فحوصات ثقافية
ماذا نفعل بالموسوعات والقواميس الورقيّة؟
بقلم:
الدكتور محسن الرملي
في مكتبتي الشخصية تحتل الكثير من القواميس
والمعاجم والموسوعات الورقية مكانةً مركزيّة، منظرها يسر الناظرين، ووجودها وسط
الكتب (هيبة)، على غرار المثل القائل: "فَحل التُوت في البستان هيبة"...
ولكن!
منذ مُدّة زارني صديق، وأدهشه منظرها، راح يتصفحها
بإعجاب، ثم سرعان ما تغيرت نبرته، فسألني: ولكن في عصرنا الرقمي هذا؛ أصبح الوصول
إلى المعلومات فورياً ومجانياً ويتم تحديثها باستمرار، فلماذا تحتفظ بها وتأخذ كل
هذا الحيز من شقتك الصغيرة؟ زوجتي أول المؤيدين له طبعاً، وقد سبق لها أن نصحتني
بالتخلص منها، أما أولادي فهم لا يلتفتون إليها أصلاً. وها أنا حائر بين فِراقها
أو تكملة بقية حياتي بصحبتها!
منذ بداية دراستي للغة الإسبانية وأنا أجمع كل
القواميس، لأجل الدراسة والترجمة، وبحكم اهتمامي بالآداب صرت أقتني المعاجم
العربية وموسوعات الآداب الإسبانية، ومنها عن الكيخوته ومؤلفها، وقاموس الكُتاب
بالإسبانية، الذي أصدرته جمعية الكُتاب والمترجمين قبل عقدين، ويضم معلومات عنهم وعن
أعمالهم وحتى عناوينهم البريدية، فكرت بترجمة بعضها مع إضافات، كنت أعدها في
أرشيفات، لإصدار موسوعة عربية شاملة عن أدباء إسبانيا أو مجمل الكُتاب بالإسبانية..
ولكن، عندما ظهر الإنترنيت، وانتشرت وتطورت محركات البحث والموسوعات الإلكترونية والقواميس
وبرامج الترجمة، توقفتُ عن هذا المشروع، وبقيت كل هذه المجلدات تحتل مكانتها في
مكتبتي. وأكرر على نفسي سؤال صديقي: ماذا تفعل بها؟!
فأسوق أجوبة وتبريرات متعددة، منها: مهما عصف بنا
تسونامي الرقميات، فإن اختزال الموسوعات والمعاجم والقواميس الورقية إلى مجرد
آثارٍ بالية سيكون خطأً. لا تزال هذه الكتب تحمل قيمة ثقافية وتعليمية وعاطفية. في التعليم، مثلاً،
ننصح طلبتنا باستخدام الورقي لأن قراءته أكثر رويّة وتعمقًا، مما يُحسّن الفهم والاستيعاب.
وتُقدّم الموسوعات المطبوعة رؤية موثوقة ومُنظّمة للمعرفة، على عكس التشتت المعتاد
للمعلومات الرقمية. وزميلي؛ أستاذ الديجيتال، ينصح بأرشفة كل شيء على الورق، لأن الافتراضي
غير مضمون. ومن
منظور تاريخي، كانت رمزاً للمعرفة والجهود الفكرية والمكانة الثقافية، وهي تُوثّق لحقب ومناهج مُحدّدة للفهم. إنها
تعكس قيم عصرها وأولوياته وحدوده العلمية. لذا، يُعدّ حفظها أساسيًا كمراجِع ولحماية
الذاكرة الفكرية الجماعية.
بين حين وآخر، أرجع
إليها، من باب الثقة، للتثبت من معلومة، أو أتناول أي مجلد منها، أفتحه، لا على
التعيين، فأجدني أمام معلومات تفتح لي آفاقاً تقودني إلى أفكار ما كانت لتخطر على
بالي، فأبحث عن المزيد حولها في الإنترنيت، وهكذا؛ لا تتنافس الموسوعات المطبوعة
مع الرقمية، بل تُكملها. ورغم أنها لم تعد المصدر الرئيسي للمعلومات، إلا أن
قيمتها تتجاوز فائدتها المباشرة. ففي عصر السرعة ووفرة المعلومات، تُذكّرنا هذه
الكتب بالجديّة وأهمية الهدوء والعمق واحترام المعرفة المتراكمة عبر الأجيال.
إذن، سأُبقي عليها في
مكتبتي حالياً، ولو كقطع فنية وزخرفية، فمن حيث الشكل، هي أجمل ما في بيتي، أما
الخيارات الأخرى، فمنها: إعادة توظيفها، منحها حياةً ثانية، دمجها في أماكن
القراءة، التبرع بها للمكتبات العامة أو الجامعات والمدارس الريفية والجمعيات
والأندية والمراكز الثقافية والأرشيفية والمشاريع التعليمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (كتاب)، العدد 88 فبراير 2026 الشارقة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق