الجمعة، 12 يونيو 2020

قراءة: رواية بنت دجلة / صباح مزهر


قراءة رواية (بنت دجلة) لمحسن الرملي
 من زاويتين مختلفتين..
صباح هرمز
تبدأ رواية (بنت دجلة) لمؤلفها محسن الرملي، من حيث تنتهي رواية (حدائق الرئيس)، وطارق المندهش، وقسمة مع طفلها، في طريقهم الى بغداد، بحثا عن جثة والد قسمة (إبراهيم) الذي أعدم في الأول من رمضان عام 2006. بينما تبدأ (حدائق الرئيس)، من حيث تستيقظ أبناء القرية على تسعة صناديق في كل واحد منها رأس مقطوع. وأول من رأى هذه الصناديق هو الراعي إسماعيل. وتنتهي بنت دجلة، كما لو كان التأريخ يعيد نفسه، كما بدأت حدائق الرئيس في استيقاظ أبناء القرية على صندوق موز لا يحتوي على تسعة رؤوس مقطوعة كالمرة السابقة، وإنما على صندوق واحد فيه رأس مقطوع، هو رأس قسمة، وأول من رآه ثانية، هو الراعي إسماعيل وفي الموضع نفسه. أي أن الجزء الثاني من الرواية، ينتهي، كما بدأ الجزء الأول منها. بتدوير الحدث عكسيا، من نقطة الختام الى نقطة الانطلاق، بدلا من أن يسير باتجاه أفقي.  
تقع هذه الرواية في ثلاثمائة صفحة من الحجم المتوسط، موزعة على تسع وعشرين وحدة رقمية، يتصدر كل وحدة رقمية عنوانا، لا يتجاوز عدد كل وحدة منها على عشر صفحات. وهي بذلك وزعت بشكل متساوي على وحداتها. ومثل هذا التوزيع، في الوقت الذي ينأى بالمتلقي عن الملل والشرود الذهني لعدم طوله وقصره ووقوعه في المعدل النسبي للمتوسط، في الوقت ذاته يمنحه فرصة أكبر على قدرة الاستمتاع في قراءة الرواية بأريحية ودون ضغوط.
يمكن قراءة هذه الرواية من زاويتين مختلفتين، تتمثل الزاوية الأولى بالجانب الإيجابي في رفض تعاون قسمة وطارق مع جلال الدين الرامز للنظام الحالي، والجنرال آدم للغزو الأمريكي، والزاوية الثانية بالجانب السلبي في تعاونهما معهما. وبعبارة أوضح قراءتها من خلال اشتراك قسمة وطارق في تقسيم الكعكة العراقية، أسوة بالأحزاب العراقية، وبين عدم اشتراكهما، ورفضهما للمحاصصة.    
تشرع رواية (بنت دجلة) بجملة: (بعد أن تقيأت قسمة في منتصف الطريق الذاهب الى بغداد، وأحست بالجوع، قررت أن تأكل العراق.). وهذه الجملة هي عصارة الرواية وحبكتها الرئيسة. وامتداد لنهاية حدائق الرئيس، عندما ترى قسمة الخراب الشامل الذي ألحقه الجيش الأمريكي بالعراق، وأثر ذلك تتقيأ. تتقيأ لا بسبب جوعها الفيزيولوجي، وإنما لجوعها النفسي الذي صبرت عليه وتحملته لسنين خلت، وبفعل ما عانته من قهر وظلم في عهد الرئيس المخلوع الذي أعدم زوجها الضابط، وفي هذا العهد والدها، وما تكابده الآن من الغزو الأمريكي من جهة، وفساد السياسيين الجدد الوافدين من الخارج من جهة أخرى، ما عدا هيمنة شيوخ العشائر بوصوليتهم وانتهازيتهم على كل مفاصل الدولة، وهذا هو ديدنهم في زمن كل الحكومات المتعاقبة، لتقرر الآن، في هذه اللحظة، لأنها فقدت صبرها، ولم تعد تحتمل، وهي ترى بأم عينيها الأرتال العسكرية الأمريكية الخراب الذي ألحقتها  بالعراق، والذعر الذي تدبه في نفوس المواطنين، وتدمر كل ما يصادف في طريقها، وتقلب الصالح الى طالح والأبيض الى أسود، تقرر، أن تتقيأ كل العذابات التي لاقتها، بعد أن توصلت الى قناعة لعدم معرفتها، مثل من سيكون أبنها النائم في حضنها؟: (مثل أبيه زوجها؟ مثل الرأس المخلوع؟ مثلها هي؟ مثل أبيها؟ مثل هذ الطارق الذي سيترعرع هذا الصغير في كنفه)؟ بعد أن دارت كل هذه الأسئلة في رأسها، وعرفت حجم النهب والسلب الذي يتعرض عليه العراق على أيدي المتسلطين على زمام الحكم، قررت ألآ تمتثل الى الواقع فحسب، بل وتأكل العراق، أو كما يقول السارد العليم (هو): (وتسعى للنهش من هذا الواقع ما تستطيع، دون الالتفات الى الذين أقل قدرة على التمسك بحصتهم، فليس الأمر ذنبها هي. من حقها أن تسعى لإنقاذ أبنها ونفسها كي لا تكون مجرد ضحية أخرى.).
نفهم من هذا الطرح. أن قسمة بالرغم مما تتمتع به من روح التمرد، وموقفها الرافض للغزو والنظام الذي جاءت به أمريكا، نفهم أنها تتخلى عن كل تلك القيم والمبادئ التي كانت قد تبنتها وتؤمن بها، من أجل الحفاظ على مستقبل أبنها؟!
يقول غوتيه: (أن الأغراض النبيلة لا تؤخذ بالوسائل الخسيسة).
 أسوق مقولة غوتيه، لأنه يخطأ من يظن أن هذه الرواية سهلة، إلا أنه ليس كذلك، فهي أصعب روايات الرملي، ذلك أن شخصيات الرواية ليست نمطية، أي أنها لا تستقر على موقف معين، وإنما تتغير مواقفها بسرعة، كما أنها لا تخلو من الأحداث المفاجئة. ولعل هذه القراءات المتعددة لها هي السبيل الوحيد لنفي مبدأ الميكافيلي الذي تبنته قسمة في توجهها الأخير الذي مؤداه (الغاية تبرر الوسيلة). أي أنها دخلت هذ المعترك الصعب، لا من أجل ما تدعي فيه ظاهرا، وهو تأمين مستقبل أبنها، إنما انتقاما من الذين أعدموا زوجها ووالدها في العهد البائد وهذا العهد، والكشف عن زيف ودجل وسرقة الحكام الجدد الذين سوقتهم أمريكا للعراق. وتفيض الرواية بالجمل التي تأتي على لسان قسمة، وهي تعبر عن هذا المعنى، ولا سيما أثر انتهاء جلال الدين من تعداد الغنائم التي سيجعل من الحكومة أن تغدقها على الحزب المزمع تشكيله من قبلها وقبل طارق، وهو يقول: (وأنا شخصيا سأتبنى تسجيل طلباتكم للحماية مثلا على حساب الدولة من حرس ورواتبهم وسياراتهم وأسلحتهم، فاختاروهم، واختاروا أتباعكم المقربين، ومساعديكم منذ الآن، ولكم أن تغروا البعض بالتوظيف، وبإمكاني أن أوظف وأتوسط لتوظيف عشرات بل مئات ولو مجرد أسماء دون عمل فعلي.).
إذ ما أن ينتهي جلال الدين من توزيع ثروات البلاد بدون رحمة ولا واعز ضمير عليهما، على قسمة وطارق، حتى تدرك قسمة لحظتها بمدى وقاحة المسؤولين من هذا البلد وحجم ظلمهم ومدى نهبهم، أو كما تقول: (الذين أمضوا حياتهم بأمان وحرية في بلدان أخرى يتقاضون تعويضات وامتيازات هائلة، بينما الذين بقوا في الداخل تحت قمع الدكتاتورية وعصف الحروب ومرارة الحصار، لا يحصلون على شيء.). أو كما تقول في مكان آخر: (وأمر كهذا لا يحدث إلا في العراق، فقد يتغير كل شيء في يوم واحد، الفقير يصبح غنيا والغني فقيرا. الرئيس يصبح سجينا والسجين رئيسا. الجاهل يصبح مديرا والمدير عاطلا. والحي يصبح ميتا والميت يتم تقديسه، ولو كان ثمة عودة لميت الى الحياة، لما كان ذلك إلا في العراق أيضا، وهكذا.).
إن هذا التحول في شخصية قسمة من التمرد على أبيها وعلى عهد الرئيس المخلوع من جهة، وهذا العهد بالتعاون معه من جهة أخرى، يدل أن المؤلف يسير على النهج الذي أختطه في في رواياته السابقة، من حيث التعويل على تناقض الشخصيات مع نفسها ومع الآخرين، ولا سيما في روايتيه (تمر الأصابع) و(أبناء وأحذية). متمثلا هذا التناقض مع نفسها بتخليها عن تمردها السابق على أبيها، وتناقضها مع الآخرين، في عدم قناعتها بالمشروع المزمع الإقدام عليه. وهذا التناقض لا ينطبق على شخصية قسمة فقط، وإنما يمتد الى طارق المندهش المعروف بتدينه وطيبته، وبالمقابل تعاونه مع سراق ولصوص العراق، وكذلك الى شخصية عبدالله كافكا المعروف بسوداويته وعزلته ورفضه للآخرين، باعتباره لقيطا، وولد يتيما بدون أب ولا أم، يتخلى في النهاية عن تمرده هذا، بالتعاون مع طارق لإطلاق سراحه من العصابة التي رهنته. أقول إن هذا التحول الذي يحدث في شخصيات الرواية، والتي يجد لها المؤلف المسوغات التي يسعى من خلالها إقناع المتلقي بمصداقيتها أو صحتها، إنما أفرزتها الظروف السياسية المتقلبة وغير المستقرة التي شهدها العراق، لتنعكس بشكل أو بآخر في نفسية الشعب العراقي، مرة بالإيجاب، ومرة بالسلب، وهكذا الى أن تؤول الشخصية في النهاية على حال، كما انتهت شخصية طارق الى الصلاة والصوم والعزلة في المسجد، وقسمة الى الأغتيال، وكافكا الى الزواج من الفتاة التي أحبها منذ شبابه، (سميحة) وحرمه طارق الاقتران بها، باعتبارها شقيقته ومسوغ عدم قدرته على إعالتها بما يجعلها تعيش بسعادة معه، لميله الى العزلة والتأمل، أكثر من حبه للعمل والتفرغ الى تكوين أسرة.   
وإذا كانت من شخصية بين الشخصيات الثلاث الرئيسة تناقض مع نفسها أكثر من الشخصيتين الأخريين، فهي شخصية قسمة. لا لكونها داينامو الأحداث ومحركها الأساس، وشخصيتها أقوى من شخصيتي طارق وكافكا، بل لأنها أكثر وعيا منهما، وتعرف ماذا تفعل، وأين تقودها تصرفاتها وأفعالها الغريبة. فهي في الوقت الذي تقرر فيه التعاون مع الشيخ (طافر) والجنرال الأمريكي، تتحدى الأول في دخولها في منافسة معه، للبرهنة على أن المرأة تتساوى مع الرجل في كل شيء، وبوسعها مثله أن تبول واقفة، وليس كما يدعي الشيخ طافر بأنها لا تستطيع فعل ذلك. بل أن تقذف بسائلها الى مسافة أبعد من المسافة التي يقذف هو به، وتفوز عليه. وتتهجم على الثاني عبر وصفها لدخول الأمريكان للعراق بالغزو واحتلاله هو خطأ قاتل.
إن اقتحام المرأة لمجلس الضيافة بحد ذاته يعد تحديا، فأنى وهي تدخل في منافسة مع شيخ العشيرة، والأشد أن تكون هذه المنافسة معيبة، ليس لدى العشائر فحسب، بل لدى العامة أيضا. والأكثر شدة أن تفوز عليه وتحرجه. ولا تكتفي بإهانة الشيخ طفار، وإنما تكمل ما بدأت به بالجنرال آدم.
غير أن شعور قسمة برغبة في رمي نفسها على صدر الجنرال آدم، أثناء ما يأمر جنوده بعدم تفتيش سيارتهما، يوحي الى عكس تصرفها السابق، يوحي الى رغبتها بالعمل معه، ولعل هذا الإيحاء يزداد أكثر، عندما انصرف، وظلت واقفة هي تنظر اليه من بعيد. وتتناقض رغبتها هذه في الوقت ذاته، وهي تحاور الشيخ طافر في مضيف المجلس، مع جملة: (كانت ترمقه وتنظر في عينيه متعمدة كأنها تتحداه مثل ما تحدت الشيخ طافر، أو كأنها تقول له بأنه هو المقصود مما يؤجج حرائق التحدي في وجهها أكثر.).    
 وهنا يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح، ترى هل كانت قد خططت قسمة لهذه الخطوة أم جاءت بشكل عفوي، خطوة اقتحامها لمجلس المضيف؟
 للإجابة على هذا السؤال، من وجهة نظري كل الدلائل تشير الى أنها كانت تفكر بعمل شيء ما، يجلب الأنظار اليها، ولا سيما آدم لكي تتقرب اليه، أو هو يبادر، لا فرق. وفي الوقت نفسه تتمسك بما تؤمن به، وتطلق ما بداخلها من معاناة بجرأة ودون تحفظ، ذلك لأن هذه الخطوة التي أقدمت عليها. أو الأصح القول هذا الفعل الذي أقدمت عليه، كان سببا لردود الأفعال التي تأتي لاحقا، ابتداء من التهديد الأول الذي تتعرض اليه، ومرورا بالتهديد الثاني، وانتهاء باختطاف طارق. إذ يقوم بدفع الأحداث، أثر إيجاد المسوغات لانتقالها من فعل إلى آخر عن طريق هذه المنافسة المبنية على التحدي المغلفة ظاهرها بالتعاون وباطنها بروح الانتقام.  
 إن تكرار جملة:( ستأكل هذا العراق)، على لسان قسمة أكثر من مرة، لم تأت اعتباطا أو عن فراغ، بقدر ما تأتي بعكس الى ما هي ذاهبة اليه، أي ليس بهدف الحصول على المغانم، وإنما انتقاما من الذي: (أكل والدها وزوجها وطفولتها ومستقبلها وحلمها، لذا قررت أن تتخذه علفا لحلم جديد.). ولعل أبعاد هذه الجملة، وإن لا تأتي على لسان عبدالله كافكا، إلا أنها تمنح المعنى نفسه، وهو يصارع مع نفسه في مونولوجاته الداخلية. وبعبارة أوضح، إذا كانت قسمة قد عزمت بمحاربة الذين أكلوا العراق، عن طريق إهانتهم وإذلالهم بشكل مباشر أحيانا وغير مباشر أحيانا أخرى، فإن كافكا أختار طريق الوعيد بقتلهم علانية، أي بشكل مباشر: (سأقتله، سأمزقه الى قطع صغيرة وأطعمه للكلاب. . . أمضيت قرابة العشرين عاما في سجون الأسر الإيرانية باسم الدفاع عن هذا البلد، ثم يأتي الهارب منه، مغتصب أمي ليصبح سيدا عليه. سأقتله.).  
والمعنى ذاته يعبر عنه طارق أيضا وهو يخاطب عبدالله قائلا له: (كأن الجميع يدور في غابة، ومن أجل شق أحدهم دربه فيها، هو مستعد لحرق كل شيء حوله. ولأن الجميع يريد أن يصير رئيسا أو رأسا لشيء ما، فهو يسعى لقطع أي رأس يشعر بأنه سيكون أعلى من رأسه.).
إذا كانت القراءة الأولى للرواية، تنطلق من وجهة نظر إيجابية، بوصفها تنشد التصدي لمثالب النظام الحالي، والكشف عن مدى حجم النهب والسرقات التي يتعرض لها العراق، فإن القراءة الثانية للرواية يمكن قراءتها من وجهة نظر سلبية، أي من خلال مشاركة قسمة وطارق، بالكعكة العراقية التي تقاسمتها الأحزاب فيما بينها. وهذه القراءة تعيدني الى السؤال الذي طرحته في القراءة الأولى: (ترى هل كانت قسمة قد خططت مسبقا لاقتحام مضيف المجلس، أم جاءت مبادرتها هذه بشكل عفوي؟
كل الدلائل كما نوهت سابقا، تشير بأنها قد خططت لما أقدمت عليه. بدليل أنها كان لديها: (إحساس مسبق بأنها سترى الجنرال آدم ثانية). ما معناه أنها كانت تتمنى اللقاء به، لغرض التعاون معه للكسب المادي والنفع الذاتي، ذلك (أنها سرت في داخلها وزادها قوة وثقة بالنفس، وهي تسمع الجميع ولا سيما الجنرال آدم يخاطبها ب شيخة. وعزمت على التفكير بذلك لاحقا، وربما تبني هذه التسمية لاحقا.). أضع خطا تحت الجملة الاخيرة، وهي تعزم، أي تقرر أن تبلغ هذه الدرجة وأكثر، كأن تصبح رئيسة وزراء كما يرد في مكان آخر، وجلال الدين يقول لها لإغرائها: (ومن يدري كيف ستكون تحالفات تشكيلات الحكومات القادمة فربما تصبحين فجأة رئيسة وزراء عراقية. ابتسمت قسمة دون تعليق، فعرف أن ذلك دغدغ أحلامها.).  
ويتجلى انجذاب قسمة وحماسها للعمل مع النظام الجديد، وتقلدها للمناصب أكثر، أثناء إبداء جلال الدين بعض النصائح لها ولطارق للأخذ بها لنجاحهما في مهماتهما الجديدة، أثناء التفات طارق الى قسمة ليتبين رأيها: (فوجدها متحمسة جدا، ولقرب رأسها من رأس السيد وهو يتحدث، بدت وكأنها ستقبله او تأكله.).       
كما أن مناقشة قسمة وطارق في كيفية إقناع عبدالله كافكا لمقابلة جلال الدين بشتى السبل الممكنة لذلك، بما فيها إذا تطلب الأمر تخويفه، وحتى تهديده، تدخل هذه المناقشة التي درسا وتمعنا في كل جوانبها بمنتهى الجدية والحماس، ضمن قراءة الزاوية الثانية للرواية لمنحى الشخصيتين الرئيسيتين، قسمة وطارق. وأن جملة: (تخيل طارق أنه سيمتلك بيتا فخما في بغداد، وسيكون له اتباع وحماية وسلطة ومال) هذه الجملة تدخل ضمن السياق نفسه أيضا.  فضلا عن إخبارهما كافكا، بأن عليهم التعامل مع الظرف المعقد الذي يشهده العراق بشكل ما، الى أن يموتوا، بشكل أفضل لهم ولأولادهم ذلك بمسوغ، ان كل كائن حي فيه فطرة أو غريزة الدفاع عن نفسه، وهذا من حقه، بل من واجبه.
وإذا كان الأمر كذلك، أي حسب ما يحاولان قسمة وطارق إقناع كافكا من منظور، أن كل كائن حي له حق الدفاع عن نفسه بحكم غريزته للبقاء، عبر التعامل مع الظرف الراهن، أقول إذا كان الأمر كذلك، إذن أن كل ما يجري من فساد ودمار ونهب في العراق على مسؤوليه هم على حق وليسوا على باطل ولا ذنب لهم لكل ما يحدث!
إن قراءة الرواية من منظورين مختلفين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي، جاء مقصودا، ليس بهدف، إبراز التناقضات القائمة لدى الشخصيات الرئيسة فحسب، وإنما وهذا الأهم، لما أفرزته هذه التناقضات من قراءات تمنح معنيين في آن. أي يمكن قراءتها من المنظورين نفسيهما. كأن على سبيل المثال لا الحصر، إن اقتحام قسمة لمضيف المجلس، في الوقت الذي فيه يمكن قراءته، أنه قد جاء بهدف فضح الأساليب الخاطئة التي يستخدمها الجيش الأمريكي في العراق مع عامة الناس من جهة وإحراج الشيخ طافر أمام أفراد قبيلته من جهة أخرى. في الوقت ذاته يمكن قراءته على انه كان بهدف تعارف قسمة مع الجنرال آدم والشيخ طافر، للتعاون معهما، أو مع رموز السلطة التي يمثلانهما.
كما أن الجملة التي تنطقها قسمة في بداية الرواية، بعد أن تقيأت، وهي تقول: (قررت أن آكل العراق)، قابلة للتفسيرين أيضا، فهي من جهة تعني أنها بعد معاناتها الطويلة مع الظلم الذي تعرضت له لسنين خلت على أيدي الحكومات المتعاقبة على الحكم، آن لها أن تاكل من خيراته. ومن جهة أخرى تعني أنها ستعادي تلك الحكومات. ستعادي الذين يقلدون مناصب الحكم في العراق، نتيجة فسادهم وسرقتهم لأموال الشعب العراقي، ولهذا فهي تدعو الى إنشاء قوة مسلحة، ذلك لأن العراق قد تحول الى غابة، أو كما هي تقول: (إن لم تكن ذئبا فقد أكلتك الذئاب.). مناوئا طارق دعوتها هذه:( لأن من يحمل السلاح سينتهي باستخدامه حتما.).                
تقوم بنية الرواية على تقنيتي الإيحاء، والتناص في شخصياتها مع شخصيات في روايات أخرى. تبدأ إيحاءاتها من جملة: (وعلى الرغم من طول قامته، شعرت بأنها أطول منه)، في إشارة الى الحوار الذي يجري بين قسمة والجنرال آدم في مضيف طافر وتتغلب عليه. كما أن جملتي: (شعرت برغبة في رمي نفسها على صدره واحتضانه). و: (ظلت هي واقفة تنظر اليه من بعيد) توحي الى أنها ستتعاون معه. أما الجملة التي يطلقها طارق بصدد ترويضه لقسمة، فإنها تأتي بعكس توقعاته، إذ يهرب من الجحيم الذي كان محاصرا فيه ببغداد، قبل قسمة. بينما توحي جملة: (ورأت الشخص الذي يجلس ملثما في المقعد الخلفي من السيارة. . . ثم يمرر إصبعه السبابة على رقبته علامة الذبح، توحي الى اغتيالها في نهاية الرواية. في الوقت الذي يوحي فيه، في الانفجار الذي يحدث في المطبخ الى اختطاف طارق. وتوحي جملة: (ثم تحول الامر الى رغبة داخلية في أن تذبح أحدا أو كائنا وتمنت أكثر أن يذبحها أحد)، الى تأنيب الضمير تجاه والدها الذي تمردت عليه، لتشعر بما شعر به أثناء جز رقبته عن جسمه. كما أن الجملة التي تأتي بعدها: (تحسست رقبتها. صارت تفعل ذلك بكثرة مؤخرا. توحي الى اغتيالها للمرة الثانية في نهاية الرواية. وتكرار لثلاث مرات للجهاز المصنوع من البلاستيك، وردي اللون، يوحي الى استخدام هذ الجهاز من قبل إحدى الشخصيات، واستخدمته قسمة في بزها للشيخ طافر. وجملة :(كلما اقتربوا من القرية شعر طارق بانشراح روحه كطفل في أيامه الاولى في المدرسة)، توحي الى التخلي عن مشروعه المزمع في التعاون بسرقة العراق مع الذين أحكموا قبضتهم عليه، بالعودة الى قريته. كما ان ممارسة طارق الجنس مع زوجته الأولى بعد عودته الى القرية، هذه الممارسة التي شعر فيها باستعادة قوته ورجولته، أو كما يقول السارد: (بل وكرامته، أو هيبته وسلطته التي ضعضعتها قسمة)، توحي الى انشقاقه عن الحزب الذي أسسه مع قسمة والعودة نهائيا الى القرية. وهذه الجملة التي يطلقها طارق بوجه قسمة: (لا أريد أن نتورط أكثر، فمن يحمل السلاح سينتهي باستخدامه حتما. أخشى أن نكون قد بدأنا بنية البحث عن جثة والدك فننتهي مثله رؤوسا مقطوعة، نجهل قاطعها.. وجثة ضائعة. توحي الى قطع رأس قسمة. وجملة: (جربت دشداشة والدها فوجدتها على قياسها تماما، الى اختطافها وقطع رأسها مثله.
 تكشف شخصية (رهيب) عن تناصها مع شخصية (الزين) في رواية (عرس الزين) ل الطيب الصالح، من حيث حب الناس له وتعاونه معهم والرقص في أفراحهم، والمشاركة في أتراحهم، وعدم اعتراض أحد على تسلله الى البيوت وتواجده وسط الصالات والاختلاط بهن. كما أن تركيبة جسمه تشبه الى حد ما بتركيبة جسم الزين، من حيث كبر رأسه أكثر من جسمه، وأطرافه صغيرة بطول الأصابع.
وشخصية (براء الشخابيطي) هي الأخرى، تكشف عن تناصها مع شخصية (عيسى) في رواية (أساتذة الأوهام) لعلي بدر، من حيث كونه: (شاعرا متمردا على العائلة والقبيلة، وحتى على الشعر نفسه.. (وهو مثل عيسى)، يستهوي التمرد والعبثية والصعلكة، وأصدر مثل عيسى بيانا شعريا، يرفض فيه مع جماعته كل ما يخص الشعر العمودي، وحتى الشعر النثري.
أثر اختطاف طارق من قبل جماعة مجهولة الهوية، تتحول أحداث الرواية الى شبه قصة بوليسية، لتركيز سعي المتلقي في البحث عن قيام جماعة إحدى الشخصيات من الشخصيات الثلاث باختطاف طارق، وهذه الشخصيات هي جلال الدين و الشيخ طافر والجنرال آدم. جلال الدين للضغط على قسمة لإقناعها عبدالله كافكا لمقابلته. والشيخ طافر لإهانته في مضيفه وأمام أفراد قبيلته، ولربما أيضا نتيجة تفكيره بتحريضهم عليه. والجنرال آدم لكشف قسمة عن مثالب أكبر دولة في العالم.
وقد يكون الاختطاف بالاتفاق بين الثلاث. إلا إنني أميل الى أن يكون بين جلال الدين والشيخ طافر أكثر احتمالا، لوجود علاقة قوية بينهما، وكون الشيخ طافر وسيطا بين قسمة وجلال الدين. وأستبعد الجنرال آدم للأسباب الثلاثة التالية، أن يكون ضمن هذا الاتفاق: أولا لأنه تزوج مسلمة وأسلم وتوفيت في حادث سيارة. ثانيا لأنه يوحي في أحد لقاءاته مع قسمة رغبته الزواج من عراقية. ثالثا لأنه في أحد لقاءاته مع قسمة أيضا يبدي رأيه بالشيخ طافر بما يومئ بعدم الرضا عنه، وهو يقول هناك الكثير من أمثاله للأسف.
ولكن الأحداث الأخيرة الجارية في الرواية، تؤكد أن جلال الدين هو الذي قام باختطاف طارق. ولعل انفجار الخروف المحشي في المطبخ ببيت قسمة، كان المؤشر الأول لتهديدها مع زوجها في كون حياتهما في خطر. كما أن اختيار كافكا ليكون رهينة المختطفين بدلا من طارق بمسوغ أنه يجيد اللغة الفارسية، لأن الذين اختطفوا طارق إيرانيون، هو مؤشر آخر أن المختطفين هم جماعة جلال الدين تحديدا. كما أن سير إجراءات الاختطاف بدون تعقيدات وبسهولة ويسر، سواء من خلال تسليم المختطف واستلام الرهينة، يدل أن هذه العملية لم تكن سوى لعبة قذرة، أختط لها جلال الدين، بحكم عمله الأمني في أجهزة الدولة، من أجل مقابلة أبنه كافكا، لإقناعه بالمبررات التي أدت الى إلحاق الأذى به وبأمه، لوقوعه كما يدعي تحت تأثير تأنيب الضمير، إن كان بحق صاحب ضمير.
في هذه الرواية من الإثارة، وعنصري الترقب والتشويق، ما يحدو المؤلف بالمتلقي أن يكون لصيقا بأحداثها الى السطور الأخيرة فيها. متمثلة هذه العناصر بكشف عن أحجية الشخصية التي قامت باختطاف طارق من جهة، وترقب اللحظة التي سيمارس طارق العملية الجنسية مع قسمة، هذه اللحظة التي يترقبها المتلقي ولا تأتي، إلا في النهاية، عندما يعودان الى قريتهما، حيث يتخليان عن مشروعهما بالانخراط في العمل الحزبي والعملية السياسية.  ليذكرني طول الترقب هذا سواء من قبل الشخصية، أو المتلقي برواية (بيريتوس) لربيع جابر، وربما الأخير أكثر من الأول، بممارسة بطرس الجنس مع (راحيل)، فإذا بياسمينة هي التي تأتيه في فراشه، ويظل المتلقي يترقب هذه اللحظة الى نهاية الرواية بدون جدوى. وما يزيد من عنصري الترقب والتشويق في روايتنا هذه، هو أن المؤلف يخلق جوا لما يوحي بأنهما سيمارسانها، ولكن مبررات قسمة تفشل مساعي طارق. وتتكرر هذه المساعي لأكثر من أربع مرات. على سبيل المثال لا الحصر. يكرس السارد الذي ينوب عن المؤلف، ست صفحات في واحدة من المرات الأربع المتكررة لهذا الغرض، وفي النهاية لا تفلح: (وبعد لحظات صمت وبلعهما ريقيهما، سألته: حسنا علينا أن نذهب لنرتاح، هل تريد أن تنام معي في غرفتي أم غرفة أخرى؟ فاجأ سؤالها طارقا فلم يعرف بماذا يجيب، تمتم بكلمات أو بأصوات غير مفهومة ثم قال: أخاف أنام وحدي. فضحكت وهي تقول: هيا بنا ولكن لا تفكر بأي شيء الليلة). كما أنها لا تخلو من الكوميديا، كما في عملية المنافسة بالتبول التي جرت بين قسمة وطافر، وطارق يخاف أن ينام لوحده. وكذلك من الكوميديا السوداء، وقسمة تريد أن تنيك أم الإنسان، أثناء مرورهما بالأرتال العسكرية، وهي مستاءة، ويرد عليها طارق، أنه من الأفضل لها أن تنيكه هو بدلا من الإنسان.
-------------------------
*صباح هرمز: ناقد عراقي، من أعماله (روايات عشتُ معها) و(بنيات السرد في روايات محسن الرملي).
**نشرت في (الحوار المتمدن) بتاريخ 31/5/2020 وفي (الناقد العراقي) وفي (الدراسات والبحوث العلمانية في العالم العربي)

ليست هناك تعليقات: