الجمعة، 26 يونيو 2020

قراءة في رواية تمر الأصابع، قسوة الموروث/محمد سمير ندا


تمر الأصابع لمحسن الرملي،
ما بين قسوة الموروث.. وحتمية الانتقام!
محمد سمير ندا
عبر قرابة 170 صفحة فقط، يلتقط لنا محسن الرملي صورة أخرى للمأساة العراقية (والعربية إن شئنا إسقاط الاضطهاد العراقي على ما يماثله في شتى ديار العرب)، والصورة هنا واضحة جليّة، واسعة بعرض سنين الاغتراب القسري المفروض على ملايين العراقيين، ومنهم كاتب الرواية، الذي يسهل استخلاص نقاط التشابه بينه وبين سليم مطلق، السارد الرئيسي للأحداث.
المأساة هنا تبدأ وتنتهي في ظل حكم صدام حسين، عبر مروية تزاوج بين الألم والسخرية في إطار حكائي متقن، والحقيقة أنني – من باب الإنصاف- طالما كنت معجبًا بطاقة الخيال لدى محسن الرملي، فهذا الرجل حكّاء فريد من نوعه، يمتلك مغزلاً يجيد تطويعه وترويضه لينسج في كل مرة حكاية محكمة البناء، وحكايات الرملي أشبه بمرويات الجدات اللاتي اعتدنا الجلوس أسفل أقدامهن صغارًا، ليغزلن لنا من خيالهن ومخزونهن من الموروث الشفاهي المروية تلو الأخرى، فالقصص التي يرويها الرملي -دائمًا- آسرة حافلة بالمشاعر، والخط التصاعدي للأحداث يجبر القارئ على الركض عبر الصفحات لاستشراف المزيد وطرق أبواب الخواتيم، علاوة على أن الترميز والإسقاط لدى الرملي، طالما جاء سلسًا مطرزًا بثوب الحكاية، دون تكلف أو إلغاز.
ثلاثة أجيال، وثلاثة عقول، وثلاثة أيدولوجيات مختلفة، يجمعها على اتساع رقعة التباين بينها شيئًا واحدًا؛ التمر! والتمر هنا هو الأرض، الوطن، الحلم الذي تتجسد في حباته الحياة بمختلف جوانبها، ومتنوع لذاتها، هو الإرث الشاهد على مدينة الجدود المندثرة، والحلم الضائع، والحبل السري الرابط لنسيج الحكاية.
والجد هنا -أصل الحكاية- رجل بدوي صالح، تقي، يضع نفسه -يقينًا- في مراتب الأنبياء، وقد نصّبه من حوله سيدًا وقائدًا ومُخلّصًا، ينشد تشييد عالمه الخاص، بمنأى عن الأنظمة والحكومات، وبمعزل عن الظلم، وقد تجرع الذل والقهر على أيدي الجهات الرسمية رفقة عدد لا يستهان به من عشيرته، إثر مواجهة غير متكافئة تركت الجبين موصومًا بالعار، والجد أسيرًا مكبلاً يمرر أيامه في انتظار تحررٍ مخبوء في طيات الغد. يسعى الجد إلى بناء مدينته الفاضلة، عبر فلسفة آناركية تخصه وحده، يرتدي هو فيها ثوب نوح النبي، صاحب الفلك، والقابض بيمينه على طوق النجاة، وظل الله المنعكس على الأرض، حتى يتمخض الحلم حربًا تختطف الأرواح، وتنزع عن مدينته الفاضلة ثوب الفضيلة، فتحولها إلى رقم، ومحض اسم في كشوف الدولة الرسمية.
أما الأب، فقد برع الرملي في رسم شخصيته -كذلك- إلى حد بعيد، فجاءت مقنعة جاذبة لا تملك إلا أن تتعاطف معها، فبرغم عقله المشطور بين ميراث الجد – والقيم الإنسانية والدينية والعشائرية التي شتلها في وجدانه وغرسها في عقول الكافة، وحرص على ريها طيبة عقود- وصورة الحرية التي اقتبسها من عيون رؤسائه الألمان، ومارسها بجموح في إسبانيا، يظل قابضًا بكف على حبة التمر، وعلى عهده لأبيه بالانتقام ممن لطخ جدران ديارهم بالذل.
ثم يجيء الحفيد ليكون هو سارد للحكاية، هارب آخر من جحيم صدام، لفظته الحرب عقب ذبول حلم الجد وجسده في ذات الليلة، وعقب استلام أهل القرية لتوابيت سبع عشر شهيدًا لقوا حتفهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وفي وجهة نظري، فإن شخصية الحفيد كانت هي الأقل من حيث الإحكام، إذ اجتث الكاتب منها عشرة أعوام فصلت ما بين رحيله من قرية القشامر، والصدفة التي دبرت اللقاء بأبيه في إسبانيا، ذلك النقصان في تاريخ الشخصية؛ ترك العديد من علامات الاستفهام لدى القارئ حول الدروب التي سلكها والطريق التي سلكها حتى استقر به المقام أمام أبيه في حانته المدريدية.
ولكن، رغم ذلك، فإن إيقاع الحكاية كان يسحبني إلى دوامتها، ملقيًا بملاحظتي تلك على ضفتي الحكي، كنتُ أقف أمام المشاهد التي جمعت الأب بالابن بإعجاب مضطرد، عقب كل مشهد، بيد أنني قرأت بعض المشاهد الجامعة للأب والابن أكثر من مره. أحببت كثيرًا علاقتهما، قبل وبعد المكاشفة التي عصفت بوجدان كل منهما، فالأب جانح صوب الانتقام، والابن ميّال لسلام أخير يطوي صفحات الحروب والنزاعات، الأب يقبض على رصاصة هي في واقع الأمر بوصلته الدالة على الهدف، هي الميراث الرابط بالجد، والحجر السحري الذي يرسخ لديه الشعور بكونه ماضٍ على الدرب الصحيح، والابن حالم كسير، وشَمَ صورة الحبيبة الغارقة على باطن جفنيه، ثم اكتفى باستدعاء كل تفاصيلها، روحًا وجسدًا، ناعسًا ويقظًا، وعطّل طاقة العشق لديه، حتى راح إكسير غرام بديل يتسرب إلى عينيه، دون أن يمحو وشم الحبيبة الأولى. الأب يحاول جاهدًا صهر ميراث الجد في بوتقة انتقامه جنبًا إلى جنب مع مواثيق حريته المتحققة أخيرًا، ولا يرمي إلى التخلي عنها، فيما ذات القيود الموروثة تكبل الابن، وتعيق تحرره. وفي ظني أن الفارق بين الأب والابن، يتلخص في رغبة كل منهما في المقاومة، فأحدهما لم يمتلك قدرة الشب عن الطوق، فبقي مُطارَدًا بصور عذابات الجحيم، فيما كان الآخر يكسر سياج الموروث، ويسلم جسده للموج، دون أن يتخلص من الإرث كاملاً؛ وقد ظلت رصاصة العهد مستقرة في يمينه. أما الجامع بينهما: فهو الوطن الطارد لمواطنيه، والحرب، وآمال النجاة.
معزوفة أخرى عن الوجع العراقي، وشجرة الرافدين التي تلفظ ثمارها خارج البستان، حكاية تتماس مع الكثير من حكايات الاضطهاد العربية، منحها الكاتب نكهته الخاصة، فعلى قسوة الظلم الذي تعرضت له هذه القرية، وفانتازية الانتقام، ودرامية بعض المشاهد؛ لا سيما رحيل الجد – أو مصرعه بوابل من كلمات ابنه – ثم مشهد تحلل جثامين الشهداء في انتظار الأمر بدفنها،  لا يسع القارئ -كذلك- أن يواري بسماته في أكثر من موضع، حتى أنه، ومع السطر الأخير في الرواية، لن يتمكن من كتم ضحكاته، وربما سعادته بحالة الاستمرارية التي تختتم بها الصفحات!
عمل أنصح به بشده، ومرة أخرى، أتوجه بالشكر لمحسن الرملي على هذه المتعة الأدبية الصافية
------------------------
*محمد سمير ندا: كاتب مصري، آخر أعماله: مملكة مليكة.

هناك تعليق واحد:

Unknown يقول...

كفيت ووفيت استاذ محمد
وكل التحايا لك وللمبدع محسن الرملي ❤