع عملية النشر، بعد أن كان الأمر يتطلب الانتظار لأشهر طويلة، للحصول على الموافقة الرسمية، والتي تكون أحياناً مشروطة بتعديلات ومحذوفات تُشوّه النص وتفرغه من دَسم محتواه، بشكل يُزعج ويُحبط حماس الكاتب والناشر.

وبالنسبة للتوزيع، أصبح بإمكان أي قارئ في أي مكان أن يحصل، ورقياً أو رقمياً، على نسخة من أي كتاب يصدر في العالم، بسُبلٍ مختلفة، أسرعها وأكثرها انتشاراً عبر التسوق الإلكتروني، من الناشر مباشرة، أو عبر مواقع المكتبات ومتاجر وشركات التوزيع.

وبعيداً عن شكوى وبكائيات بعض الناشرين المعتادة، وادعاء الخسارة، دون أن يغلقوا دور نشرهم! فإن الإحصائيات تشير إلى تزايد عدد دور النشر والمنشورات، والكُتاب ومعارض الكتب وإصدارات المؤسسات، ومهرجانات القراءة وأندية القُراء، وبالتالي تزايد المهتمين، حتى في ذروة جائحة كورونا، تضاعف الطلب على الكتب وقراءتها، بحكم عزل الناس في بيوتهم ووفرة الوقت.

وهكذا، يمكن القول بأن عالم النشر يعيش ازدهاراً غير مسبوق، وبإمكان مَن يشاء أن ينشر كتابه متى شاء وأينما شاء وكيفما شاء، فإن لم يستطع ورقياً، عن طريق مؤسسة أو ناشر يتبناه، أو بأسلوب (النشر الذاتي)، كما يُعرَف عالمياً، أي أن يدفع الكاتب تكاليف الطباعة، فيمكنه نشره رقمياً، في كبرى المواقع العالمية، كأمازون وغوغل وغيرهما، مجاناً وخلال دقائق.

لكن المشكلة تكمن، في هذا الازدهار نفسه: وِفرة فتُخمة فسمنة مُفرِطة تُشكل مرتعاً خصباً للأمراض، فهذه السهولة في النشر قادت إلى الاستسهال، فإسهال، فسيل من العناوين وهدر الورق. وأول وأخطر هذه الأمراض، هو ما أصاب جوهر كل هذه العملية وعالمها، ألا وهي الكتابة، من حيث شكلها ومضمونها، فأصبحنا نجد آلاف الكتب التي بلا جنس ولا تصنيف، بلا فكرة ولا أسلوب، بلا عمق ولا تجديد، بلا رأي ولا رؤية، بلا رسالة ولا هدف.. بلا لون ولا طعم ولا رائحة.

وهنا تقع المسؤولية الأولى على القطبين الرئيسين (الكاتب والناشر)، فعلى الكاتب أن يسأل نفسه، قبل الإقدام على نشر كتابه، أو حتى قبل الشروع بكتابته، أسئلة تتعلق بالكتابة، مثل: لماذا يكتب؟ هل لديه ما يقوله ويستحق القول حقاً؟ هل سيضيف جديداً إلى الموجود؟ هل يشتري فعلاً كتاباً ككتابه؟ ومن مهمات الناشر: ألا يكون مجرد صاحب دكان ووسيطاً بين الكاتب والمطبعة، وإنما صاحب مشروع ووسيطاً بين الكاتب والقارئ، مُقرّباً بينهما، أن يُركز على النوع لا على الكَم، متابِعاً لحركة الفكر والنشر في العالم، أن يستعين بمحرر أدبي ومدقق لغوي، مُسوِّقاً مُبتكِراً، متخصصاً بموضوعات معيّنة، باحثاً عن الأهم والأنفع والأجمل دائماً، ومُغامراً ذكيّاً بتقديم المُغايِر الجديد أحياناً.

خلاصة: لم تَعُد العلّة في النَشر وإنما في المنشور.

*كاتب وأكاديمي عراقي إسباني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (الناشر الأسبوعي)، العدد 64 فبراير 2024 الشارقة.

https://xsi.sibf.com/content/uploads/publisherweekly/pdf/2_786487597b344526ada6c957703591.pdf

ليست هناك تعليقات: