الثلاثاء، 29 يونيو، 2010

زاوية (جداريات) /.. عن الأُقصوصة


.. عن الأُقصوصة

د.محسن الرملي

يبدو وكأن الحلول أو الأمور الوسط صارت تختفي تباعاً من عالمنا المعاصر مثلما تضمحل تدريجياً ما تسمى بالطبقة الوسطى في المجتمعات، فالمشاكل السياسية الكبيرة تتم معالجتها إما بالحرب أو بالإهمال، والاقتصادية إما بقروض طائلة أو بإعلان الإفلاس، والنصوص الأدبية إما أن تكون طويلة أو قصيرة، فإذا كانت رواية، يحثك الناشر على أن تكون طويلة قدر الإمكان وإذا كانت قصة فلتكن قصيرة جداَ أو حتى جداً جداً!. حتماً أن للأمر علاقة بطبيعة علاقتنا بالوقت الذي صار بمثابة مادة أولية علينا أن نأخذ مسألة استثمارها بعين الاعتبار دائماً. وبالطبع فإن لتسارع هيمنة التطور التكنولوجي وعصرنا الاستهلاكي دوراً في ذلك. أسوق هذا التقديم كنوع من التأمل والانتباه إلى ظاهرة عودة "الأقصوصة" بقوة. فإذا كانت القصة القصيرة قد تطورت وازدهرت سابقاً مع تطور وازدهار الصحافة، بحكم ضيق المساحة، فهل لنا أن نربط الآن هذا الانتعاش والاهتمام المتزايد بالأقصوصة بمسألة الوقت والتطور التكنولوجي؟ وأعني منه تحديداً وسائل الاتصال الألكترونية وشبكة الإنترنيت طبعاً. ففي الآونة الأخيرة لاحظنا بجلاء بأنه لايمر يوم دون أن نرى ونقرأ عن دعوة أو مسابقة للقصة القصيرة جداً، أو دون أن ننتبه إلى أننا قد قرأنا نصاً أو أكثر منها. بعضها يصل عبر الإيميل وأخرى عبر سبل أخرى كالصحف والمواقع الألكترونية والإذاعات وشركات الدعاية كي تستخدمها في الإعلانات، وحتى عبر الهاتف المحمول فثمة مسابقات تقيمها بعض دور النشر والمجلات الثقافية بالتعاون مع شركات الهواتف والاتصالات. ولا غرابة في هذا، فقد عودتنا الفنون، والآداب منها بشكل خاص، على قدرتها الهائلة على التجدد والتكيف مع كل زمان ووسيلة ابتداءً بألواح الطين وليس انتهاءً عند الشاشات. هناك الدراسات الكثيرة عن فن الأقصوصة تاريخياً وتقنياً وحداثة، ويمكن إجمال اشتراطاتها الفنية بكل ما تشترطه (النكتة) باستثناء شرط أو هدف الإضحاك، وكلما كانت أقصر وأقوى حبكة فهي أفضل. وعدا كون الأقصوصة موجودة أصلاً في ثنايا مختلف أجناس النصوص الأخرى كلها بما في ذلك القصيدة، فإنني أرى بأن من فوائد عودتها أنها ستشكل اختباراً جيداً للقدرات الإبداعية والأسلوبية واللغوية في الكتابة وخاصة بعد أن شهدنا ترهلها مؤخراً بحكم ظاهرة استسهال الكتابة والنشر وتفشيها كما هو حاصل في كتابة الرواية والشعر، مما جعلنا نعاود التفكير مراراً بإجابة بورخيس عن سبب عدم كتابته لها حين قال بأن الرواية بلا شكل.
وفي رأيي أن نسعى نحن أيضاً لأن نبادر مبكراً بمواكبة عودة هذا الاهتمام الكبير بالأقصوصة، ولنبدأ على أقل تقدير بألا نبقى حائرين بتسميتها بين: قصة قصيرة جداً، قصة صغيرة، ميكرو قصة وأقصوصة. وشخصياً أميل إلى تسمية (أُقصوصة).. هكذا بكلمة واحدة بدل اللجوء إلى تسميات وصفية في أكثر من كلمة. وعلى ذكر ذلك أيضاً أن نحذف صفة "قصيرة" أو "طويلة" التابعة بتصنيف " قصة" بغض النظر عن عدد صفحاتها وكلماتها وفق ما كان يتم اقتراحه من قبل البعض في السابق لتصنيفها، بحيث طالعتنا أغلفة وصفحات بمسميات مثل: رواية طويلة، رواية قصيرة، قصة طويلة، قصة قصيرة.. إلخ. من بديهيات لم يعد الكاتب المبتدئ بحاجة إليها ولا القارئ، فلنقصر الأمر إذاً على: رواية، قصة وأقصوصة. ونحيي عودة الأخير على هذا النحو الملفت، إلى الحد الذي قد يدفعنا للتساؤل أحياناً: ترى هل نحن على أبواب مرحلة ستقودنا لتسميتها بـ: زمن الأقصوصة؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 29/6/2010 العدد 698

ليست هناك تعليقات: