الاثنين، 8 مايو 2023

عن كتاب: تحفة السهران / مشاعل مجرشي

 كتاب: تحفة السهران

مشاعل مجرشي

توقفت لسنوات عن كتابة مراجعات للكتب التي أقرأها، وصرت أكتفي باختيار عدد النجوم الذي أظنه مناسبًا فيGoodReades، لذا أردت العودة والالتزام بكتابة مراجعات حول ما أقرأ أو أشاهد، ومع قراءتي الأخيرة، كانت الجمل تتطاير في رأسي، جمل كاملة تختصر فكرة أو رأي وحين فتحت اللابتوب لكتابتها اختفت! لكن لابد من البدء وكتابة ما هو متوفر إلى إشعار آخر وحتى أصل إلى شكل المراجعة التي يعجبني يفضل البدء من الآن.

تحفة السهران، هو الكتاب الثاني الذي أقرأه لمحسن الرملي، ومنذ انتهائي من قراءة مصافحتي الأولى لكتبه: ذئبة الحب والكتب علمت بأن لابد لي من قراءة أعمال الرملي كاملة، وهو بذلك يشبه أغوتا كريستوف وعبدالرحمن منيف. قررت قراءة أعمالهم كاملة، فلم يتبقى لي من أعمال أغوتا إلا آخر ثلاثة تقريبًا، أما منيف ومحسن فما زال أمامي طريق طويلة.

حصلت على تحفظ السهران في معرض الكتاب الأخير بجدة، وحين لم تتبقى سوى نسخة واحدة آثرت بها نفسي، جاءت أمل تسأل عما تبقى من كتب محسن الرملي؟ أخرجته لها من الخزانة الموجودة أمام البائع -إذ يفترض أن أعطي المشتري ما يطلبه- لكن حين لم تتبقى سوى نسخة أخيرة لم أتنازل عنها! اجتماع محسن الرملي مع الأعمال القصصية يجعل من التنازل عن النسخة أمر غاية في الصعوبة. ومن هنا بدأت به أول كتاب من كتب المعرض.

يعجبني أسلوب الرملي، سرده وأفكاره، وطريقة طرحه لها، لا يمكن التنبؤ كيف ستنتهي القصة، وهنا مكمن الجمال. بعض النصوص أفكارها مجنونة لكن كما لو أنها اختُصرت، طُرحت بوضوح لكن دون تطوير، على الرغم من عبقريتها! تمنيت في بعضها لو أنها كتبت بإسهاب. قُسّم تحفة السهران إلى أجزاء، أعجبني منها القصص القصيرة وهي أشبه ما تكون بالسيرة الذاتية للرملي. كتب معظم ما أعجبني في أول التسعينات، قصص واقعية مطعمة بخيال وحبكة ذكية. شعرت بالملل قليلًا في الأجزاء اللاحقة، وكثرة إيراد القصف والخيال مع التاريخ، لكن الكتاب في مجمله يستحق القراءة.
رافقني بصفحاته الـ 354 متنقلًا بين العديد من الحقائب والأماكن ما يقارب العشرين يومًا. 

وهنا رحاب تمسك بالكتاب -سعيدة- بعد أن أضفت عنوانه الجديد وذلك لأنها قرأته تحفة زهران! فكان لابد من تحقيق ما رأته.

المطرودون من التاريخ / د. حسن مدن

 المطرودون من التاريخ

د. حسن مدن

قيل وكتب الكثير عن العلاقة بين الثقافتين العربية والإسبانية، ولكن التركيز انصبّ على فترة وجود العرب في الأندلس، مع أن التفاعل بين الثقافتين ظلّ قائماً حتى اليوم، الإسبان تأثروا باللغة والثقافة العربيتين، والعرب تأثروا بدورهم بالثقافة الإسبانية، وهذا ما يسلط الضوء عليه المثقف الإسباني ماريو غرانده في الحوار الذي أجراه معه محسن الرملي، ونشره في نهاية سلسلة حوارات وشهادات مع كتّاب إسبان، وصدر عن دار «تكوين» الكويتية بعنوان «لهذا نكتب الروايات".

محسن الرملي أديب عراقي مقيم في إسبانيا له الكثير من المؤلفات، وذاع كثيراً صيت روايته «حدائق الرئيس» التي تسرد، عبر سير شخوصها، جوانب مهمة من تاريخ العراق الحديث، الحافل بالدم والحروب والخراب والحصار الجائر والديكتاتورية وفوضى الاحتلال. وعن هذه الرواية كتب الناقد المصري الراحل د. صلاح فضل يقول: «لقد أدهشتني هذه الرواية، ولم أكن أتصوّر أن بوسع محسن الرملي من مهاجره البعيدة أن يكثف رؤيته للواقع العراقي خلال العقود الماضية بمثل هذه التقنيات السردية المتقنة، والكفاءة الشعرية التي تقدّم نصاً إبداعياً من الطراز الأول".

في العام 1995 قصد الرملي إسبانيا مهاجراً، شأنه شأن الكثير من مثقفي ومبدعي العراق الكبار الذين حملتهم ظروف وطنهم على الهجرة، وكان ماريو غرانده أول من التقاه من أدباء ومثقفي إسبانيا، حيث كان الرملي يقصد مكتبة «فناك» لتصفح الجرائد اليومية، فلما لمحه غرانده يحمل الصحف العربية اقترب منه وراح يسأله، كونه في تلك الفترة يحاول تعلم اللغة العربية، فنشأت صداقة بين الرجلين وصارا يلتقيان أسبوعياً يتبادلان الأحاديث والكتب والزيارات العائلية.

في حوار الرملي مع غرانده، قال الأخير «إن الأدب العربي عالم كبير جداً، لكن ما يلفت انتباهي فيه عموماً هو القوة الشعرية إضافة إلى طبيعة القص، وبشكل خاص عند كتّاب حوض البحر الأبيض المتوسط حيث العمق والقدرة على التجديد ثم السعي لفهم التاريخ".

وعلى سيرة التاريخ، أجاب غرانده عن سؤال لمحاوره عن جديده بالقول إنه يعكف على كتابة رواية يطرح عبرها الموضوع الذي يهمه وهو إعادة توضيح طبيعة الخلافات، ولعله عنى الصراعات، أو أولئك «الذين تمّ طردهم من التاريخ الرسمي». وهو توصيف لا بد أن يستوقف كل من يقرأه، ليس فقط لأن عدد المطرودين من التاريخ الرسمي في كافة المجتمعات كبير جداً، وإنما أيضاً لأن الأدب قبل سواه معني بإعادة الاعتبار لهؤلاء بالتفتيش في الصفحات المقصية والمجهولة والمنسيّة. هذا ما فعله ويفعله الأدباء الحقيقيون ومحسن الرملي أحدهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (الخليج) بتاريخ 8/5/2023م.

*د. حسن مدن: كاتب من البحرين، شغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

https://www.alkhaleej.ae/2023-05-08/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b7%d8%b1%d9%88%d8%af%d9%88%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae/%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d9%85%d8%a7/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%b2%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7

الخميس، 27 أبريل 2023

ندوة عن المنجز الروائي للكاتب محسن الرملي / كاليفورنيا

 

ندوة عن المنجز الروائي للكاتب محسن الرملي 

د. محمد عبدالرضا شياع

أرفع بين أيادي الصديقات الفضليات والأصدقاء الأفاضل وقائع تسجيل البث المباشر للندوة التي أقامتها (مجموعة زينب كُحل الفردوس الثقافية) في سان دييغو- كاليفورنيا- الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان (فاعلية حركة ابتناء الشخصية الروائية في إنجاز الحدث: قراءة في المنجز الروائي للكاتب محسن الرملي)، يوم السبت 2023/02/25 عبر تطبيق زووم، والتي ضيّفت فيها الشاعر الروائي المترجم العراقي الإسباني الدكتور محسن الرملي، الأستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية بمدريد، وقد أسهم في قراءة المنجز الروائي للكاتب محسن الرملي:

*الأستاذ الدكتور محمد عبدالرضا شياع: كاتب وأستاذ جامعي من العراق، الولايات المتحدة الأمريكية، قدّم ورقة بعنوان (الشخصية -> الحدث-> إنجاز اللامعنى: مقاربة نصية في رواية "حدائق الرئيس" لمحسن الرملي).

*الدكتور عبد الحفيظ العابد: شاعر وروائي وناقد وأستاذ جامعي -ليبيا، قدّم ورقة بعنوان (الشخصيات ودورها في بناء المتخيل السردي في رواية "تمر الأصابع" لمحسن الرملي: مقاربة سيميائية).

 

*الأستاذ عقيل العبود: كاتب وباحث سوسيولوجي -الولايات المتحدة الأمريكية، قدّم ورقة بعنوان (النمط السردي بين حقيقة الذات ولغة الموضوع في رواية "بنت دجلة" لمحسن الرملي). 

*الأديبة المقدسية مريم حمد: كاتبة وروائية -فلسطين، قدّمت ورقة بعنوان (المنفى داخل الوطن وخارجه: قراءة في رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي). 

*الكاتبة ريما آل كلزلي: شاعرة وروائية -سوريا، قدّمت ورقة بعنوان (تبادل الأدوار بين الحياة الفردية والمجتمع في رواية "أبناء وأحذية" لمحسن الرملي). 

وأسهم عدد من الأكاديميين والمختصين في تفعيل الندوة التي كان فيها الضيف الكريم الدكتور محسن الرملي متميّزاً بتقديم عروض باهرة في الكتابة السردية وشرائط إنجازها واستراتيجية العلائق بين الذات الكاتبة والموضوع والقارئ. 

راجياً لكم مصاحبة ماتعة نافعة وأنتم تشاهدون هذه الندوة ذات الاعتبارات المعرفية.

https://www.youtube.com/watch?v=gPwcsxSi1Es

صديقكم المحب

محمد عبدالرضا شياع

دكتوراه الدولة في الآداب

سان دييغو - كاليفورنيا- الولايات المتحدة الأمريكية

الندوة كاملة في يوتيوب

الأربعاء، 26 أبريل 2023

كتاب عن تقنيات السرد في روايات محسن الرملي

 كتاب عن

تقنيات السرد في روايات محسن الرملي 

تكريت/ خاص: صدر في العراق كتاب (تقنيات السرد في روايات محسن الرملي) للناقد العراقي صباح هرمز، وذلك عن دار الإبداع للطباعة والنشر والتوزيع في محافظة صلاح الدين، حيث تناول فيه المؤلف مجمل روايات الرملي بالنقد والتحليل، فخصص الفصل الأول لتقنيات البنى السردية، متناولاً منها على وجه التحديد عناصر: الشخصية، التناص، الإيحاء والتواتر، ثم تبعها بفصل خاص لكل رواية من روايات الرملي، تحمل العناوين التالية: الفَتيت المُبعثَر.. بين التواتر والشخصية. تَمْر الأصابع.. شخصيات تتقاطع وتتشابه مع بعضها، ومع نفسها. ذِئبة الحُب والكُتب.. بين الرمز وتعدد الأصوات في الشخصية المحورية. حَدائق الرَئيس.. بين التناص والإيحاء. بِنت دجلة.. قراءة من زاويتين مختلفتين. أبناء وأحذية.. بين أكون أو لا أكون، وبين الإقناع بالشيء ونقيضه.

ومما جاء في توطئة الكتاب وعلى غلافه الأخير: "أعدتُ بتمعن؛ قراءة روايات محسن الرملي، وفي كل قراءة، كنتُ أكتشفُ جديداً، على صعيديّ الشكل والمضمون، فأدركُ أكثر، مدى استحقاقها للنجاح الذي تحظى به، عراقياً وعربياً وفي ترجماتها إلى لغات أخرى، وتزايد الاهتمام بها وتناولها أكاديمياً، دِراسةً وتَدريساً، فعدا أصالة مواضيعها الإنسانية العميقة، ثمة تمكُّن جَليّ وعارِف في استعمال أدوات السرد وتقنياته، بل والتفنُّن والإبداع فيها، فلا غرابة في أن تصفه صحيفة كالغارديان البريطانية بأنه: "من نجوم الأدب العربي المعاصر"... كلما تناولتُ رواية لمحسن الرملي، وبدأتُ بقراءتها، أجد نفسي، منذ السطور الأولى، أسيراً لها، ومشدوداً لمتابعة أحداثها حتى النهاية، ذلك أن مفتاح نجاح أية رواية، يعتمد على ماهية صياغة استهلالها، وعدم غلق آفاق نهايتها، وعلى ما بينهما من تقنيات سردية محكمة وثيمات واعية. وفي مجمل رواياته، اِهتدى الرملي إلى هذه المفاتيح.. وهذا هو ما نحاول تسليط الضوء عليه في هذه القراءات".

يُذكر أن صباح هرمز؛ هو ناقد عراقي، له أكثر من عشرة كتب تتناول بالتحليل أعمالاً روائية ومسرحية، ومنها، على وجه الخصوص، أعمالاً عراقية باللغات العربية والكردية والسريانية، من بين إصداراته: (التقليدي واللا تقليدي في المسرح الكردي) 1993، (مَدخَل إلى المسرح السرياني في العراق) 2001، (ثلاثة عقود في المسرح الكردي) 2003، (التناص والإيحاء في الرواية العراقية) 2019، (حياكات السرد في الرواية العربية) 2021... وغيرها.

 

مناقشة رواية بنت دجلة في ندوة الثقافة والعلوم

 أقامت ندوة الثقافة والعلوم، بالتعاون مع: صالون المنتدى جلسة نقاشية لرواية

بنت دجلة

للكاتب والأكاديمي العراقي محسن الرملي

وذلك في يوم الأحد الموافق 12 فبراير 2023، في تمام الساعة 7:30 م بتوقيت الامارات

عبر منصة زووم ومن خلال البث المباشر على صفحة صالون المنتدى في الفيسبوك

 فيدو موجز  


رابط الجلسة كاملة في صفحة صالون المنتدى في فيسبوك



الاثنين، 24 أبريل 2023

كتاب عن الألم في روايات الرملي

 

كتاب عن الألم في روايات الروائي العراقي محسن الرملي

وكالة نخيل عراقي

ــ خاص ــ

صدر في بغداد، عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر، كتاب (الألم في روايات محسن الرملي)، من تأليف الروائي والباحث محمود رمضان السامرائي، أكد فيه على أن الألم من المواضيع الكبرى والجوهرية في حياة ونصوص الكاتب العراقي محسن الرملي، بل انه أهم موضوع يشغله ويشتغل عليه، فهو ثيمةٌ وفلسفة ورؤية تقوم عليها مجمل أعماله السردية، وتشمل مفاصل الحياة الإنسانية كافة، بدءًا من الولادة وآلامها وصرخاتها، وانتهاءً بالموت الذي تعددت طرقه.. ومع ذلك، جاءت روايات الرملي مُحَمّلة بالحُب والتوق للآخر، ودعوة للسلام والتعايش.

يضم الكتاب ثلاثة فصول مطولة، إضافة إلى المقدمة التي أشار فيها إلى أن محسن الرملي يُشكل ظاهرةً مهمة في الرواية العراقية الحديثة، وتستدعي الكتابة عنه؛ معرفة عميقة بكاتِب حظي باهتمامٍ نقديٍّ عربيٍ وغربيٍّ جاد منذ صدور روايته الأولى، فكانت عشرات الدراسات والأبحاث والأطاريح عن موضوعات مختلفة في أعماله، وهذه دراسة عن موضوع الألم، يتناول الفصل الأول منها بواعث الألم عند الرملي؛ كالسلطة القامِعة، والفقد؛ إثر إعدام أخيه الكاتب حسن مطلك، والغربة، التي تمثلت بهجرته من العراق، والبحث عن الذات والهوية وسط عنف عالم متصادم، وما في المجتمع من شروخ وأزمات، وفي الفصل الثاني، تناول الألم الحسي، في عدة مباحث، منها: الموت، الحرب، العنف، السجن، الديكتاتور والمرأة. ثم تقصى في الفصل الثالث أشكالاً من الألم المعنوي والنفسي، ومنها: الموت المعنوي والنفسي، الهوية، العاطفة والمثقف.

يذكر أن محمود السامرائي، هو كاتب وباحث عراقي، فائز بجائزة راشد الشرقي/الإمارات، عن روايته (رماد الشوق)، وله أيضاً رواية (دموع أموية)، وهو عضو في اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في وكالة (نخيل عراقي) بتاريخ 20/4/2023م بغداد

https://iraqpalm.com/ar/news/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D9%84%D9%8A

محمود السامرائي ومحمد حسن ومحسن الرملي، الفجيرة 2019

الجمعة، 7 أبريل 2023

قصة، حسين الجيزاني/ مهداة إلى الرملي

 

قصة

عِفريت مُرتَد 

مهداة إلى أُستاذي د. محسن الرملي

حسين الجيزاني

كان مستلقياً على الأرض ومخالب الظلام منقضة عليه في زنزانة السجن الكبير. كل نوافذ الأمل متداعية أمامه ولا يتوقع غير الموت، إما التراجع أو الموت... هكذا كان يرى حاله. لا أحد يستطع أن يثنيه؛ دهشة الحقيقة متلبسة في رأسه ونافذة نور مفتوحة في قلبه... سمع نَقر على الباب، وصوت أحب أصدقائه إليه، قائلاً: جئِتك مسرعاً وليس هناك متسعٌ من وقت.

عندما رآه.. فزّ ونهض، سال الدمع من عينيه، واستقبله بالأحضان. ربت على ظهره، وقال: صديقي الأقرب، الأوحد.. الذي لا شريك له في قلبي، كيف حالك؟

جاء صديقه لوسيفر لزيارته في السجن الانفرادي، وجده مرمياً خلف جدرانٍ سميكة معتمة، وهو منير باعتقاده الجديد: يعز عليّ أن أراك في هذا السجن القذر، السجن ليس مكانك، أنت شيطان مجتهد واستثنائي، لماذا هذا التمرد على الملك إبليس!

- لأنه بصق في وجهي، ولم يجبني على أسئلة تجول في رأسي يا لوسيفر.

صحوت، ونهض عن فراش الشر والخطيئة: أنا لا أحب التمرد، أُنفّذ ما يطلبه مني بدقة، وبلا أيّة مخالفة... وفي المهمة الأخيرة، نجحتُ نجاحاً باهراً، فأثنى عليّ ووعدني بجارية سمراء لها عين واحدة في المنتصف، سنشرب النبيذ الأحمر ونرقص معها على أنغام الطرب الأخاذ.

- إلى متى يا صديقي سنواصل تسللنا إلى أعماق الناس مثل حيّة تنساب بين الحشائش، نوسوس لهم، نحث صفاتهم السلبيّة ونوقظ قوى الشر المدفونة في أنفسهم، نجعلهم متشائمين على الدوام، مولعين بالظلام واليأس والحزن.. نجعل منهم شياطيناً يختبئون خلف وجوه ملائكية، يتخيلون كل الذين أمامهم عراة، غارقين في ملذات حيوانية شهوانية. لا يغادر حياتَهم نكد إلا إلى نكد آخر، نسبب لهم الاكتئاب والضيق الاجتماعي حتى يكونوا أكثر عرضة لارتكاب الجرائم، نجعلهم يشعرون بأقل تقدير لذواتهم، غرقى ولا يفهموا الجزء المظلم من شخصياتهم.. نُنمي النرجسية المتضخمة والكبرياء والأنانية والقسوة، وعدم الشعور بالآخر، والتلاعب واستغلال الآخرين. لا مكان للأخلاق، والتأنيب لا يطرق أبواب الضمير.. هكذا نحن الشياطين؛ نوسوس ونشيع ثقافة لا جدوى منها.. سوى لنرضِ غرور الملك وتحدياته الفارغة!

وقع كلماته يدب في رأسي وهي تزلزل كل ما تربيت عليه كشيطان، كان محسن الرملي نقطة تحول في حياتي، حفر صورته وروحه في نفسي بما لم يفعل أحد غيره. لا تمل مجالسته حتى لو طال الأمر لساعات. مرحه، ثقافته، ذوقه، تواضعه، فلسفته في الحياة. نعم، فلسفته في الحياة، اكتشفت أني أعاني من تصحّر فكري، أضجر من أي حديث عن المحبة والضوء والجمال والنفوس الصافية. لا أملك أدنى لياقات التفكير الإيجابي. أعيش على الهامش وأُمارس رغبات الملك التي تُملى عليّ، يثقفنا على الطاعة، طاعته أولاً وأخيراً، لا اجتهادات مقابل قناعاته. يردد دائمًا على مسامعنا: أنتم ظل لرغباتي واشباح بلا ملامح.

هذا ما جعلني أتساءل: ما الجدوى من وجود هذا التافه في حياتي. أدركت أن كل هذا الإرباك والجهل والرغبات الفجة والسخيفة سببها الملك. مسخت ما في راسي وبدأت طفولة جديدة، حياة أكثر عمقاً، تتسم بالمعرفة والطموح والأمل. تحوّلتُ من وسواس خناس إلى طالب يجلس في حضرة أستاذ استثنائي. قيل في الأثر، من ليس له شيخٌ فشيخه الشيطان. في الحقيقة كان هو شيخي. ربما أنا الوحيد من بين الشياطين الذي حظي بهكذا إنسان. أنا الآن ملاك متفائل مولع بالضوء، بصيرتي ترى نوراً، يا لوسيفر، أنا شكَّلت حياتي من جديد.

- ذلك الرملي لن ينفعك في شيء، صدقني.. إنه سحابة صيف تمر سريعاً، نفخَ في اوداجك وألّب فكرك حتى تصورت أنك دينصوراً... اِفهم؛ أنت شيطان. سأمزق خيال الرملي بمخالبي وأجعله يطوف شوارع مدريد وهو يكلّم أحجار الحيطان المتراصة.

جاء السجانون وصاحوا: هيا يا لوسيفر، أُخرج، انتهت المقابلة. الملك طلب منا جلب هذا الشيطان المرتد، هيا خُذوه.

جلبوه مقيداً ورموه بين أقدام الملك إبليس، رمقه بوابل من نظرات الغضب، ثم اتكأ على الكرسي المرصع بالعقد النفسية والنرجسية الجوفاء. أخذ نفساً عميقاً، وقال: هل راجعت نفسك؟ أريدك أن تعود إلى رشدك، وتكمل مسيرك الحافلة بالإنجازات، أنت شيطان محترم وذكي ولك صولات وجولات في ميدان الغواية. كيف تفكر بالتمرد عليّ يا صغيري! أنا أعاملك كإبني، هيا فكّوا الاصفاد من معصميه ليعود إلى ميدان الغواية من جديد.

- أيها الملك، منذ الآن، أوجت لنفسي حياة خاصة، وليس لأحد دخل فيها. أنت عرفت بكل ما يجول في داخلي من تفكير وتمرد على السائد. لم تحترم تطلعاتي. لم تحاول تفهم إشكالاتي المنطقية، ولا حتى تجيب عليها، إجابتك كانت بصاق غطى كل وجهي فقط، ثم رميتني خلف القضبان.

 فرد عليه الملك بغضب: أنا من جعلتك كائناً بائناً للعيان، بعدما كنتَ مجرد شبحاً من الجهل، صغت قالبك الفكري على مزاجي وجعلتك شيطاناً محترماً بين اقرانك.

اِستل السيف اللمّاع المتوهج من غمده، وقال: أيها الحقير، أنسيت أنك شيطان وليس ملاكاً، ربما نهايتك قريبة إذا لم تتب وتراجع نفسك.

فرد عليه الشيطان المتمرد: كفى يا إبليس، انفض رغباتك المتعجرفة. الله نور الحياة، فإذا عرفت أنك مجبول من النور، سوف تعود إلى النور...

بعد هذه الكلمات، تدحرج رأس الشيطان المرتد على الأرض، مثل كرة، والابتسامة على محياه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*حسين الجيزاني: كاتب من العراق.