الأحد، 17 يناير 2016

حوار مع محسن الرملي / أجراه: المحفوظ فضيلي / الجزيرة.نت

حوار
محسن الرملي: للمبدعين دور إيجابي بالربيع العربي


أجراه: المحفوظ فضيلي
في الحلقة الثالثة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، لا يتردد الكاتب العراقي -المقيم في إسبانيا- محسن الرملي في القول إنه كان يتوقع انتفاضات الربيع العربي، ولكن ليس بالشكل الذي حدث تماما.
وعن مآلات ذلك الربيع وما شابه من انتكاسات، يرى الرملي -الذي ولد عام 1967 شمال العراق وانتقل للعيش في إسبانيا عام 1995- أن الشعوب العربية تمضي إلى مواجهة نفسها بشكلها الحقيقي لأول مرة في التاريخ، مواجهة حقيقية عارية لا تغطيها الشعارات.
وعن دور المبدعين والكتاب في الربيع العربي، يقول الروائي والمترجم والأكاديمي العراقي إن دورهم بشكل عام كان إيجابياً، قبل وأثناء وبعد الربيع العربي، باستثناء حالات فردية لبعض المثقفين الذين تعاملوا مع الأمر بحسابات ومصالح شخصية آنية لا تخفى على المتابع.
وفي ما يلي نص الحوار.
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/8/14/1_556817_1_10.jpgهل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟
نعم، وإن لم يكن بالشكل الذي حدث تماماً، لأن القارئ للتاريخ وتطورات الأحداث، يعرف أنه من البديهي أن الضغط سيولد الانفجار، والبلدان التي حدثت فيها الثورات كانت تعاني ضغوطاً على مدى عقود، وسبق للعراق الذي كان يعاني من أشد الدكتاتوريات بطشاً أن حدثت فيه انتفاضة شعبية عام 1991 وكنت شاهداً عليها.
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/8/14/1_556817_1_10.jpgإلى أي حد تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا، أو لم يلعب أي دور، في ذلك الربيع؟
العمل الثقافي عموما، ومنه الإبداع، يكون فعله بطيئاً، لكنه راسخ وليس كالعمل السياسي أو الاقتصادي الذي يكون أثره مباشراً، لذا أرى أن الإبداع العربي قد كان له دور في أنه كان ينطوي على بذرة الوعي والتوعية، فأغلب النتاج الإبداعي والثقافي على امتداد القرن العشرين وحتى اليوم كان يتناول في أطروحاته مواضيع سياسية، واصفاً ومحتجاً ضد القمع والظلم والفقر والتخلف، وداعياً إلى الحرية والعدالة والنهوض.
ولاشك أن ذلك قد شكّل تراكماً معرفياً في توعية متلقيه، وقد لاحظنا أن الذين أطلقوا حراك الربيع العربي في بدايته كانوا من الشباب المتعلمين الذين استخدموا القصائد والأغاني والرسم في التعبير عن أنفسهم، وكان أشهر ما رددوه هو بيت شعري للشابي: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة..."، وكان هتافهم بمثابة إجابة واستجابة له: "الشعب يريد...".
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/8/14/1_556817_1_10.jpgكيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟
بشكل عام، أرى أنه كان إيجابياً، قبل وأثناء وبعد الربيع العربي، باستثناء حالات فردية لبعض المثقفين الذين تعاملوا مع الأمر بحسابات ومصالح شخصية آنية لا تخفى على المتابع. كان المبدعون العرب عموماً في طليعة الذين عانوا من التضييق والمطاردة والتجويع والقمع والسجون والتعذيب والنفي أو القتل في سبيل حرية شعوبهم، حتى قبل أن تنتفض هذه الشعوب، لقد دافعوا عن شعوبهم على الرغم من أن شعوبهم لم تدافع عنهم عندما، كانوا يواجهون السلطات منفردين.
كما كانوا في طليعة المؤيدين لهذه الثورات والمشاركين فيها، على الرغم من أنهم أضعف الناس من حيث إمكانياتهم المادية والجسدية والسلطوية، وشاركوا على الرغم من أنهم غير مطالبين بمشاركة مادية ملموسة كما هو مطلوب من العسكري والسياسي والعامل والفلاح وغيره، لأن أداة المبدع هي إبداعه وموقفه وحسب.
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/8/14/1_556817_1_10.jpgبعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟
نعم، ولكن إذا أردنا النظر إلى الجانب الإيجابي فسنجد أنه قد أحدث تغييراً فعلاً، وأبرز ما فيه أنه كسر حاجز الخوف المرعب الذي كان يبدو له من قبل مستحيل الزحزحة. والآن نرى أن الشعوب العربية تمضي إلى مواجهة نفسها بشكلها الحقيقي لأول مرة في التاريخ، مواجهة حقيقية عارية لا تغطيها الشعارات ولا النظريات ولا التغني ولا الأكاذيب، مواجهة مع النفس ومع الآخر بلا أي تزييف ولا مجاملات ولا أي خداع للذات.
إنها تنزف الآن بشكل مؤلم جداً، ولكن من بين هذا النزيف يخرج القيح المتراكم والكراهية والتناقضات وغيرها. إنها في حالة تشريح سريري وإجراء عملية جراحية لذاتها؛ فإما أن تشفي نفسها أو تنتحر، وأنا أميل أو أفضل التفاؤل رغم إيماني العميق بالتشاؤم الوجودي، ذلك أنني أتمنى وأريد وأعمل لانتصار الحياة في النهاية وانتصار هذه الشعوب الطيبة وما فيها من خير وحق وجمال.
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/8/14/1_556817_1_10.jpgعلى أي مدى (متوسط، بعيد، ...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية، ...) ستتحقق على أرض الواقع؟
"كان المبدعون العرب عموماً في طليعة الذين عانوا من التضييق والمطاردة والتجويع والقمع والسجون والتعذيب والنفي أو القتل في سبيل حرية شعوبهم"
ربما على المدى المتوسط، فأوروبا مرت بالحروب عشرات الأعوام لكي تصل إلى ما وصلت إليه، والثورة الفرنسية احتاجت إلى نحو عقد من الزمن لتحقيق أهدافها، وبلدان أميركا اللاتينية لا زالت الديمقراطية فيها تتعثر أحياناً، لكنها سائرة في الطريق.
وهكذا، فإن حال الشعوب العربية كحال بقية الشعوب، ستحتاج مزيداً من الوقت والمخاضات لنيل مطالبها، خاصة أن الدكتاتوريات المتراكمة التي أزاحتها وفي طريقها لإزاحتها لم تكن سهلة، لكنها متجذرة في كل شيء تقريباً.
إنه لمن المؤسف أن يكون ثمن ما هو حق طبيعي كالحرية والكرامة والعدالة باهظاً إلى هذا الحد، ولكن هذا هو واقع الحال ومنطق التاريخ، ولا بد من مواجهته ودفع الثمن.
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/8/14/1_556817_1_10.jpgهل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟
ليس بالمستوى المطلوب، وبما يتناسب وحجم الحدث، ولذلك أسبابه المنطقية، والتي منها أن وسائل القوة المؤثرة مباشرة ليست بيد المبدعين، وأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية العسيرة التي تمر بها المنطقة عموما تضر بحجم ونوع وطبيعة فاعلية إيصال نتاجهم وأفكارهم، وأن العالم اليوم بمجمله يفتقر إلى أفكار وفلسفات جديدة، لذا يتم الاكتفاء بالعمل على مناقشة وتكييف وتطوير ما هو موجود من تجارب وأطروحات وأفكار كمسألة الديمقراطية والحقوق وغيرهما.
*المصدر : الجزيرة/بتاريخ 17/1/2016



الخميس، 14 يناير 2016

قراءة في روايات محسن الرملي / نور جمال عبدالحميد


قراءة في روايات محسن الرملي
نور جمال عبدالحميد 


حدائق الرئيس
 
وأنت تقرأ هذة الرواية..
شئت أم أبيت سيكون لسقوط هذة الرواية في يدك وقعً مدوي على تلك التعابير التي تعتلي وجهك، فلا جدوى من الهروب منها، ستجد ان هذا الوطن لا يعرف إلا الشتاء والخريف، في فصل الشتاء هذا الوطن يمطر الحرب، لينمو على أرض هذا الوطن الموت البارد، والغربة، والسلاح، وأشلاء لا ذنب لها سوى انها "عراقية" وفي النهاية سيشرق فصل الخريف لتسقط الجثث المعذبة كأوراق الأشجار فيه ..
سينهار سقف الأمل الذي كان يحميك من عواصف التشاؤم التي تعصف بها ظروف هذة الحياة لأنك ستجد ظروف أبناء شق الأرض أكبر من الوقت والزمان أكبر منهم ومنا جميعنا، عبد الله كافكا، طارق المندهش، وإبراهيم قسمة؛ أبناء شق الأرض، كانوا أبناء شق الحزن أيضآ أبناء شق الصدق الذي جعل صداقتهم تستمر على مدى نصف قرن حتى عادوا برأس إبراهيم قسمة داخل صندوق موز !!
هذة الرواية جعلتني أشعر بالغثيان، بالحزن، بالأختناق، في الرغبة للعودة للماضي والصراخ (احتركت روحك صدام)... انتهت الرواية بتقيؤ قسمة بنت إبراهيم، وأنهيتها أنا بتقيؤ ذكرياتي القديمة عن الحرب بعد ان كان تفكيري يلوذ عنها بعيدآ خوفآ من الغرق فيها وهي أشبه بالمحيط ..
أنا الأن متعاطفة جدآ من أسرة الكاتب محسن الرملي.. فإذا كنت وأنا أقرأ أشعر بالحزن يرتديني كقطعه قماش، فكيف بمن يكتب؟ كيف كان وقع هذة الرواية عليهم؟ كيف كان مزاج الكاتب وهو يستخدم أعمق نقطة في عاطفته ليكتب؟؟
محسن الرملي كاتب هذة الرواية كان كمن يزرع أشجاراً بهيئة شخصيات لتثمر لنا ظروف تحث الجميع أن يمقت كل سياسة استُخدمت ضد الفقراء ..
يقال: الرواية لا تقرأ مرتين، لكن (حدائق الرئيس) تستحق أن تُقرأ آلاف المرات ..
رواية عظيمة ..
شكرآ للكاتب العظيم محسن الرملي Muhsin Al-Ramli على هذا الجهد المميت بكتابة هذة الرواية ..
شكرآ لصديقي مصطفى الصوفي للنصيحة بقراءة هذة الرواية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمر الأصابع
 
هذه الرواية ((نار كبره و مو لعب جهال)) حسب تعبير أم سليم المأخوذ من سياق الرواية حين أراد سليم أن يلعب لعبة الحرب، اللعبة التي تلعبها رؤوس مائلات مميلات كأسنة البخت على عاتِق رؤوس أحلامنا الهشة، فيسحقون بذلك أجنة أحلامنا التي لم تبصر النور بعد، و ليعالجوا الموقف بالقضاء و القدر !
سترحب بكم الرواية كما لو كنتم زواراً ميؤوسٌ منهم وستقول لكم السطور ((اقرؤا ما شئتم فلن يحدث أسوء مما حدث في هذا العالم الجايف)) على شاكلة أبو سليم الذي هتف بهذه الجملة وكأنه يهتف ويصوت للعالم على جيفته .
شخصيات الرواية أبو سليم نوح، أم سليم، سليم وأخته استبرق، الملا مطلق وكاكا حمه، وكل من في الرواية من ناحية (القشامر)، والمحطة التالية (اسبانيا) محو من الجانب الفكري الإنساني الفكرة المرسومة عن الواقع القروي التي تجعلك تعتقد بأن الشخصية القروية شخصية سطحية ساذجة.
الرسائل الغرامية التي يقوم سليم باستلامها من سراط ليوصلها إلى أخته استبرق.
والعلاقة بين ملا مطلق وكاكا حمه أثبتت بأن أواصر العلاقة بين الأكراد والعرب أقوى من الصور المسبقة الصنع عنهم.
علاقة نوح وأبنائه الذين يشعرون أحياناً بأنه يتمنى المرض لهم حتى يحظون بلمسات حنونة من أصابعه الجد.
هنا تمسك بي الفضول عن مكنونات الكاتب التي تدفعه ليضحي بفتاة في كل رواية يكتبها.
يذكر في الرواية أن صعود السلالم يقوي عضلة القلب،
         وبرأي قراءة روايات محسن الرملي أهم ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفَتيت المُبعثَر 

الشعب المبعثر أو عفواً الفتيت المبعثر..
ليست مجرد رواية.. هي وطن مصغر يشبه هذا الوطن الملعون الذي يخرجنا نحن المبعثرين من أرحام أمهاتنا للــ (ضيم) والقهر والحرب والذل وللعيش تحت خط الفقر وتحت خط الرجال الذين لا يمتلكون من الوطن سوى كرسي يضعونا تحته، ثم يعيدنا لرحم الأرض، الرحم الأكثر جوعاً وفتكآ بأولادِه.
الوطن المصغر الذي يتمثل بعجيل وأولاده السبعة: أحمد المتفوق، عبود الذي يشبه الذئب، قاسم الفنان مرهف الحس الهارب من الجيش الذي يكره الحروب ويكره الحاكم المجرم ومغرم بوطنه أسوة بأبيه وجده، عبدالواحد أكثر أخوتهِ حساسية تجاه الآخرين، وسعدي، ومحمود المنسي الذي إن غاب لا يُذكَر وإذا وجِد لا يُعد، ووردة التي تشبه عيون المدينة وجمالها. 
 السُنة والشيعة والمسيح والصابئة والمندائيين وجميع المبعثرون في هذا الوطن، يشبهون عجيل وعائلتهُ وزوجته وأولادهم السبعة وحسيبة المرأة سليطة اللسان...
من يختلف فقط هو الحاكم الذي يجلس على الكرسي.  
وفي النهاية 
- هذة الرواية كما يقول عجيل (نشنن) 
-  أتمنى ان يرجع ذلك الصبي ليقول لوردة بعد تعلمه الجغرافيا (أنتِ أجمل بنت في الشرق.. بل وفي العالم كله). 
- لماذا نسأل: من أين تؤكل تفاحة الحياة؟... و من أين سنمسك القُنفذ؟ 
تُرجمت الرواية إلى الإسبانية والإيطالية والإنكليزية وحازت ترجمتها على جائزة أركنسا الأمريكية لعام 2002 وتم تدريسها في العديد من الجامعات كجامعة ميشيغان وهارفرد الأمريكيتين والقاضي عياض المغربية وجامعة لندن. 
*لقراءة الرواية pdf /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نور جمال عبدالحميد: كاتبة من العراق.


عن (تمر الأصابع)./. حسن شُكر

تمر الأصابع.. إظهار روح المستقبل

حسن شُكر

"تمر الأصابع" هي رواية محسن الرملي الثانية وهي الرواية الثانية التي أقرأها له بعد "حدائق الرئيس" روايته الثالثة. لست بصدد تقديم نقد أدبي لهذا العمل المهم لانها ليست مهمتي ولكن أود أن أقدم رؤية بصفتي قارئ.
محسن الرملي ينطلق في التحليل الاجتماعي لمجتمعه من أولى التجمعات السكانية الصغيرة "القرية" التي ستبني لاحقا مجتمعا اكبر. قريته التي تغفو في أحضان دجلة في واحدة من اجمل التضاريس التي يحفر فيها مساره مضيفا لجمال المكان جمال عذوبته وقوته. ومن هذه القرية بالذات ايضا بدأ روايته "حدائق الرئيس" وصور في عمل فريد كيف غزا الريف المدينة وكيف اتكا الديكتاتور في صناعة عنفه على القرية وحولها في ذات الوقت إلى أولى ضحاياه.
في "تمر الاصابع" تتمرد القرية لرفضها قيم العنف والعبودية الجديدة وتعاقب عبر إهانة التاريخ "الجد مطلق" وأخصاء الحاضر "نوح" و طمس طريق المستقبل "سليم". التاريخ يهجر قرية الصبح مجردا من اسمه الحر بلا حدود "مطلق" حاملا اسمه الجديد اسم الإذلال "القشامر" الذي طالما استخدمته الأجهزة القمعية والعسكر لإخضاع المعارضين والجنود لإرادة غاشمة ليؤسس قريته الجديدة "القشامر" التي أصرت على تبني هذا الاسم كي لاتنسى ضرورة الثأر.
التاريخ يودع الحاضر قيمه بـ"الثأر" والمستقبل يبحث عن طريق جديد وسط هذا الصراع الذي ينتج عنفا مضطردا. يموت التاريخ يأسا وشيخوخة والحاضر الطموح يهاجر لتنفيذ قسمه بالثأر لاخصائه ويتنازل عن أي وطن. المستقبل "سليم" يهاجر قبلا ليكتشف أنه يواجه أبيه الحاضر "نوح" مجبرا فيبدأ صراعه ضد مشروعه العقيم بصفته مشروع انتقام لاغير و أن هذا الحاضر كان يحتاج إلى عقوق الابن كي يفصح فعلا عن أنه معبأ من التاريخ فقط وأنه كان على الدوام ضحية ارادة الإرث المريض وحسب وانه كان بحاجة لمن يساعده على الاعتراف بضعفه.

نجحت الرواية تماما في إظهار روح المستقبل الـ "سليم" القوية في طرح مشروعها بتجاوز الحاضر المخصي الذي هو نتاج الديكتاتورية والارث ومساعدته على التخلص من روح الثأر وبناء وطن جديد بقيم جديدة ولكن دون أن ننسى أن الديكتاتورية كانت هي المسؤولة لاغيرها بتعميم قيم الثأر حين تلاحق ضحاياها حتى عندما حاول الحاضر أن يترك مشروعه بهجرته إلى غرب جديد ليجدها أمامه تأبى الغياب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حسن شكر: عراقي يقيم في السويد.

الثلاثاء، 12 يناير 2016

عن (ذئبة الحب والكتب).. حسين العنكود


(ذئبة الحُب والكُتب) رواية محسن الرملي
متابعة: حسين العنكود
الروايه التي أُدرجت ضمن القائمة الطويلة للمرشحين في الدورة العاشره لجائزة زايد للكتاب عن فرع الآداب لهذا العام 2016، يقول عنها الناقد العراقي عدنان حسين احمد "انها رواية مثقفة تتفحص الذات والموضوع في آن معا"، فيما كتبت عنها مؤسسة المدى التي نشرتها بانها "رواية مُثقَّفة عن مُثقَّفين، تَمنح المتعة والمعرفة لقارئ يجيد الانصات إلى بوح الدواخل وانثيالاتها. إنها بمثابة بحث عميق في الخفي والمكبوت تتقصى العواطف والجمال والأمل الإنساني وسط الأوجاع والخراب. مكتوبة بلغة وأسلوب وتقنية مختلفة عما عهدنا عليه محسن الرملي في أعماله السابقة ، حيث يمزج فيها بعض سيرته الذاتية بالخيال، متقمصاً صوت المرأة، ومتعمقاً أكثر في جوانح وصف ما مر به بلده من أحداث قاسية وتحولات عصيبة في رواياته السابقة التي تُرجِمَت إلى أكثر من لغة: (حَدائق الرئيس)" (تمر الأصابع) و(الفَتيت المُبَعثَر)، كما كتب عنها الناقد عبدالله مكسور: "ذئبة الحب والكتب” ليست رواية فقط، إنها حكايات في قلب حكاية أرادها الرملي مختلفة عن كل ما قدمه في إنتاجاتهِ الأدبية فبدأها بإقرار لا يقبل اللبس بأنَّه هو محسن الرملي الكاتب العراقي الذي قدّم للوسط الثقافي كل أعماله السابقة إلا هذه التي بين يدي المتلقي الصادرة عن دار المدى في بيروت وبغداد وأربيل، هذا النص الذي أراده الرملي كشف حساب مع الماضي دون مواربة، الماضي بكل ما فيه من مشاكل وأحلام وعقبات".
***
مقتطفات من الرواية:
*كنت اعيش دائماً صراعات بيت قلبي وعقلي بين الكائنات وما يفترض أن يكون وعندما لا اصل إلى نتبجة ،اخترع بطل من ورق...
*في داخلي عشرات النساء وأنا التي تديرهن لكنني لا أعرف أحيانا من أنا منهن بالضبط 
عندي قابلية غريبة على الحلم بفضل الكبت الذي عانيته ...
*اني اتحدث الآن كي أراني...
*لم يكن معي آنذاك سوى كتابين هما رواية أخي حسن دابادا ممهورة باهدائه أعيد قرائتها دائماً كي ابقيه حيا في روحي...
*في تلك الأيام فكرت كيف يمكن للمجتمع أن يحول الفقراء الطيبين إلى أشرار بتجاهله لهم وقسوته عليهم...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذئبة الحب والكتب في أربيل
صدرت عن دار المدى رواية جديدة للكاتب العراقي محسن الرملي بعنوان (ذئبة الحُب والكُتب) وهي الروايه الرابعه له بعد رواياته الشهيره الثلاث (تمر الاصابع والفتيت المبعثر وحدائق الرئيس)، وتأتي هذه الرواية بعد سلسلة من المجموعات القصصية والشعريه والروايات حيث سبق للقاص والروائي الرملي أن أصدر العديد من الروايات والمجموعات القصصيه والشعريه والمسرحيه التي فاز اغلبها بجوائز محليه وعربيه وعالميه تضم الرواية21 فصلاً، من بين عناوينها: جريمة في الأردن، ، ، حُبّي قَبيلة مَجانين، دخول التصوّف والخروج منه، مهابة الماء والصمت في اليَمَن، الأمريكان في بغداد، أنيس العوانس… وفيها يدعو الكاتب للبحث عن الحب في مواجهة الخراب وقدرة العشق العراقي للحياة على تحدي قسوة الظروف عبر لغه شعريه مرنه واسلوب جديد و دلالات ايضا يمكن أن يكتشفها القارئ قائلاً: "أنا محسن مُطلك الرملي، مؤلف كل الكُتب التي تَحمل اسمي، باستثناء هذا، ولو لم أكن شقيقاً لحسن مُطلك لكتبتُ ضِعف ما نَشرته حتى الآن، أو لما كتبتُ أي منها أصلاً ولا حتى اهتممتُ بهذا الكتاب الذي وجدته صدفة حين كنتُ في الأردن.. فغيّر حياتي كلها وجئت إلى إسبانيا بحثاً عن المرأة التي كتبَته… إنها امرأة تبحث عن الحُب وأنا أبحثُ عنها".
الروايه مكتوبه بلغه واسلوب مختلفين عن الذي اعتدنا على قراءته عند محسن الرملي حيث يستعير دور المرأة هنا متقمصا شخصيتها ويتوغل في قاع النفس البشريه ،قال عنها في حوار سابق اجراه معه الصحفي سلام سرحان:"أعمل الآن على رواية جديدة تحاول قراءة وجه آخر من الإنسان العراقي، ربما لم يأخذ حقه من التأمل بسبب تسارع الأحداث وقسوة الظروف والخراب، ألا وهو موضوع "الحب" وخاصة عند المرأة العراقية، أحاول أن أتقمص صوتها وأتمنى أن أتمكن من خلال هذا العمل الكشف عن شيء من جمالها وعن بعض المكبوت والمقموع الخاص بقضية الحب"... وعن علاقته بالقراءه والكتب جاء في حوار له مع مجلة (زهرة الخليج) أجرته سماح عبد السلام:"لا أستطيع تخيل حياتي بدون الكُتب أبداً، فقد أحببتها وصاحبتها حتى قبل أن أعرف القراءة، وطفلتي سارة، عندما كانت تراني أنام والكتاب على وجهي، صارت لا تنام إلا إذا وضعنا كتاباً على وجهها. الآن عمرها سبعة أعوام ونصف ولديها في مكتبتها أكثر من ثلاثمائة كتاب".
يُذكر أن (ذئبة الحب والكتب) هي الاصدار الثالث للرملي عن دار المدى، حيث سبق ان صدر له عنها كتاباً بعنوان (الأدب الإسباني في عصره الذهبي) و(مائة قصيدة كولومبية.. مختارات من الشعر الكولومبي المعاصر).
من الجدير بالذكر ان محسن الرملي كاتب وشاعر ومترجم عراقي ولد عام 1968 في قرية اسديره شمال العراق يقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بالفلسفة والآداب الإسبانية من جامعة مدريد ويعمل إستاذاً في إحدى الجامعات الأميركية هناك، له ما يقرب العشرين إصداراً تنوعت بين الرواية والقصة والشعر والمسرحية والترجمات كما أسس سنة 1997مع الكاتب عبد الهادي سعدون دار ومجلة (ألواح)؛ وهي أول مجلة عربية فكرية ثقافية في إسبانيا،. تُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، منها (الفتيت المُبعثر) التي حازت ترجمتها على جائزة آركانسا الأمريكية عام2002 وكانت آخر إصدارته الروائية (حدائق الرئيس) التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2013م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*حسين العنكود: اعلامي وكاتب عراقي.

السبت، 9 يناير 2016

عن (ذئبة الحب والكتب)، بقلم: منصور الصويم

ذئبة الحُب والكُتب
رواية تفور بالمعنى وتنبش في سيرة النساء

منصور الصويم
 تحفل رواية "ذئبة الحب والكتب"، للعراقي محسن الرملي، بصور الألم والحزن وتغطي فصولها المطولة ثيمة الخسارة؛ التي تبتدئ من وطن ضائع ومضاع، وتغوص في نفوس شخوص حفرت معاول الفقد والوحدة في براري أرواحهم إلى أن عرتها تماما. مستخدما تقنية الرسائل كتب الرملي هذه الرواية، وبرغم شيوع هذه التقنية إلى درجة الابتذال الكتابي؛ إلا أنه يصعد في هذا العمل من حيز (الأنا – الآخر) الضيقة لتصير وكأنها رسائل تخص في درجة حميميتها كل فرد (قارئ – متلقي)، كما امتازت هذه الرسائل – للمفارقة – بكونها مرسلة من مرسلها وإليه عبر تقنية إيهامية خادعة على مستوى الحكي والتقنية الكاتبة.
على مدى أكثر من أربعمائة صفحة نقرأ أحزان وأحلام هيام (الذئبة)، تنقيبها عن الحب وسردها لقصصها معه وفيه، وحكاياتها مع الكتب والكتابة والثقافة والمثقفين، بحثها المثالي عن عشق مستحيل يتماهى مع روحها الثملة لتشرب المعرفة إلى آخر قطرة؛ ويشبع جوعها الجسدي كأنثى حرمت (رعشة) تنبع من قلب انسجامها وتوافقها الجسداني مع هذا البعيد، الحبيب، الذي لا يأتي ولا يتحقق إلا في حيز الورق وبوح الكلمات ونداء الأغنيات.
هذا الحبيب المستحيل، يطالعنا طوال صفحات الرواية المشوقة، بدأبه الحلمي – مثلها – بحثا عن هذه الحبيبة الذئبية، من تروي العقل وتهفو بالروح وتشبع الجسد في تلاحم أبدي. يحكي لنا عن رحلة شقائه وموت عراقه وإعدام شقيقه الكاتب المبدئي المصادم للديكتاتور وزبانيته، يحكي عن توقه وشوقه ومغامراته الصغيرة وهو يطارد هذا الصوت العشقي المستحيل الذي ينادي في هذه الرسائل من جهة (الحب) في هذا العالم.
في رسائلها إليه؛ هذا الحبيب الذي تسمية "حسن"، على اسم الروائي والشاعر الذي تعشق كتبه (حسن مطلك)، تحكي هيام (ذئبة الحب والكتب) قصة العراق، قصة الحزب الواحد والتسلط والجبروت ثم الانكسار والهزيمة والفرار، تروي انهزامها وانهزام المثقفين، خيانتها وخيانتهم، بحثهم عن المرأة - الجسد وبحثها عن الحب والكمال والحلم. تروي سيرتها بكل تفاصيلها المرعبة والمفرحة وتلك التي ظنت فيها أن الحب مع الرجل الذي أمامها أو ذاك الذي يأتي تاليا وبينهما زوجها الأكاديمي المنسحب الذي زاوية أكثر رجعية يوما في إثر آخر.
تفور الرواية بالمعنى، تنبش في سيرة النساء وألمهن وزاوية سوء الفهم القمعية التي يحشرن فيها، كما تقدم صوتا وحيدا يصرخ من أولها إلى آخرها مناديا فقط بـ (الحب) والمزيد من (الكتب).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (اليوم التالي) السوادانية بتاريخ 09/01/2016م.
**منصور الصويم: روائي وقاص وصحافي سوداني، من أ‘ماله: (تخوم الرماد) و(أشباح فرنساوي).

الثلاثاء، 5 يناير 2016

الفتيت المبعثر: أنموذج مصغّر للمجتمع العراقي/ جاسم الحبجي

الفَتيت المُبَعثَر : المبالغة في التكسير والتقطيع
أنموذج مصغّر للمجتمع العراقي

جاسم الحبجي
الفتيت المبعثر، هي رواية للروائي العراقي محسن الرملي صدرت في طبعتها الثانية عام 2014 عن دار مسعى للنشر والتوزيع في المنامة البحرين وهي حائزة على جائزة اركنسا الأمريكية عام 2002. في إهدائه للرواية يهديها الكاتب إلى.. روح شقيقه حسن مطلك لأنه، كما يقول، بعض من هذا الفتيت المبعثر، في أشارة إلى عنوان الرواية، والفتيت هو الشيء المقَطع إلى أجزاء صغيرة جدا وهو المبالغه بالتكسير أو التقطيع إلى أجزاء صغيرة جدا، أما كلمة المبعثر وهي الجزء الثاني من عنوان الرواية فهو المفَرق، فالعنوان هو تفريق المكَسر إلى أجزاء وتفريقه، وقد ربط الروائي بين العنوان والإهداء، فاعتبر أن أخاه الأديب حسن مطلك جزء من هذا الفتيت المبعثر، وإذا ماعرفنا أن المُهدى إليه العمل هو حسن مطلك 1961-1990 كاتب ورسام وشاعر من الأصوات الأدبية الحداثية التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي وأنه أُعدم شنقا في 18-7-1990 لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم في العراق، ستتضح لنا الصورة بأن المقصود من العنوان هو الشعب العراقي الذي أصبح فتيتاً مبعثرا نتيجة للدكتاتورية والحروب والسجون والإعدامات...
 استطاع الروائي محسن الرملي من خلال روايته (الفتيت المبعثر) أن يسلط الضوء على ما يجري في العراق، خلال حقبة الثمانينات، من خلال روايته لما يجري في إحدى العوائل العراقية، حيث جعل منها حالة روائية مصيره لما يحدث في المجتمع العراقي واستطاع أن يجعل كل فرد من هذه العائله نموذجاً لما يجري في المجتمع العراقي وانعكاسات ذلك سياسة الدولة وتفاعلها معها.
 يبدأ الروائي واصفا نفسه كإحدى الحالات العراقية المراد بيانها في الرواية بقوله "غادرت متبعا خطوات محمود باحثا عنه حالما بأن نفعل شيئا ما ونصبح رجالا يستحقون الاحترام كي تبحث عنا النساء مثل وردة ابنة عمتي التي تنقلت بين الازواج حتى انتهت تحت اسماعيل الكذاب" ص9
كانت الهجرة إحدى سمات المجتمع العراقي بعد الحروب الطاحنة التي شهدها العراق خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات ولم يكن كل مهاجر يعرف عنه أهله شيئا فهناك من يذهب ويختفي ولا أحد يعرف عنه شيئا يقول الروائي "لم يكن محمود يعني شيئا لأحد حين كان في القرية ولما غادرها وغادر البلاد متسللا عبر الشمال الى الخارج حيث لاخبر وحيث ينساه الجميع تماما باستثناء والدته ،،المكروة المهضومة،، لم يكن غياب محمود يعني شيئا لأحد مثلما لم يكن وجوده شيئاً، اتبعت طريقة فانتهيت مثله" ص10... كانت الهجرة تعني الاغتراب والقطيعة مع الوطن والنسيان "ها أنا وحيد أجنبي وسط ، الهواتف مقطوعة والرسائل لا تصل دائما وليست ثمة أخبار عن أهلي في الصحف الإسبانية.. هل شُفيت أختي ربية؟ ماذا حدث لابن عمي المحاصر في الجنوب؟ كيف يعيش جارنا الذي قُطعت ساقة في الحرب؟ أين أصبح أصدقائي؟"ص11.. لكن الروائي يسترجع لنا ذاكرته ما حل بالعراق من خلال قريته الصغيرة "وحدي هنا من يعرف كل شئ هناك في قريتي الساكنة على شاطى دجلة في موضع أول شجيرة سِدر نبتت صدفه وقيل بأنها تضئ ليلا لذلك سرقتها الحنافيش، لكن قريتي مازالت على ضفة وجبل مكحول على الضفة المقابلة حيث ترتفع قلعة أشور أعلى من كل شيء وفيما بينهما وسط النهر جزيره صغيرة مكتظة ببنات آوى والذئاب وأعشاش طيور الدراج بين أشجار الطَرفة"ص12... يبدأ الروائي بوصف الصباح في قريته "صباحاً، إفطارنا من زبدة بقرتنا المبقعة، التي أهداها جَدّي لأمي عند زفافها، الممزوجة ببعض من زبدة البقرة الهولندية الوحيدة في القرية عند خالي البيطري. صباحا، يتم تلاقي الأمهات على تنانير الخبز، يتبادلن الأخبار ويعدنَ لبثها على عوائلهن مع أرغفة الخبز الساخنة وأقداح الشاي: عمشة قالت وهي تنشر فراش نومها المبلل على سطح الدار: لقد بال زوجي عليّ الليلة أيضا. ثم تضيف على لسانه؛ بأن الأطباء لم ينفعوه ولا الدراويش. ابن عدلة العرجاء وجد ابنة العريف عبد الرحمن مع ابن سعيد العطار ليلًا في الجزيرة، والشيخ صالح يأمر بتزويجهما وستر عرض الناس، وإبراهيم المغني يؤلّف عنهما أغنية يرددها في الأعراس فيكرمانه عنزاً بجدييها. حمار وضحة اقتلعَ وتِدا ربطه بأسنانه، فوجدَته صباحا يأكل الشعير في معلف حمارة غازي عند آخر بيوت القرية، جوار المقبرة. حسيبة ركلت قاسم ليلاً على خصيتيه، ولذلك لن نستعيد اليوم مذياعنا الذي تركناه عنده بالأمس ليصلحه. أثناء تناولنا للعشاء: ثريد البامياء والطماطم والبصل، نعرف أن بيت العجاري قد تعاركوا مع بيت الفهد حول دورهم على الساقية لري القطن، وسعدي أخذ الأولاد الصغار إلى الوادي ليفسد أخلاقهم؛ حيث يجري لهم مسابقات القذف في العادة السرية، يكافئ الفائز بمنحه مؤخرته لمساء كامل يفعل بها/فيها ما يشاء، وإسماعيل تنبأ بأن القرية ستَستقبل غدًا جثثًا أخرى لخمسة من أبنائها قتلوا في الهجوم الأخير على الجبهات. فرحان يفكر بالزواج من عائشة ـ امرأة رابعة ـ يجدد بها فِراشه، وقد صبغ شيب رأسه ولحيته بالحناء حال سماعه بمقتل زوجها في الحرب، وحليمة أنجبت ولدًا، أسمته عبد الصمد، أخذته إلى الطهارة" ص13
هكذا كان الروائي يصف قريته وما يحدث فيها "الأبواب في القرية مفتوحة والكلاب لا تنبح إلا على الغرباء. للأشياء هناك أسماء خاصة، الحيوانات والتلال والأواني والأحجار والغيوم. للناس أسماء كثيرة، منها ما يُطلق بعد حادثة ويشتهر، أو يقال مزحة ويستمر، منها ما يظهر فجأة ويختفي عند حلول غيره، منها ما يُطلق رمزًا ويصبح واقعًا، ومن الناس مَن ينسى الناسُ اسمَه حين يدمنون على مناداته بابن فلان أو فلانة أو زوج فلانة العجّانة" ص14
اختار الروائي نماذج من قريته ليصف لنا ما يحدث في العراق بطريقة ميكروسكوبية مصغرة. ثمة "شاب كردي يرسم على حيطان وأكواخ الدواب قلبا يخترقه سهم كلما لمح في الدار التي يرشها فتاة جميلة وكانت وردة ابنة عمتي اجمل من فتيات الإعلان عن الصابون فوسع الكردي من دائرة القلب ثم أنزل سهماً طويلاً من أعلى السقف.... ابتسمت ورده لراسم القلب ودخلت تعد الشاي" ص18-19
شخصية قاسم الذي امتاز بهدوء طبعه إلا أنه تزوج ابنة عمه سليطة اللسان القادرة بشتائمها على تهجير مدينة، ذلك أنه لم يستطع مقاومة بياض ذراعها التي "رَآه فجاة ذات فجر مفاجئ حين ايقظته مثانته فنفض عنه غطائه وهرول خارجا باتجاه المرحاض" ص20 فابصر ابنة عمه من خلف السور الواطئ وهي الأخرى تهرول باتجاه المرحاض فأبصرا بعضهما وابتسمت. كانت تلك أول مرة يرى فيها ذراعاً عاريا لامرأة فصعقه بياض اللحم.... أيعقل أن يكون لون اللحم أبيض لهذا الحد؟؟!ص21... "لا يدري كيف مَر النهار ولكنه كان نهاراً أبيض كبياض ذراع حسيبة التي استعاد صورتها آلاف المرات.. آه ياحسيبة لم أكن أعلم أنك تكنزين كل هذه الأنوثة وراء استرجالك المخيف. كان يخافها مثل الجميع، الذين يتحاشونها، إن لم يكن تجنباً لبذائة لسانها فلتجنب تخميش أظافرها الذئبية" ص22 لقد كان قاسم يريد ذراع حسيبة تحديداً وليس حسيبة، ثم بعد ذلك يأتي الكتف، الشَعر وتاتي حسيبة. كانت تشتمه حينما يكونان وحدهما، أما أمام الناس فتتصنع انقيادها له ولا تناديه إلا يا أبو شيماء أو أبو إبراهيم.. هذا ما صرح به قاسم نفسه بعد مايقارب خمسة وعشرين عاماً من زواجهما، فسألته مالذي جعلك تتورط معها كل هذه السنين؟ قال: إنها رائعه يا ابن خالي، إنها امرأة دائمة الاشتعال، دائمة التحفز، دائمة الاقتتال، دائمة التوهج، دائمة الخضرة وأنا فنان أحب المغامرة ولا أجد لذة الحياة إلا في تلك الأجواء الخطرة بجمالها" ص24-25... الحاج عجيل عُرف بثلاث علامات، اثنتان منهما لا يشبهه بهما أي كان بالعالم، فعدا نظارته الطبيه، كان ينفرد ببحة صوته، تذكر السامع بإبرة القنفذ التي انغمست ببلعومه، ثم هوسه الوطني الذي يكاد يكون عبادة، بل هو كذلك، كما صرح به بصوت خطابي عال في مجلس قهوة القرية حين استل ذراعه من عباءته ووقف على ركبتيه بصلابة فيما انتصب إصبعاه علامة النصر بلا دراسة ص27 تلكأت في بعلومه جملة قوية كادت تخنقه لأنه حار بها تعبيرا ولذلك صرخ بها مهتزا حين شعر بأنه قد وجدها فصاح: اني أعبد وطني، اني أعبد وطني" ص28. المُلا صالح، مؤذن الجامع وإمامه، الذي كان نقيضاً لشخصية عجيل، فقبل أن يكرر للمرة الثالثه "اني أعبد وطني" قطعها عليه المُلا صالح بنهوض مباشر وصرخة غضب، زاجراً مزمجراً، سربت لحيته بالرذاذ: اخرس، أعوذ بالله منك ومن وطنك الذي تعبد... وبنبرة أهدا ردد مرة أخرى أعوذ بالله، لا اله إلا الله، أستغفر الله.. إنها وثنية جديدة والعياذ بالله" ص28-29
لقد حفلت الرواية بشخصيات استطاع الروائي من خلالها رسم الخطوط العامة للمجتمع العراقي في عقد الثمانينات؛ قاسم الذي غرق في تعلم الخط العربي وأخذته جماليات فنه حد ابتكار ما أسماه بـ(الخط القاسمي)، والذي هَرب من الجيش وأُعدم في وسط ساحة القرية،ص31، سعدي الذي كان لديه جوابان فقط حين يُطلب رأيه، إبتدءا بطعم الشاي وبلا انتهاء عند الحرب أو الدين، فهو إما يقول "هذا الشيء حلو" أو "غير حلو" وكنت آنذاك أسمي طريقته في إبداء الرأي هذه، التي يشترك فيها معه ملايين الناس، بانه نقد نسائي وأحيانا نقد حريمي، أما أحمد فقد أنقذته وظيفته من السَوق إلى الحرب، حيث كان قاضياً ص31-32 ومحمود كان صغيراً منسياً لم يبلغ سن الحرب آنذاك في حين أن عبود لم يعرف عنها إلا ماهو ضبابي ومقاطع من أناشيد الحرب، التقطها في لحظات الصحو، وكانت أمه تحمد الله أحيانا لأنه خلقه من بطنها مجنوناً، وأحياناً أخرى تلوم الله على ذلك، ثم تسارع إلى الاستغفار دامعة العينين ص33
ان رواية (الفتيت المبعثر) هي رواية اجتماعية – سياسية، سَلَّطت الأضواء على المجتمع العراقي خلال عقد الثمانينات، وهو عقد الحرب العراقية الإيرانية، اتخذ الروائي من إحدى القرى ومجتمعها ومن إحدى العوائل أنموذجاُ مُصَغراً، استطاع من خلاله تسليط الأضواء بمنهج أدبي سلس ممتع على ما كان يجري من مآسي اجتماعيه وسياسية في المجتمع العــراقي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الزمان) العراقية، العدد 5306 بتاريخ 4/1/2016م.