الخميس، 26 أغسطس 2010

قصيدة/ هدية من : فهد عنتر الدوخي

قصيدة

نقوش في فضاء محسن الرملي

فهد عنتر الدوخي

نقوش في فضاء محسن الرملي
صمت، صمت، صمت
خرق لا يعبأ بالضجيج
وحزن لا يأبه بالمصير
سحابة تحط على الأديم
منذ فجر السلالات
وقلعة آشور تخلع ثياب الحزن
وتتزين بعصر المرئيات والفضائيات
و(حسن مطلك) عنان (دابادا)*
متجاهلا عصر القذف والراجمات
غفوه ,,, تفسد لذة صهيل الفجر
وغابة مترعة بالسؤدد
لامست طيف أحلامي
ولكنني لم أر الحب،
خلته سرابا..!
يتطاول بعُته مضن
في طرقات المدمنين
أو النازحين،
وجدت نفسي كما هم..
كقلوب الفراعنة
تخطفهم رؤى الحداد
ونفسي لازالت كما هي،
خلتها طليقة....
كطير معصوم من الذبح
أجرع ولع السنين
بقلمي.!
وانفض غبار الآهات عن قدمي
من يمنح الدفء للمرافئ
غير الصمت ؟
ومن يكسو العاريات في مدن السحت ؟
وأذرع تمسد أعناق الراحلات في مدن الفلاة
كأنبوب محتقن.
ربما من أثر الركلات ,,,
طافت الأجساد على خراطيم الفضاء
وتعامد الليل سيفا على كاهل الغرباء
ظلام ... ظلام ... ظلام
لم تجن هذي الأرض غير الرقاد
وتراتيل !
نبوءات !
وصلوات !.
والمواسم اقتيدت
تضاجع الجناة والقضاة
فكيف نحفل بزهو الأماني
أبألق الحانات ؟
ترنيمة في الآفاق وزعيق ينحدر في الأعماق
حشود كصراصير الخلاء
جففت ينابيع البكاء
ونضبت أهازيج البغاء
ولم ترمق الأعين أخطاء العقل
لم استبد الجلادون بأرث الفقراء ؟ا
لم تداعت بصمت أزمنةٌ الإخلاص ؟
واضمحلت البسمه في وجه النساء
فاقترفت الانفس خطايا البراءة
ومحيت من الذاكره دواوين الشعراء.
واستحال الحب وهما في ضمير النبلاء.
-----------------------------------------
*الشهيد حسن مطلك، مؤلف رواية (دابادا).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع مركز (النور) بتاريخ 07/08/2010 م

الخميس، 12 أغسطس 2010

زاوية (جداريات) /.. عن التجييل الإبداعي


.. عن التجييل الإبداعي

د.محسن الرملي

تُرى هل انتهى تقليد تسمية الأجيال الإبداعية؟ بل أننا نلاحظ تراجعاً حتى في تسمية مدارس، تيارات، حركات ومجاميع ثقافية، فيما كنا قد اعتدنا على هذا التقليد على مدى قرن كامل، وفي الثقافة الأسبانية التي تعد آدابها من أكثر التي عُرفت بالتجييل وأخذت عنها ثقافات أخرى هذا الأمر، ربما كان أبرز أول الأجيال هو ذاك الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وتحديداً في 1898 لذا اشتهر بتسمية جيل الـ98 ومن أعضائه رسخت أسماء في إرث الأدب العالمي كالحائز على نوبل خوان رامون خيمينيث والشاعر الكبير أنطونيو ماتشادو وأونامونو وغيرهم، تلاهم في الشهرة والأهمية جيل الـ 28 الذي ضم لوركا وألبرتي وبيثنته ألكساندره الحائز على نوبل هو الآخر وميغيل إرنانديث وغيرهم. وعلى الرغم من أن مسألة التجييل لها شروطها المعروفة والتي دار الجدل عنها كثيراً إلا أن هذا الأمر تم التسامح معه لاحقاً واتباع المرونة لصالح الإجراء النقدي والإعلامي الذي أثبت جدواه وإيجابيته في الإعانة على التعرف والفهم والإحاطة بالنتاج والخصائص وهموم الأسماء الجديدة التي تظهر في الساحة، فتم اللجوء إلى اتخاذ العقود السنوية كإجراء لتسمية الأجيال بغض النظر عن المآخذ على ذلك.. واتبعنا نحن في ثقافتنا العربية هذا الاجراء فاعتدنا على تسميات أجيال: الخمسينيات، الستينيات ولغاية التسعينيات، حيث عادة ماتتبلور الأسماء وتظهر إصداراتها الأولى في منتصف العقد ومنها ما يجتمع حتى للتعبير عن رؤيته وتدوينها وتبيان همومه ومفهومه وتلاقياته واختلافاته مع الأجيال السابقة في بيان أو إصدار تنظيري، ومثال على ذلك البيان الذي أصدره (جيل التسعينيات) العراقي بعنوان (الرؤيا الآن).. فماذا بعد ذلك؟ ما الذي حدث؟ ها نحن ننتهي من العقد اللاحق بأكمله، ولم تبرز بيننا لحد الآن محاولة جادة وواضحة تسمي لنا جيل عقد العشرة الأوائل من هذا القرن في أي من بلداننا العربية! ترى هل لصعوبة إيجاد التسمية دوراً في ذلك؟ أم أنه تراجع النقد؟ أم ضعف التواصل والتلاقي الشخصي والفكري بين المبدعين الجدد؟ أم أنه العكس، حيث عززت سعة وسهولة وسائل الاتصال هم الاشتغال على الاسم الفردي وأن هذا الانفتاح في النشر والتواصل قد زاد من صعوبة حصر أسماء بعينها؟ أم ترى أن تسمية (جيل) ذاتها قد انتهت وأصبحت من الكلاسيكيات وإرث الماضي؟ وإذا كانت قد انتهت.. فما هو البديل؟ وهي التي كانت تعين المتلقي والدارس على تكوين تصور ما، وعلى منهجة تعرفه على كل جيل وما يحمل من أفكار وما يحيط به وبنتاجه من ظروف، كما يساعد على ترسيخ أو على الأقل تذكر الأسماء والملامح. بالطبع لازالت ثمة بعض المحاولات المحدودة لمواصلة هذا الإجراء والسعي لتشكيل مجاميع أكثر من تسمية أجيال، حسب معرفتي بالساحة الثقافية الإسبانية والعربية وفي أمريكا اللاتينية بعضها يحظى باهتمام أكبر وبصدى أدافأ، ولكن الواضح هو أنها لم تعد تحمل الأهمية ذاتها ولم تتمكن هذه التسميات من فرض صوتها كما كان يحدث من قبل.
وهذا أيضاً يستدعي التقصي عملياً وعلمياً وفق تجربة كل محاولة أو مجموعة على حدا ومن ثم دراسة كل ما يتعلق بتراجع هذه الظاهرة بشكل عام ومسألة التجييل بشكل خاص.. ترى هل يستحق هذا منا وقفة تأمل ونقاش فعلاً أم أن الأصح هو الاكتفاء بتجاهله والاستسلام لانتظار ما ستتمخض عنه صيرورة الوقت وطبيعة الحراك الثقافي عموماً؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 10/8/2010 العدد 704

السبت، 24 يوليو 2010

.. عن (تمر الأصابع) / ورد صادق

انطباع

..عن "تمر الأصابع"
ورد صبيح صادق

تشكل رواية (تمر الأصابع) لمحسن الرملي مفاجأة بالنسبة لي، ولكنها أتاحت لي شخصياً، أن أقرأ شيئاً حول وطني، الوطن الذي حكم القدر عليَ ان أفارقه منذ أن كان عمري ثلاثة أعوام، الوطن الذي لا أستطيع أن أنساه، ولا أستطيع ان أترك تعلقي به، كما أنها سمحت لي أن أعود للسباحة في نهري، نهري الذي طالما أتوق اليه، هو نفس النهر الذي تركناه، وربما سرقوه منا.
لقد جعلتني هذه الرواية أتمتع بالشمس وبالحرارة، لقد تذوقت من خلالها أحلى أنواع التمر، تمر نهري دجلة والفرات، وعدت إلى العيش مع عائلتي، أتقاسم الأسرار مع أخواتي، إنها أعادت لي حب أبناء أعمامي وأبناء أخوالي... بل عدت أخاف، مرة أخرى، من جدي، أعادت لي ذكرى القيم الأخلاقية.
وفجأة أستيقظ فأجد نفسي في أوروبا، وعندها شعرت وكأنني أمثل شخصية (سليم). فأنا مثله تماماً، أغطي جدران غرفتي بصور من العراق، بكيت على أرضي، على وطني، على تاريخي، على متاحفي، على أضرحتي، على كل ما سرقوه.. وما حطموه.
أتوق اليك يا وطني الى حد فاق التصور، وأشتياق لك، وأبكي عليك كلـّما جرحوك. أحلم في كل ليلة أن أراك سعيداً، وهكذا تمر الأعوام بالانتظار، والأماني بأن أراك وطناً حراً من كل ظلم وظالم، مفعماً بالحياة ولا مكان فيه لغير الحب.. أحبك يا عراق.
أنهيت قراءة الرواية التي تمنيت لو أنها لاتنتهي أبداً، لقد استيقظت، فوجدت نفسي في أوروبا، وصرت أشعر بأنني (سليم)، لم أستطع تحقيق ذلك، ولا أريد ان اتخلص من عالمي، من كهفي، من ملجئي، من عيشي بسلام. ويعجبني هكذا، أن يكون لي عراقي الصغير، وإن على شكل وهمي، أن يعيش موطن رأسي حراً وسعيداً، فهذه الفكرة تعيش فقط في قلب العراقيين. وهي فكرة تعيش أيضا وسوف تبقى تعيش في قلب سليم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ورد صادق: عراقية تعيش في إسبانيا.
*نشرت بالإسبانية في موقع (Por la paz y por la libertad) بتاريخ 26/3/2009م

http://quiron.wordpress.com/2009/03/26/dedos-de-datiles/

الجمعة، 16 يوليو 2010

زاوية (جداريات) /.. عن الخيال


.. أين الخيال في آدابنا المعاصرة ؟
د.محسن الرملي

أين الخيال في آدابنا المعاصرة؟ أين الفنطازيا فيما نقرأه ونكتبه اليوم؟ لماذا لم نخلق ولو شخصية واحدة مدهشة منذ زمن طويل؟ لماذا لم ننتج عملاً يوازي بدهشته أية حكاية شعبية من حكاياتنا؟.. ألسنا نحن الشرق الذي ما أن يأتي ذكره في أحاديث الآخرين عنا حتى تنفتح آفاق الذهن عندهم إلى مديات لا حدود لها من السحر والفنطازيا!. البساط الطائر، مصباح علاء الدين ومارد شبيك لبيك، وافتح يا سمسم، رحلات السندباد، الكنوز الخبيئة والجزر الغريبة وما يصعب حصره في ألف ليلة وليلة، الحيوانات الناطقة بالحكمة في كليلة ودمنة، التجوال في العالم الآخر في رسالة الغفران، طائر الفينيق، كلكامش وشخصياتنا الفريدة مزجاً بين الواقعي والخيالي، بين التاريخي والأدبي كمجنون ليلى، كيلوباترا، بلقيس، عروة ابن الورد، جحا، عنترة ابن شداد، أبو زيد الهلالي، الحلاج.. وغيرها.
لماذا ما نقرأه اليوم في آدابنا يتلبس بالواقعية ويفتقر إلى الخيال المدهش.. بل حتى أنه أقل خيالاً من واقعنا نفسه. ها هي أمريكا اللاتينية، شريكتنا في كونها من العالم الثالث، قد قدمت واقعيتها السحرية على أبهى ما يكون وسحرت بها العالم، وها هو الغرب الذي نتهمه بالواقعية والمادية يخترع شخصيات الخيال العلمي وشخصيات في قصص الأطفال وأفلام الكارتون، ثم يواصل تنقيبه في تاريخه وإرثه عن حجر الفلاسفة والسحري والأسطوري كي يعيد إنتاجه في آدابه وفي السينما باحثاً عن الدهشة وخصوبة الخيال.. كأن الغرب قد أصبح شرقاً والشرق غرباً في هذا الأمر!
إذا كان واقعنا مرتبكاً أصلاً فلماذا نواصل مراكمة الإرتباك عليه عبر إبداعاتنا التي هي أكثر ارتباكاً في واقعيتها؟! ترى هل أخذتنا هموم واقعنا إلى الحد الذي حرمتنا فيه حتى من نعمة الخيال؟ أم أن واقعنا جميل بشكل يفوق الخيال؟! أم أن موت الجدود، والجدات تحديداً، قد قطع عنا نبع الخيال؟ أم أن الشاشات قد أخذت منا أقصى دهشتنا وحاصرتنا بحيث حجبت عنا رؤية ما سواها؟ ترى هل نضب الخيال عندنا وتعطل إلى هذا الحد؟ أشك في ذلك، لأن الإنسان في معظم تكوينه اللامادي هو ثمرة المخيلة. وأتساءل أحياناً: إذا كنا عاجزين عن تصدير العلم والفكر إلى غيرنا الآن، فلماذا لا نصدر لهم الخيال على الأقل؟!.
ليتنا نناقش هذه المسألة ونتفحص أزمة الخيال عندنا.. ولو في مجال الأدب الذي نقرأه ونكتبه الآن، ليتني أقرأ اليوم رواية عربية تضج بالخيال المدهش ولو كانت شخصياتها حميراً تطير!!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 13/7/2010 العدد 700

*وفي (فوبيا) بتاريخ 15/7/2010م
http://www.fobyaa.com/?p=4592

الجمعة، 9 يوليو 2010

حوار مع محسن الرملي / أجراه: بوعزة عسام


حوار مع الكاتب العراقي، الدكتور محسن الرملي

الجالية العربية في إسبانيا لديها طاقات فردية ممتازة بمختلف الاختصاصات

لن أستغرب فيما لو أصبح رشيد نيني وزيراً.. أو سجيناً

حاوره في مدريد: بوعزة عسام

الدكتور محسن الرملي Muhsin Al-Ramli : كاتب وأكاديمي ومترجم وشاعر عراقي يقيم في إسبانيا. ولد سنة 1967 في قرية (سُديرة) شمال العراق. حاصل على الدكتوراه، بتقدير ممتاز مع درجة الشرف، من جامعة مدريد (أوتونوما)، كلية الفلسفة والآداب عن رسالته: (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته) 2003. يكتب بالعربية والإسبانية، وله العديد من الإصدارات التي تنوعت بين الترجمية والمشتركة والإبداعية كالقصة والمسرح والشعر والرواية، آخرها روايته (تمر الأصابع Dedos de dátiles) التي صدرت بالإسبانية أولاً ثم ترشحت طبعتها العربية ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لسنة 2010. بدأ النشر عام 1983. وعمل في الصحافة (كاتباً ومراسلاً ومحرراً ثقافياً) في العراق والأردن وإسبانيا وكولومبيا. وله عشرات المواد المنشورة في الصحافة الثقافية داخل الوطن العربي وخارجه. قُدمت مسرحيته (البحث عن قلب حي) في مهرجانات في الأردن سنة 1993 و2004، وفي الكويت 2005، وسلطنة عُمان 2006 وفي القاهرة. تُرجمت بعض نصوصه إلى عدة لغات ومنها: الإسبانية، الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، البرتغالية، التركية، البولونية، الإيطالية، الفنلندية، الكاتالانية، والروسية. ألقى العديد من المحاضرات، وشارك في ندوات ومؤتمرات ومعارض الكتاب وأمسيات في العراق والأردن والمغرب وإسبانيا والكويت ولوكسومبورغ وقطر وكولومبيا والجزائر وليبيا. أسس سنة 1997 مع الكاتب عبدالهادي سعدون دار ومجلة (ألــواح). أعدت وبثت قناة الجزيرة عنه حلقة من برنامجها (موعد في المهجر) 2009، وكذلك التلفزيون الأسباني في حلقة من برنامجه (بابل في التلفزيون). واعتبره الملحق الثقافي لصحيفة (الموندو) الإسبانيه بأنه واحد من أهم الأصوات في النثر العراقي المعاصر. أقام في الأردن خلال عاميْ 1993-1994. يقيم في إسبانيا منذ عام 1995. ويعمل حالياً أستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.

*كيف تصف لنا حصيلة تجربة مجلة "ألواح" ؟
ـ
أصفها بأنها كانت إيجابية جداً ومن مختلف الأوجه مما يمكن لمجلة ثقافية أن تنجزه على الرغم من أنها قائمة على الجهد الفردي والمستقل، فقد أدت (ألواح) دورها الذي انوجدت من أجله وفي مرحلة بالغة الحساسية والصعوبة. نشرنا فيها نصوصاً ممنوعة وأخرى لأسماء جديدة وأسماء معروفة جنباً إلى جنب، وفتحنا من خلالها ملفات كان الحديث عنها مغيباً إلى حد ما، ومن ذلك ملفات: الإيروتيكية، علاقة المثقفين ومفهومهم للإله، الأدب العربي الرديء، طرائف ونوادر المبدعين، إلى جانب ملفات أخرى عن الفلسفة والترجمة وأنطولوجيات للشعر الأوربي والأفغاني والفارسي والقصة العراقية والمغربية.. وغيرها. هذا عدا إصدارات ألواح التي فاقت السبعين كتاباً باللغتين العربية والإسبانية.

*بالعلاقة مع أطروحة الدكتوراه التي قمت بإعدادها، ماذا يوجد في الإنسان العربي من الدونكيشوت وماذا ينقصه؟
ـ
كل إنسان فيه شيء من الدون كيخوته بشكل أو بآخر، وهذه إحدى مميزات هذه الشخصية ومن أسرار بقائها حية رغم مرور القرون. وسؤالك مهم فعلاً بحيث يستحق أن تخصص له دراسة مستقلة، ابتداءً باعتماد الإنسان العربي على الكتب القديمة بتكوين مفاهيمه عن الفروسية والبطولة والحب والحياة وحنينه وتفاخره ومحاججته بالقديم وغيرها، ومروراً بإصراره على رؤية الأشياء كما يريد هو وليس كما هي عليه في الواقع، انشطاره الذهني بين التراث والمعاصرة، بين المادي والمثالي ووصولاً إلى ما ينقصه من صفات الكيخوته ألا وهي مسألة تقبُل الآخر المختلف بالرأي والعقيدة والعرق والثقافة والتقاليد.

*ما تقييمكم للحضور الثقافي العربي في إسبانيا في الماضي والحاضر؟
ـ بالنسبة للماضي فلا غبار عليه لأنه كان الأقوى ووصل إلى ذروته في الأندلس، كما هو معروف، على مدى ما يقارب الثمانية قرون، وكان ذلك أعلى تجلي للحضور والفاعلية الثقافية العربية على مدى التاريخ بحيث وصلت تأثيراته إلى مختلف بقاع العالم ومن ملامحها ما بقيت آثاره قائمة حتى اليوم. أما عن الحاضر فربما يكون هو الأضعف قياساً إلى فاعلية الحضور الثقافي العربي في بلدان أخرى كما هو عليه الحال في فرنسا وبريطانيا وهولندا مثلاً. إن حضورنا الثقافي الحالي في إسبانيا هو أقل حتى من إمكانياتنا بكثير وأشد تقصيراً مما يُفتَرَض أو يجب علينا فعله.

*ما تصوركم للترجمة الأدبية بين العربية والإسبانية؟
ـ في الماضي كان الأسبان يترجمون آدابنا أكثر مما نقوم نحن بترجمته من آدابهم، أما الآن فقد انعكست المعادلة، وتحديداً منذ عقد الثمانينيات في القرن السابق، حيث راجت روايات الواقعية السحرية وعلى رأسها أعمال غابرييل غارثيا ماركيز فانفتحت الأبواب على اتساعها للترجمة من اللغة الإسبانية بحيث صارت لدينا أسماء متميزة ومعروفة متخصصة بالترجمة من الإسبانية ومن مختلف بلداننا العربية أبرزها من المغرب وسوريا ومصر والعراق وهناك أسماء جديدة تظهر تباعاً. والكتب التي ترجمناها تُعد بالمئات ولازلنا نترجم منها المزيد كل يوم، أما عن الأسبان قثمة تقصير فادح وواضح في ترجمتهم لآدابنا، ولو تجولت الآن في المكتبات فلن ترى في واجهاتها أي كتاب عربي وستضطر للتنقيب والسؤال كي تعثر بعدها على بضعة عناوين وأغلبها صادر عن دور نشر صغيرة، وقد سبق لي وأن فصلت أسباب ذلك في بحث منشور.

*هل لك أن تحكي لنا قصة اقتسامك البيت وكسرة الخبز مع رشيد نيني، والتي أرخ لها في سيرته الذاتية "يوميات مهاجر سري"؟
ـ
عرفتُ رشيد نيني منذ أواسط التسعينيات وقبل مجيئه إلى إسبانيا حيث كنا نتواصل ونتبادل الرسائل والنصوص والآراء فنشأت بيننا صداقة جميلة، لذا كان من الطبيعي أن نلتقي ونستضيفه عندما جاء إلى هنا بغض النظر عن كونه مهاجراً سرياً أو علنياً، كما نشرنا له في ألواح ديوانه الأول "قصائد فاشلة في الحب"، أما عما أرخه في كتابه "يوميات مهاجر سري" عن أيامنا تلك، فإنني أستغرب عدم ذكره لاسمي الصريح كاملاً وإنما اكتفى بتعليقه أو بنائه للمجهول، وفعل الأمر نفسه مع أصدقاء آخرين مكتفياً بذكر أسمائهم الأولى فقط والتعمية على ألقابهم التي عُرفوا بها، كذلك أعتب عليه في عدم الإشارة الصريحة إلى نصي الذي اقتبسه بأكمله تقريباً وأدخَلَه في كتابه، دون أي توضيح أو حتى إشارة في الهامش. لا أدري لماذا فعل هذا؟!.

*أتظن بأنه قد فعل ذلك كي ينفرد بـ"البطولة" لنفسه وتهميش الآخرين مثلاً؟
ـ
ربما، فرشيد إنسان ذكي ونشيط وبراغماتي، يعرف جيداً مالذي يريد الوصول إليه ويعرف أيضاً كيف يصل (أو الوصولية) إليه.

*وإلى أين ستوصله طموحاته هذه في رأيك؟
ـ لا أدري، ولكنني لن أستغرب فيما لو أصبح وزيراً في إحدى الحكومات القادمة.. أو سجيناً... عموماً ربما نكون قد خسرناه كشاعر وكسبَته الصحافة، والصحافة مؤقته فيما الشعر دائم، فلو أنه كرس للإبداع ما كرسه للصحافة ربما كان سيحقق فيه ما حققه فيها.

*ماهي تطلعاتك للجالية العربية في إسبانيا؟
ـ أتمنى لو أنها تكون موحَّدَة وتعمل بشكل مشترك ومتكاتف بدل هذا التشتت الذي يضعفها ويضبب حضورها وفاعليتها وهويتها، فلدينا طاقات فردية ممتازة وفي مختلف الاختصاصات والميادين، وليتها تعمل أيضاً بشكل أكثر في كل ما هو ثقافي لأن الثقافة هي من أفضل الجسور للتعريف والتفاهم والتعايش الإنساني والعميق مع الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في (أندلس برس) بتاريخ 6/7/2010م مدريد.

الثلاثاء، 29 يونيو 2010

زاوية (جداريات) /.. عن الأُقصوصة


.. عن الأُقصوصة

د.محسن الرملي

يبدو وكأن الحلول أو الأمور الوسط صارت تختفي تباعاً من عالمنا المعاصر مثلما تضمحل تدريجياً ما تسمى بالطبقة الوسطى في المجتمعات، فالمشاكل السياسية الكبيرة تتم معالجتها إما بالحرب أو بالإهمال، والاقتصادية إما بقروض طائلة أو بإعلان الإفلاس، والنصوص الأدبية إما أن تكون طويلة أو قصيرة، فإذا كانت رواية، يحثك الناشر على أن تكون طويلة قدر الإمكان وإذا كانت قصة فلتكن قصيرة جداَ أو حتى جداً جداً!. حتماً أن للأمر علاقة بطبيعة علاقتنا بالوقت الذي صار بمثابة مادة أولية علينا أن نأخذ مسألة استثمارها بعين الاعتبار دائماً. وبالطبع فإن لتسارع هيمنة التطور التكنولوجي وعصرنا الاستهلاكي دوراً في ذلك. أسوق هذا التقديم كنوع من التأمل والانتباه إلى ظاهرة عودة "الأقصوصة" بقوة. فإذا كانت القصة القصيرة قد تطورت وازدهرت سابقاً مع تطور وازدهار الصحافة، بحكم ضيق المساحة، فهل لنا أن نربط الآن هذا الانتعاش والاهتمام المتزايد بالأقصوصة بمسألة الوقت والتطور التكنولوجي؟ وأعني منه تحديداً وسائل الاتصال الألكترونية وشبكة الإنترنيت طبعاً. ففي الآونة الأخيرة لاحظنا بجلاء بأنه لايمر يوم دون أن نرى ونقرأ عن دعوة أو مسابقة للقصة القصيرة جداً، أو دون أن ننتبه إلى أننا قد قرأنا نصاً أو أكثر منها. بعضها يصل عبر الإيميل وأخرى عبر سبل أخرى كالصحف والمواقع الألكترونية والإذاعات وشركات الدعاية كي تستخدمها في الإعلانات، وحتى عبر الهاتف المحمول فثمة مسابقات تقيمها بعض دور النشر والمجلات الثقافية بالتعاون مع شركات الهواتف والاتصالات. ولا غرابة في هذا، فقد عودتنا الفنون، والآداب منها بشكل خاص، على قدرتها الهائلة على التجدد والتكيف مع كل زمان ووسيلة ابتداءً بألواح الطين وليس انتهاءً عند الشاشات. هناك الدراسات الكثيرة عن فن الأقصوصة تاريخياً وتقنياً وحداثة، ويمكن إجمال اشتراطاتها الفنية بكل ما تشترطه (النكتة) باستثناء شرط أو هدف الإضحاك، وكلما كانت أقصر وأقوى حبكة فهي أفضل. وعدا كون الأقصوصة موجودة أصلاً في ثنايا مختلف أجناس النصوص الأخرى كلها بما في ذلك القصيدة، فإنني أرى بأن من فوائد عودتها أنها ستشكل اختباراً جيداً للقدرات الإبداعية والأسلوبية واللغوية في الكتابة وخاصة بعد أن شهدنا ترهلها مؤخراً بحكم ظاهرة استسهال الكتابة والنشر وتفشيها كما هو حاصل في كتابة الرواية والشعر، مما جعلنا نعاود التفكير مراراً بإجابة بورخيس عن سبب عدم كتابته لها حين قال بأن الرواية بلا شكل.
وفي رأيي أن نسعى نحن أيضاً لأن نبادر مبكراً بمواكبة عودة هذا الاهتمام الكبير بالأقصوصة، ولنبدأ على أقل تقدير بألا نبقى حائرين بتسميتها بين: قصة قصيرة جداً، قصة صغيرة، ميكرو قصة وأقصوصة. وشخصياً أميل إلى تسمية (أُقصوصة).. هكذا بكلمة واحدة بدل اللجوء إلى تسميات وصفية في أكثر من كلمة. وعلى ذكر ذلك أيضاً أن نحذف صفة "قصيرة" أو "طويلة" التابعة بتصنيف " قصة" بغض النظر عن عدد صفحاتها وكلماتها وفق ما كان يتم اقتراحه من قبل البعض في السابق لتصنيفها، بحيث طالعتنا أغلفة وصفحات بمسميات مثل: رواية طويلة، رواية قصيرة، قصة طويلة، قصة قصيرة.. إلخ. من بديهيات لم يعد الكاتب المبتدئ بحاجة إليها ولا القارئ، فلنقصر الأمر إذاً على: رواية، قصة وأقصوصة. ونحيي عودة الأخير على هذا النحو الملفت، إلى الحد الذي قد يدفعنا للتساؤل أحياناً: ترى هل نحن على أبواب مرحلة ستقودنا لتسميتها بـ: زمن الأقصوصة؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 29/6/2010 العدد 698

الثلاثاء، 15 يونيو 2010

قَص (عيون) محسن الرملي


عُــيُـون

محسن الرملي

.. إلى الذي فقد عينه في غيابي.. أخي حسين.

سألتُ القادم من قريتي إلى مدريد عن أهلي فقال:" أغنامهم زادت وصغارهم كبروا..". طلبتُ منه أن يُوطّن إجابته المُحلِّقة فسارع إلى وضع سلّة التمر ـ التي بعثوها ـ أمامي وأَلقَم جهاز التسجيل شريط ربابة من أمي. توسلتُ به فتنهد وقال:" سأُخبركَ وأخلَص.. حسين.. أخوك.. (ما به؟) فقد إحدى عينيه.. (كيف؟ أين؟) شظية". قالت ربابة أمي:" يا عيني أمطري دمعاً.. طوال الدهر يا عين". جرى دمعي على وجنتي وسقط فوق كيس التمر. تذكرتُ لقاءنا الصدفوي قرب (عين كاوة)، أيام جنديّتي، حين ترجلَ من مُدرعته جوار دبابتي دامي الوجه فتعانقنا وسط الدخان والغبار وصخب التحارب الجنوني حيث كانت الحكومة تجبر الناس على أن يفقأ بعضهم عيون بعض وطائرات التحالف تفقأ بلدنا بالقنابل.. تعانقنا.. كعناق في يوم قيامة وقال:" لا تبكِ.. إنها مجرد شظية صغيرة في الحاجب".. اتفقنا على الهرب لأن أمي قالت:" معلولة وعلّتي من قدمي إلى هامتي.. كأن ربي قد خلقني مُخصصة للهموم". دمدمتُ لنفسي أخاطبه:"هذه المرة.. أصابت عينك". قال القادم:" عينه الأخرى سليمة".
أخذتُ سلة التمر وشريط الربابة لأنطلق راكضاً على امتداد شارع Ferraz متحاشياً النظر إلى العيون المحمولة إلى دور السينما والمرافق بمناسبة السبت.. يا عيني اسكبي دمعاً/ دماً حتى تلاقيهم.. دفعة واحدة.. أنتبهُ الآن لتوالي انطفاءات عيون أحبتي من حولي، فتهطل عيناي بمسكوبهما.. عزلة أو خجلاً من صحتهما والقلب ينبض.. يراوده التوقف.. هكذا مثل مصابيح حفلة تدنو من نهايتها؛ أخي وأصدقائي، أما التي أحبها فهي بعين واحدة منذ أن كانت بارتفاع زهرة البامياء حين فقأ ديك الجيران عينها في آب. أواصلُ الركض متناسياً قوانين إسبانيا الجديدة المنسجمة مع تحضُرات الاتحاد الأوربي، أمرُ جوار المعبد الفرعوني الذي أهداه عبد الناصر لإسبانيا (كأن معابد الفراعنة مُلك أبيه..!). أعبر الجسر بين (ساحة إسبانيا) و (القصر الملكي).."عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري". أضمُّ التمر والشريط إلى صدري وأضاعف الركض.. كأني أسعى إلى التعجيل بإيقاف انسحاب عينيّ صديقي خلف نظاراته الطبية. انعطفتُ بمحاذاة مبنى مجلس الأعيان، مستعيناً بفتح فمي على الصعود إلى مسكننا في الطابق الرابع. وصلتُ لاهثاً وكان صديقي كعادته؛ يقرأ "أساطير بلاد الرافدين" قرب النافذة. صحتُ به وأنا ألهثُ:" عبدو.. هيا انزل معي إلى طبيب العيون". رفع رأسه وأزاح نظاراته ليرمقني بنظرات مستنكرة، أدركتُ منها بأنه يذكرني بحيرتنا هذا الصباح في الاستدانة لدفع إيجار الشقة. قلت له وأنا أشير إلى أعلى مكتبتنا؛ حيث نرفع نموذجاً مصغراً من الفخار لملوية سامراء، حملناه معنا من بغداد حين غادرناها قبل سبعة أعوام:" نبيع الملوية في سوق الحرامية". فاضت عيناه. أعاد نظاراته وعاد إلى قراءة "أسطورة الفيضان". توجهتُ إلى الهاتف واتصلت بصديقي الضائع في ثلوج القطب الشمالي الذي انطفأت عينه في آخر رسالة بعثها لي:" منذ أسبوع، استيقظت لأجد نفسي بعين واحدة. قال الأطباء لا علاج لها.. جلطة عينية". قلت:"أترك الشِعر الذي فقأ عينكَ". قال:" فقدنا العراق فهل نأسى على فقد عين أحبته..". أغلقتُ السماعة وانفتح الصدى في القلب (عيناك يا بغداد أغنيةٌ.. يُغنى الوجود بها ويُختَصرُ / لم يُذكَر الأحرار في وطنٍ إلا وأهلك في العُلا ذُكِروا).. شاخصة أبصارهم، تُرهقهم المنافي.. اصبروا وصابروا فإن مصيركم العودة إلى بلد من نهرين وعيون، تحيتكم فيها من دون بلاد العالمين (شلونك عيني). توجهتُ إلى بيت حبيبتي المغربية، أحث الخطى خجلاً من عينيّ أو سارقاً النظرات إلى عيون المارة، راغباً بسرقة عيونهم: الزرق، الخضر والسود لأمنحها لأخي، لأصدقائي، للمعري، للجاحظ وواحدة لحبيبتي (من أجل عين تكرم ألف عين). قبَلّتُ عينها الكريمة حال وصولي فقالت:"أهي حلوة حقاً؟" مستندة في سؤالها على ما أخبرتني به سابقاً عنها، حين كانت في ربيعها الرابع وحملتها أمها إلى بيت الجارة، أجلستها على بساط في الظل جوار شجرة بامياء مزهرة في شمس آب، وتوجهت كي تُعين جارتها في توليد بقرة أسترالية. جاء ديك جميل ونقَرَ إحدى عينيّ طفلتي فصرخت، وسالت عينها. جاءت أمها بالعجوز الطبيبة، لحّاسَة العيون في القرية من رمل وتِبنٍ وحديدٍ أو شَعرَة. ارتابت أمها وهي ترى العجوز تطيل اللحس مستطعمة ما سال من العين بتلذذ، وظل ارتيابها يعصرها كلما قابلت العجوز التي تنحني من فورها مقبّلة العين الأخرى، ولم تسترح حتى ماتت اللحاسة بعد عام.. كررتُ تقبيل عين حبيبتي فكررت عليّ السؤال:" أهي حلوة حقاً؟". قلت:" حلوة… حلوة إلى الحد الذي يؤجج خلاياي رغبة بالحياة ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (تكست) العدد 4 سنة 2010 / العراق.