الجمعة، 22 يناير، 2016

الفتيت المبعثر من الخارج إلى الداخل/د.علاء مشذوب

الفَتيت المُبعثَر من الخارج الى الداخل

د.علاء مشذوب
عناصر الرواية  مهما ادعى من أدعى أنها ترتبط بطريقة تلفيقية لتكون في مجموعها النص  الروائي، فأنها لا تصل الى مستوى النص، ان لم تكن قد انصهرت في كيان واحد، وبطريقة كيمياوية بحيث يصعب إعادة تلك العناصر الى سيرتها الأولى، كعناصر مستقلة.
ومن تلك العناصر الرئيسة في الرواية هي الفكرة، التي تكاد تكون بمثابة النواة التي تحمل كل السمات التي يتسم بها النص، بل تكاد تكون هذه النواة هي العنصر الأول والمكون لما يتبعه من العناصر الأخرى كالأسلوب والأحداث والشخصيات...الخ، وتتمثل بالروح الى الجسد، فكما تنساب الروح في الأشياء لتبعث فيها الحياة، كانت فكرة عراقي الداخل التي تمثلت في الرواية الصغيرة أو القصيرة تحت عنوان (الفتيت المبعثر) للروائي محسن الرملي هي النواة التي التفت حولها العناصر الأخرى. فكيف وظف الروائي فكرته داخل النص، وكيف نظر الى عراقي الداخلي من خلال روايته.
تتكلم الرواية عن عائلة ضخمة في قرية هجرها (محمود) وتبعه الراوي العليم بكل شيء "باحثا عنه حالما بأن نفعل شيئا ما ونصبح رجالا يستحقون الاحترام كي تبحث عنا، من بعد نساء مثل وردة، ابنة عمتي التي تنقلت بين الأزواج حتى انتهت تحت اسماعيل الكذاب". هذا ما يبدأ به الراوي نصه بالهروب من العراق الذي طوقه الجحيم باحثا عن محمود، ومن ثم يسرد لنا تفاصيل عائلة الحاج عجيل وأبنائه السبعة ونساءهم وابنته الجامحة واحفاده .
ومن ثم يستعرض لنا نماذج من هذه العائلة، ومنها سعدي الذي يحمل مرض اللواطة، والذي يجبر الآخرون على فعل القبيح به، والذي سيتحول فيما بعد الى بغداد ليرأس فرقة (أحباب القائد) ويصبح شخص يشار له بالبنان، بينما تتحول وردة هذه الشابة الجميلة التي يُعدم زوجها الى الزواج من رجل كذاب اسمه (اسماعيل الكذاب) لمجرد انه يحلم بإعداد خطة للانقلاب على الوضع الراهن، ولكنه كذاب ولم ينفذ ما وعد به. بينما يعدم النظام الفنان الموهوب قاسم وتبقى جثته في العراة لمدة ثلاثة أيام ومن بعدها تحمل لتوارى الثرى، بينما يختفي الكائن الهجين عبود من ساحة الأحداث، ليخضعوا أحمد هذا الشاب المجتهد الى يحصل على أعلى الدرجات وليصبح قاضي يمثل القانون لابتزازهم وعندما رفض دبروا له المكيدة "بعثوا الى داره امرأة تحمل حقيبة تاجر، فتحها جوار أقداح الشاي فوق الطاولة، وراحت تخرج منها رزم الورق النقدية مفتعلة حاجتها لمساعدته في قضية، وحمل أحمد أكداس الورق ليعيدها الى الحقيبة منزعجا رافضا، فالتقطوا له الصور، هجموا على الدار، والتقطوا ليرموا به في السجن (مرتشيا) ويرجع أطفاله الى عمتي المشغلة بالنواح ومسح خيط الدم النازل من تفاحة آدم. ص90" .
تخلص فكرة الرواية الى بقاء سعدي اللوطي واسماعيل الكذاب في العراق، بينما باقي العائلة ما بين متوفي ومهاجر ومختفي، والسؤال، هل بلد بحجم شعب العراق يتحول الى هذين النموذجين فقط، ألم يكن جنوب العراق ثائر هائج مضطرب على مدار حكم البعث، الذي عمل ما بوسعه من تنشيف الأهوار الى قتل أهله وبمساعدة الغرب دون طائل، ومثله شمال العراق، ألم يكن ثائرا على حكومة البعث الفاشستية ولم يركن له بالرغم من جرائمه المتكررة في المذابح والكيمياوي، ألم يثر الشعب في الانتفاضة الشعبانية، وعند إعدام بعض رجالات الدين المؤثرين، بل تحول العراق الى مجموعة من المعتقلات العلنية والسرية والسجون ومخابئ كل أجهزة الداخلة والأمنية وقد امتلأت بأجساد رفضت حكم البعث، وفي المقابل كانت اغلب الشعوب والحكومات المحيطة بالعراق معادية له، هل كان من المفروض على الشعب العراقي ان يهاجر كله عن طريق الأردن أو سوريا، في مقابل جواز سفر تفوق تكلفة إصداره الـ(600) ألف دينار، ومن يستقبله من الدول العربية أو العالمية. ليخيره الروائي في نصه بين أن يكون (لوطي) أو (كذاب).
أعتقد ان النص (الفتيت المبعثر) من ناحية السبك والنسيج كان أكثر من رائع، كما وامتاز بطريقة خاصة به، هي إعطاء بعض المفاتيح للأحداث ليتبعها بالتفصيل الجميل، لغته الروائية جميلة ورائعة وضعت على قدر معلوم ، كما لا يخفي ان الرواية قد حصلت على جائزة (أركسنا الأمريكية – 2002) وهي الآن في طبعتها الثانية. لكنه لم يكن موفق من ناحية الفكرة في تقسيم الشعب العراقي إلى عراقي داخل متخاذلين منكسرين لوطيين وكذابين، وبين عراقي الخارج الذين نفذوا بجلدهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) لصحيفة (المدى)، العدد 3516 السنة الثالثة عشرة، بتاريخ 6/12/2015م.

ليست هناك تعليقات: