الخميس، 24 نوفمبر 2016

قصيدة لمحسن الرملي، وترجمتها الإنكليزية: خلود المطلبي

قصيدة (معنى) لمحسن الرملي، وترجمتها الإنكليزية في كتاب:

The Contemporary Iraqi Poetry Movement…The Future of the Past

حركة الشعر العراقي المعاصر... مستقبل الماضي

للمترجمة الشاعرة خلود المطلبي، لندن 2012م 


معنى

كـيس دخان
       .. سيجارة
أنا نشوة تنين البر
صفارة في جراب المسدس
سعلاة في أسطورة
مشيمة برج الحوت
ساقية ليست لأحد
أنا غلط
مدرج لشجرة الفستق
مثقال ذرة
لا يكترث بي أحد
أي؛
لا أساوي شيئاً في لغة الأطفال
لكني الكل
.. كل المعنى

في لغة أمي المدفونة.
محسن الرملي/تصوير: الشاعر: محمد النبهان

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

قراءة في رواية: حدائق الرئيس / فدوى درويش

قراءة في رواية -حدائق الرئيس-
فدوى درويش
   في روايته الأخيرة "حدائق الرئيس" يغوص بنا الروائي محسن الرملي عميقاً إلى ليقترب من معاناة الإنسان العراقي. يسرد حكاية بلد استوطنته الحروب منذ مايقارب الستة عقود. بلد تُختزل آلامه للعالم على شاشات التلفزة ووسائل الإعلام في أرقام عن عدد التفجيرات وعدد الضحايا. بسلاسة لغوية وفي حبكة درامية محكمة شيقة يروي لنا تاريخ العراق خلال ستين عاماً من الحروب والديكتاتورية والمذابح و الحرب الأهلية... وما أورثته تلك الحروب من تشوه واستسلام وخوف للإنسان. إنه لم يذهب بالمكان بعيداً، فقد اختار قريته الصغيرة مسرحاً للأحداث الرئيسة واختار أبناء قريته أبطالا لحكاية ربما هي حكاية كل العراقيين منذ عام 1958 الذي اختاره عام ولادة أبطاله الثلاثة، أبناء شق الأرض كما نعتهم، وتنتهي مع صناديق الموز المحملة برؤوس تسعة من أبناء قريته عام 2006 حيث يستشري العنف والفوضى الأمنية وأعمال العنف الانتقامية  بعد سقوط  نظام البعث ودخول أمريكا إلى العراق.
المكان إذاً هو قريته الصغيرة شمال العراق، قرية وديعة تتكئ على دجلة، تستمد منه الصفاء والنقاء، وكذلك تستمد الإصرار على الحياة رغم الموت الذي ألقى بظلاله عليها.
بذكاء وحنكة وفّر الروائي ثلاثة عناصر هامة وكفيلة لتجذب القارئ ومن ثم تورطه في الولوج إلى عالمه، وهي عنوان الرواية والإهداء والاستهلال...
"حدائق الرئيس"، هذا العنوان الذي له وقع غريب علينا نحن أبناء الشرق ربما لما لحدائق الرئيس من سرية وهيبة وطغيان وبالتالي الحديث عنها يشدنا لمعرفة ما يجري خلف أسوارها.وهذا كفيل بإثارة فضول القارئ ليبدأ التصفح.
على غير المتعارف في الاهداءات التي تتصدر الروايات، جاء إهداؤه الذي لم يتجاوز عدة كلمات ملامساً ضمير القارئ وأشار إلى أنّه جزء من الحكاية وأنّه ظلٌّ لكلٍّ من أبطاله (عبد الله كافكا، طارق المدهش، إبراهيم قسمة) الأصدقاء الذين جمعتهم قرية واحدة ومصير واحد:"إلى أرواح أقاربي التسعة الذين ذبحوا في الثالث من رمضان 2006 . إلى كل المظلومين في العراق.. أيها الأموات.. اعذروا حزننا المرّ عليكم.. وارقدوا بسلام. أيها الأحياء افعلوا كل ما بوسعكم من أجل التسامح والسلام". ثم يأتي الاستهلال، بدأ الرملي بعبارة خبرية  هي  نهاية الحكاية، معتمداً أسلوب الخطف خلفاً حين قال:"في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها..." بعد هذه البداية الخاطفة للأنفاس لابد أن يستمر القارئ دون خيبة ظنّ بما في الصفحات التالية، بشغف و رغبة في مرافقة أبطال الرملي، كلّ منهم إلى قدره الذي يحاول أن يخبرنا أن كل الأقدار كان يتم الترتيب لها خلف أسوار حدائق الرئيس وفي خفايا قلاعه المنتشرة على طول العراق وعرضه.
اسماعيل قسمة وعبد الله كافكا وطارق المدهش هم ببساطة نموذج الإنسان العراقي الذي ذاق مرارة الحروب، إنهم صنيعة واقع اجتماعي ديني عشائري خاضع لسلطة العادات والتقاليد والأعراف الجمعية والتي تنحسر أمام مدها فردية المرء وأحلامه.. إن مصائرهم هي رهن واقع سياسي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. يتحول الإنسان بآدميته وأحلامه وتفاصيله وسنوات عمره إلى مجرد رقم في سجلات توثيق أعداد القتلى والمفقودين والمعذبين والأسرى.. هذه المعاناة التي لا زال العراقيون يتألمون من هولها. استطاع الرملي تجسيدها في نصه ببساطة ودون مباشرة من خلال قصص عدة شخوص تدور أحداث الرواية في فلكهم.
بالكاد أنهى عبدالله كافكا وإبراهيم قسمة الخدمة العسكرية حتى اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، على إثرها أُسر كافكا مع مئات الجنود العراقيين لدى إيران. يبقى كافكا في عداد المفقودين لعشرين عاماً قضاها في "ضيافة الجمهورية الإسلامية" ثم يعود أنقاض رجلٍ من هول ظروف الأسر اللا آدمية. بينما اسماعيل الذي لم يكد يهنأ بالنجاة والعودة بعد ثماني سنوات من جبهات القتال، حتى يُستدعى من جديد للقتال في الكويت. يعود من الكويت بقدم واحدة ورأس مطأطأ من هول ما رأت عيناه من صور فظيعة لتلك الحرب المجنونة وبضمير معذب لتركه جثة صديقه أحمد وراءه، عذاب الضمير الذي سوف يرافقه  ويفقد حياته وهو يحاول أن يُكفر عن ذنبه. يستفيض الرملي في وصف أهوال تلك الحرب بدقة وتفاصيل لم نشهدها على شاشات التلفزة. ابراهيم المؤمن أن كل شيء في الحياة قسمة ونصيب لم يكن مخيراً بأي شيء فيما يخص حياته وبكل مراحلها، حتى زوجته لم يكن له أن يختارها هو، أمه هي من اختارتها له.. كذلك لم يختر عمله في حدائق الرئيس كحفار قبور لجثث مشوهة لمعارضين وموالين مدنيين وعسكريين..
طارق الشخصية الديناميكية التي تلعب على الزمن والظروف بذكاء لتكسب البقاء متكيفة مع كل التغييرات السياسية بما يبقيه محافظاً على وضعه ومستواه الاجتماعي. هومعلم وشيخ جامع وتاجر مقتدر له نفوذ سياسي واجتماعي.  
في تنقل زمني ومكاني يسير بنا الرملي خلال ثمانية وعشرون فصلاً في أحداث سردية متسلسة ولغة جميلة هادئة بعيدة عن الاسترسال الممل في مجموعة حكايات متشعبة نحو الماضي والمستقبل عبر شخوص تجمعه بهم قرية لم يسميها  ربما في إشارة إلى أنها يمكن أن تكون كل قرية أوأيّ بقعة في وطنه العراق. أبطاله هم كل إنساني عراقي لأن بشاعة الحروب وجور الحكام لا يميزان بين ألون البشر، فلكلّ نصيبٌ، بشكل أو بآخر، من الخراب والألم.
رغم أن الرواية اكتست طابعاً توثيقياً لجزء من التاريخ الحديث للعراق، إلا أن الرملي بذكاء الروائي وخياله استطاع أن يشدنا نحو زوايا مبهرة من الخيال الروائي بلمسات شعرية بعيداً عن المباشرة.
أما عن المرأة فقد اختصرت النماذج التي قدمها صورة إيجابية عن موقفه من المرأة زينب زوجة المختار المرأة الطيبة والفعالة التي انتصرت إرادة الحياة لديها على الموت إلى أن سلّمت إلى كافكا صندوق أمه وأخبرته بحقيقة بنوته لابنها المغتصب. قسمة، المرأة المتمردة على واقعها والتي تقرر أن تبحث عن جسد والدها رغم كل الصعاب.
أنجز الرملي في "حدائق الرئيس" رواية متميزة جريئة عن واقع الإنساني العراقي الذي مازال مستمراً.. متنقلاً في إيقاع فني بين الظلم والاستبداد الاجتماعي في القرية متمثلاً في اغتصاب زكية ومن ثم قتلها لغسل العار، وبين أهوال الحرب الطويلة، ثم إلى عوالم الرئيس المرعبة في إشارة إلى أن الشعب يحصد الخوف والموت مما زرعت يد الحكام من ظلم وطغيان. نجح الروائي في ملامسة الإنسان ككيان وكحياة وسط صخب الحروب التي تحولهم إلى مجرد أرقام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فدوى درويش: كاتبة سورية، والمقال منشور في (الحوار المتمدن) بتاريخ 17/11/2016م.

مناقشة رواية: حدائق الرئيس في كردستان/نادي المدى

مناقشة رواية (حدائق الرئيس)
في نادي المدى للقراءة في كردستان
من: نادي المدى للقراءة
أربيل/ رقم الجلسة (43)...
قام أعضاء نادي المدى للقراءة في كوردستان بتقديم مناقشة رواية (حدائق الرئيس).. للكاتب العراقي (محسن الرملي).. حيث قدم المناقشة ضيف النادي الأستاذ الكاتب والصحفي أ.(حسين العنكود) برفقة عضو النادي الزميل أ.(وفاق احمد ) وإدارة الزميل (شيار شيخو)...
بدأت المناقشة بعرض فقرات النادي من قبل مدير المناقشة تلاه الاستاذ حسين بالحديث عن الكاتب محسن الرملي وكتاباته وبعض الجوانب الشخصية من حياته كونه أحد المقربين في عائلة الرملي، ومن خلال حياته الخاصة تطرق الى أحداث الرواية والقصص التي دارت حولها بالتفصيل محللاً سمات الشخصيات الأساسية الثلاث في الرواية وارتباطها وتقاطع مدلولاتها في رفقة حياة مليئة بالأسى والأحداث الخرافية في تراجيدتها إلى التصاق هذه المعاني برمز قصر الشعب أو الشعوب كما أسماه الرملي كنقيض لما تحولت إليه هذه القصور إلى مدافن فحدائق الرئيس هي مقابر الشعوب.. ومن جانبه قدم الزميل وفاق أحمد وجهة نظره كقارئ الرواية معبرا عن إعجابه بكثافة القصص التي عبرت عن فترة نصف قرن من تاريخ دموي في العراق بالإضافة لإتقان الكاتب للحبكة بلغة سهلة وشيقة طغت عليها السوداوية.. وفي الختام تم فتح باب المناقشة مع أعضاء وضيوف النادي بتواجد عدد من الشخصيات الأكاديمية وبعض الوجوه من عائلة الكاتب محسن الرملي... ومن أبرز الأفكار التي تطرق إليها المناقشون:
1-العنوان (حدائق الرئيس) كان اختيارا موفقا وجذابا للقارئ من حيث دلالاته الرمزية .
2-كثافة الأحداث في الرواية أضفى عليها طابع ملحمي مليء بالقصص. 
3-اعتماد الكاتب على معاني ورموز كثيرة غلب على معظمها سمة الإنسانية لاسيما أنها استمدت من حضارة ريفية.
4-صراع مع الزمن وخلق ثالوث وجودي عبر شخصيات الرواية لثلاثة (عبدالله كافكا.. إبراهيم قسمة ..طارق المندهش).
5-تجاوز الكاتب الأنماط العادية للسرد إلى ما وراء السرد. 
6-دمج الكاتب في الرواية بين الواقع والمتخيل عبر تقنية الاسترجاع بفضاء سوداوي .
الشكر لكل من حضر المناقشة وتفاعل فيها وتحية خاصة إلى :
-مقدمي المناقشة (الاستاذ أ. حسين العنكود الضيف.. الطرف الثاني. عضو النادي أ. وفاق احمد... ومدير الجلسة أ. شيار شيخو).
-د. موسى الحوري 
-
د. محمد غثوان 
_
د.سركوت كوريل 
-
السيدة (كاظمية مطلك الرملي ) شقيقة الكاتب محسن الرملي 
-
الشاعر أ. نضال العياش 
-
تلفزيون المدى ...وأعضاء ادارة النادي
.. وتحية قلبية إلى الكاتب (محسن الرملي) لدعمه ومتابعته وتفاعله مع المناقشة من إسبانيا... ولكم من الكاتب محسن الرملي.. هذه المفاجئة. من صفحته الشخصية يقول:
بمناسبة الأمسية التي يعقدها الأصدقاء والأخوة اليوم في (نادي المدى للقراءة) في أربيل، لمناقشة (حدائق الرئيس)، وجواباً على اسئلة القراء والأصدقاء حول الجزء الثاني، والذين أشكرهم من القلب على متابعتهم واهتمامهم ودعمهم، أقول؛ بأنه سيكون مبدئيا بعنوان (رؤساء الحديقة)، ويبدأ على هذا النحو: بعد أن تقيأت قِسمة في منتصف الطريق الذاهب إلى بغداد وشَعرت بالجوع، قرَّرت أن تأكُل العراق. عَزمَت على ذلك في نفسها بعد أن انفض المشهد الأمريكي السخيف.....
El título de la segunda parte de mi novela (Los jardines del presidente) que estoy escribiendo, va a ser: Los presidentes del jardín

الأحد، 13 نوفمبر 2016

عن: حدائق الرئيس لمحسن الرملي / موسى الحوري

قراءة في حدائق الرئيس..

موسى الحوري
أول ما أثارني عنوان الرواية وعتبة أهدائها (إلى أرواح أقاربي التسعة)، فالاهداء وجّه القارئ إلى مفاتيح اغرائية لقراءة النص الروائي وسبر غوره ومعرفة خفاياه ومضامينه ورؤاه وميوله واتجاهاته وانفعالاته وسوداويته وبناءه الحكواتي المتتابع...
في قراءة أولى يأخذ القارئ غير العادي انطباعا بأن شخصيات الرواية هي شخصيات تأريخية انتقاها الروائي بدقة فشخصية ابراهيم واسماعيل وعبدالله كافكا وطارق أولاد(شق الأرض)هي شخصيات لها دلالتها وعمقها الرمزي والتأريخي والمعجمي والمدلولي والسيميائي لمسمياتها.. فالمكان الذي دارت به أحداث الرواية هو مكان سيري للكاتب انطلق من القرية ومن ثم الى جبهات القتال في العراق لينتهي المطاف لحركة بعض الشخصيات الى حدائق الرئيس في بغداد.. المكان بكل تفاصيله وبيئته وامكنته السيرية استفاد الكاتب منه ليشعل جذوة الذاكرة التي شكلتها قرية اسديرة/ قرية الرملي ولينطلق منها والحديث عن تراثها وشخصياتها وتأريخها...
حاول الراوي أن يفاجأ القارئ بالاحداث العجائبية والغرائبية بأحداث وحكوات ذات بناء متسلسل ومتوالي حلقي تربط كل حكاية باخرى خيط سردي يشد عضد النص ويماوج القارئ ويربكه بأحداث مفاجأت تفتح النص بجميع دلالاته الفكرية والتأريخية والنفسية والذاكراتية وتشتغل بأقصى طاقتها عبر ذاكرة الكاتب الذي يصارع سطوة المكان الذي لازال يتلبسه ويأبى أن يتأقلم مع غيره شأنه شأن (قسمة وعبدالله الأسير وابن الشيخ الذي هاجر لبلاد مجهولة) الذين رفضوا المكان أو أن المكان لايعني لهما الاّ الواقع الذي يجب يتعايش فيه كل شخص بما يتحرك ويمارس حياته فيه... فالمكان متأرجح بين سطوته عند ابراهيم وأهل القرية وبين ماذكرنا من واقع فرض سطوته وثقافته على البعض الآخر...
 الشخصيات المحورية في الرواية ولِدت بسنة 1959 وهو زمن الحكم الجمهوري الذي يعتبر زمن الثقافة والشيوعية والانفتاح والثورات والحروب زمن الحراك العراقي غير المستقر زمن الحروب التي تتبعها الروائي مع احداث وسيرة وحكوات الشخصيات الثالوثية (أبناء شق الأرض)...
 استطاع الروائي أن يقارن بين حياتي البساطة والكفاف والعيش البسيط وبين حياة الرئيس وحدائقه وقصوره وحياة البذخ.. لذا فأن الراوي عبر عن العلاقة بينهما بقتل الموسيقي المباشر من قبل الرئيس والتعبير عن وحشية السياسة والقتل والدمار والحروب.
...
(للماء) نصيب في الرواية فنهر دجلة الذي لم يتغير هو الوحيد في رؤى عبدالله كافكا الأسير ابن الزنى على الرغم من تغير جميع الاشياء في فترة غيابه في الأسر... والماء هو الطهارة والبراءة والنقاء والصفاء والليونة وهو سر براءة الريف ونظافته وبساطته وحياته المفعمة بالهناء والخيال والعيش البسيط السهل الجميل...ولم يعفل الرملي عن ذكره وهو يحرك شخصياته به وفيه وهم يسبحون عائمون فيه تصاحبهم الكركرات والانبساط... التأريخ والأحداث التاريخية للعراق كانت متسلسلة ومترابطة ومتوالية مع احداث الرواية وكل حدث روائي استطاع الراوي أن ينقل احداثه بدقة وحرفنة عالية بمايلائم البناء الفني والسردي للرواية وينقل تفاصيل الروي باسترجاعات واستباقات تُحدث توترا سرديا يلائم وطبيعة الحبكة الروائية واشتغالها لحد التوتر، ومن ثم ينقلنا الكاتب الى بسمة ونكتة في حوار سردي ونحن بقمة السوداوية والحزن...!!!
أقول أخيرا أن حدائق الرئيس هي عمل سردي فريد ومؤسس اجتر من السيرة الذاتية للكاتب عملا ذات قيمة ودلالة وعمق واستطاع الكاتب أن يعرض تأريخه وتأريخ قريته واصدقائه بصورة سردية لازالت صورتها تنزف دما جراء الحروب والويلات التي أذاقت العراق ويلا وأعطت للساسة والحكام رخاء وانتشاء بالتلذذ بدمار محكوميهم وشعوبهم.... وللسرد بقية..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*د.موسى الحوري: كاتب وناقد عراقي
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي لصحيفة (المدى)، العدد 3810 بتاريخ 25/12/2016م

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

100 قصيدة كولومبية، انتصار الشعر على المخدرات / هاشم شفيق

مائة قصيدة من الشعر الكولومبي
انتصار عالم الشعر على عالم المخدّرات
مائة قصيدة كولومبية
إعداد وترجمة وتقديم د. محسن الرملي
دار المدى، 2014 بيروت/ 140 صفحة
هاشم شفيق
ما أن يُذكر اسم كولومبيا، تلك البلاد المنتمية لأمريكا اللاتينية، حتى يقفز الى الذهن اسم الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، أو المخدرات، وأيضا الشعر. يا لهذه الكلمة الغرائبية المركبة، الشعر والمخدرات، فيها جاذبية فنية، وفيها نوع من التماهي الفانتستيكي، نوع من المخيال المجنّح القادر على تحقيق الجمال في التضاد. والضد كما قيل سابقاً، يظهر حسنه الضد، شعر ومخدرات، كأنه عنوان جميل لديوان شعري، أو لرواية عجائبية تنهل من عالم الواقعية السحرية، حيث يتعايش الجميع، في الجنة المُخدَّرة، شعراء وروائيون ورجال مخدرات وعصابات.
في الواقع هذه هي حقيقة كولومبيا، مدينة الشعر والرواية والمخدرات، مدينة الصحافة والكتابة وجمال الطبيعة، وهي الى جانب ذلك مدينة اللصوصية والخطف والعنف أيضاً. مدينة يعيش فيها المتضاد في حلف دائم، في توليفة مرضية، في تمازج صامت، فالشعر في هذه المدينة معلن كالشمس وشجر الجوافة والظلال الكولومبية، الشعر يحياه الجميع ويُحتفل به ويُرحَّب به، حيثما حلّ في كولومبيا وفي بلدان أمريكا الجنوبية قاطبة، فهو كائن قادرعلى تخطي الموانع والأسوار بحرية، عكس غريمته المخدرات التي تعيش في الظل، في عالم الأسرار والأقبية والأنفاق الأرضية، في عالم المحذور والممنوع والمُحرَّم دولياً.
من هنا الشعر يكون عالمه، عالم الحالمين والذاهبين في جهات المُتخيَّل والشطح والذوبان في الشؤون الجمالية ومراجعها العديدة. إذاً هل الشعر هو نوع من المخدر المبثوث في الخيال؟ هل هو نوع من الهلوسة الربانية التي تبتكر وتُبدع وسائل للتعبير في غاية الإيغال، تجاه أفق محلوم وخيالي وتأمّلي وهذياني، جانح الى التهويمي وكأنه ناهل حفنة من الأفيون والخشخاش والقنب الهندي الذي يعمل عمل السحر والشعر والخلخلة في المخيلة البشرية؟
هذه الأسئلة التي فيها عدوى من مخدر شعري، قد نجد لها أجوبة مقنعة ودالة، في مختارات شعرية قرأتها مؤخراً، لشعراء كولومبيين، جميلين وآسرين، في رؤيتهم الشعرية وفي تعدّد أساليبهم ومفاهيمهم للفن الشعري، تجمعوا ومن أجيال شتى في أنطولوجيا شعرية مترجمة، قام بنقلها مباشرة عن الكولومبية الى العربية الشاعر محسن الرملي، ذلك الأديب والمترجم الذي يتقن الإسبانية والدارس لها والحاصل فيها على شهادة عليا، أهلته لأن يقدم عيون الأدب الإسباني الى العربية .
انطلاقاً من هذه الفتنة المائزة والمتوفرة في الشعر الكولومبي، وجدنا رؤيتنا وذائقتنا الشخصية تتوقف أمام شعراء عديدين، ظهر من بينهم من له أصول عربية، سورية ولبنانية، ليدرجوا ضمن هذه المختارات التي جمعت خمسة وثلاثين شاعراً كولومبياً، مثلوا تيارات وأجيالاً ومدارس عدة، امتازت بما هو عصري وتقدمي وحديث.
من هنا ظهرت لنا، في هذه الأنطولوجيا الجامعة، أصوات شعرية مؤسسة ورائدة وبانية للشعر الكولومبي، منذ مطالع القرن المنصرم وحتى نهاياته، وجلها أصوات مؤسِّسة، لها نهجها الخاص وطريقة تناولها للنموذج الشعري. فإذا كنا قد قرأنا لرموز المدرسة اللاشيئية التي ظهرت في الأربعينيات والخمسينيات، تلك المدرسة التي تعتمد «اللاشيء» طريقة وسبيلاً للكتابة الشعرية، سنجد فترة السبعينيات تتمثل بظهور جيل غاضب، ومحتج وثائر، يقول كل شيء، ليعلن موقفه الإنساني والشعري والفني، مترسماً بذلك خطى جيل الغضب الستيني الذي ظهر في الغرب، وبخاصة في أمريكا، أو «جيل بلا اسم»، وهو الجيل الأكثر تمرداً والمتسم في الغالب بنزعة فردية، ذاتية، لا ترغب في أن تدرج تحت أي مسمّىً شعري. أنه الجيل الأحدث، جيل الألفية الجديدة المنخرط في المهرجانات والوِرش الشعرية والمُعلن عن حياته في وسائط الاتصال الإلكترونية. جيل وصل الماضي بالحاضر، ووصل الى المهرجانات العالمية. ومن أبرز المهرجانات الشعرية التي تميزت بها كولومبيا مهرجان «مديين» العالمي، الذي جمع شعراء من مختلف مدن العالم ليتعرفوا، عن كثب وتماس، على الحياة الأخرى في كولومبيا، ألا وهي الحياة الشعرية والرومانتيكية، وعلى المنابع الفنية والأدبية والفكرية فيها، غير حياة عالم المخدرات وطرقه المحطمة للطاقات البشرية والإنسانية، وبالأخص مجتمعاتها الفقيرة.
يذكرني الشعراء الكولومبيون وأنا مسترسل في قراءتهم بالشعراء العرب، وبخاصة الكبار، فهم يقدسون الشعر، ويعتبرونه خبزاً يومياً، ولذا تحتم على الشاعر هناك، أن يكون شاعراً كلياً، معبراً بكل ما يمتلك من طاقة إبداعية عن هموم الناس البسطاء، ومدافعاً شرساً عن الحريات والمعتقدات والأفكار، ومناضلاً عنيداً، ضد الظلم والطغاة والديكتاتوريات، ولكم يدفع بي هذا لتذكر ماركيز مرة أخرى، وخصوصاً مذكراته «عشت لأروي»، فهو يشرح في أكثر من موضع ويصف الشعر والشعراء. وبما أنه كان قد كتبه في بداية حياته، فيبدو من خلال تلك المذكرات، أنه قد كان شاعراً مرهفاً، وجلّ من كانوا معه يكتبون الشعر ويتعاطونه، جنباً الى جنب عالمهم الروائي والقصصي والسردي، وهذا كان يجري بالطبع أثناء سِنيّ بداياتهم الأدبية.
الشاعرة لاورا فيكتوريا، عاشت مئة عام 1904ـ 2004، بدأت الكتابة في الرابعة عشرة، وصَدمتْ مجتمعها حينذاك بقصائدها الإيروتيكية، ولكنها تحدَّتْ واقعها وتعلمتْ، حتى وصلت الى السلك الديبلوماسي فمثلت بلدها في المكسيك وإيطاليا كملحقة ثقافية. كتبها كانت تثير جدلاً واسعاً لدى صدورها وتبيع بشكل كبير. ففي قصيدة «حين تعود» تقول:
"حين تعود، لن تجد حتى ولا آثار الماضي،
ففي المتنزه، قد ماتت الإوزات والأزهار الحمراء قد جفّت،
وتلك الأشعار المتهللة التي كنت أسمعك إياها وأنتَ تأخذ بيدي،
قد تبدَّلتْ بأخرى متفحّمة."
أما الشاعرة ميرا ديليمار، فهي تختلف عن سابقتها في أسلوبها وطريقة تفكيرها، وفي النماذج الشعرية التي تنتجها. فهي من مواليد 1922، درستْ تاريخ الفنون والأدب والموسيقى في العاصمة الإيطالية روما، وتنحدر من أبوين لبنانيين وهي عمة المطربة شاكيرا، وأسمها الأصلي هو أولغا شمس الحاج. في شعرها ثمة حنين للدفء وللمنازل وللذكريات وللأشياء الحميمة. ففي قصيدة «رجوع» نقرأ:
"أريد العودة الى الذي ذات يومٍ، كنا نسميه جميعاً بيتنا،
أن أصعد درجات سلمه القديم، افتح الأبواب والشبابيك،
أريدُ البقاء فيه لبرهة، للحظة، أصغي فيه الى ذلك المطر ذاته،
المطر الذي لم أعرف أبداً حدّ اليقين، فيما لو كان ماءً أو موسيقى،
أريد الخروج الى الشرفات،
حيث كانت تطلّ طفلة،
كي ترى طيور السنونو التي كانت تعود في ديسمبر،
ربما سأجدها بعينيها المحدقتين بالزمن ولهب المسافات في جبهتها الصغيرة يتقد."
أما الشعراء فجلهم معروف ومشهور في كولومبيا، فشاعر مثل البارو موتيس المولود في بوغوتا العاصمة الكولومبية 1922، نراه في شبابه يترك الدراسة، ليلتحق بالعمل في الصحافة والإذاعة، وهو يعد بحسب المترجم من أهم الشعراء والكتاب الناطقين بالإسبانية، نال خلال مشواره الأدبي جوائز عديدة أبرزها جائزة ثربانتس، عاش معظم سنوات حياته في بلجيكا ومن ثم المكسيك، وهو صديق حميم لماركيز، ومن ثم لنيرودا وأكتافيو باث، اللذين تأثر بهما، سجن في المكسيك بسبب مواقفه السياسية اليسارية، وكان قريباً من عالم السينما، فعمل في العديد من مؤسسات الإنتاج السينمائي، ناهيك عن الروايات التي كتبها وهي تفوق الى حد ما دواوينه الشعرية. ومن رواياته التي ترجمت الى العربية ونالت صيتا وسمعة كبيرتين رواية «عبدول الحالم بالسفن». هنا نموذج من أحدى قصائده المكتوبة عن الشاعر الفرنسي رامبو:
"يا سيد الرمل،
تجوب ممالكَ،
وعبر برج المراقبة،
من أعلى الأبراج تنطلق أوامرك التي سوف تضيع
في الفراغ الأصمِّ لمصبّ النهر،
ياسيد الأسلحة المغرورة،
منذ زمن والنسيان يعمل في سلطاتكَ،
أن اسمك مملكتك،
البرج، مصب النهر، الرمال والأسلحة."
في مقابل هذا الشاعر نجد شاعراً لا يقل شهرة وتميزاً ، هو الشاعر خايمه خارميلو إسكوبار، ويا له من اسم، إسكوبار تاجر المخدرات الشهير الذي صُنعت حول حياته الأفلام، وأشتهر في كل العالم كونه الشخصية الغامضة والمحيرة والملغزة للبوليس ولرجال المخابرات والشرطة، لكن شاعرنا لا يقل سطوة عن هذا، فهو مؤسس مدرسة اللاشيئية في الشعر، وقد منح لنفسه رمزاً هو»إيكس 504»، وقد عرفته مجتمعات أمريكا اللاتينية عبر هذا الرمز، بدلاً من اسمه الحقيقي. في إحدى قصائده المعنونة بـ»الرغبة» يقول:
"يا آليولي،
إني أرغب في أن ألقاك في الشارع،
وأن نجلس في مقهى لنتحدّث طويلاً عن الأشياء الصغيرة في الحياة،
أن نتذكر كيف كنتُ جندياً،
أو حين كنتُ شاباً،
فنخرج معاً نجوب المدينة،
وعلى أطرافها نجلس على العشب،
وننظر الى الغروب كيف يطوّقنا."
ولو أخذنا أصغر الشعراء الموجودين في المختارات الشعرية الكولومبية هذه، سنجد الشاعرة فيفيانا اوسوريو، وهي من مواليد 1985، شعرها بالتأكيد يختلف عن المؤسسين والرواد المذكورين في الكتاب وهم كثر، فشعرها قريب من عالم ما بعد الحداثة، وفيه نجد أصداء العالم الجديد وثورته المعلوماتية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (القدس العربي)، العدد 8583 بتاريخ 11/9/206م لندن.
**هاشم شفيق: شاعر ومترجم وناقد وروائي عراقي يقيم في لندن، وواحد من أهم شعراء جيل السبعينيات العراقي، له أكثر من عشرين كتاباً، منها: قصائد أليفة، أقمار منزلية، صباح الخير بريطانيا، مئة قصيدة وقصيدة، التطريز بالكرز، أشهر من شهريار.. وغيرها.


الأحد، 11 سبتمبر 2016

عن: حدائق الرئيس / حسين جمعة

حدائق الرئيس .. التاريخ الذي نَحتهُ المظلوم
حسين جمعة
مازلت أحتفظ بنصيحة ذهبية لأحد أساتذتي عندما نصحنا ذات يوم ونحن نقرأ في مكتبة الجامعة، كنّا في بدايات قراءاتنا وقتها، وكل شخص فينا يهوى اختصاص معين ليبدأ قراءته فيه رغم اختصاصنا الأكاديمي المعروف، فكانت كتبنا ذوات اختصاص (الفلسفه، الاجتماع، الدين، الأدب) وكل منّا يحسب نفسه إله القراء العرب، وهذه حالة يُصاب فيها أغلب القراء المبتدئين، وكنّا إذا ما ٱعجبنا بنص أو سطر شَرعنا بتلاوته للآخر.. وكأن بيننا سباق التقاط الإقتباسات الجميلة. كانت نشوة القراءة تزداد فينا كلما قَلب أحدنا ورقة من الكتاب الخاص به، وفي غفلة سَمعنا صوت خفيف وكأنه همس لأستاذ مادة التاريخ يَطلب مساعدة أمين المكتبة لمعرفة الكتب التي جُلبت يوم أمس من شارع المتنبي لرفد مكتبة الجامعة بكتب جديدة، تهامسا فيما بينهم، وعَرفنا بأن أمين المكتبة قد إعتذر للأستاذنا لعدم جاهزية إدخال الكتب الجديدة قسم الأرشفة والترقيم المكتبي بعد. اقترب الأستاذ بعد أن لَوح بيديه كعلامة تدل على السلام من دون كلام يصدرة، سَلمنا بدورنا وأزاح أحدنا كرسيه ليجلس بينما هَم أحدنا ليجلب كرسي خامس، حيث كراسينا أربعة فقط، سأله أحدنا عن كتاب الأستاذ الجديد الذي  دفعه مؤخراً إلى المطبعه ولم ينشر بعد، ليجيب أستاذنا بعد أن عَرف بأننا قد تركنا ما في أيدينا لنغلق كتبنا مع إبقائها أمامنا دلالة على أننا قراء وأصدقاء للمكتبة، بعد أن سألنا؛ ماذا تَقرأون، وعَرف فيما بعد بأن كُتبنا هذة من أول الكتب التي نَقرأها خارج كتب الاختصاص في الجامعة، قال: "على القارئ المبتدئ أن يبدأ قراءته في معرفة تاريخ بيئته، مدينته، بلده، بقدر استطاعته وكفايته لمعرفة بلده وإن لم يستطع فليقرأ عن الثلاثين أو الأربعين سنه الماضية ليعرف ويفهم  ما حَوله، فمن لا مَاضي له لا مستقبل ينتظره، وإن كان ماضياً مأساوياً". خرج الأستاذ وخَرجنا معهُ، مرة يطلق المزاح فنضحك ومَرة نَطلقها فيبتسم.
تَخرجتُ ونسيتُ ذكريات كثيرة فلا مرادف لذَكرها، فقد تَفرق كل شيء.. أما نصيحة الأستاذ فقد طويتها مع ذكريات الجامعة وعُدتُ الى قراءتي فيما أحب، إلى أن جاء اليوم الذي تذكرت كل كلمة قالها الأستاذ وكأنه جالس أمامي... فقبل شهر واحد تقريباً، حدثني صديقي المغربي عن بَلده بمختصر مفيد، وسألني إن كنت أعرف شيئاً عن المغرب، فكان جوابي له اني بحكم قراءتي أعرف المغرب من خلال قصص محمد شكري فقط، ولا أعرف معلومات أخرى غير أسماء المدن ولهجتهم الغريبه التي لا أعرف ترجمتها مطلقاً، سألني بعدها صديقي المغربي سؤالاً صدمني فيه حين قال: كلمني عن العراق؟
أخذت أسرد له الأحداث التي يمر بها العراق، بعد أن تطرقت الى معلومات لثورة العشرين والعائلة المالكة ثم عبدالكريم قاسم ثم أحمد حسن البكر ثم صدام حسين ثم تطرقت لحرب الخليج الأولى والثانيه وأحداث ما بعد السقوط، ذكرتها بسطور موجزة. راسلني بعدها ليسأل عن غزو الكويت وعن حرب إيران وعن بطولة صدام حسين، وعن سنة العراق وشيعته... إلخ، سألني عن الكثير، ربما بحكم تَصدُرنا الأول في نَشرات الأخبار. استذكرت بعد سؤاله مباشرة نصيحة أستاذي الذهبية وكأنني أسمعها لأول مَرة، وحققت ما أردته وأرادهُ أستاذي حين اشتريت صدفة رواية للكاتب العراقي محسن الرملي، بعنوان "حدائق الرئيس" فغصتُ في بحر همومها لأبكي تارة، وألعن وأشُتم أخرى.. وكأنني مخبول كإسماعيل الأبله حين رأى رؤوس أبناء قريته في حَيرته... كانت الرواية عبارة عن عراق مصغر يتكون من ثلاث أشخاص "أبناء شق الأرض".
أبطال الرواية: عبدالله كافكا، طارق المُندهِش، إبراهيم قِسمة، كل واحد منهم كان تاريخاً لحاله، تاريخٌ عراقي بقلم أمين ذكر ما علينا وما لنا؛ من حرب الخليج الأولى ومعاناة الجنود الأحياء والجنود الأسرى وما لحقهم وجرى عليهم في سجون الأسر، ومن جبروت زجهم أحياء في طريق طويل بعد الانسحاب من الكويت، ومن غزو النُهاب لأملاك الكويتين، إلى حدائق الرئيس حيث يعيش كملك في جنته، وشعبه يبكي ألم الجوع المسرطن...
الرملي في روايته، ذكر بعين الباحث الأمين تقلبات الأشخاص في نظام الحكم في شخصية زوج قسمة إبنة إبراهيم، وفي الأشخاص الموالين للجمهورية الإسلاميه والذي يطلق عليهم بـ "التوابين"، وفي شخصية قسمة...
الرواية تاريخ لثلاثين سنة ماضية، كتبها الرملي كشاهد حقيقي على الأحداث، فقد عايشها بمُرها وألمها ومَوتها وحُزنها.

كَتبَ أحدهم مُعلقاً على الرواية "يجب أن تُدرَّس في المدارس ضمن حصة التاريخ العراقي".. نعم، فهي تستحق ذلك وأكثر، فالأحداث التي يكتبها المظلوم تُنحت في ذاكرة التاريخ، وما (حدائق الرئيس) إلا تاريخ خَطّهُ مظلوم عن مظلومين.
*حسين جمعة: كاتب من العراق.